الفصول
الاحتمال الثاني:
تفسير آية من سورة يونس · السيد أحمد الحسن
-الاحتمال الثاني:
وهو أن يكون إيمان فرعون بعد أن نزل إلى قاع البحر لملاحقة بني إسرائيل، ولكن قبل أن يطبق عليه الماء ويغرق فيه. وهذا هو الصحيح، فقد نزل فرعون وجيشه إلى قاع البحر واتبع بني إسرائيل، ولكنّه في ملاحقته لبني إسرائيل أمر الله الرياح أن تضرب وجه الماء فتساقط بعض الماء على فرعون وجيشه فالتفت إلى أنّه يسير بين جبلي ماء يمكن أن يطبقا عليه في أي لحظة، ولمس جبلي الماء بيده فبانت له أمارات هلاكه وجيشه لما علم أنّ هذه المعجزة قاهرة، ولا يمكن أن تؤوّل بأنها سحر أو أي شيء آخر عندها ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والإيمان مراتب؛ أولها: التصديق، وهذا القول من فرعون تصديق لا يمكن لإحد إنكاره بعد أن قصه جبار السماوات والأرض في كتابه الكريم، ومن ثم أكده بعد ذكره بقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾([١٢]). أي: الآن تؤمن بعد أن ألجأتك المعجزة القاهرة وقبل هذا كنت ترفض الإيمان ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾، كما أنّه وببساطة يفهمها أي إنسان لماذا قال فرعون آمنت إن لم يكن يرجو النجاة من الله دنيوياً وأخروياً، أو على الأقل كما يفهم بعضهم دنيوياً فقط ومن الغرق بالتحديد؟ وكيف يرجو أن ينجيه الله سبحانه وهو لا يصدق بوجوده؟ فإيمان (تصديق) فرعون لا يمكن إنكاره بحال، بل في أكثر من رواية شهد الأئمة بإيمانه (تصديقه) الذي لم ينفعه، وفي وسائل الشيعة عن مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (: (.. أَلَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إِيمَانَهُ وَقَالَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ([١٣]). بل وفي بداية إرسال الله موسى ( لفرعون (لعنه الله) أشار سبحانه وتعالى إلى أنّ فرعون سيتذكر ويخشى (وإن كانت هذه الذكرى والخشية من الله لم تنفعه؛ لأنها جاءت بسبب معجزة قاهرة ألجأته إلى الإيمان (التصديق). محمد بن عمارة عن أبيه عن سفيان بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد الله جعفـر بن محمد الصادق ( وكان والله صادقاً كما سمّي .............. قال سفيان: ( فقلت له: يا ابن رسول الله هل يجوز أن يطمع الله ( عباده في كون ما لا يكون؟ قال: لا. فقلت: فكيف قال الله ( لموسى وهارون / ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾([١٤])، وقد علم أنّ فرعون لا يتذكّر ولا يخشى؟ فقال: إنّ فرعون قد تذكّر وخشي، ولكن عند رؤية البأس حيث لم ينفعه الإيمان، ألا تسمع الله ( يقول: ﴿حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فلم يقبل الله ( إيمانه وقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ يقول نلقيك على نجوة من الأرض لتكون لمن بعدك علامة وعبرة) ([١٥]). والبأس الذي رآه فرعون كما قال الإمام الكاظم (: (لا أنه وقع به فهو إلى أن قال آمنت ... لم يكن قد وقع به البأس)، هو المعجزة القاهرة التي ألجأته إلى الإيمان، وهي جبلا الماء اللذان يحيطانه، والذي أدرك فرعون أن هلاكه بانهيارهما ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾. ولو لم تكن هذه المعجزة القاهرة التي لمسها فرعون بيده والتي ألجأته للإيمان لقبل الله سبحانه وتعالى إيمان فرعون ورفع عنه البأس وأخرجه من البحر سالماً، أو على أقل تقدير لقبل إيمانه فقط، فالله سبحانه يقبل التوبة من الإنسان حتى آخر لحظة من حياته. وأيضاً يجب ملاحظة أنّ فرعون قد سمع من موسى (، وقبل مناظرة موسى ( وبما جاء به موسى ( من عند الله سبحانه، ففرعون أهون شرّاً بكثير من فراعنة وطغاة هذا الزمان لعنهم الله وأخزاهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ۞ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ۞ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ۞ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ۞ وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ۞ قالَ الْمَلأَُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ۞ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ۞ قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ۞ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾. ومسألة عدم قبول التوبة والإيمان والرجوع إلى الاعتراف بولاية ولي الله وحجته على خلقه عندما تأتي معجزة قاهرة لا تؤول كالعذاب الدنيوي (البأس) مسألة مذكورة في القرآن ليس في قضية إيمان فرعون وعدم قبول إيمانه فقط، بل وفي مواضع أخرى وهذه منها على سبيل المثال: - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾([١٦]). - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾([١٧]). - ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ۞ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾([١٨]). والسؤال هنا: لماذا ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾([١٩]) ؟؟ في حين أنّ الله يقبل توبة العبد كما في الروايات إلى أن يعاين؟ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ /: مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمْعَةٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّ الْجُمْعَةَ لَكَثِيرٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ يَوْماً لَكَثِيرٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُعَايِنَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ) ([٢٠]). عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ فِي حَدِيثٍ: (أَنَّ رَجُلًا شَيْخاً كَانَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ الْوَلَايَةَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَقَرَّ بِهَا وَشَهَقَ وَمَاتَ قَالَ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( فَعَرَضَ عَلِيُّ بْنُ السَّرِيِّ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (، فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ السَّرِيِّ إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئاً مِنْ هَذَا غَيْرَ سَاعَتِهِ تِلْكَ! قَالَ: فَتُرِيدُونَ مِنْهُ مَاذَا قَدْ وَاللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([٢١]). قَالَ الصَّدُوقُ: وَسُئِلَ الصَّادِقُ ( عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ( ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، قَالَ (: ذَاكَ إِذَا عَايَنَ أَمْرَ الْآخِرَةِ) ([٢٢]). والجواب على السؤال المتقدّم واضح وموجود في نفس الآية المتقدّمة، قال تعالى: ﴿.... يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾([٢٣]). إذن متى: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ؟؟ الجواب: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. فالأمر الآن واضح أنّ مع إتيان بعض الآيات الإلهية، أي: بعض المعجزات لا ينفع الإيمان، والحقيقة أنّه لا يقبل؛ لأنّه إلجاء وقهر على الإيمان واستسلام للأمر الواقع، وليس إيماناً وإسلاماً وتسليماً؛ لأنّ هذه المعجزات هي معجزات قاهرة ولا تؤوّل. وأمّا باقي المعجزات والآيات الإلهية فيقبل الإيمان وإن جاءت؛ لأنها تركت مساحة للإيمان بالغيب، فالعصا التي جاء بها موسى ( ويده البيضاء تأولها المتأوِّلون فمع أنّ موسى انتصر على السحرة، ولكن ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾([٢٤])، وقال فرعون: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾([٢٥])، فبقي للإيمان بالغيب مساحة مع إتيان المعجزة. أمّا لما آمن فرعون وهو بين جبلي الماء فلم يكن هناك أي مساحة للإيمان بالغيب، بل هو إيمان (تصديق) مادي مئة بالمئة؛ لما يراه من قدرة قاهرة جعلت البحر ينشق نصفين، وهو لم يرَ بعينه فقط ليقال له سحر، بل نزل إلى قاع البحر ولمس جبلي الماء بيده، فلا يمكن أن تؤوّل هذه المعجزة بالنسبة لفرعون وهو على هذا الحال من العلم بها والتحقق منها، فتوقف محتاراً في وسط البحر ولم يجد إلاّ الإيمان والتصديق لينجو، فلم يقبل إيمان فرعون؛ لأنه إيمان وتصديق مادي مئة بالمئة، والله لا يقبل إلاّ الإيمان بالغيب: - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾([٢٦]). - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾([٢٧]). - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾([٢٨]). - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾([٢٩]). - ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾([٣٠]). - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ([٣١]). - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾([٣٢]). ولتتم الفائدة أنقل هذه الأسطر التي خطتها يد هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه في كتاب (الجهاد باب الجنة) حول مسألة اللبس في المعجزة: (.... ولكن فقط سأناقش جزئية في المعجزات التي أُؤيّد بها الأنبياء لأهميتها وغفلة الناس عنها وهي: مسألة اللبس في المعجزة والهدف منه. فالناس يعرفون أنّ من معجزات موسى ( العصا التي تحولت أفعى، وقد كانت في زمن انتشر فيه السحر، ومن معجزات عيسى ( شفاء المرضى في زمن انتشر فيه الطب، ومن معجزات محمد / القرآن في زمن انتشرت فيه البلاغة، وهنا يعلل من يجهل الحقيقة سبب مشابهة المعجزة لما انتشر في ذلك الزمان أنه فقط لتتفوق على السحرة والأطباء والبلغاء ويثبت الإعجاز، ولكن الحقيقة الخافية على الناس مع أنها مذكورة في القرآن هي أنّ المعجزة المادية جاءت كذلك للّبس على من لا يعرفون إلاّ المادة، فالله سبحانه لا يرضى أن يكون الإيمان مادياً بل لابد أن يكون إيماناً بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾([٣٣]). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ َكرِيمٍ﴾([٣٤]). ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾([٣٥]). ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ([٣٦]). فالإيمان بالغيب هو المطلوب والذي يريده الله سبحانه، والمعجزة التي يُرسلها سبحانه لابد أن تُبقي شيئاً للإيمان بالغيب، ولهذا يكون فيها شيء من اللبس؛ ولهذا كانت في كثير من الأحيان مشابهة لما انتشر في زمان إرسالها ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾([٣٧]). ولهذا وُجد أهل المادة والذين لا يعرفون إلاّ المادة في التشابه عذراً لسقطتهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾([٣٨]). فالتشابه أمسى عذراً لهم ليقولوا ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ و ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، وقال أمير المؤمنين ( وهو يصف أحد المنافقين: (.. جعل الشبهات عاذراً لسقطاته) ([٣٩]). أمّا إذا كانت المعجزة قاهرة ولا تشابه فيها فعندها لا يبقى للإيمان بالغيب أي مساحة ويكون الأمر عندها إلجاء للإيمان وقهراً عليه، وهذا لا يكون إيماناً ولا يكون إسلاماً بل استسلام وهو غير مرضي ولا يريده الله ولا يقبله ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾([٤٠])، ففرعون يؤمن ويسلم أو قل يستسلم وقبل أن يموت ولكن الله لا يرضى ولا يقبل هذا الإيمان وهذا الإسلام ويجيبه الله سبحانه بهذا الجواب ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾([٤١]). هذا لأنه إيمان جاء بسبب معجزة قاهرة لا مجال لمن لا يعرفون إلاّ هذا العالم المادي إلى تأويلها أو إدخال الشبهة على من آمن بها، وبهذا لم يبق مجال للغيب الذي يريد الله الإيمان به ومن خلاله، فعند هذا الحد لا يُقبل الإيمان؛ لأنه يكون إلجاء وقهراً وليس إيماناً ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾([٤٢])، ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾([٤٣]). ولو كان الله يريد إلجاء وقهر الناس على الإيمان لأرسل مع أنبيائه معجزات قاهرة لا مجال معها لأحد أن يقول ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أو ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾([٤٤])، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾([٤٥])، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾([٤٦]). فالحمد لله الذي رضي بالإيمان بالغيب وجعل الإيمان بالغيب ومن خلال الغيب ولم يرض بالإيمان بالمادة ولم يجعله بالمادة ومن خلال المادة ليتميز أهل القلوب الحية والبصائر النافذة من عمي البصائر ومختومي القلوب ...) ([٤٧]). والحمد لله رب العالمين. وأسأل الله لكل من يقرأ هذه الكلمات القليلة الهداية ومعرفة الحق ونصرته هو وليي وهو يتولى الصالحين. أحمد الحسن محرم ١٤٢٩ هـ . قالهوامش
- ↩[١٢] - يونس: ٩١.
- ↩[١٣] - وسائل الشيعة (آل البيت): ج ١٦ ص٩٠.
- ↩[١٤] - طه: ٤٤.
- ↩[١٥] - معانيالأخبار: ص٣٨٥.
- ↩[١٦] - الأنعام: ١٥٨.
- ↩[١٧] - السجدة: ٢٩.
- ↩[١٨] - غافر: ٨٤ - ٨٥.
- ↩[١٩] - الأنعام: ١٥٨.
- ↩[٢٠] - الكافي: ج ٢ ص٤٤٠، وسائل الشيعة (آل البيت): ج ١٦ ص٨٧.
- ↩[٢١] - الكافي: ج ٢ ص٤٤٠، وسائلالشيعة (آل البيت): ج ١٦ ص٨٧.
- ↩[٢٢] - من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص١٣٣، وسائلالشيعة (آل البيت): ج ١٦ ص٨٩.
- ↩[٢٣] - الأنعام: ١٥٨.
- ↩[٢٤] - القصص: ٤٨.
- ↩[٢٥] - طـه: ٧١، الشعراء: ٤٩.
- ↩[٢٦] - البقرة: ٣.
- ↩[٢٧] - الأنبياء: ٤٩.
- ↩[٢٨] - فاطر: ١٨.
- ↩[٢٩] - يـس: ١١.
- ↩[٣٠] - قّ: ٣٣.
- ↩[٣١] - الحديد: ٢٥.
- ↩[٣٢] - الملك: ١٢.
- ↩[٣٣] - البقرة: ٣.
- ↩[٣٤] - يس: ١١.
- ↩[٣٥] - ق: ٣٣.
- ↩[٣٦] - الحديد: ٢٥.
- ↩[٣٧] - الأنعام: ٩.
- ↩[٣٨] - القصص: ٤٨.
- ↩[٣٩] - قال أمير المؤمنين (: لعمار بن ياسر - وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً - : (دعه يا عمار فإنه لم يأخذ من الدين إلاّ ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبس على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج ٤ ص٩٥.
- ↩[٤٠] - يونس: ٩٠.
- ↩[٤١] - يونس: ٩١.
- ↩[٤٢] - الأنعام: ١٥٨.
- ↩[٤٣] - السجدة: ٢٩.
- ↩[٤٤] - الأنبياء: ٥.
- ↩[٤٥] - يونس: ٩٩.
- ↩[٤٦] - الأنعام: ٣٥.
- ↩[٤٧] - الجهاد باب الجنة: ص٤٧، الطبعة الثانية.