الفصول
الثاني: الطريق العقلي
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-الثاني: الطريق العقلي
وهو طريق يتحرّى إثبات وجود الله أو الحقيقة وإثبات الصفات، ولكنه لا يحقق المعرفة الحقيقية التي هي علة الخلق.
تعرّض القرآن لبعض الأدلة العقلية، كدليل النظام والحكمة التي يراها الإنسان في الكون، ودليل أن العدم غير منتج. وسنتعرض لبعض الأدلة العقلية لعلها تكون حجة على من يلتزمون العقل ([٩]) في الاستدلال كما يدّعون.
وهنا لابد من تشخيص وتحديد أمر مهم لابد أن يرافقنا في أي موضع نريد إقحام العقل فيه، وهو أن العقل ميزان وليس أوزان. فالعقل يقايس المعلومات التي تعطى له ويبين ما فيها، وثقله وخفته أو حتى عدمه وعدم قيمته. ولهذا ولكي تتحقق مهمة العقل بصورة صحيحة، لابد من وجود أوزان قياسية حقيقية ثابتة يقينية، لكي تكون المرجع في الموازنة. وإلا فسيكون ما يوضع في إحدى كفتي الميزان أو العقل مجرد وهم لا يمت للحقيقة بصلة، فتكون النتيجة الخلوص إلى نتائج خاطئة. وللأسف هذا أمر واقع ومنتشر بشكل واسع سواء على مستوى العقيدة أم التشريع.
وبما أن الكلام هنا في إثبات وجود الحقيقة الموجدة للعالم أو المُستَخلِف (الله)، فلا يمكن أن تكون أوزاننا في ميزان العقل شرعية دينية، لأننا هنا في صدد إثبات الأصل الذي يرجع إليه الدين. إذن، لابد أن تكون أوزاننا من الثوابت والبديهيات التي لا تحتاج إلى نظر، مثل: استحالة أن يكون الشيء معدوماً وموجوداً معاً، واستحالة أن تتسلسل الموجودات المتناهية العدد في سلسة لا متناهية من كل حيثية وجهة، واستحالة أن يكون العدم منتجاً، وأمثال هذه الثوابت.
ومن الأدلة العقلية التي احتج بها الله سبحانه وتعالى على الملحدين في القرآن ([١٠]):
أ/ العدم لا ينتج شيئاً، والأثر دال على المؤثر.
قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
إنّ العالم (أو العوالم) ليس أزلياً، بل حادث لأنه متغير، وكل حادث مسبوق بالعدم، فلابد له من محدث، لأن العدم المطلق لا شيئية فيه فهو غير منتج، فيستحيل أن يأتي شيء من لا شيء مطلقاً، أي بمعنى أن يأتي شيء من عدم مطلق. والكون أو الأكوان أو الوجود الحادث شيء، فلا يمكن أن يكون قد أتى من عدم مطلق. إذن، فالوجود الحادث (الكون أو الأكوان ) يثبت أنه أتى من وجود أزلي غني عنه وعن غيره.
فنحن إنْ قلنا: إنّ محدثه قديم أزلي غير مسبوق بالعدم أثبتنا وجوده سبحانه ([١١]).
وإنْ قلنا: إنه حادث، أيضاً لزمه محدث. ولا يمكن أن يكون هو الأول، لأن معناه أن الشيء موجود ومعدوم معاً. فإن كان غيره تسلسل ولا يمكن أن تكون هذه السلسلة غير متناهية من كل حيثية وجهة؛ لأن العالم حادث متناهي وله بداية. ولما كانت السلسلة متناهية على الأقل من جهة كونها لها بداية، فلابد أن تنتهي إلى مُحدِث أزلي قديم، وبهذا ثبت وجوده سبحانه.
ومرادنا بالأزل، ليس الأزل الزماني، بل هو بمعنى غير المسبوق بالعدم بغض النظر عن بعد الزمان ووجوده من عدمه.
وباللامتناهي المطلق: هو غير المحدود من أي حيثية وجهة، فلا بداية له ولا نهاية، وبغض النظر عن بعد الزمان والمكان ووجودهما من عدمه. وليس مرادنا هو الـ (ما لا نهاية) في بعض المعادلات مثل:
١+
١
٢
+
١
٤
+
١
١٦
...........= ٢
فالطرف الأيسر للمعادلة صحيح أنه يمتد إلى ما لا نهاية ولكن له بداية، ومثله الكون المسطح فصحيح أن المفروض اتساعه إلى ما لا نهاية ولكن له بداية بدأ منها.
وكون العالم الجسماني أو الكون الجسماني الذي نعيش فيه حادث، قد ثبت حتى بحسب البحوث الفيزيائية الحديثة. فلو كان العالم الجسماني أزلياً لكان مستقراً متوازناً، لا كما هو حاله الآن من الاضطراب والتغير المستمر. والمفروض أن الملحدين يلتزمون الآن بحدوث العالم وعدم أزليته؛ لأنهم بحسب ادعائهم تطبيقيون ويقرّون ما يقرّه العلم المادي وقوانينه.
أقول هذا لإقامة الحجة على الملحدين؛ لأنهم يلتزمون بالعالم الجسماني فقط، مع أن الكلام في إثبات حدوث العالم لا يُقصد به العالم الجسماني فقط.
ب/ صفة الأثر دالة على صفة المؤثر.
ولبيان هذا الدليل سأنقل هنا بعض النصوص من كتاب وهم الإلحاد، ومن يريد التفصيل عليه الرجوع لكتاب وهم الإلحاد
[فصل الخطاب "التطور هادف":
لدينا جينات وطفر جيني وقانون البقاء للجينة الأفضل أو يمكن أن نقول: للكائن الأفضل، فالفرق بين الجينة والكائن كالفرق بين خريطة بناء البيت والبيت نفسه وقانون البقاء للجينة المفضلة يصقل هذه الجينات، ونحن نعلم الآن بشكل قطعي أن آلة البقاء الأفضل بالنسبة للحياة الأرضية على الإطلاق هي آلة الذكاء (الدماغ)، ورغم أن كلفة آلة الذكاء أو الدماغ الاقتصادية عالية جداً على الكائن الحي حيث إنه يحتاج كمية غذاء كبيرة ولكن التطور بالنتيجة مُجبَر على أن يسير بهذا الاتجاه أي أن يطور آلة الذكاء.
فطالما أن الطفر الجيني موجود منذ البداية فلابد أن تتوفر جينات بناء آلة الذكاء (الدماغ مثلاً) عاجلاً أم آجلاً حتى وإن كان الطفر الجيني عشوائياً تماماً.
وبما أن قانون البقاء للجينات الأفضل أو للكائن الأفضل ([١٢]) هو الحاكم في عملية التطور، إذن فالنتيجة أننا الآن يمكننا الجزم بأن التطور منذ البداية متجه وهادف لإنتاج جينات آلة ذكاء أو كائن ذكي، فالتطور إذن هادف.
وأعتقد أن هذا الاستدلال التام كافٍ لنقض نظرية د. دوكنز الإلحادية ضمن نطاق الحياة الأرضية القائمة على إن التطور غير هادف على المدى البعيد.
والحقيقة، إننا لو أردنا التوسع في حكمنا المتقدم أكثر ونعمم الحكم على أي نوع حياة يمكن أن نتخيله فيمكننا أن نجزم - بناءً على قانون التطور المعتمد على طفر المتضاعفات أو آلات النسخ وانتخاب الأفضل منها - أن أي حياة سواء كانت كحياتنا الأرضية - مبنية على الماء والكربون والنتروجين والمواد الكيميائية الأخرى - أم كانت في كوكب آخر أو كون آخر ومبنية على الأمونيا بدل الماء، أم على السليكون بدل الكربون - لأنه قادر على تكوين سلاسل طويلة كالكربون - فستكون نتيجتها الحتمية هو إنتاج آلة الذكاء، هذا هو الهدف الحتمي للتطور بحسب القانون الذي نعرفه الآن، ولا يمكن أن تحيد أي حياة أو متضاعفات أو آلات نسخ وتطور عن الوصول إليه عاجلاً أم آجلاً.
مع العلم أن المتوقع من أي حياة أخرى في كوننا الاعتماد على الماء والكربون؛ لأن الماء يعتبر حالة سائلة مثالية لاستضافة الحياة حيث تقل كثافته عند الانجماد ويطفو وبهذا يسمح الجليد للحياة أن تستمر في الماء السائل تحته وهذه العناصر الأربعة الهيدروجين والأوكسجين والنتروجين والكربون هي الأكثر وفرة في الكون والكربون دون غيره قادر على تشكيل سلاسل ضعيفة يمكن أن تكسر بسهولة وهذا مناسب للأيض والحياة بعكس سلاسل السليكون.
هكذا نكون قد وصلنا إلى فصل الخطاب وحسم الخلاف حول إمكان إثبات وجود رب أو إله بحسب نظرية التطور، فقد أثبتنا للحياة صفة الهدف وأنها هادفة والتطور هادف، وحيث إن صفة الأثر دالة على صفة المؤثر فيثبت للمؤثر صفة أنه هادف ومدرك وعالم، وبهذا أثبتنا وجود مؤثر هادف ومدرك وعالم، وبالنتيجة يثبت وجود رب أو إله سواء كان هو المؤثر المباشر أم كان المؤثر المباشر أثر من آثاره دال عليه بصفته أيضاً، أي صفة الهادف التي أثبتناها، وهذا بحد ذاته كافٍ لنقض النظرية الإلحادية الحديثة المبنية على أساس أن التطور غير هادف على المدى البعيد.
آلة الذكاء:
قلت: إن التطور يهدف الوصول إلى آلة ذكاء؛ لأن آلة الذكاء هي آلة البقاء الأفضل على الإطلاق في منافسة البقاء المحتدمة بين الجينات، ومع أن وجود سبعة مليارات إنسان على الأرض اليوم كافٍ لإثبات هذه الحقيقة، ولكن لا بأس في مناقشة هذه الحقيقة باختصار للتوضيح، فنحن حتى لو فرضنا أن الطفر الجيني عشوائي منذ البداية سنقول إنه حتماً لابد أن يوفر جينة مؤهلة لبناء آلة ذكاء، وليس المقصود بآلة الذكاء هنا الدماغ الحالي للإنسان والحيوانات بل مقصدنا أي شيء يمكن أن نتصوره كبداية للدماغ مثل خلية عصبية واحدة، وأكيد أن من يمتلكون آلات الذكاء هم المفضلون في المنافسة وسيكون نصيبهم من البقاء أكبر ومن ثم لو انتقلت المنافسة بين من يمتلكون آلات الذكاء فستكون الكائنات التي تمتلك آلة ذكاء توفر ذكاءً أكبر هي الفائزة في سباق البقاء للأفضل وهكذا، ففي التطور بداية آلة الذكاء حتمية وتحسين آلة الذكاء مع الزمن أيضاً أمر حتمي، وبهذا يمكننا أن نقول: إن آلة الذكاء هدف حتمي للتطور أي يمكن أن نختصر ونقول التطور يهدف الوصول للذكاء.
وأود التنبيه إلى أني لا أقول: إن أي منافسة تجري بين الأفراد ستكون نتيجتها لصالح الفرد الذكي بل حتى بين الأنواع، ولكني أقول: إن جينة بناء آلة الذكاء هي المفضلة في المنافسة وهي الفائزة في السباق حتماً.
فالفرد الأذكى أو الذي يمتلك آلة ذكاء أفضل ربما يخسر أمام فرد أقل ذكاءً أو يمتلك آلة ذكاء أدنى أو حتى لا يمتلك آلة ذكاء نتيجة حيثيات المواجهة وظروفها.
والنوع الذي يمتلك آلة ذكاء أفضل ربما يخسر في المنافسة على البقاء أمام نوع يمتلك آلة ذكاء أدنى نتيجة حيثيات المواجهة وظروفها.
ولكن جينة بناء آلة الذكاء متى ما وجدت ودخلت إلى مجموع الجينات التي تبني الكائنات الحية، فلا يمكن أن تخسر في المنافسة أمام الجينات الأخرى، ولا يمكن أن تخرج من مجموع الجينات العاملة على بناء الكائنات الحية بل ستتقدم وبتسارع ملحوظ يزداد مع الزمن؛ لأن الفرق بينها وبين الجينات الأخرى في المنافسة على البقاء أو التقدم وإحراز موقع الصدارة كبير.
والمنافسة بين الجينات لا تتوقف عند المنافسة على البقاء، بل هناك منافسة بين الجينات على موقع الصدارة في المجموعة الجينية التي تبني أجسام الكائنات الحية، فهي تسعى لتكون الأكثر عدداً حتى وإن كان تنافسها بصورة غير واعية ولا مدركة، بل هو تنافس يمر من خلال قانون التطور العام وخاضع له.
الأدلة العقلية التي يسوقها القرآن لإثبات وجود الله:
ما تقدم في هذا الفصل كافٍ لإثبات أن التطور هادف وبالتالي إثبات أن من ورائه من يريد الوصول إلى هذا الهدف، وبالنتيجة أثبتنا وجود إله ضمن قانون صفة الأثر دال على صفة المؤثر، فالأثر الذي هو الحياة الأرضية أثبتنا أنها تتصف بأنها هادفة، وبهذا أثبتنا صفة طلب الهدف والإدراك لمؤثرها، وبهذا أثبتنا وجود إله مدرك عالم. ولكن مع هذا سأناقش في بقية هذا الفصل مسألة أن التطور هادف حتى من منظور التجزئة بل سأركز عليه؛ لأن علماء الأحياء يعتمدون مسألة تجزئة التطور والملحدون منهم يصرون على النظر من زاوية التجزئة فقط رغم أني أراها زاوية تساوي العور والنظر بعين واحدة.
أما بالنسبة لدليل (العدم غير منتج) فلابد من الانتباه إلى أن الأثر الذي يجب أن نناقشه للدلالة على الله كمؤثر هو أصل الكون الجسماني وما بعده، وهذا لا يكون الكلام فيه بحدود نظرية دارون أو علم الأحياء، بل يمكن نقاشه علمياً في حدود بحوث ونظريات الفيزياء التي تختص بالكون وكيفية نشوئه، وهذا الأمر سيتم مناقشته في الفصل السادس بالتفصيل.
الدليل الأول على وجود إله مطلق: صفة الأثر دالة على صفة المؤثر
ومنه دليل التقنين: فوجود القوانين في الأثر دالة على أن مؤثره مقنن، وبالتالي دال على مؤثر عالم، وهو المطلوب إثباته.
ومنه دليل النظم: فوجود النظام في الأثر دال على إن مؤثره منظِّم، وبالتالي دال على مؤثر عالم، وهو المطلوب إثباته.
ومنه دليل الهدف: فوجود هدف للأثر دال على مؤثره هادف، وبالتالي دال على مؤثر عالم، وهو المطلوب إثباته.
ومنه دليل الحكمة: فاتصاف الأثر سواء كان قولاً أو فعلاً بالحكمة دال على أن مؤثره حكيم وعالم، وهو المطلوب إثباته.
وملخص الاستدلال هو:
عندما نجد شيئاً منظماً نعلم أن مؤثره عالم قادر على التنظيم وبالتالي يثبت وجود المؤثر المنظم العالم، وعندما نجد قولاً أو فعلاً يتصف بالحكمة نعلم أنها صدرت من حكيم وبالتالي يثبت وجود المؤثر الحكيم، مثلاً: عندما نجد أن مجموعة أشجار مثمرة مزروعة بانتظام نحكم بأن من زرعها يتصف بأنه مُنظِّم وهادف وبالتالي نحكم أنه عالم ومدرك لما يفعل فنقول: إنه إنسان مثلاً، وعندما نجد غابة فيها مجموعة أشجار عشوائية وغير منتظمة تدلنا صفة عشوائية الأشجار فيها على أن الإنسان لم يقم بزراعتها.
وهذا الدليل عموماً يمكن أن يكون بعض تطبيقه ضمن حدود الحياة الأرضية وأمثلته كثيرة خصوصاً بالنسبة للكائن الإنساني واعتبار أنه يتصف بصفات خاصة تدل على أن مؤثره الأصلي عالم قادر على التنظيم وهادف، ويمكن أن تكون لهذا الدليل علاقة بنظرية التطور.
صفة الأثر دالة على صفة المؤثر في الكون الذي نعيش فيه:
هناك ولا شك حزمة قوانين فيزيائية تحكم الكون، والقانون يعني أن هناك مقنناً، كما أن القانون ولا شك يؤدي إلى النظام، والنظام يعني أن هناك منظماً.
وليتبين الأمر أكثر أضرب هذا المثل:
وهو أننا عندما نجد أن هناك تقاطع طرق وفيه إشارات مرور تنظم مرور السيارات في التقاطع نعلم أن هناك قوة مدركة عالمة منظمة مريدة لهذا النظام هي التي وضعت هذه الإشارات المرورية، وبنفس الطريقة نقول: إن قانون الجاذبية دال على واضعه، وكذا القوى الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والقوية على مستوى وجودها وعلى مستوى قدرها، فكلها تفرض قوانين مرور كونية كما في تقاطعنا المذكور، ولولا أنها بهذا القدر لما وجدت المادة ولما وجدنا نحن في هذا الكون، فهل من المعقول أننا عندما نرى إشارات المرور البسيطة نحكم بوجود شرطة مرور أو بلدية وضعت إشارات المرور في التقاطع لتنظيم المرور ونحكم أن من وراء هذه الشرطة حكومة تنظم عملها، ولا نحكم أن هناك قوة حكيمة عالمة هي التي وضعت القوانين الكونية التي وجدناها وثبتت لنا علمياً ووجدنا أنها تنظم وتحكم المرور في الكون كله؟!
العاقل يحكم ولا شك بوجود منظم وضع هذه القوانين التي تنظم الكون، أما الذي يصر على إنكار المنظم الحكيم العالم فإصراره والحال هذه مجرد عناد ولجاج مقيت يدل على أن صاحبه لا يختلف كثيراً عن أولئك الذين كانوا يصرون على أن الأرض لا تدور.
فهل كل هذا النظام بلا منظم؟! عجبت والله ممن يعتقد هذا، ومع ذلك يقول: إن من وضع الإشارات الضوئية هم شرطة المرور أو إدارات الطرق وكان عليه أن يكون منصفاً مع نفسه ويمرر عشوائيته هنا أيضاً ويقول: إن إشارات المرور صنعت نفسها بنفسها وجاءت بنفسها إلى التقاطع، فهل من العقل أننا نرى نظاماً وقوانين في موضع فنقول: إنّ هناك منظماً، ونرى النظام والقوانين في موضع آخر ونقول: لا يوجد منظم عالم قد وضعها؟!!!
ولو اختصرنا دليل صفة الأثر دالة على صفة المؤثر وبالتالي على وجود المؤثر المتصف بها نقول:
لدينا - نحن والملحدون - عندما ندخل لمحكمة العقل الإنساني:
الأثر = الكون، صفة الكون = قانون ونظام، صفة المؤثر = مُنظم عالم، المؤثر = مجهول.
فنحن تتبعنا الكون في العلوم الحديثة فعرفنا صفته، وهذه الصفة عرفتنا بصفة الموصوف الذي أظهرها للوجود، فتبين من صفته أنه منظم (مقنن)، وبالتالي فهو مدرك وعالم.
الآن ثبت أن هناك مؤثراً يتصف بأنه منظم ومدرك وعالم.
إذن، فنحن أثبتنا وجود المنظم العاِلم الذي قنن الكون (وبالنسبة لنا: فهو المطلوب إثباته).
صفة الأثر دالة على صفة المؤثر في الحياة الأرضية:
لا شك أن حزمة القوانين الفيزيائية الكونية أيضاً حاكمة على الأرض وفي الأرض وبهذا فيصلح أن تساق كدليل هنا أيضاً، فالقوانين هي سبب هذا النظام المُنتِج، والطبيعة التي تقوم بالانتخاب ما هي إلا نتاج لهذه القوانين وبالتالي فهي مبنية على قوانين صارمة ومقننة، ولا يمكن أن يقال: إنها عشوائية وغير مقننة، والنتيجة فانتخاب الطبيعة للأشكال المناسبة أو الأنسب مقنن أو مرتكز على قوانين، وما دام هناك قوانين فيزيائية على الأقل هي واضحة لنا وبقدر لا بأس به في المستوى الذري وما دون الذري وهو مستوى تعتمد عليه الحياة ويشكّل الحياة على الأرض، فإذن هناك مقنن، وهو المطلوب.
وهذا أمر واضح، لهذا نكتفي بهذا البيان له هنا وسنعرض له في مواضع أخرى، وسنعرض فيما يأتي إلى ثلاثة أمور أخرى تتعلق بالحياة الأرضية بالخصوص هي:
- الخريطة الجينية.
- وقانون التطور أو الارتقاء بالانتخاب الطبيعي.
- والهدف من التطور أو الارتقاء بالانتخاب الطبيعي] ([١٣]).
وهنا يطرح الملحدون إشكالاً مفاده: إن حدوث الزلازل في الأرض واصطدام بعض الأحجار أو الكويكبات بالأرض في أوقات سابقة... الخ، يدل على أن الموجود ليس نظاماً بل عشوائية.
وهذا في الحقيقة لا يعدو كونه إشكال الجاهل على فعل ما يجهله، فوجود النظام العام المنتج وثبوته وثبوت كونه منتج لهدف، لا ينقض بوجود حدث لا يتفق مع النظام العام بحسب الظاهر، ولتقريب الصورة أكثر: فلو كان هناك بستان منظم وفيه أشجار منظمة وغاية في الدقة والتنظيم من جهة الأنواع والمسافات بينها، ورأينا في وسط هذا البستان قطعة أرض قد قلعت أشجارها وجرفت تربتها، فهل هذا الحدث وجهلنا بحيثياته يخولنا أن نحكم على هذا البستان بأنه غابة أو غير منظم، رغم كل التنظيم الذي نراه يحيط بهذه البقعة التي خربت؟ الحقيقة إننا نكون في قمة العبثية إن حكمنا على هذا البستان بأنه غابة لأننا وجدنا في وسطة بقعة خربت بصورة ما، مع أننا لا ندري لعل سبب هذا التخريب هو لإنشاء دار للسكن في البستان، أو إنشاء بحيرة لزراعة الأسماك، أو مزرعة أبقار أو مرعى مكشوف... الخ، من أسباب محتملة لا نعلمها. ونفس الشيء ينطبق على الأحداث التي يقولون إنها تنقض دليل النظم في هذه الأرض وهذا الكون، فحيث إن النظم قد تبين وثبت بالأدلة، فإنه لا يُنقض بأحداث جُزئية لا يُعلم علتها بصورة تامة، وربما لو عرفنا علتها لقلنا إنها غاية التنظيم والحكمة ([١٤]).
فأي جهل أكبر من أن يحكم كائن لا يتجاوز عمره في أحسن الأحوال مائة عام - كالإنسان -، على حدث يمتد أثره بعده آلاف أو مئات الآلاف أو حتى ملايين السنين، أليس هذا تماماً كحكم خُلد أعمى يقبع في جحر تحت الأرض على من يقومون بحفر أساس لناطحة سحاب، بأنهم مخربون وعبثيون وقوة غير منظمة ولا عاقلة؛ لأن حفرهم تسبب بإتلاف جحره مثلاً؟! ثم من قال إن كل حدث يخالف المصالح المادية الجسمانية لبعض الموجودات في وقتٍ ما هو فعل عبثي غير عاقل، أليس من الممكن أن يكون هادفاً لإصلاح بعض النفوس، أو يهدف لتحقيق مصلحة الكل ؟ أليس القوانين العادلة التي يقرها الجميع تنص على معاقبة المجرم القاتل أو السارق، فهل هذه العقوبة عبث وتدل على عدم النظام وعدم العقل؛ لأنها تسبب ضرراً لإنسان ما؟ أم إن هذه العقوبة هي غاية الحكمة والتنظيم والعقل مع اشتمالها على إتلاف نفس أو مال أو التسبب بضرر ما ؟!!! الحقيقة إن النظم ثابت، وبالتالي فقد ثبت المنظم الحكيم لمن يطلب الحق، والإشكالات لا تنقض الدليل، بل تبقى مجرد إشكالات تشير إلى فشل ملقيها في إثبات عقيدته، ولهذا فهو انتقل إلى الإشكال بعد أن أقرّ بعجزه عن مقارعة الدليل ([١٥]).
الهوامش
- ↩[٩] . ولابد من لفت الانتباه أننا هنا مجاراة للاستخدام اللفظي نسمي ظل العقل عند الإنسان بالعقل، باعتبار أنه صورته ويصح أن نسميه به، وإلا فالعقل الحقيقي هو ما في السماء السابعة الكلية.
- ↩[١٠] . أما سوق الآيات القرآنية هنا فليس باعتبار أنها حجة بذاتها بل باعتبار أنها تطرح دليلاً عقلياً فليس للمخالف رد الدليل المطروح باعتبار أنه من القرآن وهو لا يؤمن بالله ولا بالقرآن، فنحن لا نلزمه بالدليل لأنه قرآني بل لأنه عقلي فإذا كان لا يلتزم بهذا الدليل العقلي فعليه أن يرده بدليل نقض عقلي.
- ↩[١١] . قال تعالى: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [الأنعام: ٧٥ - ٧٩].
- ↩[١٢] . الجينات والكائن كخريطة البناء والبناء نفسه، فالجينات تمثل الخريطة والكائن الحي يمثل ناتج تنفيذ الخريطة.
- ↩[١٣] . وهم الإلحاد: ص١٩٤.
- ↩[١٤] . وجود التفاوتات الكمومية في الفراغ كافٍ لدحض فكرة أنّ الإنسان يمكنه الإحاطة بالأسباب والعلل بصورة تامة.
- ↩[١٥] . وهذا الأمر نجد كل عاجز يتعكز عليه لعله يرضي نفسه بالتمسك بعقيدته الباطلة.