الفصول

المرسى الثامن: هناك من يسقط أو يتعثر في رحلة الخلود

مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-المرسى الثامن: هناك من يسقط أو يتعثر في رحلة الخلود

بيَّنتُ أنّ رحلة جلجامش تتكلّم عن الخلود الروحي والحياة الأُخروية الخالدة، وليس عن خلود جسدٍ فانٍ، يعلم السفهاء بفنائه، فكيف بجلجامش الذي يُوصَف في الملحمة بأنه حكيم وعارف بحقائق الأُمور.

وبما أنّ الخلود والموت المذكور في القصة يراد منه خلود وموت الروح، فيكون موت أنكيدو كذلك ([٣٤])، فلم يتمكن أنكيدو من إتمام رحلة الخلود دون أن يسقط أو يتعثَّر في الطريق ويرتكب المحرمات ويخالف وصايا جلجامش له، فتكون النتيجة أنه سقط في براثن العالم الأسفل ويحاول جلجامش إنقاذه من براثن العالم الأسفل وإقامته من عثرته:

« هبط أنكيدوا إلى العالم السفلي،

إلا أنه لم يلتزم بكلمات سيده -

ولبس ثياباً نظيفة،

فهجم أصحاب السلطة عليه كأنهم أعداء،

ومسح جسمه بزيت الكأس العذب،

فتجمعوا من حوله من جراء رائحته،

ورمى عصا الرماية في العالم السفلي،

فأحدق به أولئك الذين أصيبوا بها،

وحمل عصا بيده،

فأضطربت أشباح الموتى من حوله

ولبس نعلاً في قدميه، ([٣٥])

وأحدث صوتاً في العالم السفلي،

وقبل الزوجة التي أحبها،

وصفع الزوجة التي كرهها،

وقبل الابن الذي أحبه،

وصفع الابن الذي كرهه،

فأمسكت به صيحة العالم السفلي بقوة -

............

............

إنه لم يسقط في المعركة مكان الرجولة

إن العالم السفلي هو الذي يمسك به بقوة » [السومريون - صموئيل نوح كريمر: ص٢٨٨].

[إنّ قصة موت أنكيدو ودفنه هي على أرجح الاحتمالات من أصل بابلي غير سومري. فبموجب القصيدة المعنونة "جلجامش وأنكيدو والعالم الأسفل" لم يمت انكيدو موتاً بالمعنى المألوف للموت وإنما احتجزه في العالم الأسفل (كور)، وهو ذلك الشيطان الموكل بالعالم الأسفل والشبيه بالتنين، لأنه ارتكب المحرمات الخاصة بالعالم الأسفل، وهو عارف بها. ولقد اخترع مؤلفوا "ملحمة جلجامش" البابليون حادث موت "انكيدو" ليهيئوا الباعث القصصي الدراماتيكي على سعي جلجامش ونشدانه الخلود وهو ما يؤلف الذروة الدرامتيكية في القصيدة ..............

ولكن مهما كان الحال، فإنّ الشعراء البابليين لم يكونوا بأية حال من الأحوال مجرد مستنسخين ومقلدين تقليداً أعمى للمادة السومرية. بل الواقع أنهم بدلوا وغيروا في مضمونها وكيفوا تركيبها وهيئتها إلى درجة جسيمة لتلائم مزاجهم وتراثهم، بحيث لم يبق ما يميز منها إلا النواة السومرية الأصلية] [من ألواح سومر - صموئيل نوح كريمر].

* * *

الهوامش

  1. ↩[٣٤] . أي موت روحي أيضاً، ومثل هؤلاء لا يتوفقون لنصرة المنتظر الموعود، ذلك أنّ أنصاره ورد في وصفهم: عن سليمان بن هارون البجلي، قال (سمعت أبا عبد الله (: يقول: إنّ صاحب هذا الأمر محفوظة له أصحابه لو ذهب الناس جميعاً أتى الله له بأصحابه، وهم الذين قال الله عز وجل: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين"، وهم الذين قال الله فيهم: "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين") الغيبة للنعماني: ص٣٣٠. ومعنى أنّ الله يحبهم وهم يحبونه: أنّ قلوبهم وأرواحهم حية وطيبة، فتستمع من الله، وتقبل شهادته وتصدق بآياته، بخلاف المأسورين إلى العالم الأسفل وبراثنه، فهم في الحقيقة موتى القلوب، وهم الذين مثّلهم أنكديو في الملحمة السومرية.
  2. ↩[٣٥] . وهي علامة أهل الدنيا والعالم السفلي، ومن كان قلبه منشد إليها لا يدخل ساحة القدس والطهارة والحياة الأبدية. قال تعالى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: ١٢]. قال السيد أحمد الحسن ( في بيانها: (النعل في رجل أيِّ إنسان يقيها، ولكنه أيضاً يُبطّئ من سرعة سيره. ولم يُرِد سبحانه وتعالى فقط النعلين الماديين اللتين تُبطّئان من سرعة سيره ( للوصول إلى الشجرة التي كُلِّم منها، بل أيضاً كان سبحانه يريد من موسى ( أن ينزع من نفسه كل ما يعيقها في سيرها إلى الله سبحانه، فكان سبحانه يريد من موسى ( أن ينزع حبّه لما سوى الله، وأن ينزع خوفه مما سوى الله. فلا يقي نفسه بالخوف والحذر، بل بالله سبحانه وتعالى، ويكون حبّه لأيِّ إنسان بالله ومن خلال حبّه لله سبحانه وتعالى ........ فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى (: أنت وصلت إلى ساحة القدس الإلهية، ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً ولا تَخْشَى﴾؛ لأنّ الذي يدافع عنك هو الله، فأنت الآن في ساحة قدسه، الوادي المقدس طوى، ولم يكن في قلب موسى ( بعد أن وصل إلى ساحة القدس الإلهي أي خوف من الطواغيت، ولكنْ في هذا الخطاب الإلهي تعليم من الله سبحانه وتعالى لكل إنسان يريد الوصول إلى الساحة المقدّسة (الوادي المقدّس طوى)، أنّ عليه أولاً - وليكون أهلاً أن يلج هذه الساحة المقدّسة - أن ينزع من قلبه الخوف من الطواغيت كفرعون، ويوقن أنّ الذي يدافع عنه هو الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، في مقابل من لا يقدرون على شيء. فالمطلوب من موسى ( الآن، وهو يلج ساحة القدس، أن ينزع من قلبه الخوف مما سوى الله ولو كان مثقال ذرة، ثم أن يملأ قلبه خوفاً من الله سبحانه وتعالى ...) الجواب المنير: ج ٢ سؤال رقم ٦٠. وما أراد الله تعليمه لموسى (، هو ذاته ما أراد جلجامش تعليمه لأنكيدو ليدخل معه ساحة القدس الإلهي، ولكنه لم يلتزم بكلام سيده، فبدل أن يخلع نعليه قام بلبسهما، وهو شأن أهل الدنيا دائماً.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
المرسى الثامن: هناك من يسقط أو يتعثر في رحلة الخلود - مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.