الفصول

ثانياً : الجهاد الدفاعي

الجهاد باب الجنة · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-ثانياً : الجهاد الدفاعي

وهو قتال المؤمنين ودفاعهم عن الأرض التي يدين أهلها بدين الحق عندما يهاجم هذه الأرض الكفار أو المشركون، وجميع الأديان الإلهية تجيز الجهاد الدفاعي بل وتوجبه على المؤمنين، بل هو مسألة فطرية وغريزية حتى لدى الحيوانات فهي تدافع عن أعشاشها وأوكارها وجحورها. ولا يختلف الناس في جواز القتال دفاعاً عن الأرض، وحتى القوانين العلمانية في الأمم المتحدة الآن تعتبر مقاومة المحتلين من قبل أهل البلد الأصليين مشروعة. والعجب كل العجب أنّ أئمة الضلالة في هذا الزمان أضطرونا للدفاع عن هذا الحق الذي شرعه الله ووافق الفطرة والغريزة وأقره جميع الناس، ولكنهم خونة خانوا الله سبحانه وتعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها واشتروا الحياة الدنيا ورضا أمريكا والغرب المادي بسخط الله، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾([٥٣]). وفي مكارم الأخلاق من جملة وصايا رسول الله / لابن مسعود: ( يابن مسعود الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، فمن أدرك ذلك الزمان ممن يظهر من أعقابكم فلا يسلم عليهم في ناديهم، ولا تشيع جنائزهم، ولا يعود مرضاهم فإنهم يستسنون بسنتكم ويظهرون بدعواكم ويخالفون أفعالكم فيموتون على غير ملتكم، أولئك ليسوا مني ولست منهم، إلى أن يقول: يابن مسعود يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه مثل القابض بكفه الجمرة فإن كان في ذلك الزمان ذئباً وإلاّ أكلته الذئاب. يابن مسعود علماؤهم وفقهاؤهم خونة فجرة الا إنهم أشرار خلق الله، وكذلك أتباعهم ومن يأتيهم ويأخذ منهم ويحبهم ويجالسهم ويشاورهم أشرار خلق الله يدخلهم نار جهنم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون. يابن مسعود يدعون أنهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرايعي إنهم مني براء وأنا منهم برئ. يابن مسعود لا تجالسوهم في الملاء، ولا تبايعوهم في الأسواق، ولا تهدوهم إلى الطريق، ولا تسقوهم الماء، قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾([٥٤])، يقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾([٥٥]). يابن مسعود وما أكثر ما تلقى أمتي منهم العداوة والبغضاء والجدال أولئك أذلاء هذه الأمة في دنياهم ، والذي بعثني بالحق ليخسفن الله بهم ويمسخهم قردة وخنازير. قال: فبكى رسول الله وبكينا لبكائه وقلنا: يا رسول الله: ما يبكيك؟ فقال: رحمة للأشقياء، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾([٥٦])، يعني العلماء والفقهاء ... )([٥٧]). فهذا حال فقهاء آخر الزمان على لسان رسول الله، فلا حجة لمن يتبعهم وهم يعطلون فريضة الجهاد الدفاعي. ويبقى التساؤل إذا كان الدفاع عن الأرض والوطن الذي يستوطنه الإنسان هو موافق للفطرة، والفطرة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾([٥٨])، وهي الحق، فهل يكون دفاع أهل الشرك والكفر وقتالهم لولي الله وخليفته في أرضه إذا هاجم المؤمنون أرضهم حقاً؟! والجواب: إنّ حب الأرض والوطن من الفطـرة الجسمانية أي الغرائز، وعلى الإنسان أن يوجهها بالاتجاه الصحيح وإلاّ فإنها ستكون وبالاً عليه، فيجب أن يحب الإنسان لبلده الخير والصلاح والعدل لا أن يحب له الشر والفساد والظلم، ومن المؤكد أنّ خليفة الله في أرضه يريد نشر كلمة لا إله إلاّ الله في كل الأرض، ويريد لأهل الأرض الخير والصلاح والعدل، فهو يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فيكون حب الأرض والوطن والدفاع عن البلد هو الوقوف مع ولي الله وخليفته في أرضه، وتسهيل دخوله إلى الأرض والوطن لينشر الخير والصلاح والعدل ودين الحق، فالذي يقاتل ولي الله وخليفته في أرضه لا يريد لأرضه ووطنه الخير والصلاح، بل يريد أن يبقى الظلم والفساد والجور على الأرض بتسلط أهل الباطل على هذه الأرض وبقاء دولة الطاغوت. * * * جواب السؤال: وأظن أنّه مما مضى تبيّن جواب السؤال الجهاد لماذا؟ وهو إعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾([٥٩]). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾([٦٠]). إذن، فالجهاد لإعلاء كلمة الله وليس لأجل مصلحة شخصية أو غنيمة أو مصلحة وطنية أو قومية، فالدين الإلهي فوق كل هذه الاعتبارات وعبادة الله وطاعته هي التي تجمع المؤمنين بصرف النظر عن الانتماء القبلي والوطني والقومي التي ترجع كلها إلى حقيقة واحدة هي الأنا وحب النفس. فالجهاد سواء الهجومي أم الدفاعي يجب أن يكون لإعلاء كلمة الله لا للدفاع عن الوطن أو الأرض لئلا تكون للمؤمن أي مصلحة شخصية في هذا الجهاد إلاّ إعلاء كلمة الله لكي تبنى الحضارة الإلهية والثقافة الإلهية والحرية الإلهية، وهي جميعها مناقضة تماماً للحضارة والثقافة والحرية التي يرفعها شعاراً العالم المادي اليوم، حيث إنّ ما يرفع اليوم هو راية الشيطان ليس إلاّ التي يسعى جند الشيطان من الإنس والجن بكل ما يستطيعون لإرسائها على هذه الأرض، ولإقناع أهل الأرض بالقوّة والطمع جبلي الدجال (جبل النار وجبل الطعام)([٦١]) أنها ما يلائمهم. والحقيقة أنّ جند الشيطان قد أعلنوا الحرب على جند الله وعلى الثقافة الإلهية والتي ترتكز على وجود خليفة لله في أرضه، فهم بحسب ديمقراطيتهم يرون ويقرّرون أنّ حكم الإمام المهدي ( وعيسى ( وإيليا ( يساوي حكم صدام (لعنه الله)؛ لأنها جميعاً في نظرهم دكتاتورية، فلا سبيل لإقامة حاكمية الله إلاّ توعية المجتمع الإلهي ثم القوّة. كما أنهم - أي جند الشيطان - أقاموا حاكمية الناس (الديمقراطية) ونقضوا حاكمية الله بالخداع والقوّة: ﴿َقََاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾([٦٢]).

الهوامش

  1. ↩[٥٣] - البقرة : ١٢٠.
  2. ↩[٥٤] - هود:١٥ .
  3. ↩[٥٥] - الشورى: ٢٠.
  4. ↩[٥٦] - سبأ: ٥١.
  5. ↩[٥٧] - مستدرك الوسائل: ج ١٢ ص٣٢٧، إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج ٢ ص١٣١ .
  6. ↩[٥٨] - الروم: ٣٠.
  7. ↩[٥٩] - النساء: ٧٦.
  8. ↩[٦٠] - التوبة: ١١١.
  9. ↩[٦١] - يشير ( إلى قصة الدجال الذي يدخل العراق من جبل السنام الواقع بين البصرة والكويت ومعه جبل من نار وجبل من طعام، فقد سأل الأصبغ بن نباته أمير المؤمنين قائلاً: (يا أمير المؤمنين من الدجال؟ فقال: ألا إنّ الدجال صائد بن الصيد، فالشقي من صدقه. والسعيد من كذبه ، يخرج من بلدة يقال لها إصفهان، من قرية تعرف باليهودية، عينه اليمنى ممسوحة، والعين الأخرى في جبهته تضئ كأنها كوكب الصبح، فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوب كافر، يقرؤه كل كاتب وأمي، يخوض البحار وتسير معه الشمس، بين يديه جبل من دخان، وخلفه جبل أبيض يري الناس أنه طعام، يخرج حين يخرج في قحط شديد تحته حمار أقمر، خطوة حماره ميل، تطوي له الأرض منهلاً منهلاً، لا يمر بماء إلاّ غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين يقول: إلي أوليائي؛ أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى ، أنا ربكم الأعلى. وكذب عدو الله، إنه أعور يطعم الطعام، ويمشي في الأسواق، وإن ربكم عزّ وجل ليس بأعور، ولا يطعم ولا يمشي ولا يزول. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ألا وإن أكثر أتباعه يومئذٍ أولاد الزنا ، وأصحاب الطيالسة الخضر ، يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من يصلي المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام خلفه ألا إنّ بعد ذلك الطامة الكبرى. قلنا: وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: خروج دابة (من) الأرض من عند الصفا ، معها خاتم سليمان بن داود ، وعصى موسى عليهم السلام ، يضع الخاتم على وجه كل مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقاً، ويضعه على وجه كل كافر فينكتب هذا كافر حقاً، حتى إن المؤمن لينادي: الويل لك يا كافر ، وإنّ الكافر ينادي طوبى لك يا مؤمن، وددت أني اليوم كنت مثلك فأفوز فوزاً عظيماً ...) كمال الدين: ص٥٢٦.
  10. ↩[٦٢] - التوبة: ٢٩.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
ثانياً : الجهاد الدفاعي - الجهاد باب الجنة - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.