الفصول
الحضارة المادية والحضارة الأخلاقية والجهاد
الجهاد باب الجنة · السيد أحمد الحسن
-الحضارة المادية والحضارة الأخلاقية والجهاد
الحقيقة أنه يوجد خلط كبير لدى أكثر الناس بين التقدّم المادي والتقدّم الأخلاقي للإنسان فيجعلون كل متقدّم مادياً متقدّماً أخلاقياً، وذلك من خلال خلط الحضارة المادية بالحضارة الأخلاقية وجعلهما واحداً لكل أمة. وهذا ميزان باطل وقياس باطل، وإلاّ لكان الأنبياء والأوصياء / وأتباعهم ممن خلت أيديهم من قليل وكثير زخرف هذه الدنيا وحضارتها المادية وسلطانها الزائل هم الأحط أخلاقياً وحاشاهم، ولكان فرعون ونمرود وأشباههم ممن بنوا الأهرامات والأبراج والقصور والمدن الزاخرة هم أصحاب الأخلاق والفكر النير المتقدم وأنى لهم ذلك. وأيضاً لكان المتهم الأول هو هادم ومخرّب الحضارات المادية بالعقوبات والمثلات سبحانه عما يشركون. بل والله ما عرفوا أمرهم فاتعظوا بما كان فيمن سبقهم. والحقيقة أنّ التقدّم الحضاري الأخلاقي هو مشروع الأنبياء وهو ما جاءوا به من الله سبحانه وتعالى، وكل ما موجود لدى الإنسانية من أخلاق كريمة ما هو إلاّ رشحات من تلك الأخلاق الإلهية التي جاء بها الأنبياء والأوصياء / وسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد / حصر بعثه للناس بأنه ليتمم الأخلاق الإلهية قال /: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([١٢٨]). فالحق أنّ أصل ومعدن الأخلاق الكريمة هي تعاليم الأنبياء / ، والأخلاق هي مقياس التقدم الحقيقي للأمم ولا قيمة لتقدم مادي (حضارة مادية) مهما كان كبيراً إذا لم يرافقه تقدم أخلاقي (حضارة أخلاقية)، ومع وضوح هذه الحقيقة وبساطتها لم يتبينها أكثر الناس. وكانت النتيجة المنكوسة التي تحصلت لدى كثير من الناس من المقدمات الفاسدة هي أن الحروب التي تخوضها أمريكا - المتقدمة مادياً وبالتالي لا نقاش في تقدمها الأخلاقي! - حق، لأنها تهدف لإزالة الظلم والطغيان وإرساء الديمقراطية وحاكمية الناس والحرية، فمن يقف بوجه أمريكا أو القانون الذي وضعته أمريكا وتريد إرساءه على هذه الأرض يكون ظالماً وطاغياً، وهكذا انقلبت الموازين. ثم إنّ الخلط الموجود في الساحة العالمية اليوم ساعد على عدم وضوح الرؤية وتشويش الأفكار، وأصبح طلاب الحق أندر من الكبريت الأحمر. وربما لو وجّه الناس لأنفسهم هذا السؤال: (من يضع القانون وينصب الحاكم الله أم النّاس؟) لاتّضحت الرؤية لديهم ولعادت لديهم أمريكا وديمقراطيتها وحريتها صنماً يعبد من دون الله حالها حال الطواغيت الذين أزالتهم في أفغانستان والعراق، فأمريكا مسخ شيطاني تماماً كما أنّ صداماً وابن لادن (لعنهم الله) وأتباعهم مسوخ شيطانية؛ لأنهم جميعاً (أمريكا ، صدام ، ابن لادن وأشباههم) لم ينصبهم الله سبحانه وتعالى، كما أنهم لا يعرفون القانون الإلهي ولا يريدون إرسائه كما يدعي بعضهم ليخدع الناس باسم الدين وهو لا يفقه من الدين شيئاً. ومن البديهي في الديانات الثلاث أنّ القانون يضعه الله والحاكم ينصبه الله، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة في التوراة والإنجيل والقرآن، وببساطة فإنّ القانون في هذا الزمان: هو القرآن والإنجيل والتوراة، والحاكم : هو المهدي وعيسى وإيليا /. والكتب السماوية كلها واحد أنزل من واحد، والأنبياء والإئمة كلهم واحد أرسل من واحد. أقول: لو سأل الناس أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بهذا الجواب البيّن لاجتمعت كلمتهم على التوحيد ولعبدوا الله سبحانه وتعالى وأقروا خليفته في أرضه وقانونه سبحانه، ولا يوجد موحد حقيقي لكل أهل الأرض إلاّ القانون الإلهي والحاكم الإلهي، وهما يوحدان أهل الأرض على الحق والعدل والرحمة. فلابد للمؤمنين من الجهاد لإرساء القانون الإلهي والحاكم الإلهي خليفة الله في أرضه لتمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً وأخلاقاً كريمة وحضارة أخلاقية كما هي اليوم مليئة بالظلم والفساد. بل إنّ الحاصل هو أنّ جند الشيطان لعنه الله يقاتلون لإرساء حاكمية الشيطان وخلق الشيطان، فلماذا لا يقاتل جند الله لإرساء حاكمية الله سبحانه وتعالى والأخلاق الإلهية، والحال أنّ قتالهم وجهادهم هو دفاع عن الحضارة الأخلاقية للأنبياء والمرسلين / في مقابل هجوم يشنه الشيطان وجنده أصحاب الحضارة المادية لمحق الأخلاق الإلهية. والحقيقة أنه لا يوجد حياد فإمّا أن تنصر الله وتقرّ حاكميته، وإمّا أن تقاتل مع الشيطان وعن حاكميته لعنه الله، والساكت شيطان أخرس، فالذين مع الله مع الله والذين مع الشيطان مع الشيطان والذين على التل كما يسمون أنفسهم شياطين خرس. * * *الهوامش
- ↩[١٢٨] - مكارم الأخلاق: ص٨.