الفصول

التقدم الحضاري المادي والتكامل الروحي

الجهاد باب الجنة · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-التقدم الحضاري المادي والتكامل الروحي

الإنسان خُلق ليعرف الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُـدُونِ﴾([١١٧])، أي ليعرفون. فنحن نعبد لنعرف، ولا خير في عبادة لا تقرّب صاحبها إلى الله، وبالتالي تزيده معرفة بالله سبحانه وتعالى، أي إنّ الإنسان خلق للكمال الروحي والارتقاء إلى أعلى مراتب هذا الكمال الممكن للإنسان. إذن، فالمهم والمنظور هو الروح لا الجسد المتعلق بهذا العالم المادي الجسماني والإنسان يكون خليفة الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى، أي إذا تكامل روحياً حتى يصبح صورة الله سبحانه وتعالى في خلقه فيكون خليفته حقاً. ويوجد من يحاول جعل الإنسان خليفة الله فقط على الأجسام والطين مع أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها كما ورد عن رسول الله / ، ويحاول هؤلاء الجهلة جعل هدف الإنسان المرجو بل والغرض من خلقه هو تحقيق التقدم المادي الجسماني، بينما القرآن بيَّن لنا العلاقة بين التقدم المادي الجسماني والتكامل الروحي هكذا ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَـانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَـغْنَى﴾([١١٨])، أي إنّ الغنى المادي والتقدم المادي داعٍ إلى طغيان الإنسان وانحطاطه الروحي، وهذا منظور اليوم في حياة البشرية على هذه الأرض، فالأرض لم تعرف فساداً وإفساداً وظلماً وطغياناً كما هو حاصل اليوم. وربما ينتفض بعض الناس الذين أنسوا هذا العالم المادي حيث إنهم يرون الكمال في التقدم المادي، مع أنهم لو التفتوا لوجدوا هذا العالم المادي الجسماني يسير إلى الزوال، بل هو في زوال مستمر، فكل يوم يموت أُناس ويحيا آخرون، بل سيأتي يوم يموت فيه الجميع ولا يحيا أحد مكانهم ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾([١١٩]). والتقدم المادي الكبير اليوم يشير إلى قرب هذا الزوال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾([١٢٠]). أمّا الأرواح فهي باقية ومصيرها الخلود في الجنة أو النار، في النعيم أو الجحيم. فيجب أن يلتفت الإنسان إلى أنه جاء إلى هذا العالم المادي الجسماني ليخوض الامتحان لا ليبقى أو ليخلد فيه، بل إنّ هذا العالم المادي الجسماني كله مصيره إلى الزوال والفناء. نعم، الله يحث المؤمنين على تحقيق التقدم المادي الجسماني ليتحقق لهم الغنى عن الكافرين والمنعة والعزة لصد المحاربين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾([١٢١]). ولكن يجب أن يكون هذا التقدم المادي نابعاً ومرافقاً لإيمان حقيقي ومسيرة تكامل روحي مستمرة للمؤمنين؛ لكي لا يكون صادّاً لهم عن ذكر الله والانصياع لأمر الله سبحانه وتعالى، بل هو إذا كان كذلك فسيرافقه توفيق إلهي عظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾([١٢٢]). فالله سبحانه وتعالى عندما يذيق من يرجو إيمانهم وتقواهم نقصاً في الثمرات والبركات يرحمهم بهذا؛ لأنه يدفعهم إلى الإيمان والتقوى حيث إنّ الضعف والفقر داعٍ للتوجه إلى الله. في الحديث القدسي: (يا ابن عمران إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين)([١٢٣]). أمّا إذا آمن أهل الأرض واتقوا الله فماذا يفعل الله بعذابهم ، وأي نفع له سبحانه في نقص ثمراتهم وبركة أرضهم وأعمالهم، بل هو وعدهم: ﴿لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾([١٢٤]). إذن، يجب أن يكون سعي وحركة الإنسان تجاه التكامل الروحي والإيمان الحقيقي. أمّا التقدم المادي الجسماني فأيضاً يسعى له الإنسان من منظار التكامل الروحي، أي أن يكون السعي للتقدم المادي طاعة لله ولتحقيق إرادة الله على هذه الأرض من نشر التوحيد والرحمة والعدل. أمّا تقدّم الكفار المادي فلا يظن المؤمنون أنه توفيق إلهي أو خير لهم، بل هو شر لهم لأنه سبب لتماديهم في الطغيان والتكبّر على إرادة الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾([١٢٥]). وتكون الدنيا وزخرفها سبباً لسكرهم وابتعادهم عن الله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾([١٢٦]). فأي خسارة أعظم من أن يكون الإنسان عدواً الله؟! وأي مكسب أبخس من الدنيا وزخرفها ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾([١٢٧]). * * *

الهوامش

  1. ↩[١١٧] - الذاريات: ٥٦.
  2. ↩[١١٨] - العلق: ٦ - ٧.
  3. ↩[١١٩] - الرحمن: ٢٦.
  4. ↩[١٢٠] - يونس: ٢٤.
  5. ↩[١٢١] - الانفال: ٦٠.
  6. ↩[١٢٢] - الاعراف: ٩٦.
  7. ↩[١٢٣] - انظر الكافي: ج ٢ ص٢٦٣.
  8. ↩[١٢٤] - الأعراف: ٩٦.
  9. ↩[١٢٥] - ال عمران: ١١٨.
  10. ↩[١٢٦] - الحجر: ٧٢.
  11. ↩[١٢٧] - الزخرف: ٣٣.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
التقدم الحضاري المادي والتكامل الروحي - الجهاد باب الجنة - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.