الفصول
المرسى السابع: جلجامش ويوسف (ع)
مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد · السيد أحمد الحسن
-المرسى السابع: جلجامش ويوسف (ع)
انتصر جلجامش في رحلته الأُولى وقتل الشيطان خمبابا، وعاد إلى أوروك ولبس تاجه لتبدأ معركته الثانية مع الدنيا (الآلهة عشتار أو أنانا):
« ولما لبس جلجامش تاجه رفعت عشتار الجليلة عينيها ورمقت جمال جلجامش فنادته:
تعال يا جلجامش وكن عريسي،
وهبني ثمرتك أتمتع بها،
كن زوجي وأكون زوجك،
سأعد لك مركبة من حجر اللازورد والذهب،
وعجلاتها من الذهب وقرونها من البرونز،
وستربط لجرها شياطين الصاعقة بدلاً من البغال الضخمة،
وعندما تدخل بيتنا ستجد شذى الأرز يعبق فيه،
إذا دخلت بيتنا فستقبل قدميك العتبة والدكة،
سينحني لك الملوك والحكام والأمراء ......
ففتح جلجامش فاه وأجاب عشتار الجليلة وقال: .......
أي خير سأناله لو تزوجتك ؟
أنتِ !
ما أنتِ إلا الموقد الذي تخمد ناره في البرد،
أنتِ كالباب الناقص لا يصد عاصفة ولا ريحاً،
أنتِ قصر يتحطم في داخله الأبطال،
أنتِ فيل يمزق رحله،
أنتِ قير يلوث من يحمله وقربة تبلل حاملها،
أنتِ حجر مرمر ينهار جداره،
أنتِ حجر يشب يستقدم العدو ويغريه،
وأنتِ نعل يقرص قدم منتعله،
أي من عشاقك من بقيت على حبه أبداً ؟
وأي من رعاتك من رضيت عنه دائماً ؟ .................
ولما سمعت عشتار هذا استشاطت غيظاً وعرجت إلى السماء،
صعدت عشتار ومثلت في حضرة أبيها آنو وأمها آنتم فجرت دموعها وقالت:
يا أبي إن جلجامش قد عزرني وأهانني،
لقد سبني وعيرني بهناتي وشروري،
ففتح آنو فاه وقال لعشتار الجليلة:
أنت التي تحرشت فأهانك جلجامش،
وعدد مثالبك وهناتك،
ففتحت عشتار فاها وقالت لـ (آنو) اخلق لي يا أبت ثوراً سماوياً ليهلك جلجامش،
وإذا لم تخلق لي الثور السماوي فلاحطمن باب العالم الأسفل،
وافتحه على مصراعيه واجعل الموتى يقومون فيأكلون كالأحياء،
ويصبح الأموات أكثر عدداً من الأحياء،
ففتح آنو فاه وأجاب عشتار الجليلة وقال:
لو لبيت طلبك لحلت سبع سنين عجاف لا غلة فيها،
فهل جمعتِ غلة تكفي الناس ؟،
وهل خزنت العلف للماشية ؟،
فتحت عشتار فاها وأجابت آنو أباها قائلة لقد كدست بيادر الحبوب للناس وخزنت العلف للماشية،
فلو حلت سبع سنين عجاف فقد خزنت غلالاً وعلفاً تكفي الناس والحيوان » [ملحمة جلجامش].
وفي القرآن: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ( ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ( ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩] ([٣٣]).
* * *
الهوامش
- ↩[٣٣] . والسؤال هنا: أيُّ ربط يمكننا أن نفهم بين جلجامش الموعود وبين نبي الله يوسف ( (حفيد إبراهيم () ؟ الجواب: إنّ من طالع روايات آل محمد / يعرف بكل وضوح تمام الربط، فدنيا يوسف ( التي تجسّدت بزليخا الفاتنة وملكها وخدمها، والتي قرّرت سجنه وعقوبته بسبب رفضه السجود لها وطاعتها في طلبها، هي ذاتها الدنيا (زليخا جلجامش) التي تطلب الآن عقوبته لرفضه السجود لها، ومعرفة ذلك يسهم في التعرف على سبب قلة أنصار المهدي ( وكثرة أعدائه من أهل الدنيا الفاتنة. ولهاذا صار أكيداً أنّ الاعتبار بما جرى على يوسف ( ومعرفة قصته جيداً، له أثر كبير في الالتحاق بركب يوسف آل محمد، المنقذ العالمي والمنتظر الموعود. عن سدير الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق ( يقول: (إن في صاحب هذا الأمر لشبه من يوسف، فقلت: فكأنك تخبرنا بغيبة أو حيرة ؟ فقال: ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك ؟ إن إخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء أسباطاً أولاد أنبياء دخلوا عليه فكلموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه وكانوا إخوته وهو أخوهم، لم يعرفوه حتى عرَّفهم نفسه، وقال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ فما ينكر هذه الأمة المتحيرة أن يكون الله عز وجل يريد في وقت [من الأوقات] أن يستر حجته عنهم، لقد كان يوسف إليه مُلك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه مكانه لقدر على ذلك [والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر]، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقه صاحب هذا الأمر يتردد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه حتى يأذن الله له أن يُعرِّفهم نفسه، كما أذِن ليوسف حتى قال له إخوته: إنك لأنت يوسف قال: أنا يوسف) بحار الأنوار: ج ٥٢ ص١٥٤. للمزيد أنظر: ملحق رقم (٤).