الفصول

كيف فهم علماء الشيعة الرجعة ؟

الرجعة ثالث أيام الله الكبرى · علاء السالم

المصدر ↗

كيف فهم علماء الشيعة الرجعة ؟

يرى علماء الشيعة أنّ الرجعة تعني: إعادة إحياء في هذه الحياة الدنيا بعد الموت.

قال الشيخ المفيد: (القول في الرجعة: وأقول: إن الله تعالى يرد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعز منهم فريقاً ويذل فريقاً ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد /) ([٤]).

وقال الحر العاملي: (إعلم أنّ الرجعة هنا في الحياة بعد الموت قبل القيامة، وهو الذي يتبادر من معناها، وصرح به العلماء ..) ([٥]).

فواضح أنهم يرون الرجعة مقطعاً زمنياً تابعاً لهذا العالم الجسماني الذي نحن فيه، ومما يؤكد ذلك أكثر ملاحظة طبيعة الاستدلال المقام على إثبات الرجعة، وهذا بيان بعضه:

أولاً: قولهم بأنّ الرجعة نوع من المعاد الجسماني، لذا فهم يستدلون عليها بنفس الدليل على المعاد في الآخرة.

يقول السيد المرتضى في الاستدلال على الرجعة: (.. ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلا خارج عن أقوال أهل التوحيد، لأن الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً جاز أن يوجدها متى شاء) ([٦]).

ثانياً: استدلالهم عليها بإحياء بعض الأقوام أو الأفراد في الأمم السالفة إلى هذه الحياة بعد موتهم، وكمثال لها يذكرون إحياء عزير بعد موته، أو إحياء عيسى للموتى، وإحياء أصحاب الكهف، أو قوم من بني إسرائيل، وهكذا.

يقول الشيخ المظفر: (إن الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد، ولا في عقيدة النبوة، بل يؤكد صحة العقيدتين. إن الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشور، وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته /، وهي عيناً معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح ( بل أبلغ هنا؛ لأنها بعد أن يصبح الأموات رميماً ..) ([٧]).

ويقول الشيخ الطبرسي: (وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد / في أنّ الله تعالى سيعيد عند قيام القائم ( قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب في الدنيا من القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، وقد صح عن النبي / أنه قال: "سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه") ([٨]).

ثالثاً: ربطهم الرجعة بعصر ظهور الإمام المهدي (، كما سمعناه قبل قليل من الشيخ الطبرسي.

ويقول الشيخ المفيد: (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي ( وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات، فمنها خروج السفياني .. إلى أن قال: وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون .. إلى أن قال: فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة، فيتوجهون نحوه لنصرته) ([٩]).

رابعاً: استدلالهم ببعض آيات الخلافة والتمكين على هذه الأرض بعد الاستضعاف على رجوع النبي والأئمة إلى هذه الحياة الدنيا بعد موتهم، مثل:

قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾([١٠]).

قال الحر العاملي عن الآية بعد نقل إجماع الشيعة على رجعة النبي والأئمة /: (.. ويظهر ذلك من ملاحظة ضمائر الجمع في الآية وفي كلام الطبرسي، ومن لفظ الاستخلاف والتمكين وزوال الخوف والعبادة، وما هو معلوم من وجوب الحمل على التقية، ولو حملناه على مجرد خروج المهدي ( لزم حمل الجميع على المجاز والتأويل البعيد من غير ضرورة ولا قرينة ..) ([١١]).

وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾([١٢]).

قال الحر العاملي: (وهذه أوضح مما قبلها، لأنها تدل على أن المن على الجماعة المذكورين وجعلهم أئمة وارثين، والتمكين لهم في الأرض وحذر أعدائهم منهم، كله بعد ما استضعفوا في الأرض، وهل يتصور لذلك مصداق إلا الرجعة) ([١٣]).

إنّ ما تقدم ذكره كافٍ لتأكيد الأمر الذي قلناه عنهم.

وهؤلاء العلماء إذ تأولوا الرجعة ورواياتها على أنها جزء من هذا العالم الجسماني، تأول بعض آخر روايات الرجعة بنحو آخر لا تكون فيه الرجعة بمعنى رجوع الأفراد وإنما بمعنى رجوع دولة الحق.

نقل السيد المرتضى قولهم، فقال: (فأما من تأول الرجعة في أصحابنا على أن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي، من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، فانّ قوماً من الشيعة لما عجزوا عن نصرة الرجعة، وبيان جوازها، وأنها تنافي التكليف، عولوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة) ([١٤]).

بل بعضهم ذهب بعيداً ليرى أنّ الرجعة ليست بدار تكليف لجميع الراجعين:

يقول العلامة المجلسي: (.. إذ الظاهر أنّ زمان الرجعة ليس زمان تكليف فقط، بل هو واسطة بين الدنيا والآخرة، بالنسبة إلى جماعة دار تكليف وبالنسبة إلى جماعة دار جزاء) ([١٥]).

إنّ هذا الاختلاف في فهم الرجعة ورواياتها، لخصه الشيخ المفيد بقوله: (اتفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف) ([١٦]).

وعلى هذا الأساس اختلفت الكلمات في بيان الاعتقاد بالرجعة:

فبعد أن اكتفى الشيخ الصدوق (وهو من المتقدمين) بالقول: (اعتقادنا في الرجعة أنها حق) ([١٧]).

يرى الشيخ المظفر (وهو من المتأخرين) أنّ الرجعة ليست من أصول الاعتقاد التي يجب النظر فيها، قال: (والرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت / الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها) ([١٨]).

ويعترف بعضهم أنّ تفاصيل الرجعة وكيفيتها وترتيبها موكول علمه إلى خلفاء الله:

يقول السيد عبد الله شبر: (يجب الإيمان بأصل الرجعة إجمالاً، وأنّ بعض المؤمنين وبعض الكفار يرجعون إلى الدنيا، وإيكال تفاصيلها إليهم / والأحاديث في رجعة أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام متواترة معنى، وفي باقي الأئمة قريبة من التواتر، وكيفية رجوعهم هل هو على الترتيب أو غيره، فكل علمه إلى الله سبحانه وإلى أوليائه) ([١٩]).

وقد راج أخيراً التعبير عن (الرجعة) أنها من أصول المذهب، وليست من أصول الدين !!

الهوامش

  1. ↩[٤] . أوائل المقالات: ص٧٨.
  2. ↩[٥] . الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: ص٦١.
  3. ↩[٦] . رسائل الشريف المرتضى: ج ٣ ص١٣٥.
  4. ↩[٧] . عقائد الامامية: ص١٠٩.
  5. ↩[٨] . تفسير مجمع البيان: ج ٧ ص٣٦٦.
  6. ↩[٩] . الارشاد: ج ٢ ص٣٦٨ - ٣٧٠.
  7. ↩[١٠] . القصص: ٥.
  8. ↩[١١] . الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: ص٦٧.
  9. ↩[١٢] . النور: ٥٥.
  10. ↩[١٣] . الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: ص٩٣.
  11. ↩[١٤] . رسائل الشريف المرتضى: ج ١ ص١٢٦.
  12. ↩[١٥] . بحار الانوار: ج ٢٥ ص١٠٩.
  13. ↩[١٦] . اوائل المقالات: ص٤٦.
  14. ↩[١٧] . الاعتقادات في دين الامامية: ص٦٠.
  15. ↩[١٨] . عقائد الامامية: ص١١٣.
  16. ↩[١٩] . حق اليقين: ج ٢ ص٣٥.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
كيف فهم علماء الشيعة الرجعة ؟ - الرجعة ثالث أيام الله الكبرى - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.