الفصول

أحمد .. الحجر المخلِّص، المقتطع من محمد والذي صار رأس الزاوية:

أحمد الموعود: ملتقى رسالات السماء وسفينة نجاة المختارين · علاء السالم

المصدر ↗

صفحات PDF الأصلية: ٥٨–٦٤

-١٧. أحمد .. الحجر المخلِّص، المقتطع من محمد والذي صار رأس الزاوية:

قال عيسى ع عن الحجر: (٤٢ .. أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا! ٤٣ لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. ٤٤ وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ) ([٢٠٢]).

وقال داود ع عنه: (١٩ اِفْتَحُوا لِي أَبْوَابَ الْبِرِّ. أَدْخُلْ فِيهَا وَأَحْمَدِ الرَّبَّ. ٢٠ هذَا الْبَابُ لِلرَّبِّ. الصِّدِّيقُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ. ٢١ أَحْمَدُكَ لأَنَّكَ اسْتَجَبْتَ لِي وَصِرْتَ لِي خَلاَصًا. ٢٢ الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. ٢٣ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا. ٢٤ هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعُهُ الرَّبُّ، نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ. ٢٥ آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ! ٢٦ مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ) ([٢٠٣]).

وعن هذا الحجر الذي رفضه البناؤون وصار رأس الزاوية، قال القائم أحمد الحسن:

(.. الدين كله هو العهد والميثاق الذي أُخذ على العباد بإطاعة خلفاء الله، وأودعه الله في حجر الأساس أو الحجر الأسود أو حجر الزاوية أو الحجر المقتطع من محمد ص لهدم حاكمية الشيطان والطاغوت، وقد ذكر هذا الحجر في الكتب السماوية وفي الروايات.

وقريش عندما اختلفوا فيمن يحمل الحجر كانوا يعلمون أن هذا الحجر يشير إلى أمر عظيم ولهذا اختلفوا فيمن يحمله، وكانت مشيئة الله أن محمداً ص هو من حمل الحجر ووضعه في مكانه لتتم آية الله، وإشارته سبحانه إلى أن قائم الحق والعبد الذي أودعه الله العهد والميثاق الذي يشير له هذا الحجر سيخرج من محمد ص الذي حمل الحجر.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِع ، قَالَ: (إِنَّ قُرَيْشاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَدَمُوا الْبَيْتَ فَلَمَّا أَرَادُوا بِنَاءَهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِمُ الرُّعْبُ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَيَأْتِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَطْيَبِ مَالِهِ، وَلَا تَأْتُوا بِمَالٍ اكْتَسَبْتُمُوهُ مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ حَرَامٍ، فَفَعَلُوا، فَخُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بِنَائِهِ فَبَنَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَتَشَاجَرُوا فِيهِ أَيُّهُمْ يَضَعُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَحَكَّمُوا أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَبَسَطَ ثُمَّ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ أَخَذَتِ الْقَبَائِلُ بِجَوَانِبِ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ ثُمَّ تَنَاوَلَهُ ص فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ فَخَصَّهُ اللَّهُ بِهِ) ([٢٠٤]).

فمحمد ص حمل الحجر الأسود، وهذه إشارة إلى أن القائم وحامل الخطيئة وحامل الراية السوداء التي تشير إليها سيخرج من محمد ص، وأيضاً محمد ص هو من يحمله في صلبه؛ لأنه مستودع في فاطمة بنت محمد ص ولذا يكون حامل الخطيئة الحقيقي هو رسول الله محمد ص.

أما اللون الأسود الذي شاء الله أن يكتسي به هذا الحجر فهو يشير إلى ذنوب العباد ويذكرهم بخطاياهم لعلهم يتوبون ويستغفرون وهم في بيت الله، وهو نفسه لون رايات قائم الحق قائم آل محمد السوداء، فالرايات السود تشير إلى الحجر والحجر يشير إليها وكلاهما يشيران بلونهما الأسود إلى خطيئة نقض العهد والميثاق المأخوذ على الخلق في الذر، وأيضاً يشيران إلى ما يتحمله من عناء حامل هذه الخطيئة - وحامل الراية السوداء التي تشير إلى الخطيئة - العبد الذي أوكل بكتاب العهد والميثاق وهو الحجر الأسود وهو قائم آل محمد.

والحجر مرتبط بمسألة الفداء الموجودة في الدين الإلهي وعلى طول المسيرة المباركة لهذا الدين، فدين الله واحد؛ لأنه من عند واحد، والفداء قد ظهر في الإسلام بأجلى صوره في الحسينع ، وقبل الإسلام تجد الفداء في الحنيفية دين إبراهيمع بإسماعيل، وتجده أيضاً بعبد الله والد الرسول محمد ص، وأيضاً تجده في اليهودية دين موسى ع بيحيى بن زكريا ع، وتجده في النصرانية بالمصلوب .. فقضية كون الرسل يتحمّلون بعض خطايا أممهم ليسيروا بالأمة ككل إلى الله موجودة في دين الله ولم تأتِ من فراغ، ويمكنك مراجعة نصوص التوراة مثلاً للإطلاع على تحمّل موسى ع عناء إضافياً لما يقترفه قومه من الخطايا، ورسول الله محمد ص تحمّل خطايا المؤمنين، قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾([٢٠٥])، وتفسيرها في الظاهر أنه تحمل خطايا أمته وغفرها الله له.

عن عمر بن يزيد بياع السابري، قال: قلت لأبي عبد الله ع: (قول الله في كتابه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قال: ما كان له من ذنب ولا همّ بذنب، ولكن الله حمّله ذنوب شيعته ثم غفرها له) ([٢٠٦]).

وتحمّل الرسل لخطايا أممهم لا يعني أنهم يتحمّلون خطيئة نقض العهد والميثاق عن منكري خلفاء الله الذين يموتون على هذا الإنكار، بل هم يتحملون خطيئة من غفل عن تذكّر العهد والميثاق ونقضه مدة من الزمن في هذه الحياة الدنيا. كما أنّ تحملهم لخطايا أممهم لا يعني أنهم يصبحون أصحاب خطيئة عوضاً عن أممهم، بل معناه أنهم يتحملون أثقالاً إضافية وعناء إضافياً في تبليغ رسالاتهم في هذه الدنيا للناس، وهذا طبعاً بإرادتهم هم؛ لأنهم هم من يطلب هذا، فالأب الرحيم بأبنائه يتحمل نتائج أخطائهم في كثير من الأحيان وإن كانت تسبب له عناء ومشقة وربما آلام وقتل في سبيل الله كما هو الحال في الحسين ع، وذلك لأنّ الأب يرجو صلاح أبنائه في النهاية، وربما كثيرون لا يتذكّرون العهد حتى يراق دم أبيهم ولي الله فيكون سبباً لتذكّرهم العهد والميثاق، ولهذا تجد الحسين ع الذي شاء الله أن يجعله سبباً لتذكر عدد كبير من الخلق قد ترك الحج وأقبل يحثُّ الخطى إلى مكان ذبحه ع.

أما علاقة الحجر بخطيئة آدم ع فهذا أمر قد تكفّل الأئمة ص بيانه، وإن كان ربما خفي فيما مضى على الناس لعلة أرادها الله سبحانه، بل وعلاقة الحجر بخطايا الخلق أيضاً قد تكفلوا بيانه وقد بيَّن هذا الأمر رسول الله محمد ص بأوضح بيان بالعمل - عندما قبّل الحجر - ولكنه بيان لمن لهم قلوب ويعون أفعال محمد ص الحكيم الذي يعمل الحكمة ...

وقد تكفّل رسول الله محمد ص بيان أهمية الحجر الأسود وفضله بأقواله وأفعاله، ويكفي أن تعرف أنّ رسول الله ص قبّله وسجد عليه ولم يسجد رسول الله ص على جزء من الكعبة غير الحجر الأسود، وبلغ عظيم هذا الأمر وأهميته أن رسول الله ص قال: (استلموا الركن، فإنه يمين الله في خلقه، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل، ويشهد لمن استلمه بالموافاة) ([٢٠٧])، والمراد بالركن أي الحجر الأسود؛ لأنه موضوع فيه.

وتابع الأئمة ص نهج رسول الله ص في بيان أهمية الحجر بأقوالهم وأفعالهم، فبينوا أن الحجر هو حامل كتاب العهد والميثاق، وأن آدم قد بكي أربعين يومياً ونصب مجلساً للبكاء بقرب الحجر ليكفر عن خطيئته في نقض العهد ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾([٢٠٨])، وإنّ الحجر كان درة بيضاء تضيء ولكنه في الأرض تحوّل للسواد بسبب خطايا العباد، فهذه الكلمات والأفعال المباركة التي كرروها مرات أمام أصحابهم كلها تأكيداً وبياناً لأهمية الحجر الأسود ولعلاقة الحجر بالخطيئة الأولى، بل والخطايا على طول مسيرة الإنسانية في هذه الأرض ...

أما في الأديان السابقة فقد ذكر الحجر أيضاً في التوراة والإنجيل .. فالحجر الذي تكلم عنه عيسىع هو في أمة أخرى غير الأمة التي كان يخاطبها، فالملكوت ينزع من الأمة التي كان يخاطبها عيسى ع وهم بنو إسرائيل والذين آمنوا بعيسىع - لأنه كان يخاطب بهذا الكلام تلاميذه المؤمنين به وغيرهم من بقية الناس - ويُعطى للأمة المرتبطة بالحجر التي تعمل أثمار الملكوت، فكلام عيسى ع واضح كل الوضوح أنه في بيان فضل حجر الزاوية وأنّ الملكوت سينزع في النهاية ممن يدعون اتّباع عيسى، ويُعطى لأمة الحجر وهم أمة محمد وآل محمد ص، فعيسى ع ربط بحكمة بين الحجر وبين الأمة التي تعطى الملكوت في النهاية وأيضاً قابل هذه الأمة ببني إسرائيل ومن يدعون اتّباعه وبين أنهم لن يناولوا الملكوت في النهاية، فعيسى ع جعل الحجر علة إعطاء الملكوت لأمة أخرى غير الأمة التي تدعي إتباع موسىع وعيسى ع، أي أنّ من يشهد لهم الحجر بأداء العهد والميثاق ومن ينصرونه هم من سيرثون الملكوت سواء كان في هذه الأرض بإقامة حاكمية الله، أم في السماوات عندما يكشف الله لهم عن ملكوته ويجعلهم ينظرون فيه، أم في النهاية عندما يسكنهم الله الجنان في الملكوت.

ومَن يريد أن يفسِّر هذا الكلام بصورة أخرى ويقول إنّ عيسى أراد بهذا الكلام نفسه ويصرّ على هذا القول فإنه يغالط ولا يطلب معرفة الحقيقة، وإلا فليقرأ أصل القول وهو لداود ع في المزامير، فأيضاً يمكن أن يقول اليهود إنّ داود قصد نفسه وهكذا لا ينتهي الجدل.

ولكنّ الحقيقة إنّ داود ع وعيسى ع أرادوا المخلِّص الذي يأتي باسم الرب في آخر الزمان، وقد بشّر به عيسى ع في مواضع أخرى في الإنجيل وسماه المعزي والعبد الحكيم وهنا سمّاه حجر الزاوية، فيكون السؤال: مَن هو الذي عُرِف أو يمكن أن يُعرف بأنه حجر الزاوية ؟ هل أنّ داود أو عيسى (عليهما السلام) عُرفوا بأنهم حجر الزاوية في بيت الرب، أو ذكروا في موضع آخر على أنهم حجر الزاوية في بيت الرب، وهل هناك حجر موضوع في زاوية بيت الرب أو الهيكل عند اليهود والنصارى يدل على داود أو عيسى (عليهما السلام) ؟

الحقيقة أنّ هذا غير موجود، ولكنه موجود في الأمة الأخرى من ولد إبراهيم ع وفي بيت الرب الذي بناه إبراهيمع وإسماعيل ع ابنه، وموجود في الزاوية وبالذات الزاوية التي اسمها الركن العراقي، وكل هذه الأمور تشير إلى أمر واحد، هو المخلِّص الذي يأتي في آخر الزمان أو الذي أشار إليه داود في المزامير إنه حجر الزاوية والآتي باسم الرب ..

وللتأكيد أكثر على أنّ المراد بحجر الزاوية في التوراة وفي الإنجيل هو المخلِّص الذي يأتي في آخر الزمان وفي العراق وهو قائم الحق، أورد هذه الرؤيا التي رآها ملك العراق في زمن دانيال النبي ع وفسرها دانيال النبي ع وهي تكاد لا تحتاج إلى توضيح ...

إذن، فالحجر أو المخلِّص الذي ينقض هيكل الباطل وحكم الطاغوت والشيطان على هذه الأرض ويكون في ملكه نشر الحق والعدل في الأرض يأتي في آخر الزمان ويأتي في العراق كما هو واضح في رؤيا دانيال، وهو الحجر الذي ينسف الصنم أو حكم الطاغوت والأنا بينما لا عيسى ع ولا داود ع أرسلوا في العراق، وفي آخر الزمان فلا يمكن أن يكون أيٌّ منهما هو حجر الزاوية المذكور، بل تبين بوضوح من كل ما تقدم أنّ حجر الزاوية في اليهودية والنصرانية هو نفسه الحجر الأسود الموضوع في زاوية بيت الله الحرام في مكة.

فالحجر الأسود الموضوع في ركن بيت الله والذي هو تجلي ورمز للموكل بالعهد والميثاق هو نفسه حجر الزاوية الذي ذكره داود وعيسى (عليهما السلام)، وهو نفسه الحجر الذي يهدم حكومة الطاغوت في سفر دانيالع ، وهو نفسه قائم آل محمد أو المهدي الأول الذي يأتي في آخر الزمان كما روي عن رسول الله محمد ص وأهل بيته ص) ([٢٠٩]).

* * *

الهوامش

  1. ↩إنجيل متى - الأصحاح ٢١.
  2. ↩المزمور ١١٨.
  3. ↩الكافي: ج ٤ ص٢١٧.
  4. ↩الفتح: ٢
  5. ↩تفسير القمي: ج ٢ ص٣١٤.
  6. ↩المحاسن: ج ١ ص٦٥.
  7. ↩طه: ١١٥.
  8. ↩الجواب المنير: ج ٤ سؤال رقم ٣٢٧.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
أحمد .. الحجر المخلِّص، المقتطع من محمد والذي صار رأس الزاوية: - أحمد الموعود: ملتقى رسالات السماء وسفينة نجاة المختارين - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.