الفصول

شبيه السامري

العجل - الجزء الأول · أحمد الحسن

المصدر ↗

-شبيه السامري

قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾([٧٥]).

بلعم بن باعوراء عالم وناسك كان يرى بعض الغيب، فاستدعاه أحد الملوك الطواغيت الكفرة ليدعو على موسى ( فدعا عليه، مع علمه أنّ موسى نبي عظيم، حسداً له، ومع علمه أنّ هذا الملك طاغوت كافر بالله وبرسله وبدينه في الحقيقة، وإن أظهر شهادة لا إله إلاّ الله؛ لأنّ محاربته لأولياء الله ولدين الله دالة على كفره. ولكن بلعم بن باعوراء وأمثاله يجعلون الشبهات عاذراً لسقطاتهم ولعلهم يجعلون المحكم متشابه والحق مشتبه؛ لينتهكوا حُرم الله سبحانه.

وفي التوراة الموجودة أن بلعم بن باعوراء لم يدع على موسى، والظاهر أنهُ من تحريف اليهود فيها، حيث جاء في رواية عن الإمام الرضا (: (أنّه أعطى بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم فكان يدعو به فيستجاب له، فمال إلى فرعون - وهذا غير فرعون مصر لعنهم الله - فلما مرّ فرعون في طلب موسى ( وأصحابه، قال فرعون لبلعم أدعو الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى ( فامتنعت علية حمارته، فأقبل يضربها فأنطقها الله عز وجل، فقالت: ويلك على ما تضربني، أتريد أن أجيء معك لتدعو على موسى نبي الله وقوم مؤمنين؟ فلم يزل يضربها حتى قتلها، وانسلخ الاسم الأعظم من لسانه …) ([٧٦]).

إذن فهذا عالم واطلع على بعض الغيب، فهو على يقين، ولكن يقينه لم ينفعه بشيء؛ لأنّه ركن للحاكم الجائر وأحب العلو والارتفاع، ولم يكن مخلصاً لله حيث انطوت نفسه على التكبر وحب الأنا والحسد لأولياء الله المصطفين !!

ولما تعرض لهذا الامتحان الإلهي انسلخ من آيات الله وأعرض عنها، وأظهر باطنه الأسود وظهرت حقيقته (كلب يلهث وراء الدنيا)، لكنه تسربل بلباس العالم العابد العامل لله. وهكذا أغواه الشيطان وأرداه فكان تابعاً مخلصاً له، بعد أن اقتفى أثره واتبعه، حيث كان الشيطان يعلم علم اليقين، ومع ذلك تكبر على آدم ( وتمرّد على الله. وكذلك هذا اللعين فمع علمه ويقينه حسد موسى ( ودعا عليه، بدل أن ينظم تحت لوائه ويكون تابعاً له، وهكذا كان العلم لـ (بلعم بن باعوراء) سبباً للتكبر وحسد موسى (!! فجعل بلعم بن باعوراء العلم نقمة أردته في الهاوية، مع أنّه رحمة يصل العاملون بها إلى الله.

روي عن النبي  أنّه قال: (العلماء كلهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلهم هالكون إلاّ المخلصون والمخلصون على خطر) ([٧٧]).

ومع الأسف كثيرون يعدون أنفسهم علماء مع أنّهم لا يحسنون تفسير سورتين من القرآن الكريم، على ما ورد عن آل محمد ، ولم يقرؤوا إلاّ اليسير من روايات المعصومين ، مقتصرين على بعض الروايات الفقهية في الغالب. فبماذا يعدون أنفسهم علماء، أبالمنطق الذي وضعه أرسطو قبل آلاف السنين، وربما يوجد من الملاحدة من هو أعلم به منّا. أم بالمجادلات والإشكالات المنطقية وغيرها الخالية من ثمرة علمية أو عملية، ولا تعدوا كونها ترفاً علمياً وضياعاً للوقت ([٧٨]).

ألسنا نروي عن رسول الله  ما معناه: (إنّ المرء يحاسب عن عمره فيما أفناه) ([٧٩]). أوليس

الله سبحانه يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾([٨٠]).

فليحذر أولئك الذين يجلسون الساعات في المساجد يتجادلون، ويتمارون ويملؤون المساجد بكلام بعيد كل البعد عن الحق والهدى الذي يريده الله.

لقد ابتعدنا كثيراً عن الطريق، ولهذا تسلط جالوت وأمثاله علينا، قال رسول الله : (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ولا من الإسلام إلاّ اسمه، يُسمَون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) ([٨١]).

الحديث يدل على أنّ المساجد وإن كانت مليئة بالناس ولكنهم ليس على هدى آل محمد .

وهل نعد أنفسنا عاملين ونحن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟ حتى أصبح الناس يرون المنكر معروفاً والمعروف منكراً!! إنّ تكليف العالم هو إصلاح الأمة، قال تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾([٨٢])، لا فرد ولا فردين. وللأسف الشديد كثيرون هم الذين يقولون: الناس لا يريدون الدين، لكنهم لا يلتفتون إلى أن الناس واقعون بين المطرقة والسندان، فالطاغوت يمنع الدين الإسلامي الأصيل من الوصول لهم، وأنتم لا تكلفون أنفسكم العناء لإيصال الدين لهم بحجة التقية. قال الصادق ( ما معناه: (أما إنكم لو دُعيتم لتنصرونا، لكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم) ([٨٣]).

فالجاهل ربما يعذر في كثير من الموارد، ولكن أنتم يا علماء الإسلام ما هو عذركم؟

قال أمير المؤمنين ( ما معناه: (كان رسول الله كالطبيب الدوار بأدويته) ([٨٤]).

فهل أنتم مقتدون بسنة نبيكم  ؟!!! الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ([٨٥]).

الهوامش

  1. ↩[٧٥] - الأعراف :١٧٦.
  2. ↩[٧٦] - تفسير القمي: ج ١ ص ٢٤٨، قصص الأنبياء للجزائري: ص٣٥٢.
  3. ↩[٧٧] - ميزان الحكمة: ج ١ ص٧٥٦، كشف الخفاء للعجلوني: ج ٢ ص٣١٢، جامع السعادات للنراقي: ج ١ص٢٢٠.
  4. ↩[٧٨]  لقد وضعت الحوزات العلمية الشيعية اليوم منهجاً في دراساتها الدينية معتمداً على دراسة المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية وعلم أصول الفقه وعلم الرجال الموروثان من أهل السنة، وأصبحت هذه العلوم وما شابهها من العلوم العقلية آلات من خلالها يتوصل الطالب الحوزوي لمعرفة العقائد الدينية الإلهية والأحكام الفرعية العملية، فأصبحت هذه العلوم هي الحاكمة على كلام محمد وآل محمد ، وأخذوا يفسرون كلامهم طبقاً لتلك المناهج التي وضعها الملاحدة، مما أدى إلى سقوطهم في مخالفات كثيرة لكلام محمد  وعترته ، ورفضوا الكثير من الروايات وأسقطوها نتيجة إيمانهم بهذا المنهج المبتدع. كما أن الكثير من القواعد في تلك العلوم إنما تدرس للترف العلمي فقط، إذ لا توجد ثمرة عملية تترتب عليها، وهم يقرّون هذه الحقيقة إلاّ أنهم اعتادوا على هذا المنهج واعتبروه منهجاً مقدساً لا يمكن الخدشة فيه، إذ هو الميزان للمعرفة عندهم !! والحال أنه يُبعد الطالب عن أهل البيت ( فيفني الطالب ريعان شبابه في علوم الملاحدة ويترك الثروة العلمية والروحية التي ذكرها القرآن الكريم و الرسول وعترته (، فلا يدرس في الحوزات العلمية القرآن ولا روايات محمد وآله ، ولهذا تجد الكثير من الحوزويين لم يحفظوا إلاّ اليسير من آيات القرآن و روايات محمد وآله . ومن أحب الاطلاع على هذه الحقيقة يمكنه ذلك من خلال التعرّف على ما يدرس في الحوزات العلمية.
  5. ↩[٧٩] - روى الشيخ الصدوق في الخصال والعلل: عن النبي ( أنّه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾، (أنّه لا يجاوز قدما عبد حتى يسئل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنققه، وعن حبنا أهل البيت) الخصال: ص٢٥٣، علل الشرائع: ج ١ ص٢١٨.
  6. ↩[٨٠] - الإسراء : ١٦.
  7. ↩[٨١] - الكافي: ج ٨ ص٣٠٨، ثواب الأعمال: ص٢٥٣، بحار الأنوار: ج ٢ ص١٠٩.
  8. ↩[٨٢] - التوبة : ١٢٢.
  9. ↩[٨٣] - روى الشيخ الطوسي في التهذيب: عن الإمام الصادق (، قال: (لم تبق الأرض إلاّ وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل، قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي، ولكانت التقية أحب اليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولو قد قام القائم ( ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك) تهذيب الأحكام: ج ٦ ص١٧٣، وسائل الشيعة: ج ١٦ ص٢٣٥، جواهر الكلام: ج ٢١ ص٣٩٢.
  10. ↩[٨٤] - قال أمير المؤمنين في إحدى خطبه وهو يصف الرسول  : (طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج ١ ص ٢٠٧.
  11. ↩[٨٥] - روي ذلك عن رسول الله . لاحظ : فيض الغدير للمناوي : ج ٥ ص٧٢، كما أنه روي عن علي أمير المؤمنين ( كما جاء ذلك في بحار الأنوار: ج ٤ ص٤٣.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
شبيه السامري - العجل - الجزء الأول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.