الفصول
إضاءات من دعوة إبراهيم
إضاءات من دعوات المرسلين - الجزء الأول · السيد أحمد الحسن
-إضاءات من دعوة إبراهيم
١- المواجهة بشدة وقسوة لا لين فيها، فإبراهيم يواجه قومه فيقول: ﴿… مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ* قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ … وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾([١٦])، هنا المواجهة تنتقل بسرعة عجيبة من الجدل والمحاججة اللسانية إلى الإنكار باليد واستخدام السلاح الفتاك في حينها - الفأس-، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾([١٧])، وجاءوا بإبراهيم المؤمن الوحيد بين جموع علماء ضلالة ومقلدين عميان وعبيد طاغوت، ولم يستسلم إبراهيم ولم يتخذ جانب اللين، بل واجههم بقسوة وشدة، سألوه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾([١٨]) فأجابهم بسخرية وتهكم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾([١٩]).
اسألوهم يا عميان، يا من لوثتم فطرتكم التي فطركم الله عليها، اسألوهم يا من صبغتم أنفسكم بصبغة غير صبغة الله، اسألوهم يا من حجبتم أنفسكم بعلوم مليئة بالجدل والسفسطة الشيطانية، وادعيتم أنها تمثل الدين، اسألوهم يا منكوسون؟! فلم يجدوا جواباً له إلا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾([٢٠]). فأجاب هذا النبي العظيم هذه الجماعة الملعونة المنكوسة بغلظة: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾([٢١]). ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾([٢٢]).
وفي النهاية لم يجدوا جواباً لإبراهيم (، إلا النار التي استعرت في أجوافهم، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾([٢٣])، وهنا تمتد يد الرحمة الإلهية لتغشى هذا المؤمن الذي غضب لله، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ … * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾([٢٤]).
٢- لا مطاولة في دعوة إبراهيم (، بل هي مواجهة سريعة تتوالى فيها الأحداث بسرعة مذهلة.
٣- تحديد الهدف والضربة التي تقصم ظهر الباطل، والاصطدام مع الباطل بقسوة وسرعة دون حساب للقياسات المادية، وما لأهل الباطل من سلطة دنيوية ودينية تمكنهم من استخفاف الناس. عندما يكون العبد على يقين أن لا قوة إلا بالله يواجه الملايين وحيداً دونما اكتراث لعددهم وعدتهم، لأن عدده وعدته الواحد القهار سبحانه وتعالى.
الخلاصة:
أهم ما في دعوة إبراهيم (، هي الشدة والمواجهة العلنية السريعة، وطبعاً هذه المواجهة كانت مسبوقة بمواجهة سرية، كان من نتائجها إيمان لوط( بدعوة إبراهيم.