المقدمة

تقديم

مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد · علاء السالم

المصدر ↗

-تقديم

ذكر الإمام الصادق ( احتجاج ابنه القائم ( على الناس، وقوله لهم:

(.. أجيبوا إلى مسألتي، فإني أنبئكم بما نُبِّئتم به وما لم تُنبَّئوا به، ومَنْ كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني، ثم يبتدئ بالصحف التي أنزلها الله عز وجل على آدم وشيث عليهما السلام، وتقول أُمة آدم وشيث هبة الله: هذه والله هي الصحف حقاً، ولقد أرانا ما لم نكن نعلمه فيها وما كان خفي علينا وما كان اُسقط منها وبُدِّل وحُرِّف. ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم عليهما السلام والتوراة والإنجيل والزبور، فيقول أهل التوراة والإنجيل والزبور: هذه والله صحف نوح وإبراهيم عليهما السلام حقاً وما اُسقط منها وبُدِّل وحُرِّف منها، هذه والله التوراة الجامعة والزبور التام والإنجيل الكامل وإنها أضعاف ما قرأنا منها. ثم يتلو القرآن فيقول المسلمون: هذا والله القرآن حقاً الذي أنزله الله تعالى على محمد / ..) [مختصر بصائر الدرجات: ص١٨٣].

وأكيد أنّ احتجاج القائم ( بتلك الصحف لا يُتصوَّر فيما لو انفرد القائم بها بحيث لم تكن معروفة عندهم، وهل أيسر من دفعهم لها حينذاك بزعم أنها مبتدعة مثلاً !!

لذا اقتضت حكمة الله، أن يأتي الداعي الإلهي مصدقاً لما بين أيدي المنتظرين، ونداؤه دائماً (مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ)، كلٌّ بحسب كتابه ونصوصه، فإنها وإن افترض فيها تعرضها للتحريف والتزوير بفعل علماء السوء أو تدخّل سلطات الجور، لكن بقاء ما يكفي لإقامة الحق والحجة عليهم أمر لا يشك فيه عاقل حكيم.

على هذا الأساس، طرح السيد أحمد الحسن (اليماني الموعود، والمخلص المنتظر)، حجته وبرهان صدق دعوته العالمية على المسلمين محتجاً عليهم بالقرآن والسنة، وعلى اليهود بنصوص أسفار التوارة، وعلى المسيحيين بالنصوص المذكورة فيها بالإضافة إلى نصوص العهد الجديد.

ولكن يبقى السؤال قائماً: أين هي صحف آدم وشيث ونوح وإبراهيم / التي سيحتج بها، وهل أبقى الطوفان الأول (طوفان نوح () لها أثراً ؟!

ثم لا شك في أنّ معرفة ما في تلك الصحف له أهمية بالغة؛ إما لإسهامه في إقامة الحجة على من يعتقد بها، أو - وهو الأهم ربما - إسهامه بتصحيح ما في ذهنية المنكر لدعوة القائم اعتماداً على ما عنده، فإنه لما يرى أنّ تلك الصحف تقول بخلاف معتقده وتتوافق تماماً مع ما يطرحه القائم في دعوته يسعى لتعديل موقفه، إذ كيف له أن يفرح بما يخالفه فيه أنبياء الله (آدم ونوح وإبراهيم /) !!

ولكن: بأيِّ صورة سننتظر وصول تلك الصحف، والحال أنّ عهد التدوين والكتابة لم يكن قد بدأ إلا في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد تقريباً كما يقول علماء التاريخ والآثار ؟!

إنّ كشف خيوط هذا المجهول بالنسبة إلينا بحاجة إلى عنصرين مهمين؛ الأول: العثور على نفس الصحف (مادة الحقيقة). والثاني: توفر معلم حقيقي وحكيم عارف بها.

وبكل تأكيد فإنّ العنصر الثاني ضرورة ملحة، تتضح فيما لو تصورنا أنّ خرائط هندسية معقدة رسمها مهندسون ماهرون، قُدِّر لها أن تقع بيد صبي أو جاهل، ثم أُتيح له فرصة أداء عملٍ ما على طبقها فماذا ستكون النتيجة ؟! هي ذاتها نتيجة من تقع بيده مثل تلك الصحف الإلهية وهو غير عارف بها.

وفيما يرتبط بالعنصر الأول، نسأل: أين بوسعنا العثور على مثل تلك النصوص ؟

لا أعتقد أنّ باحثاً آثارياً كان أو دينياً يخطر في باله غير بلاد سومر وأكاد؛ ذلك أنّ نوحاً وإبراهيم (أحفاد آدم وشيث) منهم، كما أنّ التاريخ الإنساني لم يحدثنا عن حضارة سبقت السومريين لنبحث عن تلك الصحف في بلادهم.

وبمعرفة هذا، نعرف أنّ المعلِّم العارف والحكيم (وهو العنصر الثاني لكشف الحقيقة) يفترض به أن يكون سومرياً أيضاً، فذلك هو الوجه الصحيح الذي بتوفّره يمكن أن نقطف الثمار، وبدونه لا يعدو حالنا حال من يزرع حديدة في صحراء وينتظر أن يأكل منها عنباً !!

أما لماذا ؟ فلأنها نصوص - لو وجدت - تحكي لغة قوم في أزمان خلت، وهل أنت في يومك هذا كأمسك القريب، فما بالك بالأمس السحيق والبعيد !! هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى، إنها نصوص دينية، وهي عادة ما تكون مرمزة باعتبار أنها تكشف أسرار الغيب وملكوت الحقائق الإلهية، فمثلاً: كم سمعنا بـ (سبع بقرات سمان) ومن منا لم يخطر في باله أنها سبع بقرات من المواشي السمينة (بل ربما يخطر البقر الاسترالي بالخصوص لأنه يحقق تلك الصفة بامتياز)، ولكن من يعرف أنها سبع سنين ويقوم بتأسيس اقتصاد بلد كامل كمصر غير يوسف الصديق ( في زمنه !! وقصة الصحف المبحوث عنها هي كذلك تماماً.

ومن جهة ثالثة، إنّ النصوص الدينية مهمة بنظر الإنسان المتدين بفطرته، وصراع الحق والباطل لا يكاد ينتهي يوماً في دنيا الامتحان، لذا عادة ما يعمد أتباع الباطل إلى تحريفها والتلاعب بها مرة، أو إسقاطها على غير أهلها الحقيقيين أُخرى، وذلك يؤدي بالتأكيد إلى غياب الحقيقة أو تشويشها، ومَنْ يستطيع أن يكتشف المزور ليقطعه من المشهد ويرجع إلى الصورة وضوحها غير المعلِّم الرباني والحكيم !!

قيل عن نصوص جميع الصحف والكتب الإلهية إنها أساطير، رغم قربها من تاريخ إنسان القرن الحادي والعشرين، فماذا سيكون نصيب تلك الصحف من وصف يا ترى ؟!!

في الربع الأول من القرن المنصرم زادت عمليات الحفر والتنقيب من قبل علماء الآثار في جنوب العراق، بلاد ما بين النهرين (سومر وأكاد) وما جاورها، وزاد اكتشاف عدد الألواح والرقم الطينية السومرية، وهو خبر سار لمن يتابع معنا رحلة البحث عن صحف آدم ونوح وإبراهيم، فلعلَّ بعضاً منها يكون قد عُثر عليه بين تلك الآثار ؟! وقبل ذلك بعقود، وتحديداً في عام (١٨٥٣ م)، تم اكتشاف نص ملحمة جلجامش الشهيرة لأول مرة، درّة تاج حضارة وادي الرافدين كما يقال، وهي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على ١٢ لوحاً طينياً في مكتبة شخصية عائدة للملك البابلي آشور بانيبال في العراق.

قيل عنها: أُسطورة، ولأن أُممية الملحمة لا يكاد ينكر منذ القدم ولا يزال، راح بعضهم يصور ضرورة الأساطير في حياة الانسان القديم والحديث معاً. وقيل عنها: إنها أقدم قصة كتبها الإنسان، وراح بعض العراقيين يفتخرون على غيرهم باعتبار أنهم أصحاب أقدم قصة في تاريخ الإنسانية !! وقيل عنها: إنها عمل تراثي أدبي يلهم مبدعي الفن والأدب .... الخ، وهكذا بقي هذا النص السومري في أحسن أحواله ينفع في التعرف على تاريخ حضارة وادي الرافدين وطريقة تفكير الإنسان القديم. وإذا كان هذا هو حال التعامل مع درّة النصوص السومرية كما سمعنا، فما عساها تكون النظرة إلى ما تم اكتشافه من ألواح سومر الأُخرى ؟!!

هذه هي قراءة أغلب علماء الآثار والدين أيضاً للألواح والرقم الطينية المكتشفة في أرض الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم (العراق). وذلك ليس باعثاً فقط على الأسى الناتج من عدم العثور على تراث الأنبياء (الصحف)، ولا أنه تجني على شعب بأكمله بتصويره أسير أساطير وخرافات ليس إلا (مع الاعتراف في نفس الوقت بأنه صاحب أقدم وأعرق حضارة، وقام بتعليم غيره الكتابة والزراعة وصناعة العربة وسن القوانين والهندسة والجبر ... الخ)، ليس هذا فقط، إنما صارت تلك النظرة غير المنصفة لنصوص السومريين باعثاً على تصوير الأديان اللاحقة (اليهودية والمسيحية والاسلام) مجرد خرافة وأساطير هي الأُخرى !!

هذا، ولكن انبرى معلم وحكيم سومري (من جنوب العراق)، قائلاً: (.. أنّ القصص السومرية ما هي إلا إخبارات غيبية جاء بها آدم إلى الأرض، وهي قصص الصالحين من أبنائه وما سيمر بهم، وخصوصاً من يمثلون علامات مهمة في طريق الدين، مثل دموزي "الابن الصالح"، أو جلجامش). نعم، وقوع التحريف والتزوير في بعضها لا يعني الحكم عليها جميعاً بالأساطير.

ثم أقول: لو قُدِّر لمتعلّم بين يدي جلجامش السومري أن يحضر اليوم بيننا ليقدم شرحاً لبعض مفردات ملحمة قائده ومقاصدها، فلا أعتقد أنّ منصفاً في العالم لا ينصت إجلالاً ويحرص على أن لا يشغله عن استماعه شاغل، فكيف سيكون الانصات فيما إذا كان المتحدث هو (جلجامش) العالم والحكيم نفسه !! إنها إذن (مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد)، يضعها السيد أحمد الحسن ( بين يدي طلاب الحق والحقيقة، وقمت بوضع بعض التعليقات والملاحق لزيادة الفائدة، والحمد لله رب العالمين.

المعلّق: ٢٤ صفر ١٤٣٤ هـ

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
تقديم - مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.