الفصول

أولاً : الجهاد الهجومي

الجهاد باب الجنة · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-أولاً : الجهاد الهجومي

وهذا الجهاد هو فرض واجب على الأمة المؤمنـة التي تحمل راية خليفـة الله في أرضه في زمانهم، ويتمثل بمهاجمة وقتال كل الأمم والأقوام التي لا تعترف بدين الحق وخليفة الله في أرضه في ذلك الزمان حتى يذعنوا لكلمة لا إله إلاّ الله ودين الحق المرضي عند الله، ويسلموا زمام أمورهم لخليفة الله في أرضه في زمانهم، وقد قام به كثير من أنبياء الله ورسله وذكرته الكتب السماوية وكتب التاريخ بشكل لا لبس فيه، فقد قاتل قتالاً هجومياً لنشر التوحيد وإعلاء كلمة لا إله إلاّ الله يوشع بن نون ( وداوود ( وسليمان ( ومحمد / وعلي ( وهم أنبياء الله ورسله وعملهم حجة دامغة، وقاتلوا بأمر الله سبحانه وتعالى فلا سبيل لإنكار هذا العمل ووصفه بأنّه جهل أو تخلف أو عصبية أو طائفية أو مذهبية وتحت مسميات الثقافة والحضارة والحرية ، على أني سآتي على مناقشة هذه الحضارة والثقافة والحرية إن شاء الله. ولهذا الجهاد شروط وقيود ربما لم تكن ثابتة تفصيلاً في كل الأديان وفي كل الأزمان، وربما تبدلّت في نفس الدين الواحد بين فترة وأخرى بحسب الأوامر التي يأتي بها الأنبياء والرسل من الله سبحانه وتعالى، ولكنها إجمالاً ثابتة. ولعل أهم الشروط التي يعدها الناس ذات أهمية كبرى، وربما يتخذها بعضهم عذراً لتخلفه عن الجهاد والقتال في سبيل الله هي العدّة والعدد، وربما يتخذ بعضهم الفرقة أو قلة الوعي في المجتمع الإيماني عذراً للتخلف عن الجهاد، وكلا هذين الأمرين داخلان في العدّة والعدد، وسأعرض لهذه الأمور الثلاثة: العدّة والعدد: لا شك أنّ هذا شرط لكل مواجهة قتالية فإذا لم تكن هناك عدّة وعدد كافٍ للمواجهة العسكرية فستكون هذه المواجهة صعبة وربما غير ممكنة، ولكن يبقى أنّ شروط المواجهة الهجومية بحسب المعادلة العسكرية الحديثة تتطلب أن يكون عدد المهاجمين ضعف عدد المدافعين، وطبعاً كلما رجحت عدّة المهاجمين القتالية أمكن تقليل هذه النسبة لصالح المهاجمين، هذا بحسب القياسات المادية البحتة. أمّا بالنسبة للمؤمنين فالأمر يأخذ منحنى آخر والمعادلة العسكرية لدى المؤمنين يدخل فيها الغيب لأنهم يؤمنون بالغيب ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾([٢٣]). ولدى المؤمنين سلاح عظيم لا يملكه الجانب الآخر هو الدعاء، والاستغاثة بالله القوي العزيز: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾([٢٤])، والله الذي يستغيث به ويؤمن به المؤمنون خالق القلوب وبيده القلوب فهو الذي يملؤها قوّة وثباتاً وهو الذي يجعلها خاوية خليَّة إلاّ من الرعب والانكسار: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾([٢٥]). ولذلك فإنّ المعادلة العسكرية للمواجهة تنقلب رأساً على عقب هنا، فيكفي للهجوم أن يكون عدد المهاجمين نصف عدد المدافعين الكفار، بل في بداية الإسلام كان يكفي أن يكون عدد المهاجمين المؤمنين عُشر عدد المدافعين: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾([٢٦]). والله سبحانه وتعالى يمد المؤمنين بالملائكة، ويقذف في قلوب أعدائهم الرعب حتى قبل أن يدعوه ويستغيثوا به سبحانه؛ لأنهم خرجوا في سبيله وابتغاء مرضاته ونصراً لدينه وأنبيائه ورسله، وهو أولى أن ينصر دينه وانبياءه ورسله، وإنما ابتلى الخلق بطاعتهم ونصرتهم ليعلم من يطيعه وينصره بالغيب: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾([٢٧]). وهكذا يرافق ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ الثبات والملائكة وأيضاً الرعب في قلوب الذين كفروا، وكلها أسلحة غيبية يؤمن بها المؤمنون وتدركها بصائرهم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾([٢٨]). ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾([٢٩]). ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾([٣٠]). ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾([٣١]). وكما قدمت فإنّ عدد وعدّة المؤمنين الذين قاتلوا مع يوشع بن نون كانت أقل بكثير من الشعوب الكافرة التي واجهوها، وكذلك الحال بالنسبة لطالوت والجماعة المؤمنة الذين معه، بل إنّ في قصة طالوت وجماعته آية من الله سبحانه وتعالى، فداود الشاب وأصغر القوم سنّاً والذي تخلو يده من السلاح - فلم يكن معه إلاّ مقلاع وأحجار - يحقق الضربة القاضية على جيش جالوت ويقتل جالوت ويكون السبب الرئيسي في هزيمة جيش جالوت: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾([٣٢]). لم تكن في هذه القصة فقط الفئة المؤمنة القليلة العدد الضعيفة العدّة غلبت الفئة الكافرة الكثيرة العدد القوية العدّة، بل إنّ أضعف عدد وأقل عدّة - داود ( وأحجاره - حققت النصر في هذه المعركة، لم يكن أحد من الناس حتى المؤمنون يحسب لداود - صغير السن - وأحجاره حساباً في هذه المعركة لكن الله تكلم بداود وبأحجار داود، أراد الله أن يقول بهذه الآية أن لا قوّة إلاّ بالله. روي عن أبي عبد الله ( أنه قال: (القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه: ﴿ لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ﴾([٣٣]). وقال الذين لم يشربوا: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾([٣٤]). فجاء داود ( حتى وقف بحذاء جالوت، وكان جالوت على الفيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوت يلمع نوره وجنوده بين يديه، فأخذ داود من تلك الأحجار حجراً فرمى به في ميمنة جالوت ، فمر في الهواء و وقع عليهم فانهزموا، وأخذ حجراً آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا، ورمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته ووصل إلى دماغه ووقع إلى الأرض ميتاً فهو قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ﴾([٣٥]) )([٣٦]). فينبغي أن تأخذ معادلة العدّة والعدد منحنى آخر إذا كان القتال في سبيل الله فيكون النظر إليها محدوداً، لا إنها تمثل عائقاً دائماً عن الجهاد والقتال في سبيل الله، فالمطلوب أعدوا لهم ما استطعتم والباقي على الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾([٣٧]). وآمنوا وتيقنوا أنه ما النصر إلا من عند الله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾([٣٨]). فيأبى الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يبيّن أحقية الرسل وأتباعهم وذلك عندما يكونون قلّة مستضعفة فينصرهم الله على عدوه وعدوهم مع أنهم كثرة متعالية مستكبرة. وهكذا دائماً فإنّ الله سبحانه وتعالى يجرّد دينه والدعوة إليه من أي مغريات دنيوية أو سلطوية ليدخل في دينه ويجاهد في سبيله من يدخل ويجاهد، وهو لا يريد إلاّ الله ووجه الله، هكذا دائماً حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات، فدين الله الحق لا يُحف بالشهوات بل بالمكاره فالتفتوا يا أولي الألباب. قال رسول الله /: (حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات) ([٣٩]). وقال رسول الله /: (الحق ثقيل مر، والباطل خفيف حلو)([٤٠]). الوحـدة: الوحدة ضرورية لأي مجتمع قتالي وإلاّ فإنّ الفرقة في المجتمع القتالي نتيجتها الهزيمة لا محالة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُـولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّـابِرِينَ﴾([٤١])، وخصوصاً إذا كانت المواجهة مع عدو متفوق بالعدّة والعدد، ولكن هذه الوحدة لم تتحقق فيما مضى، فلم يكن بنو إسرائيل مع موسى أو مع يوشع أو داوود وسليمان متحدين، بل يوجد كثير وكثير جداً من المنافقين الذين لا يسلم موسى نفسه ( من ألسنتهم فضلاً عن غيره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾([٤٢]). ومع ذلك لم يتوانَ هؤلاء الأنبياء عن الجهاد والقتال في سبيل الله، وكان المسلمون مع رسول الله / غير متحدين بل هذا غير راضٍ عن هذا وهذا ينافق على هذا، وهم يقاتلون مع رسول الله / حتى ورد عن الإمام الصادق ( في قراءة هذه الآية هكذا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾([٤٣]). ومع علي بن أبي طالب ( أمر الفرقة والتشتت أبين من الشمس، حتى حملوه ( آلاماً ملأت كبده قيحاً، ومرّات ردّد هذا المعنى: (عجبت من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم)([٤٤])، وقال ( عندما ضربه بن ملجم لعنه الله: (فزت ورب الكعبة)، ولم يكن فقط فوزاً برضا الله سبحانه وتعالى والجنة، بل أيضاً كان فوزاً بالخلاص من أولئك القوم الذين كانوا يدّعون أنهم شيعة وجرّعوه الغصص نتيجة اختلافهم وتشتت آرائهم وعدم توحدهم على كلمة إمامهم. فالنتيجة الوحدة بشكل كامل غير متحصلة في الماضي، فالمطلوب إذاً وحدة مجموعة معتد بها والتفافهم حول الحق على أن تكون لهذه المجموعة العدّة والعدد للجهاد والقتال في سبيل الله، ولو بانضمام جماعة من المنافقين فيما بعد، أي الذين دخلوا في الاسلام ولم يدخل الايمان في قلوبهم ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([٤٥]). المجتمع الإيماني الواعي لفكرة الثورة الإلهية: أي أن لا يكون في المجتمع عدد من المنافقين كبير بحيث يؤثر على المجتمع الإيماني تاثيراً يؤدي به إلى الإنحراف الكامل، خصوصاً في أوقات الإلتحام القتالي في الجهاد لإعلاء كلمة الله، أو أن يكون هناك عدد من المؤمنين الواعين لفكر الثورة الإسلامية مهيمنون على المجتمع الإيماني المتقّبِل لهم وذلك بطرح الحق بشكل رصين وتعريف المجتمع الإيماني بالحق وأهله، وبذلك تتحجم خطورة النفاق بالوعي للحق وأهله من قبل كثيرين في المجتمع الإيماني، فلا يحصل الإنحراف الكامل بسبب النفاق وأهله، وطبعاً هذا غير متحقق مع وجود الفرقة ومع هيمنة أهل الباطل وقلّة أهل الحق. قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾([٤٦]). ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾([٤٧]). ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾([٤٨]). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾([٤٩]). ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾([٥٠]). ولكنّه يتحقق بفضل الله مع استمرار الجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله، وربما يتحقق بعد ذلك وبعد مدّة ليست بالقليلة كما هو الحال مع الإمام علي ( والإمام الحسين (، فقلة وعي المجتمع لفكرة الثورة الإلهية لا يكون مانعاً للجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله، ولكنه يكون عائقاً وعقبة تزول مع الوقت، بل إنّ فيه امتحاناً للمؤمنين ولحالهم ومدى يقينهم ورسوخ إيمانهم بالقتال لإعلاء كلمة الله مع ولي الله وخليفته في أرضه أو من ينصبه هو ( للقيام بهذا الأمر. فالوقوف عكس التيار ليس بالأمر اليسير ولكنه حال جميع الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم من المؤمنين، فلم يستقبل قوم نبياً بالأحضان كما هو بين في القرآن والكتب السماوية، ولم ينهض معه قومه للقتال وإعلاء كلمة الله ولكن آمن معه قليل، ونصره قليل، أو كما يعبر عنهم العلماء غير العاملين: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ([٥١]). فمع طالوت ( يعبر النهر فقط (٣١٣) رجلاً، وهم أيضاً العدّة التي مع رسول الله / في بدر، وهم أصحاب القائم أيضاً، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾([٥٢]).

الهوامش

  1. ↩[٢٣] - ال عمران: ١٢٤ - ١٢٥.
  2. ↩[٢٤] - الانفال: ٩.
  3. ↩[٢٥] - الانفال: ١٢.
  4. ↩[٢٦] - الانفال: ٦٥ - ٦٦.
  5. ↩[٢٧] - الحديد: ٢٥.
  6. ↩[٢٨] - الانفال: ١٢.
  7. ↩[٢٩] - ال عمران: ١٥١.
  8. ↩[٣٠] - الاحزاب: ٢٦.
  9. ↩[٣١] - الحشر: ٢.
  10. ↩[٣٢] - البقرة: ٢٥١.
  11. ↩[٣٣] - البقرة: ٢٤٩.
  12. ↩[٣٤] - البقرة: ٢٥٠.
  13. ↩[٣٥] - البقرة: ٢٥١.
  14. ↩[٣٦] - تفسير القمي: ‏ج ١ ص٨٣ .
  15. ↩[٣٧] - الانفال : ٦٠.
  16. ↩[٣٨] - البقرة: ٢٤٩.
  17. ↩[٣٩] - مستدرك سفينة البحار: ج ٦ ص٩٤.
  18. ↩[٤٠] - مستدرك سفينة البحار: ج ٦ ص٩٤.
  19. ↩[٤١] - الانفال: ٤٦.
  20. ↩[٤٢] - الصف: ٥.
  21. ↩[٤٣] - التوبة: ١٠١.
  22. ↩[٤٤] - عن أمير المؤمنين (: (فيا عجباً والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا تغيرون. وتغزون ولا تغزون. ويعصى الله وترضون فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر والقر فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فإذا أنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال. حلوم الأطفال. وعقول ربات الحجال. لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم. معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا. وشحنتم صدري غيظا. وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا. وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراساً وأقدم فيها مقاما مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج ١ ص٦٩.
  23. ↩[٤٥] - الحجرات: ١٤.
  24. ↩[٤٦] - هود: ٤٠.
  25. ↩[٤٧] - سبأ: ١٣.
  26. ↩[٤٨] - ص: ٢٤.
  27. ↩[٤٩] - الرعد: ١.
  28. ↩[٥٠] - هود: ١٧.
  29. ↩[٥١] - هود : ٢٧.
  30. ↩[٥٢] - البقرة : ٢٤٩ - ٢٥٠.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
أولاً : الجهاد الهجومي - الجهاد باب الجنة - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.