الفصول
الأصول الثلاثة:
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-الأصول الثلاثة:
-الأصل الأول: المُستَخلِف
وهو الله سبحانه وتعالى أو الحقيقة.
هناك طريقان للتصديق بوجود الحقيقة الغائبة الشاهدة الموجدة لهذا العالم:
-الأول: طريق الوحي
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠].
يجب أن يعي أي إنسان أنه من غير المنطقي أن يقوم هو بغلق أذنيه عن سماع ما وراء الجدار، ثم يقول - عناداً وتعنتاً - لمن سمعوا: لا يوجد شيء خلف الجدار. فالمفروض أولاً أن أفتح أذني وأحاول السماع، وعندها إذا لم أسمع كما سمعوا، يمكنني أن أحكم أنه لا يوجد شيء خلف الجدار.
الحق، إنّ طريق الوحي هو الطريق الأصل والأشرف، وأوله التصديق بوجود الحقيقة (أو الله سبحانه)، ولكنه يمتد إلى ما بعد التصديق وهو المعرفة وهي علة الخلق([٦])، ويكون ابتداءً بالاستعداد للسماع من الحقيقة، ومن ثم بالتجرد والإخلاص للحقيقة الموجدة لهذا الكون، حتى تسمع روح الإنسان من الحقيقة الحكيمة، ويثبت له الوجود والحكمة، ومن ثم تبدأ رحلته إلى المعرفة، فيسمع من الله ومن رسله بالوحي في الرؤيا والكشف، بل حتى يصل الأمر إلى أن يسمع الإنسان حتى الجمادات ([٧])، وهو طريق الأنبياء والأولياء، والمفروض أنه طريق كل ولد آدم، ولكنهم يعرضون عن ربهم وهو يناديهم، وينشغلون في الدنيا فيغفلون. وربما كانت أفعالهم خبيثة كمعاداة أولياء الله حتى يغشى قلوبهم الرين فلا يسمعون ولا يعون، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وبما أن هذا الطريق كما بيّنت يمتد إلى ما بعد التصديق، فلا بأس أن نتوسع قليلاً في مسألة المعرفة التي هي علة خلق الإنسان.
المعرفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
الإنسان بالأساس مفطور على معرفة الله، لأنه خلق على صورته، أي أن الإنسان هو تجلي الله في عوالم الخلق. فالصورة كما نعرف تحكي الحقيقة بقدر ما، ولكن لمـَّا أعرض عامة الناس عن سبيل الله وانشغلوا بالدنيا وغفلوا عن ربهم وكان المتذكرون منهم خاصة وقليل فقط، كالنجوم المضيئة في ظلمة السماء؛ كانت مشيئة الله - ولرحمته - أن اختار رسلاً من هؤلاء الخاصة الذين تذكروا وسمعوا، وأرسلهم ليذكروا الغافلين المشغولين بالدنيا ويعرفونهم الطريق ويسيرون بهم إلى الله، لينجوا بعض هؤلاء الغافلين ويتذكروا ويعرفوا بفضل الله وبفضل هؤلاء الناجين الأوائل. إذن، الأصل أن الناس كلهم يتذكرون ولا يحتاجون من يذكرهم. فلو كان هناك رسول فالمفروض أن يعرفوه حتى دون إعلانه عن نفسه.
﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠].
ولو أنهم غفلوا، فالمفروض أن المتذكر (الرسول) - الذي أرسله الله لهم ليسلك بهم الطريق الذي أضاعوه بغفلتهم - لا يحتاج إلى الكثير ليذكرهم.
بل المفروض أن خليفة الله لا يحتاج أكثر من الإعلان عن نفسه. والمفروض أن الناس قادرون على التعرف على خليفة ربهم وإلههم الذي يمكنهم الاتصال به ومعه دائماً وسؤاله عن رسوله، هذا هو الأصل إن كانوا أناساً محافظين على فطرتهم وإنسانيتهم وإن كانوا غافلين، ولهذا بيّن القرآن أن الأنبياء وإبراهيم لم يكونوا يحتاجون أكثر من إعلان دعواتهم، أي الأذان: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. فالآية واضحة؛ أذن يا إبراهيم، والناس يأتوك على عجلة بمجرد أن يعلموا بإعلانك عن دعوة الله التي تحملها ([٨])، لأنهم سيتذكرون ويتصلون بربهم ويعلمون منه أمر رسوله وأحقيته، بل المفروض أنهم متذكرون مثلك، ويعرفونك قبل أن تؤذن، ولكنهم للأسف انشغلوا بالدنيا حتى ذكرتهم أنت فانتبهوا.
إذن، فالناس يأتوك بمجرد أن تعلن، أما غير الناس أو الذين نكسوا فطرتهم حتى لم يعد من اللائق أن يسموا ناس، فهؤلاء أكيد لا ينفعهم لا أذان ولا أي شيء آخر. وبين الناس وبين من نكسوا فطرتهم هناك كثير ممن لوثوا فطرتهم وأنفسهم بقدر ما، فهم يحتاجون لأشياء أخرى غير الإعلان والأذان، وهي ما نسميها بالأدلة لمعرفة خليفة الله أو قانون معرفة الحجة.
ولرحمته سبحانه وتعالى لم يكتف بإرسال الرسل مع أنه فضْل منه سبحانه، بل أمر رسله بالإعلان عن دعواتهم، رغم ما سيتحمله رسله وأحباؤه سبحانه من أعدائه بسبب هذا الإعلان. بل ولسعة رحمته سبحانه وتعالى لم يكتفِ بكل هذا حتى أرسل مع رسله الآيات والبينات (الأدلة الواضحة الجلية لكل طالب حق)، حتى لا يبقى عذر لمعتذر ولا حجة لمحتج مهما كان هذا العذر واهناً وهذه الحجة داحضة، ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٦٥]. فمع أنه - كما بيَّنا - لا حجة حقيقية لهم، ولكنه الكريم الرحيم اعتبرها حجة لهم لعظم كرمه. فأرسل الرسل بالآيات وبالبينات ليقطع دابر هذه الحجة الموهومة. ومع هذا - وللأسف - فهؤلاء المتمردون عديمو الحياء الذين أعطاهم الله الفرصة بعد الأخرى من غير استحقاق، سيطلبون فرصة أخرى، ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
ولكي نتصور المسألة أكثر أضرب هذا المثال: لو كان لديك عمل ما وكلفتَ به شخصاً معيناً، وهو لا يؤديه بسبب إهماله وكسله، وعندما تسأله لِمَ لمْ تؤدي العمل ؟ سيأتيك بأعذار واهية غير حقيقية. فيقول لك مثلاً: أحتاج كذا وكذا لأداء العمل. فأنت لتقطع عليه أعذاره وحججه الواهية - مع علمك بأنها أعذار واهية كاذبة - تحقق له مطالبه، وهكذا كأنك اعتبرتها أعذار وحجج حقيقية، وكما يقول المثل المعروف: اتبع الكذاب إلى عتبة الباب، ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. فالمسألة من هذا الباب ولا يتصور أحد أن للناس حجة حقيقية على الله، سواء أرسل رسل أم لم يرسل، سواء كان مع الرسل آيات وبينات وأدلة، أو كانت أيديهم خالية إلا من ذكر الله.
إذن، فالمطلوب من كل إنسان أن يتذكر ويخلص ليكون نبياً يوحى إليه ويعرف الحقيقة وما يريده منه بارئه سبحانه، فقد فطره الله على هذا وخلقه لهذا وهو ممتحن ليكون هكذا، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠].
ولكن للأسف أكثر الناس يركنون إلى ظلمة هذا العالم الجسماني ويغفلون عن ربهم. فلا يسلك هذا الطريق وهو طريق الوحي إلا قليل، كأنبياء الله ورسله وأوليائه سبحانه. ففتح الله لبقية بني آدم طريق الواسطة أو الخليفة الذي يوصلهم ويعرفهم، وهكذا ظهر مع فتح طريق الواسطة أصلان آخران مرتبطان بالمستخلف الواجب معرفته سبحانه، وهما الخليفة والرسالة التي يحملها للتعريف.
الهوامش
- ↩[٦] . "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: ٥٦] أي ليعرفون.
- ↩[٧] . الجمادات أو المواد عموماً هي مصدر الحياة البكتيرية والنباتية والحيوانية وأيضاً كل مظاهر الحياة من نسخ ونمو وحركة ماهي إلا عمليات كيميائية اذا نظر لها في حدود هذا العالم المادي، وبالتالي فلا يوجد فرق حقيقي بين نبات وحيوان وبكتريا وجماد، وإنما الفرق فقط في تركيب هذه المواد بصورة جعلتها مؤهلة لعملية النسخ الذاتي وما نتج عنه خلال عملية التطور.
- ↩[٨] . وهذا ما قاله ورثة إبراهيم )عليه السلام( وهم الخاصة المخلصون لله من ذرية إبراهيم )عليه السلام ( حيث أسكنهم إبراهيم (عليه السلام) بأمر الله قرب البيت الحرام ليكونوا هم أئمة الناس الذين يؤذنون بالحج ويقيمون الصلاة أي يقومون بدين الله سبحانه بعد أبيهم إبراهيم (عليه السلام) فيجب على الناس أن يأتوهم كما وجب على الناس إتيان أبيهم إبراهيم (عليه السلام) من قبل، "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" [إبراهيم:٣٧]. في الكافي - الكليني: ج ١ ص٣٩٢ - ٣٩٣: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما أمروا أن يطوفوا بها، ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم، ثم قرأ هذه الآية " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد عن علي بن أسباط، عن داود بن النعمان عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) - ورأي الناس بمكة وما يعملون - قال فقال: فعال كفعال الجاهلية أما والله ما أمروا بهذا وما أمروا إلا أن يقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم فيمروا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم. - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال جميعا، عن أبي جميلة، عن خالد بن عمار، عن سدير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثم استقبل البيت فقال: يا سدير إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ثم أومأ بيده إلى صدره - إلى ولايتنا - ثم قال: يا سدير فأريك الصادين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء.. لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (صلى الله عليه واله) حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (صلى الله عليه واله).