الفصول

الفصل السادس: العدم غير منتج

وهم الإلحاد · أحمد الحسن

المصدر ↗

الفصل السادس

العدم غير منتج

﴿أَمْ خُلقُوا منْ غَيْر شَيٍْء أَمْ هُمُ الْخَالقُونَ﴾

وله أشار الله في القرآن بقوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلقُوا منْ غَيْر شَيٍْء أَمْ هُمُ الْخَالقُونَ﴾(١).

وملخص هذا الدليل:

إنّ الكون ليس قديماً بل حادثاً؛ لأنه متغير، وكل حادث مسبوق بالعدم فلابد له من
محدث لأن العدم المطلق لا شيئية فيه فهو غير منتج، فيستحيل أن يأتي شيء من لا شيء
مطلقاً أي بمعنى أن يأتي شيء من عدم مطلق، والكون أو الأكوان أو الوجود الحادث شيء فلا
يمكن أن يكون قد أتى من عدم مطلق. إذن، فالوجود الحادث (الكون أو الأكوان) يثبت أنه أتى من وجود قديم غني عنه وعن غيره.

فنحن إن قلنا: إنّ محدثه قديم غير مسبوق بالعدم أثبتنا وجوده سبحانه.

وإن قلنا: إنه حادث أيضاً، لزمه محدث، ولا يمكن أن يكون هو الأول؛ لأن معناه أنّ الشيء
موجود ومعدوم معاً، فإن كان غيره تسلسل، ولا يمكن أن تكون هذه السلسلة غير متناهية
من كل حيثية وجهة؛ لأن العالم حادث متناٍه وله بداية، ولما كانت السلسلة متناهية على الأقل
من جهة كونها لها بداية فلابد أن تنتهي إلى مُحدث قديم، وبهذا ثبت وجوده سبحانه.

ومرادنا:

بالحادث: هو المسبوق بالعدم (عدم وجوده)، أي أنّ له بداية.

وبالقديم: هو غير المسبوق بالعدم أي ليس له بداية، فالقدم هنا ليس قدماً زمانياً بل هو
قدم حقيقي لا علاقة له ببعد الزمان وبوجوده من عدمه، ولا يمكن أن يكون القديم محلاً
للحوادث لأنه سيكون قديماً وحادثاً معاً وهذا تناقض، فما كان محلاً للحوادث فهو حادث.

وباللامتناهي المطلق: هو غير المحدود من أي حيثية وجهة فلا بداية ولا نهاية وبغض النظر
عن بعد الزمان والمكان ووجودهما من عدمه، وليس مرادنا هو الـ (ما لا نهاية) في بعض
المعادلات مثل:

𝟏 𝟏 𝟏
𝟏 + + +...........= 𝟐
𝟐 𝟒 𝟏𝟔

فالطرف الأيسر للمعادلة صحيح أنه يمتد إلى ما لا نهاية ولكن له بداية، ومثله الكون
المسطح فصحيح أنّ المفروض أنه يتوسع إلى ما لا نهاية ولكن له بداية بدأ منها.

وهذا الدليل (العدم غير منتج) موضوعه أكبر من الحياة الأرضية وبالتالي فلا علاقة له
بنظرية دارون، فإذا أردنا الاختصار نقول: إنّ كون الأثر دال على المؤثر لا يعني أنّ كل أثر دال
على الله مباشرة، بل إنّ سلسلة الآثار والمؤثرات لابد أن تنتهي إلى مؤثر أصيل (قديم أزلي وغني)؛
لأن العدم غير منتج، وهذا المؤثر هو الله سبحانه وتعالى، وهذه الحياة الأرضية مجرد حلقة صغيرة في هذه السلسلة، فبالنتيجة الكلام في رد هذا الدليل لابد أن يكون في بداية المادة
وإثبات أنها جاءت من العدم أو من لا شيء، وهذا لم يثبته أحد بل هم أثبتوا تقريباً أنّ بداية
الكون المادي هي الانفجار الكبير.

وفي الحقيقة إنّ للانفجار الكبير سبباً، وبالتالي ستستمر بعده سلسلة الأسباب حتى تنتهي
إلى السبب الأصيل وهو الله سبحانه وتعالى، وإن شاء الله سنمر فيما يلي على النموذج القياسي
أو الانفجار الكبير ودلالته على وجود الإله.

هناك فرضيات ونظريات لتفسير وجود الكون هي:

الفرضية التي تقول: إنّ الكون أزلي، وهذه الفرضية أو النظرية انتهت الآن مع تقدم علم
الفيزياء وتقدم امكانيات الرصد ولا قيمة علمية لها الآن؛ لأنه ثبت علمياً وبالأدلة القطعية أنّ
الكون حادث وله بداية، وعلى هذا يمكن أن تنقل مسألة النقاش في الأزلية إلى العلة الأولية
التي منها نشأ الكون، وهذه مسألة ستناقش إن شاء الله في الآتي.

أيضاً: هناك نظرية أو فرضية هويل(١) ومحاولته لتفسير ابتعاد المجرات عن بعضها بحيث
لا يكون للزمان الكوني بداية، وهذه أيضاً انتهت مع كل ما أثبته الرصد والقياس لصالح
النموذج القياسي كما سيتبين.

النظرية التي تقول: إنه حادث وأوجده إله مباشرة بكل جزئياته، وهذه نظرية دينية
تقليدية يعتمدها بعض مفسري النص الديني - من أمثال الذين يعتقدون بعدم دوران الأرض
- وهذه نظرية تبين أيضاً بطلانها وعدم صحتها، فالآن يعرف علماء الفيزياء - وبقدر من الدقة
العلمية لا بأس به - متى وكيف وجدت الأرض والشمس ومجرتنا وكثير من المجرات، ومتى وجد
الكون ككل وكيف يسير الآن وبعض احتمالات المستقبل بالنسبة للكون.

وهذه النظرية مثبتة بأدلة علمية كثيرة، منها: معادلات وأدلة رياضية، فنظرية النسبية
العامة نفسها، وبعد حلول فريدمان(١) تتنبأ بالنموذج القياسي أو الانفجار العظيم وأن الكون
كان بحجم صفر أو متناهي الصغر.

ومنها: أدلة رصد وقياس كاصطباغ لون المجرات بالأحمر والذي يعني بحسب ظاهرة دوبلر
أنها تبتعد والكون يتوسع، وكإشعاع الخلفية الكوني، وسيأتي التفصيل وكيف استقر علماء
الفلك والفيزياء النظرية أخيراً على قبول النموذج القياسي أو الانفجار العظيم.

Quantum Theory

في بداية القرن العشرين ظهرت نظرية الكم على يد ماكس بلانك(٢) أثناء بحثه في تفسير
إشعاع الجسم الأسود حيث فسر ماكس بلانك الطاقة الكهرومغناطيسية على أنها كموم
منفصلة تبعث أو تمتص وليس موجة مستمرة كما كان يتصور، وهكذا أصبحت بحسب نظرية
بلانك الطاقة تمتص أو تشع من الذرة بأحجام معينة هي الكموم.)quantum(

وطاقة كل جسيم تعتمد على التردد بحسب معادلة بلانك:

𝑬 = 𝝂𝒉

𝑬

: الطاقة

𝝂
: التردد

𝒉

: ثابت بلانك وهو يستخدم لوصف الكم)quantum(

𝒉 = 𝟔.𝟔𝟐𝟔𝟎𝟔𝟖𝟗𝟔 × 𝟏𝟎−𝟑𝟒𝒋.𝒔

أو

𝒉 = 𝟒.𝟏𝟑𝟓𝟔𝟔𝟕𝟓𝟏𝟔(𝟗𝟏)× 𝟏𝟎−𝟏𝟓𝒆𝑽.𝒔

شكل٢١: الموجات الكهرومغناطيسية مجالها وترددها والعلاقة بين التردد والطاقة (أو الحرارة)

المصدر(١): وكالة ناسا الفضائية

ثم أضاف اينشتاين(١) عام ١٩٠٥ في أحد بحوثه تطبيقاً لهذه النظرية على الضوء وفسّره
على أنه كموم (فوتونات) وليس موجة مستمرة كما كان يعتقد، وكان لهذا البحث أثر بالغ فيما
بعد في ثورة ميكانيك الكم واعتبار نظريتي الجسيمات والموجات تكمل أحدهما الأخرى في وصف
الكم حيث أرسى ما طرحه اينشتاين فيما بعد الطبيعة الازدواجية للضوء (الفوتونات) موجة
- جسيم، ثم بعد ذلك الطبيعة الازدواجية للمادة (كالالكترونات) جسيم - موجة.

النظرية الكلاسيكية التقليدية لتفسير الذرة تفشل في مواضع كثيرة، منها:

إنّ نموذج رذرفورد للذرة يؤدي إلى انهيار الذرة بسقوط الالكترون على نواتها؛ حيث إنّ
الالكترون ذو الشحنة السالبة لو فرض أنه مستقر فستجذبه النواة ذات الشحنة الموجبة
ويسقط وتنهار الذرة، ولو فرض أنه متحرك بمدار دائري فلابد أن يفقد طاقة وبالنتيجة يسير
بمدار حلزوني حتى يسقط في النهاية إلى النواة وتنهار الذرة.

ولا تفسر النظرية الكلاسيكية انتقال الالكترون لمستوى آخر أو من مدار إلى لآخر، أو
الانتقال في لحظة معينة دون غيرها.

أيضاً: التحلل الاشعاعي أو انشطار أنوية الذرات وإطلاقها لجسيم مثل الفا (وهو بروتونين
ونيوترونيين أي نواة هليوم تبعثها نواة غير مستقرة)، أو بيتا (حيث يطلق الكترون أثناء تحلل
نيوترون) خارج نطاق النواة في لحظة معينة دون أخرى.

وبدأ حل هذه المعضلات بأن أدخل بور النظرية الكمية في تفسير ما يحدث في الذرة، فقد
فسر بور الذرة في بداية الأمر - جزئياً - على أساس كمي فافترض أنّ الالكترون يطلق أو يمتص
كماً معيناً من الطاقة فينتقل إلى مستوى أدنى أو أعلى.

وبعدها جاءت خطوات متتالية على نفس الطريق، فالميكانيك الكلاسيكي لا يصلح ليفسر
ما في الذرة بصورة صحيحة ولم يكن يصلح ليكون شريكاً مع ميكانيك الكم لتفسير الذرة بصورة تامة، ولهذا استمرت عملية كنتمة الذرة وكما سنرى لم يبقَ شيء من الصورة
الكلاسيكية للذرة أي كنواة تدور حولها الكترونات.

وإن كان نموذج بور للذرة الذي أدخل فيه ميكانيك الكم وبنى عليه الجدول الدوري مفيداً
في فهم الكيمياء؛ لأنها لا تهتم لأكثر من معرفة حال الالكترونات في الذرة التي تتقاسمها أو
تقايضها مع ذرة أخرى لأجل الحصول على الاستقرار الذي يتمثل بأن تكون هناك صورة
ممتلئة للأغلفة الخارجية المفترضة، ولهذا تدرس ذرة بور عادة مع أنها لا تعبر عن حقيقة الذرة
وكيف تكوّن الالكترونات فيها.

ثم جاء وصف لويس دي برويل للالكترونات والجسيمات المادية على أنها تسلك سلوكاً
موجياً كما أن الفوتونات وموجات الطاقة تسلك سلوكاً جسيمياً، وهنا يظهر جلياً أن الفيزياء
الكلاسيكية لم تعد قادرة على تفسير أن كل الجسيمات تسلك سلوكاً موجياً، وواضح من هذا
أن مدارات الالكترونات في ذرة بور ليست وصفاً حقيقياً لما هو موجود فعلاً في الذرة.

«وقد لخص سير ارثر إدنجتون Eddington Arther الموقف بطريقة رائعة في كتاب
طبيعة العالم الفيزيائي المنشور سنة ١٩٢٩ فقد قال: لا

The Nature of the Physical World

يوجد تصور يمكن نسجه حول الالكترون أما أفضل ما يمكن ان توصف به الذرة فيوجز
في شيء ما مجهول يعمل ما نجهله................ غير ان الموضوع هو مع أننا لا نعلم مالذي
تفعله الالكترونات في الذرات، ولكننا نعرف أن عدد الالكترونات هام فبإضافة بضعة
أعداد يمكن ان تثار الثرثرة العلمية ثمانية من تلك التي تلف وتنزلق وتدور في الاكسجين
فإذا هرب أحد هذه الثمانية فإن الاكسجين سيتخفى في زي النيتروجين. هذه الملحوظة
ليست طرفة وإذا عرف العدد وكان ثابتا لا يتغير، كما أشار إدنجتون منذ أكثر من خمسين
سنة، فإن كل أساسيات الفيزياء يمكن ترجمتها إلى مجرد ثرثرة»(١).

بعد هذا جاء وصف دقيق للذرة أو لسلوك جسيمات الذرة على يد هايزنبرك والذي سمي
ميكانيك المصفوفات بعد أن ركز على الرياضيات وما يمكن مشاهدته كخطوط الطيف ونحى
جانباً وصف الذرة التقليدي.

ثم وضع بول ديراك(١) الجبر الكمي وهو أكثر شمولية.

مرَّ أنّ الالكترون يتصرف كموجة أيضاً كما أوضح دي برويل وهذا سمح لشرودنغر(٢) أن
يصف ميكانيك الكم بالموجات ووضع الميكانيك الموجي في محاولة ربما لتوفير حل شبه كلاسيكي
للكم.

وهكذا توفرت معادلات من نوعين مختلفين أحدهما باعتبار الالكترونات جسيمات
والأخرى باعتبارها موجات وكلاهما لوصف ما يمكن أن يقاس في ميكانيك الكم، وما يستعمل
ويدرس عادة هو الميكانيك الموجي أو حل شرودنغر؛ لأنه أقرب للفهم وللصورة التقليدية من
ميكانيك المصفوفات لهايزنبرغ، عموماً بعد ذلك اكتشف أن الحلين متكافئين وأن حل
شرودنغر الموجي لم يحل مشكلة القفز الموجي بحل كلاسيكي كما كان يرجو.

«تبين أن الموجات نفسها - عند فحصها عن قرب - شيء تجريدي مثل أعداد q
لديراك، وقد أظهرت الرياضيات انها لا يمكن أن تكون موجات حقيقية في الفراغ، مثل
الرقرقات على سطح البركة، لكنها كانت تمثل صورة معقدة من الذبذبات في فراغ رياضي
تخيلي يدعى الفراغ الشكلي، وما هو أسوأ من ذلك ان كل جسيم (كل الكترون مثلا)
يحتاج أبعادا ثلاثة خاصة به. فإلكترون وحيد يمكن وصفه بواسطة معادلة موجة في فراغ
شكلي ثلاثي الابعاد ولوصف إلكترونين يتطلب الامر فراغا شكليا سداسي الابعاد،
وتتطلب ثلاثة الكترونات تسعة ابعاد وهكذا، اما إشعاع الجسم الاسود، فحتى عندما
يتحول كل شيء إلى لغة ميكانيكا الموجات، فإن الحاجة إلى كوانتا منفصلة، والقفزات
الكمية ستظل قائمة. كان شرودنجر مشمئزا وقال ملحوظته التي اقتبست غالبا مع
تنويعات طفيفة في الترجمة: (لو كنت أعلم اننا لن نتخلص من عملية القفز الكمية
اللعينة، لما أقحمت نفسي في هذا العمل) وكما وضح هايزنبرج في كتابه الفيزياء
والفلسلفة،.... لم تحل تناقضات الازدواجية من صورة الموجة وصورة الجسيمة، ولكنهما
تخفيا بشكل او باخر في المخطط الرياضي.

وبلا شك فإن اغراء صورة الموجات الفيزيائية الحقيقية التي تدور حول انوية الذرات التي أدت الى اكتشاف شرودنجر للمعادلات الموجية التي تحمل اسمه، كان خطأ. ولم
تعد ميكانيكا الموجات هي المرشد (الدليل) إلى واقعية عالم الذرة أكثر من ميكانيكا
المصفوقات. ولكن ميكانيكا الموجات، على عكس ميكانيكا المصفوفات تمنحنا الخداع
بوجود شيء مألوف ومريح. إنه الخداع الحميم والمالوف الذي صمد حتى يومنا هذا،
والذي أخفى حقيقة ان عالم الذرة مختلف كلية عن عالمنا اليومي. وقد كبرت أجيال من
الطلاب وأصبحوا الان اساتذة، وكان من الممكن ان يتوصلوا إلى فهم أعمق كثيرا لنظرية
الكم لو كانوا قد اجبروا على التمسك بأحكام بالطبيعة التجريدية لمدخل ديراك، بدلا من
قدرتهم على تصور ان ما عرفوه عن سلوك الموجات في حياتنا اليومية هو الذي يقدم صورة
لسلوك الذرة»(١).

كانت النتيجة التي استخلصها بور في النهاية هو أنّ الجسيم الكمومي مثل الالكترون له
طبيعة مزدوجة، أي إنه يتصرف في ظروف كموجة وفي أخرى كجسيم وحقيقته غير محددة لا
جسيم ولا موجة، ولا يمكن إيجاد تجربة يتصرف فيها بطبيعة مزدوجة أي كجسيم وموجة في
آن واحد، فطبيعة الجسيم والموجة تكملان بعضهما بعضاً أي تتامية

)complementarity(

وواضح في تجربة الشقين المشهورة أنّ الالكترون المفرد عندما يطلق من المصدر باتجاه
الصفيحة التي تحتوي الشقين ويعبر منها إلى الشاشة، فإنه في حال تمت مراقبة الشقين فإنه
يتصرف كجسيم متشخص يعبر من أحد الشقين، ولكن في حالة عدم مراقبة ومشاهدة الشقين
فإنه يسجل على الشاشة الخلفية صورة تداخل أي أنه عبر من الشقين، أي إنّ الالكترون مرة
تصرف كجسيم مفرد ومرة كموجة أو مجموعة الكترونات شبحية أي كأن الالكترون عندما
انطلق من المصدر تحول مباشرة إلى سحابة من الالكترونات الشبحية كل واحد منها مؤهل أن
يكون هو ألكتروننا الحقيقي وعندما نتوجه إليه بالمشاهدة فإنّ أحد هذه الالكترونات
الشبحية أو صور الالكترون هو الذي نشاهده ويتشخص لنا على أنه الالكترون الحقيقي
وتختفي الأخرى، وسيأتي النقاش أين تختفي بقية الصور.

ثم وضع ماكس بورن(١) طريقة لفهم موجات شرودنغر بما يسمى دالة (أو تابع) الموجة
وهي حل لمعرفة احتمال وجود الجسيم (كالالكترون) في موضع معين، وهكذا فإنّ الالكترون
أو الجسيم أصبح من المحتمل أن يوجد في أي مكان وما تفعله دالة الموجة هو فقط حساب
احتمال وجوده في مكان دون آخر.

ثم جاء أهم اكتشاف في ميكانيك الكم وهو مبدأ اللايقين أو مبدأ الريبة لهايزنبرغ.

وهكذا فقد طور بعض علماء الفيزياء مثل اينشتاين وبور وماكس بورن وشرودنغر وباولي
وهايزنبرغ وديراك نظرية الكم لبلانك لتصبح نظرية شاملة لتفسير ميكانيك الجسيمات
(المستوى الذري وما دون الذري)، حيث أصبح الالكترون بحسب ميكانيك الكم يمكن أن
يتواجد في أي موضع في الذرة فهو أقرب للسحاب أو الضباب المنتشر في الذرة منه إلى الجسيم
أو حتى الموجة.

كان الحل والجواب على الأسئلة التي تدور حول الذرة وسلوك الالكترونات والنواة لدى
ميكانيك الكم، ولكن كان الجواب في بعض الأحيان هو أنه لا يوجد جواب محدد على بعض
الأسئلة أو أنّ هناك أكثر من احتمال أو أنه يحدث هكذا بدون سبب، فقاعدة السببية التي
تبنى عليها كثير من الأسئلة في الميكانيك الكلاسيكي لم يعد لها نفس الوجود في ميكانيك الكم
الذي تبنّاه بور وجماعته في حينها، فالأحداث الكمومية يمكن أن تحدث بدون سبب ويمكن
أن تحدث في وقت دون آخر دون سبب أيضاً.

«كان أينشتاين مثله مثل الذين كانوا يدرسون النشاط الاشعاعي يعتقد أن الجداول
التأمينية الإكتوارية ليست نهاية المطاف، وأن الابحاث القادمة ستحدد السبب وراء
حدوث انتقالات معينة في اللحظة التي تحدث فيها بالضبط، وليس في أي وقت اخر. غير
أنه عند هذه النقطة بدأت النظرية الكمية في الحقيقة الانفصام عن الافكار الكلاسيكية،
ولم يكتشف أي (سبب) وراء حدوث التحلل الاشعاعي أو انتقالات الطاقة الذرية عندما
تحدث أبدا. ويبدو في الواقع أن هذه التغيرات تحدث كليا بالصدفة، على أساس
إحصائي،وقد بدا ذلك في إثارة تساؤلات فلسفية أساسية. ففي العالم الكلاسيكي لكل شيء سبب، ويمكنك تتبع سبب أي حدث في زمن وقوعه ثم لتجد سبب وقوع السبب،
والسبب في هذا السبب، وهكذا حتى تصل الى الانفجار العظيم Bang()Big (إذا كنت من
علماء الكون)، أو حتى لحظة الخلق في السياق الديني، إذا كان ذلك ما تؤمن به. لكن
في عالم الكم تبدأ مثل هذه السببية في الاختفاء بمجرد ان نفحص التحلل الإشعاعي
والانتقات الذرية. فالإلكترون لا ينتقل من مستوى معين للطاقة إلى مستوى اخر في زمن
معين لأي سبب محدد. وتفضل الذرة أكثر مستويات الطاقة انخفاضا بالمعنى الاحصائي،
ولذا فمن المرجح (كمية الأرجحية من الممكن كنتمتها)Quantified أن يقوم الإلكترون
بهذه الحركة إن اجلا أو عاجلا (العودة الى المستوى الأكثر انخفاضا). ولا توجد وسيلة
تخبرنا متى سيحدث هذا الانتقال، فلا يوجد عامل خارجي يدفع الإلكترون، ولا توقيت
داخلي يفرض على الإلكترون القفز في توقيت محدد، إنما يحدث ذلك فحسب، ليس
لسبب محدد يحدث الان وليس عندئذ»(١).

لقد طرح هايزنبرغ - ربما - أهم مبدأ في ميكانيك الكم، وهو مبدأ الريبة أو مبدأ اللايقين
والذي يقول: إنه لا يمكن قياس زوج من خصائص الكموم بدقة كتحديد موضع وسرعة
الجسيمات الكمومية في نفس الوقت وبدقة، فكلما زاد اليقين في معرفة موضع كم معين قل
اليقين في معرفة سرعته أو كمية حركته في نفس تلك اللحظة، ويمكن أن نقول أيضاً: إنه لا
يمكن معرفة قيمة المجال ومعدل تغيره معاً بدقة بنفس اللحظة، وهذه خاصية أصيلة في
ميكانيك الكم وهي نتيجة رياضية وتؤكدها التجربة.

«ويشار الى هذا التجمع من الافكار معا (عدم التيقن، والتكميلية، والاحتمال،
واضطراب المنظومة التي نشاهدها بواسطة المشاهد) بتفسير كوبنهاجن Copenhagen
Interpretation لميكانيكا الكم، ومع انه لا احد في كوبنهاجن (أو في أي مكان اخر) قد صاغ
بكل هذه الكلمات المقولات المحددة التي تحمل أسم تفسير كوبنهاجن، وقد جاء في
الواقع أحد المكونات الاساسية من ماكس بورن في جوتنجن، وهو التفسير الاحصائي
لدالة الموجة. وما تفسير كوبنهاجن إلا أشياء كثيرة لأناس كثيرين، إذا لم يكن كل الاشياء
لكل الرجال، وهو نفسه زلق بما يناسب عالم ميكانيكا الكم الزلق. قدم بور المفهوم لأول
مرة علنا في مؤتمر في تومو بايطاليا في سبتمبر ايليول ١٩٢٧، وقد كان ذلك علامة على
استكمال تماسك نظرية ميكانيكا الكم في الصورة التي يمكن بها ان يستخدمها أي فيزيائي
كفء لحل مشكلات الذرات والجزيئات، دون الحاجة الشديدة الى التفكير في الاساسيات، فقط اتباع الوصفات بإرادة بسيطة والتوصل الى النتائج»(١).

في ميكانيك الكم الفوتون عديم الكتلة - الذي يعبر عن الطاقة - لم يعد موجة بل جسيماً
أيضاً والالكترون الذي له كتلة لم يعد جسيماً فقط بل يتصرف كموجة أيضاً وحتى الموجة
لم تعد موجة حقيقية بل مجرد مفهوم يعبر عنه بدالة الموجة وسيأتي الكلام حتى في واقعية
دالة الموجة، والالكترون الذي يرسل باتجاه صفحة فيها فتحتان أو شقان مثلاً يمكن أن يدخل
منهما معاً في نفس الوقت ولا يمكن تحديد دخوله من أحدهما إلا بمشاهدته من خلال رصد
الشقين، وبحسب تفسير كوبنهاغن أو مجموعة بور فإنّ للمشاهد أثراً في المنظومة وجعلها
تحدد موضعاً للالكترون.

وإذا أردت أن أضرب مثلاً لتقريب الأمر للفهم: فلنفرض أنّ لدينا مصدراً يطلق جسيمات
ولتكن الكترونات مثلاً، فالآن الالكترون عندما يخرج من المصدر يصبح عبارة عن مجموعة
من الالكترونات الشبحية وأحدها هو ألكتروننا الحقيقي، وكلمة حقيقي على نحو المسامحة،
وهذا الالكترون الحقيقي لا يتشخص إلا عندما ننظر إليه أي أنه يكون حقيقياً عندما نشاهده
أي لو تخيلت أنك تدير ظهرك للالكترون فما خلف ظهرك سيكون مجموعة الكترونات شبحية
أحدها هو الحقيقي ولكنه غير مشخص أي بمعنى أي واحد منها يصلح أن يكون هو الحقيقي،
فالآن تصور أنك استدرت لتنظر لهذه المجموعة عندها ستنهار دالة الموجة ولن ترى المجموعة
وسترى ألكتروننا الحقيقي فقط وما حصل أنهم جميعاً اختفوا إلا واحداً وهو الذي تشاهده،
أما لماذا اختفوا فهذا السؤال ليس له جواب محدد.

في ميكانيك الكم هناك أكثر من جواب، أحدها: إنّ المشاهد يؤثر في المنظومة بطريقة ما
بحيث يشخص الجسيم في موضع ما أي إنّ المشاهد يؤثر فيما يشاهد.

وهناك جواب آخر: وهو أنّ مجموعة الجسيمات الشبحية تلك التي رافقت جسيمنا الذي
رصدناه موجودة في أكوان مختلفة وما يحصل أننا عندما ننظر إليها فإننا نرى أحدها في أحد
هذه الأكوان وهذه الرؤية تحجب عنا البقية ولهذا لا نراها ولا نرى أثرها على شاشة التجربة.

«ويبدو أن العالم يحتفظ بكل خياراته وكل احتمالاته متاحة لفترة طويلة بقدر
الامكان. واغرب شيء حول تفسير كوبنهاجن القياسي عن عالم الكم هو ان فعل مشاهدة
منظومة ترغمها على اختيار أحد الخيارات فقط، ويصبح هذا الخيار واقعا.

إن تداخل الاحتمالات في أبسط تجارب الثقبين يمكن تفسيرها على ان الالكترون
عند تركه لمصدر القذف يتلاشى ويحل محله مجموعة من الالكترونات الاشباح يسلك كل
منها مسارا مختلفا حتى تصل إلى شاشة الكشاف، تتداخل تلك الاشباح بعضها مع بعض،
وعند النظر إلى الطريقة التي تكتشف بها هذه الالكترونات على الشاشة نجد حينئذ اثار
هذا التداخل حتى لو كنا نتعامل مع الكترون حقيقي واحد كل مرة، وعلى كل فإن وفرة
الالكترونات الاشباح هذه تصف الموقف فقط عندما لا ننظر إلى ما يحدث، اما عندما ننظر
فتختفي كل الاشباح ماعدا واحدا فقط، وهذا الواحد من الاشباح يتجسد كالكترون
حقيقي. وبمدلول معادلة شرودنجر للموجة فكل واحد من الاشباح يعبر عن موجة، او
بالاحرى حزمة من الموجات التي اعتبرها بورن مقياسا للاحتمالية، ويماثل مشاهدة شبح
واحد يتبلور من بين الكترونات عديدة - بمدلول تعبير الميكانيكا الموجية - اختفاء
مجموعة موجات الاحتمالات ماعدا حزمة واحدة من الموجات التي تصف الكترونا حقيقيا
واحدا ويسمى هذا انهيار دالة الموجة ومع غرابة ذلك فإنه يقع في صلب تفسير كوبنهاجن
الذي هو نفسه أساس طهي الكم. وعلى كل فإن الامر يدعو للشك حيث إن العديد من
الفيزيائيين ومهندسي الالكترونات واخرين يستخدمون وهم سعداء كتاب طهي الكم
مقدرين ان القواعد التي أثبتت انه يمكن الاعتماد عليها في تصميم الليزر والحاسوب
ودراسة المادة الجينية تعتمد صراحة على افتراض أن عددا وافرا من الجسيمات الاشباح
تتداخل مع بعضها طول الوقت وتندمج كلها في جسيمة وحيدة حقيقية كحالة انهيار دالة
الموجة أثناء المشاهدة. وما هو أسوأ من ذلك، أنه في اللحظة التي نتوقف فيها عن
مشاهدة الالكترون او أي جسيمة اخرى ننظر اليها فإنها تنشطر في الحال إلى عدد وافر
من الجسيمات الاشباح، يسلك كل منها مساره من الاحتمالات خلال عالم الكم. لا شيء
حقيقي إلا عندما ننظر إليه. ويتوقف هذا الشيء عن ان يكون حقيقيا في اللحظة التي
نتوقف فيها عن النظر إليه.

وربما تعود سعادة الناس الذين يستخدمون كتاب طهي الكم إلى الراحة التي تاتيهم
من تعودهم على المعادلات الرياضية، ويشرح فينمان الوصفة الاساسية ببساطة: فالحدث
في ميكانيكا الكم هو مجموعة من الظروف الاولية والنهائية لا اكثر ولا اقل، يترك
الالكترون مصدر القذف من أحد طرفي الجهاز ثم يصل هذا الالكترون الى كشاف معين
في الطرف الاخر من الثقوب، هذا حدث وفي الاساس فإن احتمال حدوث هذا الحدث هو مربع احد الاعداد التي هي في الاساس دالة شرودنجر الموجبة، Ψ، فإذا كانت هناك
اكثر من طريقة لحدوث هذا الحدث (كلا الثقبين مفتوح في التجربة) عندئذ تكون
احتمالية كل حدث ممكن (احتمال وصول الالكترون لكل كشاف اختير) تساوي مربع
مجموع قيم Ψ، وعليه هناك تداخل، ولكن إذا نظرنا لنشاهد أي الاحتمالات البديلة

s

هو الذي يحدث بالفعل (النظر لنرى من أي ثقب يمر الالكترون) فهنا احتمال التوزيع هو
حاصل جمع مربع قيم Ψ، ويعني اختفاء مصطلح التداخل، أي تنهار دالة الموجة.

s

الفيزياء مزعجة، ولكن الرياضيات نظيفة وبسيطة، ومعادلاتها مألوفة لأي فيزيائي،
وما دمت تتجنب السؤال عما تعنيه فليس هناك اي مشكلة ولو سألت لماذا العالم على
هذا الشكل فإن الجواب حتى من فينمان (ليس لدينا أي فكرة).ولو ظللت تصر على صورة
فيزيائية لما يحدث فستجد كل الصور الفيزيائية تذوب في عالم من الاشباح تبدو فيه
الجسيمات حقيقية فقط عندما ننظر اليها، وحتى خصائص مثل كمية الحركة والموقع هي
اشياء من صنع المشاهدة. وليس من العجيب على الاطلاق أن نجد العديد من الفيزيائيين
الاجلاء، ومن بينهم أينشتاين يقضون العقود في محاولة ايجاد طرق تدور حول هذا
التفسير لميكانيكا الكم»(١).

«ولكن ما هو الشيء الذي يتغير في موجة الالكترون؟

لقد جاء الجواب من دراسة نظرية لتصرف الالكترونات الحرة عندما تُرجم بها الذرات.
فمن الطبيعي ان يوصف الإلكترون الذي يسير في الفضاء الخالي بأنه رزمة موجية، صُرَّة
صغيرة من امواج تكتنف الإلكترون وتصاحبه سائرة معه، وكأنها نفثة موجات ضوئية
صدرت عن مصباح جيب ولم تستغرق سوى لحظة خاطفة. تدل معادلة شرودنغر على ان
هذه الرزمة تتفتت عندما تصيب ذرة ما، فتنقلب إلى مويجات تتناثر في كل الاتجاهات
كما يتناثر رذاذ الماء الخارج من أنبوب سقاية الحديقة عندما يضرب صخرة صماء. كانت
هذه الظاهرة محيَّرة، إذ أن الالكترونات التي تضرب الذرات ترتد عنها في هذا الاتجاه أو
ذاك ولكنها لا تتفتت بل تظل إلكترونات سليمة. فكان ان اقترح ماكس بورن عام ١٩٢٦
تفسيراً، لسلوك تابع الموجة بهذا الشكل، يستند إلى فكرة الاحتمالات. أي أن الإلكترون
لا يتفتت، ولكن بمقدوره أن ينعطف في أي أتجاه، واحتمال انعطافه في اتجاه معين
يكون أعظميا في الاتجاهات التي تجعل تابع الموجة ياخذ قيما أعظمية. أي، وبتعبير
اخر، أن موجات الإلكترون ليست موجات من أي شيء، ومغزى ذلك أن قيمة تابع الموجة في أية نقطة تخبرنا فقط عن احتمال ان يكون الإلكترون فيها أو في جوارها
القريب.

لم يكن شرودنغر ولا دوبروي مرتاحين لفهم موجات الالكترون بهذا الشكل، مما قد
يفسر ان أيا منهما لم يسهم إسهاما هاما في التطوير اللاحق لميكانيك الكم. لكن التفسير
الاحتمالي لموجات الالكترون لقي دعما في تبيان قدمه هايزنبرغ في السنة التالية. كان
هايزنبرغ يتفكر في المسائل التي يصادفها الفيزيائي حين يضطلع بقياس موضع الالكترون
واندفاعه، فالقياس الدقيق لموضع الالكترون يستوجب استعمال ضوء ذي طول موجة
قصير لأن انعراج الضوء يجعل صورة الشيء ضبابية إذا كان هذا الشيء أصغر كان اندفاع
فوتوناته أكبر، وعندما تُستعمل لإنارة الالكترون فوتونات كبيرة الاندفاع، فإن الالكترون
يعاني صدمة تحرفه عن موضعه اخذا قسطا من اندفاع الفوتون الصادم. ومعنى ذلك اننا
كلما حاولنا الحصول على مزيد من الدقة في قياس موضع الالكترون ساءت دقة معرفتنا
بعد هذا القياس باندفاع الالكترون. أن هذه القاعدة تسمى مبدأ الارتياب لهايزنبرغ. فموجة
الالكترون، عندما تتخذ شكل قمة حادة في موضع ما، تمثل الكترونا له موضع معين
جيدا، ولكن له اندفاع يمكن ان يملك أية قيمة تقريبا. وفي مقابل ذلك، فإن موجة
الالكترون، عندما تتخذ شكل منحن املس تتوالى فيه ذرى وحضائض بفواصل متساوية
ويمتد لمسافة تساوي عدة أطوال موجية، تمثل إلكترونا اندفاعه معين جيدا، ولكن
موضعه مشوب بارتياب كبير. أما الالكترونات الموجودة في الذرات أو في الجزيئات فليس
لها مواضع ولا اندفاعات محددة بكل دقة.

لقد استمر الفيزيائيون في التجادل حول تفسير ميكانيك الكم ولسنوات كثيرة بعد
ان اكتسبوا خبرة في حل معادلة شرودنغر. كان أينشتاين وحيدا في استبعاد ميكانيك
الكم في أعماله، ولكن معظم الفيزيائيين كانوا يحاولون فهمه فقط. كان كثير من هذا
الجدل يدور في المعهد الجامعي للفيزياء النظرية في كوبنهاجن بقيادة نيلز بور (١). كان بور
يركز اهتمامه على سمة نوعية من سمات ميكانيك الكم أسماها تتامية:)complementarity(
إن معرفة أحد جوانب منظومة ما، تحول دون معرفة بعض جوانب أخرى من هذه
المنظومة. ومبدأ هايزنبرغ الارتيابي مثال على التتامية: معرفة موضع الجسيم (أو اندفاعه) تحول دون معرفة اندفاعه أو موضعه.

في حوالي عام ١٩٣٠ أفضت المناقشات التي حصلت في معهد بور إلى صياغة أصولية
لما يسمى اليوم تفسير كوبنهاكن لميكانيك الكم، وذلك في اطار أصبح اليوم اعم بكثير
من الميكانيك الموجي للالكترونات الفردية إن حالة المنظومة في اي وقت، سواء كانت
مؤلفة من جسيم واحد او من عدة جسيمات، تتمثل بقائمة اعداد معروفة باسم تابع
الموجة وكل عدد من هذه القائمة يقابل وضعية ممكنة للمنظومة. ويمكن توصيف الحالة
نفسها بإعطاء قيم تابع الموجة من اجل الوضعيات التي تتميز بخصائص مختلفة متنوعة
- بمواضع كل جسيمات المنظومة مثلا، أو باندفاعات كل جسيمات المنظومة، او
بخصائص أخرى متنوعة غير مواضع واندفاعات كل الجسيمات.

إن النقطة الجوهرية في تفسير كوبنهاغن هي الفصل القاطع بين المنظومة نفسها
وبين الجهاز المستخدم لقياس وضعيتها. وهنا يلح ماكس بورن على ان قيم تابع الموجة
تتطور، في الزمن الفاصل بين قياس واخر، تطورا استمراريا وحتميا جدا تفرضه نسخة
معممة من معادلة شرودنغر. وفي أثناء هذا التطور لا يمكن ان نقول إن المنظومة موجودة
في وضعية محددة. فإذا قسنا وضعية المنظومة (بأن نقيس مثلا كل مواضع الجسيمات
او كل اندفاعاتها، ولكن لا الاثنين معا) نجد أنها تقفز إلى حالة محددة بوضعية أو بأخرى،
واحتمالات هذه الوضعيات معطاة بمربعات قيم تابع الموجة من اجل هذه الوضعيات في
لحظة بدء عملية القياس»(١).

جاء من ميكانيك الكم ومن مبدأ الريبة أو اللايقين بالخصوص أهم ما يحتج به اليوم من
يقولون: إنّ الكون جاء من لا شيء، فإنه على أساس مبدأ الريبة لا يمكن للفضاء الخالي أن
يكون خاٍل تماماً؛ لأن خلوّه يعني أنّ المجالات كمجال الكهرومغناطيسية يجب أن تكون صفراً
تماماً، وهذا يناقض مبدأ الريبة؛ لأنه بحسب مبدأ الريبة لا يمكن معرفة قيمة المجال ومعدل
تغيره في نفس الوقت.

في فيزياء نيوتن أو الفيزياء الكلاسيكية الأمور تحدد بدقة ولا توجد احتمالية أو ريبة أو لا
يقين، ولذا يمكننا أن نحدد بدقة سرعة ومواضع الأجسام وهذا جعل لابلاس يذهب بميكانيك
نيوتن إلى أبعد حد ممكن، فقد وضع لابلاس قاعدته الحتمية والتي بحسبها فإننا لو عرفنا
سرعة أو كمية حركة ومواضع كل جسيمة في الكون في زمن معين نستطيع أن نحدد سرعتها
ومواضعها في كل زمن في الماضي والمستقبل، أي أننا نستطيع أن نعرف المستقبل وهذا يسمى
مبدأ الحتمية، وواضح أنه لم يبق مساحة للغيب أو الإله ليتدخل ويغير الأمور فهي حتمية
وليس لأحد مدخلية فيها، ولم يبق حتى مساحة لإرادة الإنسان فالأمور تسير نحو نهايات حتمية
ومحددة مسبقاً.

«أدى نجاح قوانين نيوتن وغيرها من النظريات الفيزيائية الى فكرة الحتمية العلمية
وقد عبر عنها لأول مرة العالم الفرنسي المركيز دي لابلاس عند بداية القرن التاسع عشر.
وطرح لابلاس أننا لو عرفنا مواقع وسرعات كل جسيمات الكون في احد الاوقات، ينبغي
عندها ان تتيح لنا قوانين الفيزياء ان نتنبأ بما ستكون عليه حالة الكون في أي وقت اخر
في الماضي أو المستقل. وبكلمات اخرى اذا كانت الحتمية العلمية صحيحة، فينبغي من
حيث المبدأ ان نكون قادرين على التنبوء بالمستقبل»(١).

أما في ميكانيك الكم الذي يهيمن اليوم على الفيزياء فنحن لا نستطيع معرفة سرعة
وموضع جسيم واحد بدقة فضلاً عن كل الجسيمات فالأمور أصبحت مختلفة تماماً، والجسيم
يمكن أن يكون في أي موضع محتمل أن يكون فيه وسرعته يمكن أن تكون أي سرعة محتملة
له، فلم تعد هناك حتمية كاملة في ميكانيك الكم أي لم تعد هناك أي إمكانية لمعرفة المستقبل
بدقة؛ لأن هناك أكثر من احتمال، ما تبقى من الحتمية في ميكانيك الكم هو ما يوفره تطور
دالة الموجة.

وهكذا يمكن أن نقول: إنّ ميكانيك الكم الذي يستخدمه أصحاب مقولة "كون من لا
شيء"لإنكار وجود الإله أصبح أيضاً باباً لإثبات الإرادة الحرة للإنسان وأنّ الإنسان يمكن أن تكون له مدخلية في صنع مستقبله، فالإنسان ليس مجبوراً ولا مقهوراً على أن يسلك طريقاً
ترسمه له حتمية كونية لا مفر منها، بل وأكثر فالإنسان يمكن أن يكون مؤثراً في الأحداث
المحيطة به والتي يقوم برصدها بل ربما يكون للإنسان تأثيراً في الكون، فالكون كله منظومة
كمية والإنسان يقوم برصدها.

بقي في ميكانيك الكم شيء من الحتمية يوفره تطور دالة الموجة، فالاحتمالات التي توفرها
دالة الموجة تتطور بشكل حتمي أي إنّ الحتمية الكلاسيكية لم يعد لها وجود، ولكن جاء
مكانها مزيج ربما يمكن أن نسميه نصف حتمية.

«وهنا يلح ماكس بورن على ان قيم تابع الموجة تتطور، في الزمن الفاصل بين قياس
واخر، تطورا استمراريا وحتميا جدا تفرضه نسخة معممة من معادلة شرودنغر. وفي أثناء
هذا التطور لا يمكن ان نقول إن المنظومة موجودة في وضعية محددة»(١).

المؤكد أنّ الحتمية كما في فيزياء نيوتن لم يعد لها وجود بعد ميكانيك الكم وإن كان معظم
الناس لا يعرفون في حياتهم اليومية غير فيزياء نيوتن وحتميتها، ولكن هل بعد ميكانيك الكم
يمكن القول بأنّ ما يعرفه الناس هو الواقع؟!

إذن، لدينا أكثر من احتمال للُمستقبل، ولا يمكننا أن نحدد واحداً منها بشكل حتمي،
﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبتُ وَعندَهُ أم الْكتَاب﴾(٢).

ولكن هذه الاحتمالات يحكمها تطور حتمي لدالة الموجة، وبالمشاهدة نشخص أحدها
كواقع نحصل عليه،

(لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين) (٣).

كان المعتقد قبل النسبية أنّ هناك شيئاً في الفضاء اسمه الأثير يتحرك فيه الضوء وإليه
تنسب سرعة الضوء التي تعتبر ثابتة بالنسبة للأثير؛ حيث عند قيام أكثر من راصد متحرك في
الأثير بقياس سرعة الضوء فالمفروض أن يقيسوا سرعات مختلفة للضوء، وكذا لو قست
سرعة الضوء وأنت تتحرك باتجاه مصدر الضوء فالمفروض أن تقيس سرعة أعلى من سرعة
الضوء فيما لو قست سرعة الضوء وأنت تتحرك بشكل عمودي على الضوء، ولكن التجربة
التي أجراها ميكلسون ومورلي أثبتت أنّ هذا الكلام غير صحيح وأن سرعة الضوء ثابتة بكل
الاتجاهات،

حيث تبقى سرعة الضوء هي الثابتة مهما كانت سرعة الملاحظ واتجاهه، فسواء كنت
واقفاً أم أنك تهرب من الضوء أم أنك تتحرك باتجاه الضوء في كل الأحوال ستقيس سرعة
ثابتة لتقدم فوتونات الضوء في اتجاهك ولن تضاف أو تطرح سرعة تحركك لسرعة الضوء
لمعرفة سرعة تقدم فوتونات الضوء تجاهك، بينما في فيزياء نيوتن لو أنك تحركت باتجاه شيء
معين فستجمع سرعتك إلى سرعته لمعرفة سرعة اقترابه منك وتطرح إذا هربت منه، هذا يعني
أنّ سرعة الضوء ثابت كوني يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار في قوانين الفيزياء، وعلى هذا الأساس
جاءت نظرية النسبية الخاصة لإينشتاين في ورقة بحث نشرها عام ١٩٠٥ لتلغي الأثير وما
يترتب عليه من نتائج غير صحيحة وتلغي الزمن المطلق والمنفصل عن المكان وتصبح حركة
الأشياء واقعة في الزمكان وليس في المكان فقط.

فأصبح بعد الزمان بحسب النظرية النسبية الخاصة واحد من الأبعاد الأربعة المتصلة
مع بعضها الزمان والأبعاد المكانية الثلاث، فهذه هي الطريقة التي يفسر بها ثبات سرعة الضوء،
فالضوء وصل إلى السرعة القصوى المسموحة في أبعاد المكان ولم تعد له كمية حركة إضافية
تسمح له بالتحرك في بعد الزمان، وهذا يعني أنّ الأشياء كلما تحركت بسرعة أكبر فسيكون
زمنها أقل، فمثلاً: لو سافر شخص داخل مركبة بسرعة معينة وكان لديه ساعة تقيس زمن
الرحلة وكان هناك شخص في الخارج يقف جانباً ويقيس زمن الرحلة أيضاً فإن الذي في المركبة
سيسجل زمناً أقل من الذي سيسجله الشخص المتوقف جانباً، وكلما زادت سرعة المركبة
سيكون الزمن الذي سيسجله أقل، هذا الفرق لا يمكن ملاحظته بالسرعات البسيطة التي
نتعامل بها عادة ولكن بسرعات تمثل جزءاً كبيراً من سرعة الضوء سيكون ملحوظاً جداً وعندما يسير الجسم بسرعة الضوء فسيتوقف الزمن بالنسبة له بمعنى أنه لن يسجل أي
زمن، ولكن لا يمكن لجسم له كتلة ذاتية أن يسير بسرعة الضوء وإنما يمكن أن تسرع بعض
الجسيمات المادية بطريقة كالتي تستخدم في مصادمات الجسيمات لسرعات قريبة من سرعة
الضوء، وقد لوحظ أن أعمارها تتضاعف وتطول بشكل ملحوظ جداً، وهذا يعني أنّ زمنها
عندما تسير بسرعة عالية يبطئ بشكل كبير.

ونفس الأمر ينطبق على أبعاد المكان، فمثلاً: لو قمت بقياس طول مركبة واقفة ثم نفس
المركبة قست طولها وهي تمر متحركة بسرعة معينة وبمسار متعامد مع وجهة القياس
فستسجل طولاً أقل هذه المرة، وهذا لن يكون ملحوظاً في سرعة واطئة؛ لأنه جزء صغيرجداً،
أما في سرعات قريبة من سرعة الضوء سيكون ملحوظاً تماماً.

معنى ما تقدم أنّ أكثر من ملاحظ يتحركون سيقيسون أزماناً مختلفة لحدث واحد ولا
يعتبر قياس أحد منهم أدق من الآخر؛ لأن القياسات نسبية.

ثبات سرعة الضوء في أبعاد المكان يعني أنه لم تبقَ للضوء سرعة تسمح له بالانتقال
خلال الزمن فهو قد وصل إلى السرعة القصوى المسموح بها في أبعاد المكان، وهذا يعني أنّ
الزمن عند الفوتونات متوقف فهي لا تتقدم بالعمر أي إنّ الماضي والمستقبل بالنسبة
لفوتونات الضوء نفسها سواء. ففوتونات اشعاع الخلفية الكوني المتخلف من الانفجار الكبير
كما سيأتي عمرها الآن هو نفسه عمرها لحظة الانفجار، ولو فرضنا أنّ هناك إنساناً تمكن أن
يتحرك بسرعة الضوء (وإن كان هذا غير ممكن لاستحالة أن يتحرك أي جسم له كتلة ذاتية
بسرعة الضوء) فسيحصل معه نفس الشيء، سيتوقف عنده الزمن ويبقى عمره ثابتاً ويصبح
بالنسبة له الماضي والمستقبل سواء أي إنه يرى الماضي والمستقبل في أي لحظة يشاء.

النتيجة من النسبية الخاصة أنه لم يعد هناك كون ثلاثي الأبعاد وكمية زمان مستقلة،
بل أصبح الكون رباعي الأبعاد والزمان أحد أبعاده، أصبح لدينا مكان وزمان يكوّنان معاً
نسيجاً واحداً مترابطاً تؤثر حركة الأشياء في أحد أبعاده في مساره في أبعاده الأخرى، فحركة
الأجسام في أبعاد المكان الثلاثة تؤثر في مسارها في بعد الزمان.

ثبات سرعة الضوء التي جعلت اينشتاين يربط الأبعاد المكانية مع بعد الزمان ويراها
متشابكة ككل يشكل نسيج الزمكان الكوني أيضاً أدى باينشتاين إلى أن يكتشف أن كتلة الجسيم وطاقة الجسيم متكافئة ومتشابكة، وهذا كان من أهم نتائج النظرية النسبية الخاصة
ومعادلة تكافؤ الكتلة والطاقة أخرجها اينشتاين بالصورة التالية:

𝑬𝟐 − 𝒑𝟐𝒄𝟐 = 𝒎𝟐𝒄𝟒

𝑬𝟐 = 𝒎𝟐𝒄𝟒 + 𝒑𝟐𝒄𝟐

حيث إنّ:

𝑬
= الطاقة،

𝒄
= سرعة الضوء،

𝒑
= الزخم

وعندما يكون الزخم صفراً تكون المعادلة كالتالي:

𝑬𝟐 = 𝒎𝟐𝒄𝟒

أي إنّ:

𝑬 = 𝒎𝒄𝟐

وهذه الصورة الأخيرة هي الصورة المألوفة عادة.

ومن تكافؤ الكتلة والطاقة يمكن إثبات أنّ السرعة القصوى هي سرعة الضوء ولا شيء
له كتلة يمكن أن يتحرك بسرعة الضوء؛ لأن طاقة حركته تضاف إلى كتلة (بتحويلها بقانون
التكافؤ) وهذا يعني أنّ الجسم تزداد كتلته كلما تحرك بسرعة أكبر وبالتالي يحتاج لطاقة أكبر
ليتحرك أيضاً، وهذه الطاقة تحوّل أيضاً إلى كتلة تضاف إلى كتلته وهكذا تستمر المزايدة، فإذا
فرضنا أنه تحرك بسرعة الضوء فستكون كتلته لا متناهية - مهما كانت كتلته الذاتية التي
بدأ بها - وبالتالي سيحتاج طاقة لا متناهية لتحركه، ولهذا فلا يمكن - بحسب قانون التكافؤ-
أن يتحرك شيء له كتلة ذاتية بسرعة الضوء، والضوء أو الجسيمات أو الموجات التي ليس لها كتلة ذاتية (كالفوتونات)، هي فقط التي تتحرك بسرعة الضوء.

دخول الاحتمالية ومبدأ الريبة في ميكانيك الكم جعل اينشتاين يتخذ موقفاً سلبياً تجاه
ميكانيك الكم، وقد وجه اينشتاين عدة انتقادات لمبدأ الريبة:

«ان الله لا يلعب بالنرد».

منها: كلمته المشهورة في رفض الاحتمالات واللايقين:

ومنها: ما عرضه في مؤتمرات علمية وتم ردّه،

«بعد الجدل السولفي الذي لم يخلص إلى نتائج حاسمة، لا ريب ان اينشتاين قد
لاحظ ان شكوكه الميتافيزيقية لن تجدي نفعا. لقد كان يحتاج الى برهنة كمية محددة على
وجود خلل ما، وعند وصوله إلى بروكسل، حسب انه عثر عليها. لقد أراد ان يثبت لبور
وحوارييه أن مبدا الريبة، المرحب به انذاك بوصفه المبدأ الأساسي في ميكانيكا الكم، لا
يشكل الحقيقة النهائية. لقد وجد طريقة للالتفاف عليه، وسيلة لاستخلاص معلومات من
التجربة تتجاوز ما تسمح به قاعدة هايزنبرج.

وبطبيعة الحال، لم تكن التجربة واقعية بل مثالا اخر على أداة أينشتاين المفضلة،
التجارب الذهنية. كان اختبارا لا سبيل لتخيل إجرائه في المعمل، ولكنه متاح وفق
قوانين الفيزياء. الأهم من ذلك، فيما حسب إينشتاين أن قوانين الفيزياء في هذه الحالة
تثبت ان التجربة سوف تفضي الى نتائج أفضل من تلك التي يسمح بها هايزنبرج. لقد كانت
بسيطة جدا حال دون التشكيك فيها.

يطلب اينشتاين التالي: تخيل ان بعض الفوتونات موجودة في صندوق، وجهز
الصندوق بمصراع يعمل بساعة. دع المصراع يفتح للحظة، في وقت محدد بدقة، بحيث
يهرب فوتون واحد. زن الصندوق قبل وبعد. وفق ٢𝑐𝑚 = 𝐸، سوف يحدد التغير في
الوزن طاقة الفوتون الهارب. ثمة صيغة لمبدا هايزنبرج تقول إنه كلما كان المرء أكثر دقة
في قياس طاقة حدث كمومي ما، قلت قدرته على تحديد زمن هذا الحدث. في حجة
أينشتاين الجديدة، او هكذا أعتقد صاحبها، لا ينطبق هذا القيد.

بمقدروه ان يقيس طاقة الفوتون الهارب، كما انه يعرف زمن هروبه، وفي وسعه ان
يقوم بكل من هذين القياسين بشكل مستقل، وبالدقة التي يشاء. هكذا اعلن أينشتاين،
ومشاعر الانتصار تغمره، انه قادر على هزيمة مبدا الريبة.

ليون ورزنفيلد، عالم فيزياء بلجيكي سوف يصبح العام التالي مساعدا لبور في
كوبنهاجن، لم يشترك بشكل رسمي في اللقاء السولفي، غير انه جاء على أي حال إلى
بروكسل كي يحضر النقاش. وصل إلى النادي الجامعي؛ حيث كان المشاركون، في الوقت
الذي كان اينشتاين المبتهج، يتبعه جمع أقل شأنا، يعود من قاعة الاجتماعات. جلس
أينشتاين ووصف باستمتاع واضح تجربته الذهنية المناوئة لهايزنبرج امام كل أولئك
المعجبين.

بعد ذلك وصل بور، الذي بدا تماما مثل كلب تعرض للجلد وراسه مشنوقة. تناول
الغداء بصحبة روزنفيلد وعلماء فيزياء اخرين جلسوا معهم أثناء تناول وجبة الغداء. كان
بور مستثارا بشكل سيء، سيء حقيقة، وكان يصر على انه يستحيل على إينشتاين أن
يكون محقا، أن ذلك يعني نهاية نظرية الكم. غير انه كان عاجزا عن وضع إصبعه بشكل
مباشر على موضع الخلل. بعد ذلك، في المساء، حاول متوددا إقناع أينشتاين بالطريقة
نفسها، لكن أينشتاين لم يعره انتباها.

في اليوم التالي كان الابتهاج يغمر بور هذه المرة. أثناء الليل خطر له ان أينشتاين
ارتكب خطأ مفارقا حين اغفل نتيجة يقول بها هو نفسه في نظرية النسبية العامة. افترض،
فيما قال بور، ان الصندوق الذي يحتوي على الفوتونات كان معلقا بطريقة ما بميزان
نابضي يقيس وزنه. في لحظة هروب الفوتون، سوف يرتد الصندوق، الذي نقص وزنه قليلا
الى الأعلى، بعيدا عن الجاذبية. يترتب على هذا أمران مهمان أولا، سوف يسبب هذا
الارتداد ريبة في قياس كتلة الصندوق، تترجم الى ريبة في طاقة الفوتون الهارب
المستنبطة. ثانيا، وعلى نحو أكثر خفاء، سوف تنتج الحركة في الصندوق تغيرا في معدل
حركة عقارب الساعة. ذلك لأن الساعة تعمل، كما أثبت أينشتاين قبل عقد ونصف،
بمعدل متغير اثناء حركة عقاربها في مجال الجاذبية الأرضية.

شرح بور سعيدا كيف أن نتاج حالتي الريبة هذين، في الطاقة والزمن، هو ما يقره
بدقة مبدأ هايزنبرج. اما أينشتاين، الذي كدره ان يرى انه في توقه لإثبات خطأ هايزنبرج
تغاضى عن النظرية الفيزيائية التي قال بها هو نفسه، فلم يجد امامه سوى التسليم
بالهزيمة. لم يشعر بور بالارتياح الظافر. في تصور لاحق لهذه الوقائع، لم يصرح بانه كان
محقا وبان أينشتاين كان مخطئا بل اكد قدرة اينشتاين المستمرة على تحديد المواضع التي تتفارق فيها بشكل لافت الفيزياء الكلاسيكية عن فيزياء الكم. لقد اثنى على تاثير
أينشتاين في الدفع بعلماء ميكانيكا الكم - وكان يعني نفسه أساسا - لتحديد خصائص
وغرائب موضوعهم الذي ظل جديدا.

وبصرف النظر عن أسلوب ثناء بور المهذب، تظل حقيقة ان الضربة القاضية التي
استهدف بها اينشتاين ميكانيكا الكم ومبدا الريبة قد أخطأت هدفها، فلم تحدث ضررا
ولم تترك أثرا. ورغم ان هايزنبرج وبولي والباقين لم يقوموا ألابدور ضئيل في هذا النزاع
الفكري، كنا سعداء تماما وقد شعرنا ان المباراة كسبت الان، او هكذا قال هايزنبرج لاحقا.

بعد هزيمته في اخر محاولة لإثبات وجود خلل في ميكانيكا الكم، عاد أينشتاين إلى
شكواه القديمة والأكثر أساسية. قد تكون ميكانيكا الكم متساوقة منطقيا - غير انها لا تعبر
عن الحقيقة كاملة. لقد أصر على ان المصادفة، والاحتمال والريبة إنما تنشأ عن قصور
في فهم علماء الفيزياء للعالم الذي يحاولون تصويره بنظرياتهم. إن حجج بور وهايزنبرج
والباقين العابثة ليست في النهاية سوى مماحكات حول صعوبات يكمن حلها في موضع
اخر. لقد ظل مقتنعا بان يوما سياتي نعثر فيه على نظرية اكمل، وسوف تسلم ميكانيكا
الكم نفسها للتاريخ، رفقة العديد من الفروض الفاشلة»(١).

ومنها: إشكال اينشتاين الذي شاركه فيه اثنان من الباحثين وهو ما يسمى بتناقض.EPR

«في عام ١٩٣٥، حين كان يعمل صحبة زميليه في برنستون الأصغر سنا منه، بورس
بودولسكي Podolsky()Boris وناثان روزن Rosen(nahtaN)، نشر اينشتاين اخر واشهر
هجوم له على نظرية الكم. لقد تساءل البحث في عنوانه:

)Can Quantum - mechanical Description of physical Reality Be considered
complete( (هل يمكن للوصف الكم - ميكانيكي للواقع الفيزيائي ان يكون كاملا؟)

كان السؤال خطابيا، ومن الواضح أن الإجابة كانت خلاف ذلك، وفق رأي
أينشتاين، وبودلسكي، وروزن (أ ب ر).

كانت حجة أ ب ر تفصيلا فيما أقلق أينشتاين بخصوص المؤتمر السولفي الخامس
عام ١٩٢٧. هناك كان قد ركز على إقرار بور أن مبلغ ما تستطيع دالة الموجة الكمومية
وصفه هو احتمال ان يكون الجسيم في موضع او في اخر. هذا جد حسن، قال أينشتاين،
غير أنه يتعين ان يصبح الاحتمال في مرحلة ما يقينا. في المثال الذي اختار، يتعين على
الالكترون الذي يصطدم بها في موضع واحد بعينه. واذا كان كذلك، الايتوجب على
الموجة الكمومية التي تصفه ان تتغير في الحال بطريقة ما في كل أنحاء الشاشة؟

لم يبد انذاك ان ثمة أحدا فهم ما يريد. لقد كانت الحجة في واقع الحال مبهمة
وميتافيزيقية. غير ان أينشتاين، وبودلسكي، وروزن يزعمون الان انهم استطاعوا جعل
الاعتراض عينيا، بعد أن أحالوه إلى مشكلة محددة يمكن البرهنة عليها. لقد جادلوا عن
انه بمقدورهم تحديد كيف تتعارض ميكانيكا الكم مع أحكام البداهة.

أولا: في أسلوب أينشتاين القديم والصحيح، تعين عليهم أن يوضحوا بشكل كامل
ما تعنيه أحكام البداهة. لقد أقروا ان يتوجب على أية نظرية مقبولة ان تتعامل مع ما
وصفوه بعناصر الواقع الفيزيائي، التي تعني لديهم أشياء من قبيل الموضع وكمية الحركة،
الأنواع التقليدية من الكميات التي يعتبرها علماء الفيزياء، وفق عادة مبجلة عبر العصور،
معلومات لا خلاف عليها تتعلق بالعالم الفيزيائي.

حسن جدا - ولكن ما الذي يشكل حقيقة عنصرا في الواقع الفيزيائي؟ ليست هذه
قضية سبق للعلماء أن امضوا الكثير من الوقت في الانشغال بها. وهكذا اقترح أينشتاين
وزميلاه تعريفا صوريا له، تعريفا أصبح شهيرا أو سيء السمعة، وقفا على منظور المرء. إذا
استطعنا، فيما قالوا دون إرباك النسق بأية طريقة، التنبؤ بيقين بقيمة الكمية الفيزيائية،
فإن هناك عنصرا في الواقع الفيزيائي يناظر هذه الكمية الفيزيائية.

تفكر مثلا في موضع الكترون او كمية حركته. إذا كانت لديك طريقة في تحديد أي
من هاتين الخاصيتين دون التأثير بأي حال في مسار الالكترون أو سلوكه اللاحق، فإنه
يحق لك ان تقول إن موضع او كمية الحركة حقيقة مؤكدة، معطى لا سبيل لإنكاره. بتعبير
اخر، عنصر من عناصر الواقع الفيزيائي.

بعد أن أعدوا الحجة على هواهم، شرع أينشتاين وزميلاه في البرهنة على كيف ان
ميكانيكا الكم تواجه صعوبات.

لقد تخيلوا جسيمين يتحركان بالسرعة نفسها في اتجاهين متضادين بعيدا عن اصل
مشترك بحيث إنك ما ان تقيس موضع او كمية حركة احدهما، حتى تعرف في الوقت نفسه
موضع أو كمية حركة الاخر.

لقد سلموا ان الملاحظ الذي يقوم بقياس احد الجسيمات سوف يتعرض للتضليل
من قبل مبدأ الريبة. قس كمية حركته، ولن تعرف موضعه، أو العكس بالعكس، تماما
كما أملى هايزنبرج. غير ان اينشتاين، وبودلسكي، وروزن يلعبون الان ورقتهم الرابحة. إن
مفاد المشهد الذي أعدوا هو أن ملاحظة جسيم تخبرك شيئا عن الاخر، وهذا هو المكان
الذي تبدأ تحدث فيه أشياء غريبة.

قس موضع الجسيم الأول، وسوف تعرف مباشرة موضع الاخر - حتى إن لم تنظر
اليه مباشرة. أو قس كمية حركة الجسيم الأول، وسوف تعرف كمية حركة الاخر - مرة
أخرى، دون النظر اليه. هذا يعني، فيما استنتجوا متلهفين، أنه يتعين على كل من موضع
وكمية حركة الجسيم الثاني ان تكونا عناصر في الواقع الفيزيائي لأنه يمكن تحديد هاتين
الخاصيتين دون إزعاج الجسيم المعني، يتعين ان يحوزا قيما محددة سابقة الوجود.
يستحيل، فيما جادلوا، أن قياس الجسيم الاول لا يسبب إلا انذاك تحقق خصائص
الجسيم من ضباب كمومي - لأنه لم يحدث أي حقيقة للجسيم الثاني.

المترتبة الأهم، فيما أضافوا، هي أن مبدأ الريبة المتبجح الذي يقول به هايزنبرج لا
يعني، في النهاية، أن الخصائص الفيزيائية غير محددة بشكل أساسي إلى ان يتم قياسها.
بدلا من ذلك، فإن للجسيمات خصائص محددة، ومبدا الريبة قبول لفكرة انه ليس في
وسع ميكانيكا الكم ان تصف بشكل كامل تلك الخصائص، ما يعني، وفق ما استخلص
أينشتاين ومساعداه، أن ميكانيكا الكم لا تروي القصة كاملة - تماما كما أكد أينشتاين منذ
زمن طويل. إنها ليست سوى نظرية جزئية، تصور غير كامل في الحقيقة الفيزيائية
التحتية»(١).

«هذا ما جعل اينشتاين يركز على نوع من التجارب التي يقول بها (أ ب ر) بوصفها إشارة عميقة على استحالة ان تكون ميكانيكا الكم صحيحة - لأنه يبدو في مثل هذه
الظروف ان هناك تأثيرا مراوغا وفوريا يربط السلوك الكمومي الذي يقوم به جسيمان
بصرف النظر عن سرعة حركتيهما بعيدا عن بعضهما. إن هذا الرابط البعيد والمزعج، مثل
أي شيء غريب اخر في ميكانيكا الكم، إنما ينشأ بسبب ضرورة الريبة. لأن نتاج قياس
جسيم مفرد غير قابل لأن يتنبا به بشكل تام، حيث يبدو ان هناك ضرورة في ربط
الجسيم الثاني بطريقة ما حتى تظل القياسات التي تجري عليه متساوقة مع ملاحظات
الجسيم الاول»(١).

الجسيمان في المثال أعلاه مترابطان لأن مصدرهما واحد ومجموع كمية حركتهما معروف،
إذن لو قست كمية حركة الأول ستعرف كمية حركة الثاني في نفس اللحظة، ولو قست موضع
الأول ستعرف موضع الثاني في نفس اللحظة تماماً مهما كانت المسافة بين الجسيمين، ولكن
بحسب مبدأ اللايقين فإننا لو حاولنا قياس صفة لأحدهما (ككمية الحركة) فسيحصل تغير
في موضع الجسيم الذي قسناه، وبما أنّ المجموع الكلي معروف إذن الجسيم الثاني لابد أن
يتغير مهما كانت المسافة بينهما ليبقى المجموع محفوظاً.

هذا يعني أموراً، منها:

إنّ الراصد أو عملية القياس لم تعد مهمة في تشخيص خصائص الجسيم الثاني، فها قد
عرفنا خصائصه دون أن نتوجه إليه مباشرة بالقياس.

ويعني أيضاً: أنّ صفة الجسيم الثاني التي عرفناها دون أن نقوم بقياسها مباشرة هي
عنصر من عناصر الواقع الفيزيائي أي أن للجسيمات صفات محددة وليس كما يفترض مبدأ

«أن الخصائص الفيزيائية غير محددة بشكل أساسي إلى ان يتم قياسها».

الريبة أو اللايقين لهايزنبرغ

أيضاً: يترتب على الجمع بين الترابط الكمومي ومبدأ اللايقين في المثال أنّ المعلومات تنتقل
بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فنحن عندما نقيس إحدى خصائص الجسيم الأول مثلاً لا
نحتاج وقتاً لنعرف خصائص الجسيم الثاني بل نعرفها في نفس اللحظة، وهذا يعني أنّ عملية
القياس لو أثرت في الجسيم الأول فلابد أنّ الجسيم الثاني يتأثر مباشرة ليحافظ على المجموع مع أنّ القياس غير متوجه له، وهذا يعني أنّ ميكانيك الكم يخرق قانون النسبية الخاصة
الذي لا يسمح أن يتحرك شيء بسرعة أكبر من سرعة الضوء، وهذا يؤشر خللاً واضحاً في فهم
الواقع الكوني ولا شك.

فالحقيقة إنه حتى مع إثبات أنّ الترابط الكمومي واقع فيزيائي بالتجربة العملية تبقى
المشكلة لا تحل؛ لأنها تصبح بين:

إنّ نظرية النسبية الخاصة لإينشتاين فيها إشكال يتمثل في المنع من التحرك داخل هذا
الكون بسرعة أكبر من سرعة الضوء.

تروي
«لا القصة كاملة...... إنها ليست سوى

أو أنّ ميكانيك الكم كما أراد أن يقول اينشتاين

نظرية جزئية، تصور غير كامل في الحقيقة الفيزيائية التحتية»

.

وأعتقد أنه لحل هذا الإشكال فمن الممكن لنا أن نفترض أنّ المعلومات التي تنتقل بين
الجسيمين تنتقل بينهما في كون آخر، لهما فيه وجود شبحي، وهذا الكون الآخر يسمح بأن
تنتقل الأشياء فيه بسرعة أكبر من سرعة الضوء.

يمكن أن نقص المشكلة التي طرحها إينشتاين بصورة أخرى وهي: أنّ الجسيمين مع عملية
القياس عبارة عن منظومة وبالتالي فمعرفتنا بموضع الجسيم الثأني بمجرد قياس موضع

«الخصائص الفيزيائية غير محددة بشكل اساسي إلى ان يتم قياسها»

الجسيم الأول يعني أنه لو كانت
كما ينص مبدأ الريبة في ميكانيك الكم فإننا بعملية الرصد للجسيم الأول تسببنا بتغير فوري
لدالة الموجة للمنظومة ككل بحيث يجعل الجسيم الثاني ذا موضع أو سرعة محددة أو كما

«الايتوجب على الموجة الكمومية التي تصفه ان تتغير في الحال بطريقة ما في كل

حاجج أينشتاين

أنحاء الشاشة؟»

.

وهذا ينقل النقاش إلى مدى واقعية دالة (تابع) الموجة، فمسألة انتقال تغيرات دالة
الموجة فوراً في الفضاء أي بدون الحاجة لأي فترة زمنية تعني أنها تنتقل بسرعة لا متناهية،
وهذا غير ممكن في كوننا، فبحسب نظرية النسبية الخاصة لاينشتاين لا يمكن تجاوز سرعة
الضوء فما بالك بسرعة لا متناهية، فالسرعة عبارة عن المسافة مقسومة على الزمن وفي
حالتنا هذه مهما كانت المسافة فالسرعة لا متناهية والمعلومات تنتقل فوراً وآنياً أي إنّ الزمان يساوي صفراً، وبعبارة أخرى: يمكن أن نقول إنّ بُعد الزمان اختفى من الكون الذي تنتقل
فيه معلومات تابع الموجة، وهذا يعني ولا شك - إن كانت النسبية الخاصة صحيحة - أنّ هذه
المعلومات تنتقل في كون آخر تسمح قوانينه بهذه الأمور المستحيلة في كوننا، وهذا الكون الآخر
لابد أنه مؤثر في كوننا ومتصل به وأن للأشياء التي في كوننا وجوداً شبحياً في ذلك الكون بحيث
إنها يمكن أن تتواصل فيه وتنتقل المعلومات فيما بينها بسرعة لا متناهية، أو ربما نكون نحن
والموجودات في هذا الكون أشباحاً لحقائق أرقى موجودة في كون أرقى من كوننا.

ميكانيك الكم فتح باباً في علم الفلك (الكوزمولوجي) لمقولة تعدد العوالم أو الأكوان التي
يمكن أن يؤثر بعضها ببعض.

هذا البحث المتقدم إن لم يكن كافياً لإثبات وجود النفس أو الروح الإنسانية، فمن المؤكد
أنه يجعل كل عاقل يتسائل عن مدى واقعية أن يكون وجودنا محصوراً بهذا الكون فقط
وأننا مجرد أجسام خلقت من مادة هذا الكون، ألا يمكن أن تكون تلك الأكوان المتعددة
ألطف من هذا الكون وجسيماتها أدق من جسيمات المادة والطاقة التي في كوننا بحيث إنها
تسمح بالانتقال بسرعة أكبر من سرعة الضوء التي تتحرك بها جسيمات الطاقة أو الفوتونات
في هذا الكون، ألا يمكن أن يكون كوننا والحال هذه مجرد وجود شبحي لكون أرقى منه؟!

الترابط الكمومي أو عدم الانفصال له أبعاد أكبر بكثير من حال جسيمين أو فوتونين
انطلقا من أصل واحد، حيث إنّ الكون كله حدث كمي ويرجع إلى أصل واحد عند الانفجار
العظيم، وبعض الجسيمات كانت متقاربة وملتصقة ببعضها في الماضي، فجسيم في أطراف
الكون أو في جسد كائن حي آخر ربما كان في يوٍم ما في لحظٍة ما ملتصقاً بجسيم موجود في
جسدك الآن، ويمكن أن تتأثر أنت بتأثره هو، كما يمكن أن تؤثر أنت بطريقة ما بالأشياء عن
طريق الترابط الكمومي.

(أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر).

إشكال أو تناقض قطة شرودنغر يتمثل بتجربة ذهنية هي كالتالي:

افترض أنّ لديك صندوقاً فيه قطة ومادة سامة في زجاجة ومادة مشعة وعداد جايجر،
وما يحصل هو أنه إذا حصل تحلل اشعاعي لذرة من المادة المشعة وسجل عداد جايجر وجود
جسيمة فستنكسر زجاجة السم وتموت القطة، وهكذا رتبت هذه المواد لمدة زمنية بحيث
يكون احتمال %٥٠ أنّ إحدى ذرات المادة المشعة قد تحللت. فالآن ليس لدينا وسيلة لمعرفة
حال القطة ميتة أو حية إلا بالنظر في صندوق التجربة وحال القطة يعتمد على تحلل الذرة
اشعاعياً أو عدمه وهو أمر لا يمكن التنبؤ به بل هو أمر خاضع للاحتمالات، وبالتالي فنحن
لدينا مادة مشعة يمكن أن تكون تحللت أو لم تتحلل - بحسب ميكانيك الكم - أي إنّ كلا
الأمرين موجود بصورة شبحية إلى أن ننظر إلى الصندوق والقطة التي فيه وتنهار دالة الموجة
وعندها تبعاً لمشاهدتنا سيتحدد أحد الاحتمالين، وبالتالي فنحن لدينا مادة مشعة متحللة
وغير متحللة وزجاجة سم مكسورة وغير مكسورة وقطة ميتة وحية في نفس الوقت، وما يحدد
مصيرها هو مشاهدتنا وانهيار دالة الموجة تبعاً لهذه المشاهدة.

تجربة شرودنجر تبين أنّ هناك عيباً في تفسير كوبنهاجن حيث لا يمكن تصور أنّ القطة
حية وميتة في نفس الوقت كما هو المفروض في التجربة، فالقطة حية وميتة حتى تنهار دالة
الموجة تبعاً لمشاهدتنا للمنظومة ويتعين حال للقطة إما الحياة أو الموت.

واستمر جدل طويل حول هذا التناقض الذي حاول إظهاره شرودنغر في تفسير كوبنهاغن.

«وهكذا يكتنف مثل تجربة القطة في الصندوق نغمة تناقض على خلاف تجربة EPR
الذهنية، فمن المستحيل التوافق مع تفسير كوبنهاجن الصارم دون قبول واقع القطة
الحية/ الميتة وقد أدى ذلك بويجنر وجون ويلر إلى أن يعتبرا احتمال ان العالم ككل ربما
يدين بوجوده الواقعي إلى حقيقة أنه قد يشاهد بواسطة الكائنات الذكية فقط. ويرجع ذلك
إلى تراجع غير محدود للسبب والاثر. وأغلب تناقضات كل الاحتمالات المتاصلة في نظرية
الكم سليلة مباشرة من تجربة القطة لشرودنجر التي تقف فجأة مما يسميه ويلر تجربة
الاختيار المتاخر»(١).

يمكننا أن نقول: إنّ تجربة شرودنغر الذهنية أبرزت غرابة ميكانيك الكم التي عرفناها
سابقاً، وإذا كان ميكانيك الكم يمثل قوانين الواقع وأنه لا يوجد أي خلل ولو بسيط في تفسير كوبنهاغن، فتكون التجربة قد أبرزت غرابة الواقع والكون الذي نعيش فيه، فالنتيجة التي
وصلنا لها حتى الآن أنه إذا كان انهيار دالة الموجة سببه المشاهد أو تسجيل الحدث الكمي من
قبل الملاحظ كما في تفسير كوبنهاجن، فهذا يعني أنه لولا وجود الإنسان أو الكائن الذكي لما كان
هناك كون، فالكون يدين بوجوده لمشاهدتنا له؛ حيث إنّ الكون كله عبارة عن منظومة
كمومية لها دالة موجية واحتمالات كثيرة وإنما هو موجود فقط عندما نشاهده وتنهار دالة
الموجة ويتشخص في الواقع، وهذه المسألة تعني أننا نحن البشر أو لنقل الذكاء يمثل المحور
الذي وجد من أجله الكون.

(لولاك لما خلقت الأفلاك) حديث قدسي.

عندما نتكلم عن ميكانيك الكم فنحن لا نتكلم عن كون آخر أو قصة خيال علمي بل نحن
نتكلم عن أجسامنا وعن كل شيء حولنا فأجسامنا وكل شيء حولنا يتكون من جسيمات كمية
تحكمها قوانين ميكانيك الكم الغريبة على مداركنا الكلاسيكية وقوانين ميكانيك الكم مثبتة
بالتجارب وتصمم على أساسها الأجهزة وهي تحكم الكون بأسره.

محور ميكانيك الكم يدور حول مسألة أن الواقع هو ما نسجّله بالمشاهدة أو لنقل إن
الواقع يتشخص كواقع عندما نشاهده أي إنّ مشاهدتنا هي التي تشخصه كواقع وتخرجه من
دائرة الاحتمال، هذه المسألة قد تكون غريبة على مداركنا الإنسانية البسيطة في هذا الكون؛
لأن معناها أننا نشخص حتى الماضي عندما نشاهده، قد يكون ليس لهذا الكلام معنى في
حدود حياتنا اليومية؛ لأننا نشاهد الحاضر فقط على الأقل كما نعتقد، ولكن على مستوى
مشاهداتنا الكونية فنحن نرصد اشعاع الخلفية الكوني وهو اشعاع (فوتونات) متخلف من
الانفجار الكبير بدرجة حرارة ٢.٧٣ كلفن وعمر هذا الاشعاع هو ١٣.٧ مليار سنة تقريباً،أي إننا
لا نشاهد الماضي فقط بل نشاهد بداية الزمان في كوننا، ونحن نشاهد أبعد نقطة في محور
الزمان.

هناك تجربة الاختيار المتأخر الذهنية طرحها جون ويلر وهي على غرار تجربة الشقين في الصفيحة، وهذه المرة نضع منظومة لتحديد عبور الفوتون أو الالكترون (أي جسيم كمي) من
أحد الشقين، ولكن ليس بمراقبة الشقين بل بمراقبة الجسيم بعد عبور الشقين بطريقة
تشخص عبوره من أحدهما ونقوم بتغطية عدسة منظومة الرصد بساتر على شكل شرائح
يمكن فتحه واغلاقه كالذي يستخدم في النوافذ بحيث لو تم اغلاقه لن يسمح للفوتون بالمرور
ولو فتح يسمح له وبالتالي يتم تشخيص مرور الجسيم من أحد الشقين، فالآن لو أطلقنا
الجسيم والستار مفتوحاً فسنقوم بتجربة وكأننا نراقب الشقين ونشاهد الجسيم وهو يمر من
أحدهما، ولكن لو كان الستار مغلقاً فإن التجربة تصبح كتجربة الشقين الكلاسيكية ويمر
الجسيم إلى الشاشة ونجد هناك نسقاً من التداخل يرينا وكأن الجسيم الواحد قد مر من
الشقين معاً في نفس الوقت، ولكن لنفترض أننا لم نقم بتحديد وضع الستار الذي وضعناه
على العدسة إلى أن عبر الجسيم منطقة الشقين ثم نقوم بتحديد وضع الستار إما نفتحه أو
نغلقه وبالتالي فسيتحدد حال الجسيم في الماضي أي عند عبوره الشقين بناءً على قرارانا
المتأخر، فإما يكون عبارة عن الجسيم متشخص (جسيم مفرد) عبر من أحد الشقين أو يكون
عبارة عن مجموعة جسيمات شبحية أو حزم موجية عبرت من الشقين معاً أي الجسيم المنفرد
عبر من الشقين معاً في نفس اللحظة.

وبعبارة أخرى: فنحن في الحاضر قررنا باختيارنا ومشاهدتنا ما يكون عليه حال هذا
الجسيم في الماضي.

بصورة أوضح: فإنّ لهذا الجسيم أكثر من ماضي أو أكثر من تاريخ، فهو يمكن أن يمر من
أحد الشقين أو يمر منهما معاً، ونحن قررنا له أحد تواريخه وجعلناه واقعاً باختيارنا ومشاهدتنا
له في الحاضر.

وإذا كان الأمر كذلك، أي إنّ المشاهدة في الحاضر تشخص أو تحدد أو تخلق الماضي ونحن
نعلم أنّ الكون كله بما فيه نحن عبارة عن منظومة كمومية، والكون بدأ بحدث كمومي،
فيمكن أيضاً أن نقول: إننا نحن بمشاهدتنا ورصدنا لإشعاع الخلفية الكوني خلقنا (شخّصنا
أو حدّدنا) الانفجار العظيم وماضياً أو تاريخاً محدداً للكون دون غيره من التواريخ العديدة
المحتملة للكون.

أو لنقل بوضوح: نحن بمشاهدتنا تسبّبنا بوجود تاريخ (ماضي) للكون صالح لتكون المادة والمجرات والذي يمكن أن نخلق ونوجد ونعيش فيه من بين عدة تواريخ للكون غير صالحة
لتكون المادة والمجرات وظهورنا نحن فيها في النهاية،

أي إنّ وجودنا بحسب هذا التفسير سيكون شرطاً لوجود الكون الذي نعيش فيه.

يمكن أن نفهم من هذا أننا البشر نمثل الهدف الرئيسي للوجود.

(أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ

وأنت الكتاب المبيـن الذي بـأحرفــه يظهر المضمـرُ).

«في جملة واضحة نادرة، قال بور: (إن ميكانيكا الكم تطلب تخليا نهائيا عن فكرة
السببية الكلاسيكية).

ولكن إذا تم الاستغناء عن السببية والواقع، فما الطريقة البديلة التي سوف يفكر بها
علماء الفيزياء؟ عن هذا السؤال، ليست لدى بور إجابة واضحة، باستثناء التوصية
بمذهب التتام(١)الذي يقول به، والذي يعني علميا تبني التناقض بدلا من محاولة حله»(٢).

ما أثبتته التجارب والمشاهدات من مطابقة تنبؤات ميكانيك الكم للواقع تؤيد صحة
نظرية ميكانيك الكم، ولكن تبقى الاشكاليات عصية على التفسير:

فلا يوجد أي سبب ظاهر لاختفاء واقع التداخل وبقاء الواقع الذي نقيسه عندما نقوم
بعملية القياس أو المشاهدة كما في تجربة الشقين.

ويبقى تغير دالة الموجة اللحظي بلا تفسير كما تبين في إشكال.EPR

أما إلغاء السببية فهو هروب من الحل وليس حلاً،

بل إنّ إلغاء السببية يمثل خللاً عقلياً وفلسفياً كبيراً في ما يطرحه ميكانيك الكم، فقانون
السببية يكاد يكون بديهياً، فعقلاً لا يمكن أن تلغى العلية؛ لأن العدم غير منتج فلا شيئية في
العدم لينتج، أو يمكن أن نقول: فاقد الشيء لا يعطيه.

غاية ما يمكن قوله هنا هو إنّ السبب لهذه الأحداث الكمومية مجهول في حدود هذا
الكون الذي نعيش فيه، وليس القول إنه لا يوجد سبب مطلقاً، فلا يمكن أن يحدث شيء
بدون سبب، إنّ هذا لا يناقض الدليل العقلي فقط بل يناقض كل الظواهر المرصودة أو
المشاهدات في هذا الكون على مستوى أكبر من الأحداث الكمومية، والعلم يعتمد المشاهدات
ولها أثر كبير في إثبات كثير من النظريات العلمية، فلا يمكن إذن التغافل عن نتيجة المشاهدات
في هذا الكون الذي نعيش فيه والتي تطبق على أن لكل حدث سبب، اللهم إلا أن تكون المسألة
لا علاقة لها بالعلم عند بعضهم وإنما هي عملية تسويق للإلحاد كيفما اتفق.

«لم ترسخ التجارب تفسير كوبنهاجن كلية فقط بل يبدو ان هناك تطورات اخرى ما
زالت في الجعبة أبعد مما قدمته ميكانيكا الكم لنا بالنسبة للتطورات الابعد من الابتكارات
الكلاسيكية، ولكن مازال تفسير كوبنهاجن غير كاف فكريا، فلماذا يحدث لكل هذه
العوالم الكمية الشبحية التي تنهار مع دوالها الموجبة عندما نقوم بقياس نظام تحت ذري؟
وكيف لواقع متداخل لا اقل ولا اكثر من الواقع الذي نقيسه نحن في النهاية يختفي ببساطة
عندما تتم عملية القياس؟ وأفضل إجابة هي أن الواقعيات البديلة لا تختفي، وأن قطة
شرودنجر في الواقع حية وميتة في الوقت نفسه، ولكن في عالمين أو أكثر مختلفين. إن
تفسير كوبنهاجن وتضميناته العملية موجودة كلية في رؤية الواقعية الاكثر اكتمالا، تفسير
العوالم المتعددة»(١).

لا يمكن أن يقال: إنّ السبب غير موجود قطعاً لهذه الأحداث الكمومية، فهذا حكم
معارض لحقيقة السببية التي يحكم بها العقل أو على الأقل نحن نراها في كل شيء حولنا، وبالتالي فهو حكم يحتاج لدليل إثبات قطعي وهذا الدليل مفقود طالما أنه لا يوجد يقين أنّ
كل الوجود هو كوننا الذي نعيش فيه فقط، بل إنّ كثيراً من علماء الفيزياء النظرية والفلك
اليوم يطرحون نظريات الأكوان المتعددة مع احتمالية تأثير بعضها ببعض.

نظرية الأكوان المتعددة التي طرحها هيو أفرت لحل إشكال انهيار دالة الموجة واختفاء
الواقع البديل أو بقية الاحتمالات عند المشاهدة أو القياس، فبحسب تفسير كوبنهاغن تختفي
بقية الاحتمالات التي يمثل كل منها واقعاً بديلاً عن الواقع الذي شاهدناه أو قسناه دون سبب
منطقي تختفي هكذا بدون أي تعليل، بينما في تفسير الأكوان المتعددة فإنها لا تختفي بل كلها
أحداث واقعية وإنما كل حدث منها يخص كوناً ما ونحن عندما نتوجه بالقياس أو المشاهدة
نشخص أحدها كواقع في كوننا، وهذا الواقع يحجبنا عن رؤية أو قياس الواقع البديل الذي
يمكن أن يظهر آثاره عندما لا نتوجه إليه بالقياس أو المشاهدة كما في حالة التداخل في تجربة
الشقين عندما لا نرصد الشقين، حيث يظهر أنّ الالكترون المفرد عبر من الشقين معاً في نفس
اللحظة وربما اصطدم مع نفسه أيضاً.

الآن، في حل العوالم المتعددة نقول: إنّ الذي عبر من الشق الأول هو صورة واقعية
للالكترون والذي عبر من الشق الثاني أيضاً صورة واقعية للالكترون، ولكن كل صورة منهما
موجودة في عالم مختلف ولأننا لا نتوجه لها بالقياس والمشاهدة فهي تظهر على الشاشة
الخلفية كصورة متداخلة، أي عبارة عن جسيمات شبحية واقعية من عدة عوالم عبرت
الشقين، وكلها عبارة عن صورة نفس الكتروننا الفرد ولكنها صوره في تلك العوالم، أما عندما
نتوجه للالكترون بالقياس ونرصد الشقين فنحن نرى الكتروناً واحداً فقط يعبر من شق واحد
وذلك لأن مشاهدتنا له وتوجهنا له يحجبنا عن مشاهدة وقياس الصور الأخرى له في العوالم
الأخرى، أي كأننا عندما توجهنا له بالمشاهدة في هذا العالم أدرنا ظهرنا له في بقية العوالم
ولهذا نحن نشاهده أو نقيسه في هذا العالم فقط.

«هكذا تقلق الريبة النظام القديم، ليس فحسب على اصغر المستويات، بالطريقة
التي نعرف بها بخصوص الجسيمات الفردية الأولية، بل حتى على المستوى الكوني، وفق
الطريقة التي يربط بها بين السببية والاحتمال عبر مسافات هائلة. يفترض ان تهب النظرية
الكمومية الصحيحة في الجاذبية معنى منطقيا لكل هذه الصعوبات.

غير انه لا يكاد يرجح في هذه المرحلة من اللعبة ان تذوي الريبة في النظرية الكمومية للجاذبية. كل الأدلة تشير إلى إنها موجودة هناك كي تبقى إلى الابد. لا سبيل للنكوص إلى
عهود الحتمية المطلقة الغابرة، حيث تفضي معرفة الحاضر، فيما امل الماركيز دي لا
بلاس، إلى معرفة كاملة بالماضي والمستقبل.

من منظور كوني، قد يكون هذا حسن. في الكون اللابلاسي ليست هناك لحظة يولد
فيها الكون، لأنه ينبغي على اية فئة من الظروف الفيزيائية ان تنشأ منطقيا وبشكل محتم
عن ظرف اسبق، وهكذا إلى ما لانهاية. لا شيء غير مسبب يمكن ان يحدث. غير ان الكون
الكمومي مختلف. منذ ان تساءلت ماري كوري عن تلقائية الانحلال الاشعاعي، وتساءل
رذرفورد بور عما يجعل الالكترون يقفز من موضع في ذرة إلى اخر، تم التسليم بأن
الحوادث الكمومية، في نهاية المطاف، تحدث دون سبب على الاطلاق.

هكذا نصل الى طريق مسدود. ليس بمقدور الفيزياء الكلاسيكية ان تفسر حدوث
الكون، لأنه لا شيء يحدث ما لم تكن هناك حوادث سابقة سببت حدوثه. وليس بمقدور
ميكانيكا الكم ان تفسر حدوث الكون، لأنه مبلغ ما تستطيع قوله هو انه حدث، بشكل
تلقائي، بوصفه مسألة احتمال لا مسألة تيقن. بتعبير اخر، فإن أينشتاين كان محقا حين
شكا من ان ميكانيكا الكم لا تستطيع سوى توفير صورة غير مكتملة للعالم الفيزيائي.
ولكن لعل بور كان اقرب لأن يكون محقا حين ذهب إلى انه لا يتعذر فحسب تجنب عدم
الاكتمال بل هو ضروري. هكذا نخلص على مفارقة ما كان لها إلا تحظى بإعجاب بور: لم
يأت كوننا الى الوجود إلا عبر فعل ريبة كموم ميكانيكي مبدئي لا سبيل لتفسيره، اطلق
سلسلة من الحوادث أدت إلى ظهورنا في المشهد نتساءل عن ماهية القوة الدافعة التي
افضت إلى وجودنا»(١).

بحسب قوانين نيوتن فإنّ الجاذبية بين جسمين تعتمد على كتلتيهما وأيضاً على المسافة
بينهما في اللحظة نفسها، وهذا يعني إنه لو تحرك أحد الجسمين بحيث تغيرت المسافة بينهما
فمباشرة سيتغير تأثير قوة الجاذبية على الجسم الآخر أي إنّ التغير يحدث آنياً، ومعنى هذا
الكلام أنّ تأثير قوة الجاذبية ينتقل بسرعة لا متناهية، وهذا يعارض النسبية الخاصة التي بينت أنّ السرعة القصوى للأشياء هي سرعة الضوء، ولهذا عمل اينشتاين طيلة عشر سنوات
على نظرية تفسر الجاذبية بصورة لا تتعارض مع النسبية الخاصة، فوضع عام ١٩١٥ م نظرية
النسبية العامة وهي تصف الكون ككل من حيث تأثير جاذبية المادة والطاقة فيه وتأثيرها على
بعضها البعض على ضوء ما طرحه اينشتاين في النسبية الخاصة حيث لا توجد سرعة - في
داخل الكون - أكبر من سرعة الضوء ولا يوجد زمان مطلق ولا يوجد استقلالية تامة للزمان
عن أبعاد الكون الأخرى التي نسميها بالمكان، بل هناك نسيج كوني من الأبعاد الأربعة.

وفي النظرية النسبية العامة، فإنّ تأثير الجاذبية هو نتيجة انحناء الأبعاد الكونية الأربعة
الزمان - المكان بسبب المادة والطاقة، فكأن النسيج الكوني مرن قابل للانحناء وكل مادة في
الكون تقوم بحني هذا النسيج بمقدار كتلتها وكل طاقة كذلك تقوم بحني هذا النسيج بمقدار

𝑬 =

يعادل مكافئها المادي بحسب المعادلة التي بينها اينشتاين في نظرية النسبية الخاصة:

𝒎𝒄𝟐

.

فكتلة وطاقة الشمس مثلاً تحني نسيج الزمكان، والأرض تسير في هذا الانحناء في مسار
أشبه بالمستقيم حيث يمثل أقرب مسار بين نقطتين في الأبعاد الأربعة، ونحن نرى هذا المسار
دائرياً تقريباً في عالم الأبعاد الثلاثة. تماماً كما أنّ الطائرة المتحركة بخط مستقيم بين نقطتين
في الأبعاد الثلاثة في الجو تترك أثراً (ظلاً) منحنياً على سطح الأرض نتيجة الارتفاع والانخفاض
في سطح الأرض وليس في مسارها.

«ونظرية النسبية الخاصة نجحت جدا في تفسير ان سرعة الضوء تبدو هي نفسها لكل
الملاحظين (كما بينت تجربة ميكلسون - مورلي) وفي توصيف ما يحدث عندما تتحرك
الأشياء بسرعات مقاربة لسرعة الضوء. على انها كانت غير متوافقة مع نظرية نيوتن
للجاذبية التي تقول ان الأشياء يجذب احدها الاخر بقوة تعتمد على المسافة التي بينها.
ويعني هذا انه لو حرك المرء احد الأشياء، فان القوة التي على الشيء الاخر ستتغير في
التو. او بكلمات أخرى، فإن تأثيرات الجاذبية ينبغي ان تنتقل بسرعة لامتناهية، بدلا من
ان تكون بسرعة الضوء او اقل منه، كما تتطلب نظرية النسبية الخاصة. وقام اينشتاين
بعدة محاولات فاشلة بين ١٩٠٨، و١٩١٤ للعثور على نظرية للجاذبية تتوافق مع النسبية
الخاصة. وأخيرا فأنه في ١٩١٥ اقترح ما نسميه الان النظرية العامة للنسبية.

وطرح اينشتين اقتراحا ثوريا بأن الجاذبية ليست قوة مثل سائر القوى، ولكنها تنتج عن حقيقة ان المكان - الزمان ليس مسطحا كما كان يفترض من قبل: وإنما هو منحنى،
أو (ملوى)، بسبب توزيع الكتلة والطاقة فيه. فالاجسام مثل الأرض لم تُجعل لتتحرك
على افلاك منحنية بسبب قوة تدعى الجاذبية، وبدلا من ذلك فانها تتبع اقرب شيء
للمسار المستقيم في المكان المنحني، وهو مايسمى بالجيوديسي.)١(»Geodesic

وقد أثبتت كثير من التطبيقات والتجارب أنّ ما تنبأت به نظرية النسبية العامة يطابق
الواقع والمشاهدات، فمثلاً: تفسيرها لمدار عطارد أدق من تفسير قانون نيوتن للجاذبية، وتنبأت
بانحراف الضوء وتأثره بالحقول الثقالية وفعلاً وجد أنّ هذا صحيح بالتجربة، وقد تنبأت
بالثقوب السوداء وفعلاً تم اكتشاف الثقوب السوداء.

وأهم ما طرحته النسبية العامة فيما يخص موضوعنا الذي نحن بصدد بحثه هو أنّ
الزمان والمكان ليسا فضاءً جامداً تقع فيه الأحداث بل الزمان والمكان ينحنيان ويتأثران
بالأشياء الموجودة فيهما، أي إنهما وجود ديناميكي يتحرك.

وهذا سمح أن يفترض بعض علماء الكونيات أن توسع الكون لا يقتصر على المادة والطاقة
وإنما يشمل الفضاء الذي يحويهما.

singularity

قام الفيزيائي كارل شفارتزشيلد ١٩١٦ م وبناءً على نظرية اينشتاين العامة - التي تفسر
الجاذبية على أنّ الأجسام تقوس أو تحني الفضاء أو نسيج الزمكان بقدر كتلتها - باقتراح أنّ
الأجسام ذات الكتلة الكبيرة وقوة الجذب الكبيرة - بما يكفي - تقوس وتحني الفضاء حولها
بصورة كاملة فتكون بمثابة ثقوب أو حفر في الفضاء أو النسيج الكوني بحيث إنّ جاذبيتها لن
تسمح لشيء بالخروج من محيطها المباشر - أو ما يسمى علمياً بمنطقة الحدث - بما في ذلك
الضوء حيث تكون سرعة الإفلات بالنسبة لها أكبر من سرعة الضوء، وبهذا فلا يمكن للضوء
الإفلات إلى خارج منطقة الحدث، والنقطة المحاطة بغشاء أفق الحدث في الفضاء تسمى نقطة تفرد تنهار عندها قوانين الفيزياء المعروفة، أو كما نعرفها عادة هي ومحيطها المباشر(منطقة
الحدث) باسم الثقوب السوداء.

وهي تتكوّن عادة إذا تركزت كتلة كبيرة - مثل كتلة نجم كبير نفد وقوده النووي وانهار على
مركزه - في منطقة صغيرة من الفضاء بصورة كافية لحني النسيج الكوني بصورة كاملة. وحجم
نقطة التفرد يساوي صفراً، لهذا فمهما كانت قيمة كتلتها فإن كثافتها ستساوي ما لا نهاية،
ونصف قطر منطقة الحدث - أي حدود الثقب الأسود - التي لا يفلت منها حتى الضوء يعتمد
على كتلة الثقب الأسود.

«تحرق النجوم ذات الكتلة الكبيرة ما فيها من هيدروجين ليتحول إلى هيليوم بسرعة
أكبر مما تفعل الشمس. ما يعني أن هذه النجوم يمكن أن ينفد منها الهيدروجين في زمن
قليل من ملايين معدودة من السنين، ثم تواجه هذه النجوم بعدها أزمة. وهذ تستطيع
ان تحرق ما فيها من هيليوم إلى عناصر أثقل مثل الكربون والاكسجين، ولكن هذه
التفاعلات الكيميائية لا تطلق الكثير من الطاقة. وبالتالي تفقد النجوم حرارتها هي والضغط
الحراري الذي يدعمها ضد جاذبيتها، وبالتالي يأخذ حجمها في الصغر. إذا كانت كتلة
النجم أكثر مما يقرب من ضعف كتلة الشمس، لن يكفي الضغط الحراري أبدا لوقف
الانكماش. ويتقلص النجم إلى حجم الصفر وإلى كثافة لانهائية ليشكل ما يسمى مفردة»(١).

وقد تم تسجيل رصد الثقوب السوداء في الفضاء سواء من خلال تسارع حركة بعض
النجوم حولها عندما تقترب من منطقة الحدث، أو كما حصل أخيراً في القرن الواحد
والعشرين حيث قام مجموعة من العلماء الكوريين برصد وتصوير ثقب أسود وهو يبتلع أحد
النجوم (٢).

شكل٢٢: يوضح الثقب الاسود وتظهر في أسفله نقطة التفرد(١)

هي السرعة التي تمكّن الجسم أو الجسيم من الإفلات من جاذبية جسم آخر، فمثلاً:
سرعة الإفلات من الأرض أو من جاذبية الأرض هي ١٢ كيلو متر في الثانية تقريباً، وهي أقل من
سرعة الضوء بكثير ولهذا يفلت الضوء من الأرض إلى الفضاء المحيط بها، وبهذا تكون الأرض
مرئية للملاحظ من خارجها، وكذلك الأمر بالنسبة للشمس والنجوم الأخرى عدا الثقوب
السوداء فإنّ سرعة الإفلات منها أكبر من سرعة الضوء، ولهذا تكون مظلمة ولا ترى.

هو السطح الذي يفصل منطقة الزمان - المكان التي يمكن أن يفلت منها الضوء عن
المنطقة التي لا يمكن أن يفلت منها الضوء، ويعتبر أفق الحدث حداً للثقب الأسود.

العنوان كأنه يناقض ما قلناه سابقاً من أنّ الضوء لا يفلت من منطقة حدث الثقب
الأسود، فكيف نقول الآن: إنّ الثقب الأسود له اشعاع؟!

هذه نظرية لعالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكنج وهي تجمع بين نظرية النسبية العامة
ونظرية الكم جزئياً ومفادها: إنّ الثقوب السوداء ليست سوداء تماماً حيث إنّ هناك اشعاعاً
يرصده المراقب من خارج الثقب الأسود على أنه يصدر عن الثقب الأسود وسببه التفاوتات
الكمومية للفراغ التي بيناها فيما تقدم، والتي يتنبأ بها ميكانيك الكم وفقاً لمبدأ اللايقين أو
الريبة حيث لا يمكن أن يكون الفضاء خاوياً تماماً بحسب مبدأ الريبة؛ لأن معنى خلوه أنّ
المجالات كمجال الكهرومغناطيسية أو الجاذبية ضبطت قيمتها عند الصفر ومعدل تغير صفر،
وهذا يناقض مبدأ اللايقين.

إذن، فهناك دائماً في الفراغ بحسب ميكانيك الكم أزواج جسيمات افتراضية تظهر ثم تلتقي وتفني بعضها بعضاً، أو جسيمات وجسيمات مضادة افتراضية تظهر ويفني بعضها بعضاً
نتيجة الاصطدام مع بعضها، فإذا حدث أن كان ظهورها عند أفق حدث ثقب أسود أو نقطة
تفرد وبدل اصطدامها مع بعضها وافناء بعضها بعضاً حدث أن سقط أحدها في الثقب الأسود
نتيجة تأثير جاذبيته فإن الجسيم الآخر المقابل له يمكن أن يتحرر ويهرب بعيداً عن الثقب
الأسود والمراقب من خارج الثقب الأسود سيراه وكأنه اشعاع صادر من الثقب الأسود، وهذا
الاشعاع يسمى اشعاع الثقب الأسود ويسميه بعضهم اشعاع هوكنج على اسم مكتشفه، وهو
يعتمد على كتلة الثقب الأسود أو نقطة التفرد في الكون الحالي وفق المعادلة التالية:

𝒉𝒄𝟑
𝑻 =
𝟖𝝅𝒌𝑮𝑴

حيث إنّ:

𝑻
: حرارة الثقب الأسود

𝒉
: ثابت بلانك

𝑮
: ثابت نيوتن للجاذبية

𝑲
: ثابت بولتزمان

𝑴
: كتلة الثقب الأسود

من المعادلة أعلاه نجد أنه كلما صغرت كتلة الثقب الأسود أو نقطة التفرد كانت درجة
حرارة إشعاع الثقب الأسود أكبر، وليتم كشف هذا الإشعاع ورصده وتوثيقه بشكل قطعي في
الكون يتطلب الأمر العثور على ثقب أسود صغير أي كتلته صغيرة ليكون اشعاعه قوياً وساخناً
بما فيه الكفاية للبروز عن اشعاع الخلفية الكوني الذي يغمر الكون بحرارة تبلغ ٢.٧ كلفن،
وعموماً هذه النظرية مبرهنة ببراهين غير البرهان التجريبي حتى الآن.

شكل٢٣: يوضح إشعاع هوكنج وكيف وأين يتكون

«إذا كان هناك ثقب اسود موجود، فإن جسيما من زوج الجسيمين قد يهوي داخل
الثقب الأسود، تاركا الجسيم الاخر حرا ليهرب إلى اللانهاية سيبدو بالنسبة إلى الفرد البعيد
عن الثقب الأسود، ان الجسيمات الهاربة هي إشعاع من الثقب الأسود. ويكون طيف
الثقب الأسود هو بالضبط ما نتوقعه من جرم ساخن، له حرارة تتناسب مع المجال
الجذبوي عند أفق او حد الثقب الأسود وبكلمات أخرى فإن حرارة الثقب الأسود تعتمد
على كتلته»(١).

النسبية العامة تتنبأ بكون غير استاتيكي، وقد كان اينشتاين يحاول تفادي هذه المسألة
عندما أدخل الثابت الكوني لمعادلته، فاينشتاين وكثير من علماء الفيزياء في ذلك الوقت كانوا
يعتقدون أنّ الكون استاتيكي وثابت، وكون استاتيكي ثابت لابد أن ينهار على نفسه إذا لم تكن
هناك قوة أو طاقة تقاوم جاذبية المادة والطاقة الكونية.

لكن الفيزيائي الروسي الكسندر فريدمان حل هذه المسألة بصورة أخرى فبدلاً من ادخال
الثابت الكوني للمعادلة وجد حلاً لنموذج غير ثابت للكون يتوافق مع النسبية العامة، وقد
أبدى إينشتاين في النهاية موافقة على حل فريدمان واعترف بأنه كان مخطئاً بإدخاله الثابت
الكوني وفرض كون استاتيكي، ولكن سيأتي أنه بعد ذلك قد اكتشفت الطاقة المظلمة وهي
تعمل ضد الجاذبية أي إنها تكافئ عمل الثابت الكوني في مقاومة قوة الجاذبية للمادة والطاقة.

ثم تم اكمال ثلاثة نماذج لكون غير ثابت تسمى عادة بنماذج فريدمان، وبهذا فتح الباب
أمام الكون المتمدد الذي له بداية فقد توقعت نماذج فريدمان أن الكون متمدد قبل أن
يكتشف أدوين هابل من نتائج رصد المجرات انزياح تردد الضوء الصادر منها نحو اللون الأحمر
وازدياد هذا الانزياح كلما ازدادت بعداً، وهذا وفق ظاهرة دوبلر يعني أنها تبتعد عن بعضها
وبتسارع.

نماذج فريدمان هي:

النموذج الأول: إنّ الكون موجب التقوس كسطح كرة وإذا كان متمدداً فإنه سينتهي به
المطاف إلى الانكماش بفعل الجاذبية ولن يستمر تمدده دون توقف.

النموذج الثاني: إنّ الكون سالب التقوس كسطح مكافئ زائدي أو سرج حصان وإذا كان
متمدداً فإن تمدده سيستمر دون توقف.

النموذج الثالث: إنّ الكون صفري التقوس أو لنقل مسطح وإذا كان يتمدد فإن معدل
تمدده سيتباطأ متجهاً نحو الصفر ولكنه لا يصل الصفرأبداً أي أنه سيتباطأ ولكنه لن يتوقف
عن التمدد بشكل كامل وهكذا كون طاقته الموجبة التي توفرها المادة تساوي طاقته السالبة
التي توفرها الجاذبية.

وكل نماذج فريدمان تتنبأ بأنّ المسافة بين المجرات كانت صفراً عند بداية الكون أي إنّ
حجم الكون كان صفراً وكانت كثافته لا متناهية، ومعنى هذا أنّ نماذج فريدمان التي بنيت
على النظرية النسبية تقول: إنّ هناك نقطة بدأ منها الكون تنهار عندها النظرية النسبية
العامة نفسها وهذه النقطة تسمى بنقطة تفرد)singularity(بدأ عند هذه النقطة الانفجار
العظيم.

شكل٢٤: نماذج فريدمان(١)

الكون الذي نعيش فيه مكوّن من مادة يمكن أن نراها وهي عبارة عن سحب غازية وركام
صخور، وكواكب، ونجوم متقدة، وهي منتظمة بمجموعات تدور بفلكها وتسمى هذه
المجموعات بالمجرات، وهذه المجرات التي قد تحتوي بعضها على مئات مليارات النجوم وربما
تصل بعضها إلى ترليون تنطلق في الكون متباعدة عن بعضها البعض بسرعة وبتسارع ملحوظ،
وبعضها شكله حلزوني وبعضها بيضوي وبعضها حلزوني قضيبي وبعضها غير منتظمة وبعضها
شكلها مشوّه؛ لأنها نتاج اصطدام مجرتين، وهذه المجرات تنتظم في عناقيد مجرية تمثل مناطق
المادة المرئية في الكون وقد يحتوي العنقود المجري على مئات أو آلاف المجرات.

هذه أمور أساسية أثبتت من خلال الرصد الفلكي وبعض قوانين الفيزياء كظاهرة أو قانون
دوبلر لانزياح التردد النسبي، ويهمنا هنا النتيجة التي توصل لها الفلكيون من أنّ المجرات
تتحرك بسرعة وبتسارع مبتعدة عن بعضها، أي إنّ الكون يتمدد وليس استاتيكياً وبالتالي فقد
كان في الماضي أصغر وأكبر كثافة، وهذا يعني أنّ للكون بداية وليس أزلياً وقد ثبت هذا الأمر
في الرصد ومن خلال ظاهرة دوبلر لانزياح التردد النسبي ثم إشعاع الخلفية الكوني، ولكن قبل
اشعاع الخلفية الكوني كان هناك منافس للانفجار العظيم وهو النموذج الاستقراري الذي
طرحه هرمان بوندي وتوماس جولد وفريد هويل، والنموذج الاستقراري يمكن أن نقول: إنه
محاولة لتفسير ابتعاد المجرات عن بعضها بحيث لا تكون للكون بداية، فهو يكاد يكون محاولة
لإلغاء هذه البداية وما تمثله من إشارة إلى وجود أعظم من هذا الكون قد تسبب ببدئه.

ظاهرة دوبلر: عبارة عن تغير نسبي (ازاحة) للتردد الموجي نتيجة للحركة النسبية بين المصدر
الموجي والمراقب وعلى أساس هذا التغير يمكن تحديد أن المصدر الموجي يقترب أو يبتعد عن
المراقب، ويمكن ملاحظة الظاهرة في الحياة اليومية عندما تمر بقربنا سيارة تصدر صوتاً
كسيارة الشرطة أو الاسعاف مثلاً فنجد أن صوتها وهي تقترب منا أعلى منه وهي تبتعد عنا في
حين أنّ صوتها ثابت بالنسبة لسائقها، وبواسطة تأثير دوبلر يمكن معرفة أنّ النجوم والمجرات
تبتعد أو تقترب من خلال قياس تردد الأشعة التي تصدر منها ومقارنتها مع التردد الأصلي المختبري، فعند قياس تردد الضوء الصادر من نجم بواسطة تلسكوب أرضي، ونحن نعلم أنّ
ضوءه ناتج عن احتراق الهيدروجين والطول الموجي الأصلي للهيدروجين معروف مختبرياً،
فيمكننا من مقارنة الطول الموجي لطيف الهيدروجين الآتي من النجم بالطول الموجي الأصلي
لطيف الهيدروجين أن نعرف إن كان النجم يقترب أو يبتعد، فإذا كان الطول الموجي لضوء
النجم أقل من نظيره المختبري نعرف أنّ هذا النجم يبتعد عنا والعكس صحيح. وهكذا الأمر
بالنسبة للمجرات، وبلغة الألوان إذا كان لون ضوء المجرة ينزاح نحو الأزرق فهي تقترب منا
وتتحرك باتجاهنا وإذا كان لون ضوء المجرة ينزاح نحو الأحمر فهذا يعني أنها تبتعد عنا.

ونتائج الرصد أثبتت أنّ طيف معظم المجرات ينزاح نحو الأحمر ومقدار الانزياح يتناسب
طردياً مع بعد المجرات عنّا أي كلما بعدت المجرة زادت الازاحة نحو الأحمر، وهذا يعني أنّ
المجرات تتحرك مبتعدة عنا. وأيضاً كلما كانت أبعد عنا كانت سرعتها أكبر أي أنها تتحرك
مبتعدة عن بعضها بسرعة وبتسارع، وهذا يعني أنّ المجرات ومادة الكون كانت في الماضي أقرب
من بعضها وكلما عدنا للماضي يزيد التقارب حتى نصل لحجم صفر، وهذا يعني أنّ النموذج
الثابت أو الاستاتيكي للكون غير صحيح. ولم يعد يصح أن يقال: إنّ الكون الذي نعيش فيه
أزلي، وكذا لم يعد صحيحاً أن يقال: إنّ الكون خلق مباشرة كما هو الآن.

شكل٢٥: رسم مبسط لظاهرة دوبلر(١)

شكل٢٦: صورة مبسطة لمثال آخر لاستعمال ظاهرة دوبلر (الصورة تبين كيف أن تفاوت دوبلر
يستعمل للعثور على الكواكب)

المصدر(٢): موقع وكالة الفضاء ناسا

الكون بعناقيده المجرية وبمجراته ونجومه وكواكبه وركامه مكوّن من عناصر كيميائية
تمثل المادة المعروفة لنا، وهذه العناصر أغلبها معروفة لكل من درس مبادئ الكيمياء وهي
مرتبة في الجدول الدوري من أخفّ العناصر الهيدروجين وصولاً إلى العناصر الثقيلة المشعة
كاليورانيوم والراديوم.

ومن نتائج رصد ودراسة الكون تبين أنّ أكثر العناصر وفرة في الكون هو الهيدروجين،
ونسبة إلى العناصر الأخرى الأثقل منه يمكن أن نقول إنّ الهيدروجين تماماً كأعداد البكتريا
نسبة إلى الكائنات الأخرى الأكثر تعقيداً في الحياة الأرضية.

فإذا عرفنا إضافة إلى ما تقدم أنّ النجوم المتقدة لا تنتج الهيدروجين بل إنّ الهيدروجين
هو وقودها الذي تستهلكه لتنتج العناصر الأخرى الأكثر ثقلاً منه عندها يتبين لنا أنّ هذه
الكمية من الهيدروجين والتي تمثل معظم كتلة الكون كانت موجودة قبل أن يوجد أي عنصر
آخر في هذا الكون، ويمكن أن نذهب بالاستنتاج إلى أبعد من هذا ونقول: إنّ الهيدروجين هو
العنصر الأول الذي وجد في هذا الكون، وهذه النتيجة تعني أن أقدم عنصر في الكون هو
أبسطها تركيباً ذرياً (بروتون + الكترون)، وهذا في الحقيقة لوحده كاٍف للفت انتباهنا إلى أنّ
الكون بدأ بصورة أبسط بكثير من التي هو عليها الآن، أي إنّ الكون ككل مر بسنّة التطور
نفسها التي مرت بها الحياة الأرضية فيما بعد، فبداية العناصر الذرية التي يتكوّن منها عالمنا
كانت الهيدروجين ثم الهليوم والليثيوم ثم النجوم العملاقة التي كانت بمثابة مصانع عملاقة
للمواد التي تمتلك تركيباً ذرياً أكثر تعقيداً، وبعد أن تطبخ الطبخة في النجم ينفجر النجم إذا
كان كبيراً بما يكفي لينثر نتاج طبخته في الفضاء - والتي تتكوّن من عناصر أكثر ثقلاً وتعقيداً -
بصورة كتل وصخور وركام وغبار وتتجمع بعضها لتشكل كواكب وكويكبات وربما تتقد سحابة
الركام والغاز من جديد في الوقت ذاته إذا توفرت الحرارة الكافية للاندماج النووي مكونة نجماً
تدور حوله تلك الكواكب كما هو حال شمسنا وهكذا تكوّنت الكواكب ولا تزال.

نحن الآن نعرف أنّ الهيدروجين كان موجوداً منذ البداية، ونعرف أنّ الهيدروجين هو
أخف عنصر، ونعرف أنّ المجرات تتباعد متسارعة أي إنّ الكون (المادة والطاقة) يتوسع
باستمرار ويبرد باستمرار، وأكد لنا هذا الأمر اكتشاف اشعاع الخلفية الكوني (الخلفية
الراديوية الكونية) الموجود في كل أجزاء الكون بدرجة حرارة (𝟐.𝟕𝟑 كلفن) تقريباً ويمكن
قياسه بكل اتجاهات الكون، والذي توقع وجوده جاموف وهو أحد علماء الفيزياء، وقاموا
بحسابه نظرياً فوصلوا إلى أنه (𝟓 كلفن) قبل أن يتم قياسه بدقة عالية ويتبين أنّ توقعاتهم
وحساباتهم (𝟓 كلفن) كانت قريبة جداً من درجة حرارة فوتونات إشعاع الخلفية (𝟐.𝟕𝟑
كلفن).

إنّ وجود هذا الإشعاع - أو الفوتونات - وبهذه الدرجة الحرارية يعني أنه أثر باق من عهد
سابق كان الكون فيه أصغر وأسخن ومكتضاً بالأشعة أو الفوتونات؛ لأن الكون كلما تمدد زاد
الطول الموجي للفوتونات وقل ترددها وانخفضت درجة حرارتها، فطاقة الفوتونات تتناسب
عكسياً مع طولها الموجي.

أما كيف يتم التأكد بشكل دقيق من خلال اشعاع الخلفية الكوني أنّ الفوتونات كانت
ذات طاقة أكبر وبالتالي فإن الكون كان أسخن وأصغر، فبواسطة قياس طاقة هذه الفوتونات
أو درجة حرارة اشعاع الخلفية الكوني في تاريخ سابق عن الحاضر، وهذا أمر ممكن لأننا نعرف
أن الفوتونات تنتقل بسرعة الضوء وبالتالي فما يصلنا منها يصلنا متأخراً زماناً بقدر بعد
الحدث عنّا في الكون، فلو فرضنا أننا نراقب مجرة تبعد عنا كذا... سنة فهذا يعني أننا نرى
ونراقب أحداث حصلت قبل كذا... سنة، إذن فلو أننا تمكّنا من فحص طاقة الفوتونات أو
درجة حرارة اشعاع الخلفية الكوني في تلك المجرة وكانت أعلى من درجة حرارة اشعاع الخلفية
التي تحيطنا ونحن نعرف أنها 𝟐.𝟕𝟑 كلفن عندها سنعرف أن الكون كان أسخن وأصغر وتتأكد
صحة النموذج القياسي بدرجة عالية من المعرفة. وفي الحقيقة فإن هذا الأمر ممكن حيث
هناك ثرمومتر كوني وهو السيانوجين ويمكن من خلاله معرفة درجة حرارة اشعاع الخلفية في
المجرات البعيدة عنا، والذي يعني معرفة درجة حرارة اشعاع الخلفية الكوني أو طاقة
الفوتونات قبل هذا الزمن، وهكذا حسم العلماء الأمر لصالح النموذج القياسي أو نظرية
الانفجار العظيم.

«لكن لماذا ينبغي على أي شخص القَبول بهذا التفسير؟ هناك سبب وجيه يدعو
لذلك فالفوتونات تأخذ بعض الوقت كي تصلنا من الأجزاء البعيدة من الكون، وهكذا
حين ننظر لأجزاء أبعد من الفضاء، فإننا ننظر عبر الزمن إلى الوراء. هذا يعني أنه لو قاست
مخلوقات عاقلة على ظهر إحدى المجرات البعيدة للغاية عنا حرارة إشعاع الخلفية الكوني
لديهم، قبل أن نتمكن نحن من فعل هذا بوقت طويل، من المفترض أن يجدوا حرارته
أكبر من٢.٧٣ درجة كلفينية؛ لأنهم سكنوا الكون حين كان أكثر شبابًا وأصغر حجمًا وأشد
حرارة عما هو عليه اليوم.

هل من سبيل لاختبار مثل هذا التوكيد الجريء؟ بالطبع لقد تبين أن مركب الكربون
والنيتروجين المسمى بالسيانوجين- والمعروف للقتلة المدانين بوصفه المكون النشط في
غاز الإعدام- يستثار عند التعرض للموجات الميكرونية وإذا كانت الموجات الميكرونية
هناك أدفأ من تلك الموجودة في إشعاع الخلفية الكوني، فستستثير ذلك الجزيء بشكل
أكبر مما تستثيره الموجات الميكرونية لدينا. وبهذا تكون مركبات السيانوجين بمنزلة ترمو
متر كوني. وحين نرصدها في مجرات أبعد، ومن ثم أصغر عمرًا، سنجدها مغمورة في
إشعاع خلفية كوني أدفأ من الموجود في مجرَّتنا؛ مجرة درب التبانة بعبارة أخرى،
هذهالمجرات تعيش حياة أكثر إثارة من التي نعيشها نحن وهي كذلك بالفعل.

يوضح طيف السيانوجين في المجرات البعيدة أن الموجات الميكرونية لها درجة
الحرارة عينها التي نتوقعها في هذه الأوقات الكونية المبكرة هذا أمر لا يمكن اختلاقه.

يفيد إشعاع الخلفية الكوني الفيزيائيين الفلكيين بأكثر من مجرد تقديم دليل صريح
على وجود كون مبكر حارٍ، ومن ثم التأكيد على نموذج الانفجار العظيم؛ فقد اتَّضح أن
تفاصيل الفوتونات المؤلفة لإشعاع الخلفية الكوني تصلنا محملة بمعلومات عن الكون،
سواء قبل أن يصبح شفافًا أو بعد ذلك وقد لاحظنا أنه حتى ذلك الوقت؛ أي بعد نحو٠٨٣
ألف عام من الانفجار العظيم، كان الكون معتمًا؛ لذا كان سيستحيل عليك رؤية عملية
تكون المادة، حتى لو كنت تجلس في منتصف الصف الأمامي للمسرح الكوني لن يكون
بوسعك رؤية العناقيد المجرية وهي تبدأ في التكون وقبل أن يتمكن أي شخص- في أي
مكان- من رؤية أي شيء يستحق الرؤية، كان على الفوتونات أن تكتسب القدرة على
التحرك دون إعاقة في أرجاء الكون. وفي الوقت المناسب، بدأ كل فوتون رحلته عبر
الكون من المكان الذي اصطدم فيه باخر إلكترون وقف في طريقه ومع هروب المزيد
والمزيد من الفوتونات دون إعاقة من جانب الإلكترونات (بفضل ارتباط الإلكترونات
بأنوية الذرات) تكوَّنت قشرة متمددة من الفوتونات يسميها الفيزيائيون الفلكيون
سطحالتشتتالأخير. هذه القشرة، التي تكونت خلال فترة امتدت نحو مائة ألف عام، تميِز الحقبة التي تكونت فيها كل الذرات في الكون تقريبًا.

بحلول ذلك الوقت كانت المادة في المناطق الكبرى من الكون قد بدأت في التجمع
وفي الأماكن التي تراكمت فيها المادة زادت قوة الجاذبية، ما مكن من تجمع المزيد
والمزيد من المادة. شكلت هذه المناطق الغنية بالمادة بذورًا للعناقيد المجرية الفائقة،
بينما ظلت الأماكن الأخرى خاوية نسبٍيا وقد طورت اخر الفوتونات التي تشتتت من
الإلكترونات داخل مناطق تجمع المادة طيفًا مختلفًا، أبرد بقليل، بينما شقت طريقها
خارجة من مجال الجاذبية متزايد القوة، الذي سلبها قدرًا من طاقتها. يظهر إشعاع الخلفية
الكوني مناطق أكثر حرارة وأخرى أكثر برودة من المتوسط، عادة في حدود جزء على مائة
ألف من الدرجة. هذه المناطق الحارة والباردة تمثل البُنى الكونية المبكرة؛ أو لمناطق
لتجمع المادة. إننا نعرف ما تبدو عليه المادة اليوم؛ لأننا نرى المجرات والعناقيد المجرية
والعناقيد المجرية الفائقة.ولمعرفة كيف نشأت هذه النظم فإننا نسبر أغوار إشعاع الخلفية
الكوني، ذلك الأثر الباقي من الماضي البعيد، الذي لا يزال يملأ الكون بأسره تعد دراسة
أنماط إشعاع الخلفية الكوني نوعًا من علم فراسة الدماغ الكوني؛ فبإمكاننا قراءة الاثار
الموجودة على جمجمة الكون الشاب،ومنها نستنتج سلوكه، سواء حين كان طفلاً صغيرًا
أو وهو رجل بالغ.

ومن خلال إضافة ملاحظات أخرى عن المناطق الكونية القريبة والبعيدة، يستطيع
علماء الفلك تحديد مختلف الخصائص الكونية الجوهرية من إشعاع الخلفية الكوني.

وإذا قارنا توزيع أحجام ودرجات حرارة المناطق الأدفأ والأبرد- على سبيل المثال -
فسنتمكن من استنتاج قوة الجاذبية في الكون المبكر،ومن ثم نعرف السرعة التي
تراكمت بها المادة. من هذا يمكننا استنتاج قدر المادة العادية، والمادة المظلمة، والطاقة
المظلمة التي يتكون منها الكون (النسب هي٤ و٣٢و٣٧ بالمائة على الترتيب). ومن هنا
يكون من السهل معرفة هل سيواصل الكون التمدد إلى الأبد، وهل سيتسارع التمدد أو
يتباطأ مع مرور الوقت.

المادة العادية هي ما يتكون منه كل شيء، وهي تمارس قوة الجذب، وبإمكانها أن
تمتص الضوء وتطلقه وتتفاعل معه بطرق أخرى. أما المادة المظلمة- كماسنرى في الفصل
الرابع- فهي مادة ذات طبيعة غير معروفة لها قوة جذب، لكنها لا تتفاعل مع الضوء بأي
صورة معروفة. أما الطاقة المظلمة - كما سنرى في الفصل الخامس- فتحفز على زيادة
معدل تمدد الكون، مجبرة الكون على التمدد بسرعة أكبر مما لو كان الحال عليه دونها.
يخبرنا فحص الدماغ بأن علماء الكونيات يفهمون الان الصورة التي كان عليها الكون المبكر، لكنه يخبرنا أيضًا بأن السواد الأعظم من الكون، في الماضي أو الحاضر، يتكون
من شيء لا ندري كنهه على الإطلاق.

على الرغم من مناطق الجهل العميقة التي لا تزال تواجهنا، فإن علم الكونيات يملك
اليوم مرتكزًا لم يكن متاحًا من قبل. وإشعاع الخلفية الكوني يحمل بصمة البوابة التي
عبرنا منها جميعًا من قبل»(١).

النموذج القياسي (نظرية الانفجار العظيم) الآن مقبول على نطاق واسع، ويمكن أن نقول:
إنّ النموذج الاستقراري (أو نظرية الحالة الثابتة) لفريد هويل قد خرج من الاعتبار العلمي
وتبين بدرجة من المعرفة العلمية صحة النموذج القياسي وأننا كلما عدنا بتاريخ الكون للوراء
فسيكون أكثر كثافة وأقل سعة وأشد سخونة، فكلما كان الكون (المادة والطاقة) أوسع زاد
الطول الموجي للفوتونات وقلت طاقتها وسخونتها، والعكس صحيح أيضاً.

«وقد اتاحت أرصاد عام ١٩٧٤ للامتصاص الناشئ عن الحالة الثانية لدوران
السيانوجين بين النجمي، تقدير الاشعاع عند طول الموجة ٠.١٣٢ سم، فكانت متفقة
أيضا مع درجة الحرارة ٣ ك. ولكن مثل هذه المشاهدات من أجل اطوال موجات أدنى
من ٠.١ سم، لم تحدد حتى الان سوى حد أعلى لكثافة طاقة الاشعاع. وهذه النتائج
مشجعة لأنها تشير إلى ان كثافة طاقة الخلفية الكونية قد بدات فعلا بالتناقص بسرعة بدءا
من طول موجة قريب من ٠.١ سم، أي على نحو ما تتنبأ به نظرية الجسم الأسود إلا أن
هذه الحدود العليا ما زالت غير كافية لأن تسمح لنا بالتحقق من اننا نلاحظ فعلا إشعاع
جسم أسود أو ان نستطيع تحديد درجة حرارة لها بدقة.

فلكي ينجحوا في تصديهم لهذه المسالة، كان لابد لهم من أن يرسلوا مستقبلا للاشعة
تحت الحمراء إلى منطقة اعلى من الجو الأرضي، وذلك على متن بالون سابر او صاروخ
ولكن هذه التجارب صعبة التحقيق، ولم تعط في بادئ الامر سوى نتائج مفككة، فتارة
تلائم القائلين بالكوسمولوجية القياسية (نظرية الانفجار الكبير)، وتارة تلائم خصومهم
وقد وجدت فئة من جامعة كورنيل (كانت قد استعانت بصاروخ) إشعاعات ذات أطوال
موجات قصيرة، وأقصر جدا مما يتوقع في حالة جسم اسود. في حين ان فئة أخرى من MIT (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) كانت قد استعانت ببالون، فحصلت على نتائج
قريبة من التنبؤات النظرية وتابعت الفئتان أعمالهما واعلنتا كلتاهما في نهاية العام ١٩٧٢
تقريبا، نتائج تشير الى توزيع جسم أسود له درجة حرارة ٣ ك، وأكدت اعمال فئة من
بركلي (بالبالون) ان كثافة طاقة الإشعاع تستمر بالهبوط من اجل اطوال الموجات
القصيرة المحصورة بين ٠.٢٥ سم و ٠.٠٦، ويبدو الان بحكم المؤكد ان خلفية الإشعاع
الكوني هي فعلا إشعاع جسم اسود درجة حرارته ٣ ك»(١).

ويبقى أنّ احتمال ظهور نموذج جديد أو نسخة معدّلة لنموذج قديم يصف الكون ليس
بأمر مستبعد بالنسبة لعلماء الفيزياء.

«إن نظرية الحالة المستديمة في علم الكون قد اُستبعدت بنتيجة أرصاد فلكية
متنوعة، منها خصوصا اكتشاف الإشعاع المكروي، عام ١٩٦٤- الذي يبدو من بقايا العصر
الذي كان فيه الكون اسخن بكثير جدا وأكثف مما هو الان. ولكن قد يتاح لفكرة الحالة
المستديمة أن تنبعث من جديد (في مدى) أوسع، في نظرية كونية مستقبلية يظهر فيها
لأن توسع العالم الراهن مجرد تفاوت في عالم خالد ولكنه يعاني على الدوام تفاوتات حول
حالة وسطية تظل كما هي. ولكن يوجد ايضا طرائق أكثر رفاهة قد يمكننا ذات يوم أن
نستنبط بوساطتها الظروف البدائية من القوانين النهائية فقد اقترح جيمس هارتل
وستيفن هوكنغ طريقة تتيح التوصل إلى اندماج الفيزياء مع التاريخ من تطبيق ميكانيك
الكم على العالم بأكمله. فعلم الكون اليوم موضع جدال ناشط بين النظريين، والمسائل
الفكرية والرياضية صعبة جدا، ولا يبدو أننا نسير نحو اي استنتاجات محددة»(٢).

شكل٢٧: خرائط السماء (بمختلف الترددات) كما التقطها المرصد الفضائي بلانك.

المصدر(١): وكالة الفضاء الأوروبية Agency Space European - ESA

عندما نرجع بالتاريخ للوراء إلى حيث الماضي السحيق للكون سنرى نجوماً عملاقة تطبخ
الهيدروجين والهليوم لإنتاج العناصر الثقيلة الأخرى كالكربون والحديد، ثم إذا عدنا للوراء
أكثر ستختفي العناصر الثقيلة وتتفكك إلى عناصر أخف حتى نصل إلى كون مادته هي
الهيدروجين والديوتيريوم والتريتيوم والهليوم وربما قليل من الليثيوم، ثم إذا عدنا إلى الوراء
أكثر سنصل إلى مرحلة لا تسمح فيها طاقة الفوتونات لذرات الهيدروجين بالبقاء مستقرة
وهكذا سنجدها مفككة إلى الكترونات ونوى هيدروجين (بروتونات) ونوى نظائر الهيدروجين
ونوى هليوم، ثم نصل لكون مكوّن من الهادرونات (كالبروتون) ولبتونات (كالالكترون
والنيوترينو) وفوتونات، ثم إذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء أكثر ستكون درجة الحرارة مرتفعة جداً
بحيث إنّ طاقة الفوتونات العالية تسمح لها عند الاصطدام ببعضها من إنتاج جسيمات
مادية وسنجد جسيمات المادة والمادة المضادة تظهر وتفني بعضها بعضاً في كون مكون من
الفوتونات أو الطاقة فالفوتونات عديمة الكتلة ومن لبتونات وكواركات ومضاداتها إضافة إلى
البوزونات.

ولكننا في كل حال لن نتمكن من العودة أبعد من حاجز وسد يمنع الرؤية العلمية لما قبله

𝟏𝟎−𝟒𝟑 𝟏𝟎𝟑𝟐

عند درجة حرارة تقريباً والزمن من بداية الكون، فقوانين الفيزياء لا تعمل قبل
زمن بلانك. نعم، هناك فقط بعض التنظير لعمل نظرية الأوتار لما قبل هذا الزمن.

شكل٢٨: صورة لاحدى أقدم المجرات والتي يعتقد بحسب "لونها" أنها تبعد تقريباً ١٣.٢ مليار
سنة ضوئية (١)

«على ان من الممكن ان نتخيل زمنا أصبحت فيه لقوى الثقالة شدة تساوي التأثيرات
المتبادلة القوية التي سبق الحديث عنها. إذ إن حقل الثقالة لا ينشأ فحسب من كتل
الجسيمات المادية، بل ينشأ كذلك من كل أشكال الطاقة. فالارض مثلا، تدور حول
الشمس بسرعة اكبر قليلا من سرعة دورانها حين تكون باردة، لان الطاقة الحرارية
للشمس تساهم بقسط صغير إضافي في مصدر حقلها الثقالي. وفي درجات حرارة شديدة
الارتفاع، يمكن لطاقة الجسيمات الموجودة في حالة توازن حراري، ان تكون من الأهمية
بحيث تصبح قوى الثقالة التي تتبادل تأثيرها، مضاهية لشدة الأنماط الأخرى من
التأثيرات المتبادلة. ويمكن ان نقدر درجة الحرارة التي يحدث فيها ذلك بما يقرب من مئة
الف مليار المليار المليار درجة كلفن (١٠٣٢).

في درجة حرارة كهذه يمكن أن يحدث كذلك كل شيء غريب اذ ليس فحسب ان
قوى الثقالة تكون شديدة وتولد عددا كبيرا من الجسيمات، بل أن فكرة الجسيم نفسها
تفقد عندئذ كل مدلول. وكذلك تكون مسافة الأفق (في هذه الفترة) - أي المسافة التي لا
يمكن ان يستقبل من بعدها إشارة ما - اصغر من طول موجة جسيم نموذجي في حالة
توازن حراري. ويمكن ان نقول مع شيء من التجاوز، إن كل جسيم يكون عندئذ كبيرا كبر
الكون الذي يمكن ملاحظته منه.

أما عن تاريخ الكون قبل هذه اللحظة فنحن لانعرف ما يكفي عن الطبيعة الكمومية
للثقالة لكي نتأمل فيه على الأقل بوعي وإدراك. وكل ما نستطيع ان نفعله هو ان نقدر
تقديرا فجا ان درجة الحرارة هذه (١٠٣٢ كلفن) قد أتت بعد البداية بما يقرب من ١٠−٤٣
ثانية، ولكن لسنا على يقين من ان هذا التقدير له أي مدلول. وهكذا نرى انه أيا كان شأن
الحواجز التي نجحنا في رفعها من امامنا، فقد ظل هناك حاجز عند الدرجة١٠٣٢ ك مازال
يحجب عن ناظرينا كل اللحظات ألأولى السابقة من تاريخ الكون.

ومهما يكون من امر، فإن أيا من الريب السابقة لن يكون لها شأن كبير من وجهة
نظر الفلك حاليا في عام ١٩٧٦. والمهم في الامر هو ان الكون طوال الثانية الأولى من
تاريخه، كان على الأرجح في حالة توازن حراري، وان اعداد جميع الجسيمات وتوزعاتها
فيه بما فيها النوترينوات، يمكن تعيينها بقوانيين الميكانيك الاحصائي لا بتفاصيل
تاريخه السابق، إذ إننا عندما نقيس الوفرة الحالية للهليوم وللاشعاع الراديوي او حتى
للنوترينوات، نلاحظ اثارا باقية من حالة توازن حراري كان قد انتهى عند انتهاء الثانية
الأولى. وفي الحالة الراهنة لمعارفنا، نستطيع ان نؤكد ان لا شيء مما يمكن ملاحظته الان
يتعلق بتاريخ الكون السابق لهذه اللحظة (ونخص من ذلك ان لا شيء مما نلاحظه حاليا
يتعلق بحقيقة ان الكون كان متماثل المناحي ام لا، ومتجانسا ام لا قبل الثانية الأولى.

وهذا فيما عدا ربما النسبة فوتونات - جسيمات نووية ذاتها). ونحن هنا كاننا امام عشاء
هيء بعناية فائقة إذ احضرت انضر المنتجات وافخر الحلويات واطيب الشراب مذاقا، ثم
وضعت هذه الأطعمة كلها كيفما اتفق في قدر كبير وظلت تغلي على النار ساعات طويلة.
وعندئذ سيجد خير ذواق بين المدعوين مشقة كبيرة في معرفة ما قدم له في طبقه»(١).

«منذ حوالي ١٤ مليار سنة / في بداية الزمان، كان الكون المعروف، بكل فضائه
وكل مادته وكل طاقته، يشغل مساحة رأس دبوس. كانت حرارة الكون وقتها شديدة
للغاية، حتى إن قوى الطبيعة الأساسية، التي تصف في مجملها الكون، كانت مندمجة
في قوة وحيدة موحدة. وحين كان الكون في درجة حرارة متقدة قدرها ١٠٣٠ درجة، ويبلغ
من العمر ١٠−٤٣ ثانية فقط - ذلك الوقت الذي قبله تفقد كل نظريات المادة والفضاء
معانيها - دأبت الثقوب السوداء على التكون تلقائيا، ثم الاختفاء، ثم التكون مجددا من
الطاقة التي يحويها مجال القوى الموحد. وفي هذه الظروف المتطرفة، وفق ما نقر بأنه
ضرب من الفيزياء الافتراضية، صارت بنية الفضاء والزمان متقوسة بشكل حاد وهي تفور
لتأخذ شكلا إسفنجيا رغويا. في تلك الفترة استحال التفريق بين الظواهر التي تصفها نظرية
النسبية العامة لانشتاين (نظرية الجاذبية الحديثة) وميكانيكا الكم (وصف المادة عند
اصغر نطاقاتها)»(٢).

معرفتنا ببدايات الكون إنما هي بالرجوع إلى الوراء والتاريخ السابق حاملين معنا معطيات
الحاضر التي حصلنا عليها من المراقبة والقياس ومتسلحين بمعادلات وقوانين المادة المثبتة
كمعادلة اينشتاين ونظريته النسبية الخاصة والعامة ونظرية الكم لبلانك، فما يطرحه علماء
الكون والفيزياء النظرية في النموذج القياسي ونظرية الانفجار الكبير ومسيرة الكون وخصوصاً
في دقائقه الأولى كثير منها أمور مبنية على قياسات دقيقة لما يحويه كوننا الحالي. نعم، نحن
لم نعتدها في حياتنا اليومية ونعتبرها غريبة ربما ولكنها ليست خيالاً بل هي حقائق تحيطنا،
فالثقوب السوداء التي توقعت وجودها نظرية اينشتاين العامة تم رصد أثرها في الكون وأخيراً
تم رصدها في القرن الواحد والعشرين بشكل دقيق ولم تعد مجرد احتمال تتوقعه نظريات
علمية كنظرية اينشتاين، وبوزون هيكز تم رصده في القرن الواحد والعشرين في مصادم الهادرونات، وهكذا بقية الجسيمات الكمية الأخرى في الفيزياء الحديثة التي بدأت مع نظرية
الكم لماكس بلانك ونظرية اينشتاين النسبية ومعادلته حول الطاقة والمادة. لم تعد الأمور كما
اعتادها الناس، فلم يعد مفهوم الزمان والمكان كما كان ولم يعد جسم الإنسان قريباً لبقية
الحيوانات والنباتات وتربطه بهم نفس الخريطة الجينية التي تشكّلت في بداية نشوء الحياة
الأرضية فحسب بل أصبح الإنسان قريباً لكل صخرة وحجر وقطعة حديد وكل عنصر من
عناصر المادة حتى وإن لم يحتويه الجسم الحي، فالكل مكوّنون من لبتونات ومن هادرونات
مكونة من كواركات.

يمكن أن يقول اليوم - بدرجة لا بأس بها من الثقة - علماء الكونيات والفيزياء النظرية:
لقد سافرنا نظرياً إلى أقرب ما يمكن من بداية الكون، فتوقعنا الأحوال التي يمكن أن يكون
عليها كوننا الذي نعيش فيه، ورأينا كيف تشكلت الهادرونات واللبتونات ومضاداتها من
الطاقة، وكيف تفانت ليبقى واحد بالمليار من المادة أو الهادرونات واللبتونات، وكيف تشكلت
القوى الأربع في الكون الجاذبية والكهرومغناطيسية والنووية القوية والضعيفة، ثم لتتشكل
نوى ذرات الهيدروجين والهليوم ثم الذرات الخفيفة كذرات الهيدروجين والهليوم والليثيوم،
ثم تتجمع هذه العناصر في سحب غازية عملاقة تتحرك وتدور وترتفع درجة حرارتها إلى أن
تصل إلى درجة الإندماج النووي وعندها تتكون مصانع نووية عملاقة تسمى النجوم حيث
تطبخ فيها بقية العناصر الأثقل كالكربون والحديد، ثم يمكن أن ينفجر النجم بعد نفاد وقوده
النووي لينشر هذه العناصر في الكون ولتكون جزءاً من الكواكب أو نجوم الجيل الثاني،
وهكذا ليتشكل أخيراً الكون الحالي الذي نراه.

كل هذا يمكن أن يقوله علماء الكونيات ولكن يمكن - علمياً أيضاً - أن يقال: إنّ كل ما
نرصده وكل القوانين التي نكتشفها إنما تصف موضعاً من الكون الذي نحن فيه، أي بعبارة
أخرى: أن تكون المنطقة المرصودة التي نعيش فيها ونسميها الكون إنما هي جزء من الكون،
والأوصاف التي نرصدها والقوانين التي نسطرها إنما تعبر عن هذه المنطقة التي يمكن أن
نتصورها في الكون على أنها كقطعة جليد تسبح في محيط من محيطات الأرض، كما أنّ هناك
بداية للكون محجوبة تماماً عنّا لا يمكن رصدها ولا يمكن الجزم بكل تفاصيلها ويبقى ما يطرح
حولها مجرد احتمالات وفرضيات.

«ان هذا التصور (حول ما جرى في الدقائق الثلاث الأولى من بداية الكون) قد يترك عند القارىء شعورا بنوع من اليقين العلمي المتطرف. من الجائز ان يكون على حق،
ولكنني لا اعتقد ان غياب التحزب كليا، او انعدام الراي المنحاز هو الموقف الذي يساهم
خير مساهمة في تقدم العلم. فغالبا ما يكون ضروريا كبت شكوكنا ومتابعة نتائج فرضياتنا
الى حيث تقودنا. وليس المهم ان نكون مجردين من كل حكم نظري مسبق، بل المهم
ان يكون ما لدينا هو الاصلح منها.وما يجعلنا نحكم على مدى صلاحية هذه الاحكام
النظرية المسبقة،هو دائما النتائج المترتبة عليها. وقد احرز النموذج القياسي لبداية الكون
بعض النجاح، وهيأ لنا اطارا نظريا مترابطا لوضع برامج تجريبية للمستقبل موضع
التنفيذ، غير ان هذا لا يعني ان هذا النموذج هو الحق بل يعني وحسب ان علينا ان نأخذه
على محمل الجد.

ومع ذلك، هناك فعلا شك قائم،انه يحلق مثل غمامة قاتمة في سماء النموذج
القياسي.فكل الحسابات المنوه عنها في هذا الفصل تعتمد دون صراحة على المبدأ
الكوسمولوجي،أي على الفرضية التي مفادها ان الكون متجانس ومتماثل المناحي. ونعني
بقولنا متجانس ان الكون يبدو هو ذاته بالنسبة الى كل مراقب مدفوع بعملية التوسع
العامة التي تحرك مكان وجوده، ونعني بقولنا متماثل المناحي ان الكون يبدو هو ذاته
في سائر المناحي التي ينظر المراقب في اتجاهها فالملاحظة المباشرة تكشف عن ان
الخلفية الكونية للاشعاع الراديوي هي متماثلة المناحي حولنا، ونستدل من ذلك على ان
الكون كان دائما متماثل المناحي ومتجانسا على اعلى مستوى منذ ان توقف التوازن
الحراري بين الاشعاع وبين المادة في درجة حرارة تقرب من ٣٠٠٠ كلفن. ومع ذلك، لا
شيء يثبت ان المبدأ الكوسمولوجي قد ظل ساريا للفترات السابقة.

فمن الجائز مبدئيا ان الكون كان بعيدا جدا عن تماثل المناحي وعن التجانس، وانه
قد سُوي فيما بعد بين اجزائه بقوى الاحتكاك التي كانت تنشأ بين مختلف اقسامه في
اثناء توسعه. ان نموذجا كهذا قد اقترحه على وجه الخصوص شارل مسنر misner Charles
من جامعة ميريلاند. حتى ان الحرارة الناجمة عن السيرورة الاحتكاكية الساعية الى
المماثلة بين مناحي الكون ومجانسته، امكن لها ان تساهم في القيمة الهائلة الحالية
لنسبة عدد الفوتونات الى عدد الجسيمات النووية. ولكن - على قدر معرفتي - لا يمكن
لأحد ان يفسر لماذا يجب ان يكون للكون في بادىء الامر درجة ما من لا تماثلية المناحي
ومن اللاتجانس، كما لا يوجد انسان قادر على حساب كمية الحرارة المتولدة من القوى
التي ستمحو هذا اللاتماثل واللاتجانس.

ان الجواب الملائم في رأيي على مثل هذه الشكوك ليس (كما قد يفضل بعض
الكوسمولوجيين) في ان نحدد موعدا لبدء النموذج القياسي، بل هو ان ننظر اليه بعين الجد، وان نسير في نتائجه حتى نهايتها، وما ذلك الابامل ان نتجاوز بالملاحظة تناقضا
قد يطرأ. ثم انه ليس واضحا ان درجة عالية ابتدائية من لا تماثلية المناحي ومن اللاتجانس
كان لها تاثير ملموس في التاريخ المعروض في هذا الفصل. فمن الجائز ان الكون كان قد
سُوي في الثواني المعدودة الأولى. وفي هذه الحالة، يمكن ان يحسب الإنتاج الكوني من
الهليوم والدوتريوم كما لو أن المبدأ الكوسمولوجي كان ساريا دائما. وحتى لو ظل لا تماثل
المناحي واللاتجانس قائمين الى ما بعد عصر تركيب الهليوم، فان انتاجه (انتاج الهليوم)
والدوتريوم في كل ركام يتوسع بانتظام لا يتوقف الاعلى سرعة التوسع داخل هذا الركام.
ويمكن الايحيد هذا الإنتاج كثيرا عن الوفرة التي حسبناها في اطار النموذج القياسي.
وحتى من الجائز ان الكون كله، الذي نستطيع رؤيته عندما نعود في الزمن الى فترة
التركيب النووي، ليس سوى ركام متجانس ومتماثل المناحي داخل كون أوسع غير
متجانس وغير متماثل المناحي.

إن الشكوك التي تحيط بالمبدأ الكوسمولوجي، لن تصبح هامة حقا الاعندما نتأمل
لحظة بدء الكون نفسها في الماضي، او عندما نتأمل نهايته الأخيرة في المستقبل. وهكذا
سأظل أعتمد على هذا المبدأ، وانا واثق منه، في الأمور الأساسية التي سأعرض لها في
الفصلين الأخيرين. ولكن علينا ان نسلم دائما ان نماذجنا البسيطة قد لا تصف الاجزءا
صغيرا من الكون او فترة محدودة من تاريخه»(١).

بل إنّ ستيفن واينبرغ يذهب إلى أنه من الممكن أن يتبين لنا في المستقبل أنّ بعض ما
نعتبره اليوم في الفيزياء قوانين عالمية هي قوانين مبنية اعتماداً على طوارئ تاريخية كاتجاه
دوران كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس حيث إن سببه هو اتجاه دوران سحابة الغاز
والغبار التي تكونت منها الشمس والكواكب، فهذه السحابة كانت تدور بهذا الاتجاه ولهذا دارت
الكواكب بهذا الاتجاه، فهذا أمر تاريخي وليس قانوناً فيزيائياً.

«ولكن مهما كانت الحتمية المتبقية مبدئيا، فإنها لن تساعدنا كثيرا عندما نضطر الى
التعامل مع منظومات واقعية غير بسيطة، كسوق السلع المخزونة أو الحياة على الارض.
ذلك ان تدخل الطوارىء التاريخية يضع على الدوام حدودا على ما يمكن ان نامل في
تفسيره. فكل تفسير لأشكال الحياة الراهنة على الارض يجب ان يأخذ بالحسبان انقراض
الدينوصورات منذ خمسة وستين مليون عام، وهو حادث طارىء يقال إن سببه يعود الى اصطدام نيزك بالارض؛ ولكن ما من احد سوف يستطيع ان يقول لماذا اتفق للنيزك ان
يصدم الارض في ذلك الوقت بالذات. فالأمل النهائي الذي نتمناه في العلم هو ان نصبح
قادرين على ان نعزو تفسيرات كل الظواهر الطبيعية الى القوانين النهائية مضافا اليها
الطوارىء التاريخية.

إن تسلل الطوارىء التاريخية الى قلب العلوم يعني ايضا اننا يجب ان ننتبه الى نوع
التفسيرات التي نتوخاها من قوانيننا النهائية. فعندما بدأ نيوتن، مثلا، باقتراح قوانينه
الحركية والثقالية، واجه اعتراضا يقول بأن هذه القوانين لا تفسر ما نراه من استقرار في
سلوك المنظومة الشمسية، أي سبب دوران الكواكب كلها حول الشمس باتجاه واحد؛
ولكننا نعلم اليوم أن السبب تاريخي؛ فطريقة دوران الكواكب حول الشمس ناجمة عن
سبب خاص هو أن المنظومة الشمسية تشكلت بتكاثف قرص غازي دوار. وليس من
توقعاتنا أن نكون قادرين على استنتاج ذلك من قوانين الحركة والثقالة فحسب.
فاستقلال القوانين عن التاريخ قضية مربكة من القضايا التي نواظب على تعلم كيفية
التعامل معها.

وليس من الممكن فحسب أن يكون ما نعتبره الان كظروف بدئية اعتباطية قابلا لان
يستنتج في نهاية الامر من قوانين عالمية الشمول - بل وعلى العكس من ذلك قد يتبين
في النهاية أن المبادىء التي نعتبرها اليوم قوانين عالمية هي طوارىء تاريخية. ففي المدة
الاخيرة حاول بعض الفيزيائيين النظريين اختبار فكرة أن لا يكون هذا الذي نسميه عالما،
أي هذه المجرات المتناثرة التي تؤلف بمجموعها غمامة تتوسع في كل الاتجاهات وفي مدى
عشرات مليارات السنين الضوئية على الاقل، سوى عالم فرعي، أي جزء صغير من عالم
أعظم بكثير جدا ومؤلف من اجزاء عديدة من هذا القبيل»(١).

𝟏𝟎−𝟒𝟑

قوانين الفيزياء عاجزة عن وصف حالة الكون قبل الزمن ثانية إلا ما يطرحه
بعض منظري نظرية الأوتار، ولهذا فالوصف الآتي سيبدأ بوصف حال الكون بعد هذا الزمن
بل وبعده بفترة زمنية كافية ليبرد فيها الكون ويسمح لأجزاء الذرات التي نعرفها بالتكون ثم نستمر في الوصف حتى وقتنا الحاضر، ولابد أن نستحضر أنّ هذا الوصف إنما هو معلومات
مبنية على معادلات رياضية ومعطيات الرصد والقياس لكوننا الحالي والذي رصدنا فيه أيضاً
بعض أحداث الماضي القريب والبعيد، فنحن كلما نظرنا في عمق الكون سنرى أحداثاً أقدم
زماناً؛ لأنها كما نعلم تنتقل بسرعة محددة وإن كانت سرعة الضوء، ولهذا تصل لنا متأخرة
عن زمن حدوثها بقدر يزيد كلما زادت المسافة بيننا وبينها.

فقصتنا التي سنرويها كما حدثت بأحداث متسلسلة من بعد البداية بقليل وحتى الآن لم
يعرفها ولم يقرأها علماء الكونيات كما حدثت بل قرأوها وعرفوها بصورة أقرب ما تكون
لقراءة كتاب من نهايته وصولاً إلى بدايته وربما يتخلل هذه القراءة المقلوبة أخذ قسط من
قراءة أمور تقع في وسط الكتاب؛ للسبب الذي بيناه سابقاً وهو أنّ الأحداث كلما بعدت عنا
فإنها تصلنا متأخرة أكثر.

𝟏𝟎−𝟒𝟑

في الفيزياء النظرية نصل إلى نتيجة مفادها: إنّ في البداية أو قبل الزمن ثانية أي
بحدود زمن بلانك كان الكون صغيراً إلى درجة أنه ليفهم علماء الفيزياء كيف يتصرف يحتاجون
إلى نظرية ومعادلة تجمع بين نظرية النسبية العامة لاينشتاين التي تصف الكون والأشياء
الكبيرة في الكون كالنجوم والكواكب، وبين نظرية الكم لبلانك التي تصف الأشياء متناهية
الصغر كالفوتونات والالكترونات.

«في درجة حرارة كهذه يمكن أن يحدث كذلك كل شيء غريب اذ ليس فحسب ان
قوى الثقالة تكون شديدة وتولد عددا كبيرا من الجسيمات، بل أن فكرة الجسيم نفسها
تفقد عندئذ كل مدلول. وكذلك تكون مسافة الأفق (في هذه الفترة) - أي المسافة التي لا
يمكن ان يستقل من بعدها إشارة ما - اصغر من طول موجة جسيم نموذجي في حالة
توازن حراري. ويمكن ان نقول مع شيء من التجاوز، إن كل جسيم يكون عندئذ كبيرا كبر
الكون الذي يمكن ملاحظته منه»(١).

وحتى الآن نظرية كل شيء أو المعادلة التي تصف متناهي الكبر (الكون) ومتناهي الصغر
(الجسيمات الكمية) غير موجودة بصورة وصيغة مقبولة لدى علماء الفيزياء النظرية أو
الكونيات تماماً، فهناك نظرية M وهي مشروع نظرية وربما تحتاج لبعض التعديل وتحتاج للمرور باختبارات ليتم التحقق منها، وحتى هذه اللحظة تبقى معادلة مثبتة بطريقة رياضية
جيدة، وسيأتي الكلام في نظرية M أو نظرية الأوتار الفائقة لاحقاً.

«يعد فهمنا لسلوك المكان والزمان والمادة والطاقة منذ الانفجار العظيم إلى يومنا
هذا أحد أعظم انتصارات الفكر البشري. وإذا أردنا الحصول على تفسير كامل للأحداث
التي وقعت في اللحظات المبكرة من عمر الكون، حين كان الكون أصغر وأشد حرارة من
أي وقت اخر بعد ذلك، علينا أن نعثر على وسيلة تمكن قوى الطبيعة الأربع المعروفة -
الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوتين النوويتين القوية والضعيفة - من التحدث بعضها
إلى بعض، وأن تتحد وتصير قوة واحدة فائقة. علينا أيضًا أن نجد سبيلاً للتوفيق بين
فرعي الفيزياء غير المتوافقين في وقتنا الحالي: ميكانيكا الكم (علم الجسيمات الصغيرة)،
والنسبية العامة (علم الأجسام الكبيرة).

عمد الفيزيائيون، مدفوعين بالتزاوج الناجح بين ميكانيكا الكم والكهرومغناطيسية
في أواسط القرن العشرين، إلى المزج بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة في نظرية
واحدة مترابطة للجاذبية الكمية. ومع أن كل هذه الجهود باءت بالفشل إلى وقتنا هذا،
فإننا نعرف بالفعل موضع العوائق الرئيسية التي تحول دون هذا الهدف إبان زمن بلانك
ونعني بهذا الفترة الكونية الممتدة حتى عمر ١٠−٤٣ ثانية (أي واحد على عشرة مليون
تريليون تريليون تريليون من الثانية) بعد بداية الكون.

ولأنه يستحيل أن تنتقل المعلومات بسرعة تفوق سرعة الضوء البالغة ١٠٨×٣ أمتار
في الثانية يستحيل على أي مراقب افتراضي موجود في أي مكان في الكون إبان زمن
بلانك أن يرى أبعد من مسافة ١٠−٣٥×٣ متر (أي ثلاثمائة جزء من مليار تريليون تريليون
من المتر).

كان الفيزيائي الألماني ماكس بلانك - الذي سميت باسمه تلك الأزمنة والمسافات
الضئيلة إلى حديستحيل تخيله- هو من قدم فكرة الطاقة الكمية في عام١٩٠٠، وهو
يوصف بأبي ميكانيكا الكم. لكن لا داعي للقلق، ما دامت الحياة اليومية مستمرة
فالتعارض بين ميكانيكا الكم والجاذبية لا يفرض أيَّ مشكلة أمام الكون في الوقت الحالي
والفيزيائيون الفلكيون يطبقون مبادئ وأدوات النسبية العامة وميكانيكا الكم على فئات
مختلفة تمامًا من المشكلات لكن في البداية، إبان زمن بلانك، كان الكبير صغيرًا؛ لذا
من المؤكد وجود نوع من التزاوج السريع بين الاثنين وقتها لكن بكل أسف لا تزال
التعهدات المتبادلة بين الطرفين أثناء الاحتفال تراوغنا، ومن ثم لا توجد أي قوانين
(معروفة) للفيزياء تصف بأي قدر من الثقة الطريقة التي تصرف بها الكون خلال شهر العسل القصير هذا، قبل أن يحتم تمدد الكون حدوث الانفصال بينما هو كبير للغاية وما
هو صغير للغاية في نهاية زمن بلانك حررت الجاذبية نفسها من القوى الأخرى، التي ظلت
حتى حينها القوى الموحدة للطبيعة، محِققَة لنفسها هوية مستقلة تصفها نظرياتنا الحديثة
بدقة. مع تجاوز الكون عمر ١٠−٣٥ ثانية استمر في التمدد وفقدان الحرارة، وانفصم ما
تبقَّى من القوى التي كانت من قبل متَِّحدة إلى شقين: القوة النووية القوية، والقوة
الكهروضعيفة. وفي وقت لاحق انقسمت القوة الكهروضعيفة بدورها إلى القوة
الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة، وهوما خلف لنا أربع قوى مألوفة متمايزة؛

حيث تتحكم القوة النووية الضعيفة في التحلل الإشعاعي،

والقوة النووية القوية هي المسئولة عن ربط الجسيمات بعضها ببعض داخل نواة
الذرة،

والقوة الكهرومغناطيسية تربط الذرات معًا داخل الجزيئات،

بينما تربط الجاذبية المادة بعضها مع بعض في أحجام كبيرة.

حين بلغ عمر الكون واحدًا على التريليون من الثانية، كانت قواه المتحولة،

إلى جانب أحداث أخرى حاسمة، قد صبغته بسماته الجوهرية، وكل واحدة منها
تستحق كتابًا خاٍصا بها»(١).

يمكن أن نختصر ما يهمنا من قصة الكون التي تبدأ بعد البداية بقليل كالتالي:

بعد الإنفجار العظيم أصبح لدينا كون ساخن، وبعد أن برد بعض الشيء في أجزاء من
الثانية أصبح مكوناً من لبتونات وكواركات ومضاداتها وبوزونات وفوتونات ولكن هناك تفوق
للكواركات واللبتونات على مضادتها بمقدار واحد بالمليار، أي إنّ هناك تفوقاً للمادة على
مضادها، وهذا التفوق هو السبب بوجود النجوم والكواكب ووجود أجسامنا نحن أيضاً.

وبعد جزء من المليون من الثانية برد الكون أكثر وسمح للكواركات بالتجمع والالتحام فتجمعت الكواركات إلى بعضها البعض مكونة جسيمات مادية أثقل من اللبتونات تسمى
الهادرونات (كالبروتون والنيوترون) ومقابلها تكونت هادرونات مضادة، ولكن أيضاً بنفس
نسبة الكواركات الكواركات المضادة، أي بزيادة قدرها واحد بالمليار لصالح الهادرونات أو
لصالح المادة على المادة المضادة، ومع استمرار تمدد الكون وبرودته وقلة طاقة الفوتونات تبعاً
لذلك، لم تعد طاقة الفوتونات كافية لإنتاج الهادرونات والهادرونات المضادة وكانت النتيجة
هي بقاء مقدار التفوق المادي فقط أي هادرون واحد مقابل فناء مليار هادرون لصالح مليار
فوتون أضعف طاقة من السابق نتيجة توسع الكون (المادة والطاقة) بين الثانية الأولى ونهاية
الثانية الثانية من بداية الإنفجار العظيم.

ولكن في هذا الوقت كانت سخونة الكون وبالتالي طاقة الفوتونات كافية لإنتاج الكترونات
وبوزيترونات (مضادات الالكترونات)، ثم بعد أن استمر الكون (المادة والطاقة) بالتوسع
والبرودة أكثر ووصل إلى درجة حرارة دون درجة حرارة العتبة للالكترونات ولم تعد طاقة
الفوتونات كافية لإنتاج الكترونات وبوزيترونات حصل معها ما حصل مع الهادرونات قبلها،
فتمت عملية افناء للمادة (الالكترونات) والمادة المضادة (البوزيترونات) وبقي فائض المادة
الذي قلنا سابقاً إنه واحد بالمليار فبقي الكترون واحد مقابل فناء كل مليار زوج من
الالكترونات والبوزيترونات.

الآن لدينا في الكون هادرونات (بروتونات ونيوترونات) والكترونات وهي البنى الأساسية
للذرات، فمع استمرار برودة الكون سمح في الدقائق الأولى للهادرونات بالتجمع إلى بعضها
والالتحام مكونة نوى الهيدروجين والهليوم وبعض نوى عناصر خفيفة أخرى كالهيدروجين
الثقيل.

ثم بعد مئات آلاف السنين ومع برودة الكون أكثر وصل إلى درجة حرارة أقل من ثلاثة آلاف
كلفن، وبهذا سمح بتشكل الذرات الهيدروجين والهليوم من النوى والالكترونات التي كانت
تسبح حرة في الكون والتي تشكلت سابقاً كما بينا كما أنّ الكون أصبح شفافاً ويسمح بالرؤية
بعد أن قيدت الالكترونات في الذرات وأصبحت الفوتونات تتحرك بحرية بعد أن انزاحت عن
طريقها الالكترونات، وإلى هنا وصلنا إلى نشأة الكون المادي الذي نراه، أما العناصر الأخرى
فلا تزال تنتج وتطبخ باستمرار في عملية حرق نووي للهيدروجين والهليوم أو إعادة هيكلة
وتشكيل للذرات في النجوم المستعرة أو المتفجرة.

«يستمر ابتراد الكون وتوسعه، ولكن لا يحدث الان حدث هام يستحق الذكر قبل
٧٠٠٠٠٠ سنة، وهو الزمن اللازم لكي تهبط درجة الحرارة الى نقطة يمكن فيها
للإلكترونات والنوى أن تشكل ذرات مستقرة»(١).

«ومع تمدد الكون انخفضت الطاقة التي يحملها كل فوتون. وفي النهاية، حين وصل
عمر الكون إلى ٣٨٠ ألف عام، انخفضت درجة حرارته لما دون الثلاثة الاف درجة، وكان
من نتيجة ذلك أن تمكنت البروتونات وأنوية الهيليوم من اقتناص الإلكترونات بشكل
دائم، وبهذا ظهرت الذرات إلى الوجود. في الحقب السابقة على ذلك كان كل فوتون يتمتع
بطاقة كافية لتمزيق أي ذرة حديثة التكون إربًا، لكن الان فقدت الفوتونات هذه القدرة،
وذلك بفضل التمدد الكوني»(٢).

شكل٢٩: مراحل نشوء الكون ابتداءاً بالإنفجار العظيم إلى الحاضر(١)

المصدر: وكالة الفضاء الأوروبية ESA

بعد النظرية النسبية الخاصة لاينشتاين ومعادلة التكافؤ ونظرية ميكانيك الكم، فإنّ بول
ديراك الذي مرّ أنه من المساهمين في تطوير ميكانيك الكم وجد عند حساب مستويات الطاقة
بأنها كما تعطي نتائج رياضية موجبة أيضاً تعطي نتائج طاقة سالبة، وهذه النتائج السالبة
التي اكتشفها ديراك لم تكن مفسرة بدقة إلا أنها شبه حُفر يمكن أن تخفي الالكترون إن
سقط فيها، وفي عام ١٩٣٢ اكتشف كارل اندرسون(١) أثناء مشاهدته للأشعة الكونية جسيماً
له كتلة الالكترون ولكنه موجب الشحنة سمي البوزيترون أو مضاد الالكترون، وكان هذا هو
حفرة الالكترون التي إن وقع فيها يختفي كلاهما.

وبدأت مرحلة اكتشافات جسيمات المادة المضادة حيث تم بعد ذلك اكتشاف مضادات
الجسيمات الأخرى.

للجسيمات المضادة نفس كتلة الجسيم المادي الذي تمثل نظيراً مضاداً له، ولكنها عادة(٢)
تحمل شحنة مخالفة لشحنته، وبعض الأحيان تحمل أجزاء الجسيم المضاد (أي الكواركات)
شحنات مخالفة لأجزاء الجسيم المادي كما في النيوترون ذي الإشارة الصفرية.

فالالكترون: يحمل إشارة سالبة ومضاد الالكترون أو البوزيترون يحمل إشارة موجبة.

والبروتون: يحمل إشارة موجبة ومضاد البروتون يحمل إشارة سالبة.

والنيوترون: لا يحمل إشارة سالبة ولا موجبة وكذا النيوترون المضاد، ولكنهما يتكونان
من كواركات تحمل شحنات مخالفة لبعضها البعض.

المادة المضادة إذا اصطدمت بالمادة فإنهما يتفانيان ويطلقان طاقة عالية وكذلك فإن
الفوتونات التي طاقتها عالية مثل فوتونات أشعة جاما يمكن أن تتحول طاقتها العالية إلى
جسيم مادة وجسيم مادة مضادة مثل الالكترون والبوزيترون وضمن حدود قانون اينشتاين:

𝑬 = 𝒎𝒄𝟐
.

والكون في بداية تشكله كان لفوتوناته طاقة عالية، لهذا كانت أزواج جسيمات المادة
والمادة المضادة تظهر وتتفانى فيه باستمرار مخلّفة فوتونات بطاقة عالية ثم تعود الدورة
وهكذا.

وقد تمكن فريق من الباحثين من تخليق ذرات هيدروجين مضاد رغم أنهم لم يحتفظوا
بها إلا جزء صغير جداً من الثانية حيث إنّ المادة المضادة لا يمكن حفظها داخل وعاء من
المادة؛ لأنهما يتفانيان معاً، وطريقة حفظ المادة المضادة هي حجزها داخل جدران مجال
مغناطيسي قوي، ولكن هذا المجال لا يمنع ذرات المادة من اختراقه وبالتالي تكون حياة المادة
المضادة المخلّقة قصيرة طالما أنها محاطة بالمادة.

يبقى أمر مهم جداً يخص المادة المضادة وهو أنّ النموذج القياسي يفترض أنّ الكون المادي
تشكّل نتيجة رجحان جسيمات المادة بنسبة واحد في المليار في بداية تشكل الكون ولا يوجد
تعليل لسبب هذا الرجحان، ولهذا فمن المنطقي جداً أن يفترض وجود مادة مضادة في أحد
أطراف الكون ربما في زاوية بعيدة عن المادة التي نراها حيث إنّ المادة المضادة لو كانت موجودة
ضمن نفس نطاق المادة وحدث اصطدام بين كتلة من المادة وأخرى من المادة المضادة بحدود
حجم أحد النجوم فإنّ الطاقة المتولدة من تفانيهما ستكون عالية جداً بحسب قانون
𝑬 = 𝒎𝒄𝟐
اينشتاين ربما يمكن أن تقدّر بأنها تعادل طاقة مليارات النجوم.

وطاقة بهذا القدر تنطلق في وقت واحد حتماً يمكن ملاحظتها حتى وإن كانت في أبعد
المجرات خصوصاً مع التقدم الكبير في علم الفلك، ولهذا فلو كانت المادة المضادة موجودة
فلابد أنها في زاوية أخرى من الكون غير الزاوية التي تقبع بها عناقيد المجرات المادية التي نراها
ونعرفها ونعيش في أحدها.

«يبدو الكون اليوم في حالة مقلقة من عدم التوازن؛ فنحن نتوقع أن تُخلَّق
الجسيمات والجسيمات المضادة بأعداد متساوية، لكننا نجد الكون بأسره تهيمن عليه
الجسيمات العادية، التي تبدو مستقرة تمامًا دون الجسيمات المضادة. هل هناك جيوب
خفية من المادة المضادة في الكون تفسر عدم التوازن هذا؟هل انتُهك أحد قوانين
الفيزياء (أو تسبب في هذا الوضع قانون فيزيائي غير معروف؟) إبان مرحلة الكون المبكر، بحيث تسبب في ترجيح كفة المادة العادية على المادة المضادة إلى الأبد؟ قد لا نعرف
إجابات هذه الأسئلة قط»(١).

الأرض تدور حول الشمس بمسار محدد وبسرعة محددة، ومن يحدد هذه السرعة في هذا
المسار هي قوة الجاذبية وهي قوة تمارسها الأجسام على بعضها ويظهر تأثيرها بوضوح في
الأجسام الكبيرة؛ لأنها تتراكم وتزيد مع زيادة الكتلة، وقد وضع قوانينها عالم الفيزياء المعروف
نيوتن ولكنها كانت قوة غامضة بالنسبة للفيزياء حتى فسرتها نظرية اينشتاين النسبية العامة
بأنها ناتجة عن انحناء نسيج الكون أو الزمان والمكان ويكون هذا الانحناء لنسيج الزمكان بقدر
كتلة الجرم.

فلو فرضنا أنّ الشمس كتلتها أكبر بكثير من الآن فإنها ستحني النسيج الكوني بدرجة أكبر
وبالتالي فإن الأرض بمدارها الحالي وبسرعتها الحالية سوف تخرج من مسارها الحالي ساقطة
باتجاه الشمس بسبب قوة الجاذبية ولتتخلص الأرض من هذا المصير لابد أن تدور بسرعة أكبر
ليبقيها عزم القصور الذاتي في نفس مسارها، وكذلك لو فرضنا أنّ الأرض تحركت بسرعة أكبر
من سرعتها الحالية وكانت سرعتها كافية للإفلات من جاذبية الشمس - أي إنها وصلت إلى
سرعة الإفلات - عندها ستخرج من مدارها مبتعدة عن الشمس، ولمنع الأرض السريعة من
الإفلات من مدارها مبتعدة عن الشمس فلابد من زيادة كتلة الشمس بحيث تكفي جاذبيتها
لمنع الأرض من الإفلات من مدارها مبتعدة عن الشمس.

ما تقدم بناءً على قانون نيوتن للجاذبية كما ينطبق على الأرض فإنه ينطبق على المجرات
كتأثير جاذبية كتلة المجرة على النجوم والكواكب فيها وتأثير كتلة العنقود على المجرات وتأثير
جاذبية كتلة مجرة على مجرة أخرى.

والأرصاد سجّلت منذ ثلاثينيات القرن العشرين حركة المجرات في بعض العناقيد المجرية بسرعة عالية تتجاوز السرعة التي تسمح بها قوة الجذب التي توفرها تلك العناقيد المجرية أي
إنّ تلك المجرات تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الإفلات ولكنها مع هذا باقية في مداراتها، وهذا
يعني أنّ هناك جاذبية تمنعها من الإفلات أو تجعلها تتحرك بهذه السرعة، وحتى الوقت
الحاضر فإن الأرصاد المتكررة لهذا الأمر أكدت أنه موجود حولنا في الكون وبشكل كبير فكثير
من العناقيد المجرية تؤكد أنّ هناك قوة جذب كبيرة تجعل المجرات تتحرك بسرعة عالية وما
كان لهذه العناقيد أن تبقى على حالها لو لم تكن هذه القوة الجاذبة موجودة وتحافظ على
تلك العناقيد من الانفراط والتشتت في الكون بعد أن تجاوزت مجراتها سرعة الإفلات بحدود
حساب جاذبية المادة المرئية للعناقيد المجرية، أيضاً رصدت قوة الجاذبية الزائدة على ما توفره
المادة المرئية في المجرات الحلزونية.

النتيجة التي خلص إليها علماء الفلك من الأرصاد أنّ هناك قوة جذب متوفرة في الكون
لا يعرف مصدرها قام بعض علماء الفلك بنسبتها لما أسموه مادة مظلمة لا تتفاعل مع المادة
العادية عادة أو تتفاعل بغاية الضعف بحيث لا تكون ملحوظة وتؤثر على المادة العادية
بواسطة قوة الجذب التي تولدها.

إذن، فلدينا قوة جذب سببها غير مرئي وغير معروف بصورة جلية لعلماء الفلك والفيزياء
على الأقل حتى الآن.

رفض - في بداية الأمر - بعض الفيزيائين هذا الأمر واعتبر أنّ قوانين نيوتن غير صحيحة
تماماً وتحتاج إلى تعديل بالنسبة للحجوم الكبيرة كالمجرات والعناقيد المجرية كون المسافات
بين النجوم في المجرات بعيدة وكذا المسافات بين المجرات في العناقيد المجرية، ولكن هذا
التعديل على قوانين نيوتن لم ينجح في تعليل مصدر قوة الجذب الزائدة بصورة صحيحة
ومقبولة، أضف أنّ هناك دليلاً يؤكد وجود المادة المظلمة أو قوة الجاذبية الزائدة عن الجاذبية
التي توفرها المادة المعروفة - وبالتالي صحة قوانين نيوتن - وهو حاجة الكون في بداية نشوئه
لقوة جذب أكبر من قوة الجذب التي توفرها المادة المعروفة لتتمكن العناقيد المجرية والمجرات
من التشكل ولا تتشتت المادة في الكون الوليد في بداية نشوئه.

«إبان النصف مليون عام الأول بعد الانفجار العظيم، وهو ما يمثل لحظة عابرة من
تاريخ الكون البالغ نحو ١٤ مليار عام، كانت المادة الموجودة في الكون قد بدأت في
التجمع في نقاط من شأنها أن تصير لاحقًا عناقيد وعناقيد فائقة من المجرات لكن الكون كان يتمدد طوال الوقت، وسيتضاعف حجمه في غضون النصف مليون عام التالية هكذا
كان على الكون الاستجابة لتأثيرين متعارضين: الجاذبية التي تريد تكثيف المادة،
والتمدد الذي يريد تخفيفها. إذاأجريت حساباتك، سرعان ما تستنتج أن جاذبية المادة
العادية لم تكن لتفوز بهذه المعركة وحدها. لقد احتاجت لمعاونة المادة المظلمة، التي
لولاها لكنا سنعيش - أو بالأحرى لن نعيش - في كون ليس به أي بُنى أو عناقيد مجرية
أومجرات أو نجومأ وكواكبأ وحتى بشر ما مقدار الجاذبية الإضافي الذي احتاجه الأمر؟ ستة
أضعاف مقدار الجاذبية التي تقدمها المادة العادية. هذا التحليل لا يترك أي مجال للشروط
التصحيحية الصغيرة التي تضيفها ديناميكا نيوتن المعدلة إلى قوانين نيوتن ولا يخبرنا هذا
التحليل بماهية المادة المظلمة، بل هو فقط يؤكد على أن تأثيرات المادة المظلمة
حقيقية، وأنك لن تستطيع، مهما حاولت، عزو تلك التأثيرات للمادة العادية»(١).

في مقابل فرض وجود المادة المظلمة لتفسير قوة الجذب الزائدة أو فرض عدم صحة
قوانين نيوتن وتعديلها بالنسبة للحجوم الكبيرة، هناك أيضاً نظرية الأكوان المتعددة التي
طرحها هيو إفرت(٢) ولهذه النظرية الآن صدى لا بأس به في الأوساط العلمية وخصوصاً بعد
أن طرحت نظرية الأوتار الفائقة ونظرية M وبإثبات رياضي وطرحت وجود أبعاد أخرى غير
الأبعاد الأربعة المعروفة والمحسوسة (أبعاد المكان الثلاثة وبعد الزمان)، فعلمياً إذا كان هناك
كون شبحي غير مرئي لنا وموازٍ لكوننا فمن الممكن أن يكون هناك تأثير لهذا الكون على كوننا
بواسطة قوة الجذب مثلاً حيث يمكن أن يفترض أن وتر قوة الجاذبية - أو جسيم الكرافيتون
- حر وغير مرتبط بالنسيج الكوني أو البران الذي نعيش عليه وبالتالي فيمكن انتقاله من كون
إلى آخر، وهذا يعني أنّ وجود كون موازٍ لنا كاٍف لتفسير قوة الجاذبية مجهولة المصدر التي
تتسبب في زيادة سرعة حركة المجرات في العناقيد المجرية.

«في هذا العالم من البران سنعيش نحن فوق أحد البرانات، إلا أنه سيكون هناك
بران شبحي اخر على مقربة، وحيث إن الضوء سيكون مقصورا على البرانات ولا ينتشر
خلال المسافة بينهما، فإننا لن نتمكن من رؤية العالم الشبح، ولكننا سوف نحس بالتأثير
الجذبوي للمادة التي على البران الشبح. وسوف يبدو في البران الخاص بنا أن هذه القوى
الجذبوية ناتجة عن مصادر مظلمة حقا حيث أن الطريقة الوحيدة التي يمكن لنا ان نكشف بها عنها هي عن طريق جاذبيتها. والحقيقة أنه حتى نفسر السرعة التي تدور بها
النجوم حول مركز مجرتنا، يبدو انه لابد من وجود كتلة بمقدار اكثر مما تسببه المادة التي
نرصدها. هذه الكتلة المفتقدة قد تنشأ عن بعض نوع من الجسيمات في عالمنا مثل
الويمبات (الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل) أو الاكسيونات (جسيمات أولية خفيفة
جدا) إلان ان الكتلة المفتقدة قد تكون دليلا أيضا على وجود عالم في سيناريو عالم البران
قد تدور الكواكب حول كتلة مظلمة على بران شبح لأن القوة الجذبوية تنتشر إلى الابعاد
الإضافية.

نحن لن نرى المجرة الشبح التي على البران الشبح لأن الضوء لن ينتشر خلال الابعاد
الإضافية. ولكن الجاذبية تنتشر خلالها، ومن ثم فإن دوران مجرتنا يتأثر بالمادة المظلمة
التي لا نراها.شبح فيه مادة. ولعله يحوي كائنات بشرية شبحية تتسائل عن تلك الكتلة
المفقودة التي تبدو مفتقدة من عالمهم حتى تفسر مدارات النجوم الشبحية حول مركز
المجرة الشبحية»(١).

في القرن العشرين وفّرت الأرصاد الفلكية لأحد أنواع المستعرات العظمى - السوبرنوفا

نوع la والتي تنفجر عند وصول قزم أبيض إلى كتلة قدرها ١.٤ بقدر كتلة الشمس - شموعاً

معيارية كونية يمكن من خلالها معرفة المسافات الكونية بدقة؛ لأن هذا النوع من الاقزام
البيضاء عند الإنفجاروتحولها إلى مستعرات عظمى فإنها جميعها تعطي نفس السطوع وتخفت
بنفس المعدل حيث إنّ لها نفس التركيبة تقريباً، كما أنها جميعاً تنفجر عند الوصول إلى نفس
الكتلة وهي ١.٤ بقدر كتلة الشمس، حيث تمثل الكتلة القصوى للأقزام البيضاء إذ إنها تقوم
بجذب الغازات الغنية بالهيدروجين من النجم العجوز المرافق لها وهكذا تزداد الكثافة
والحرارة باستمرار حتى تصل الحرارة إلى أكثر من عشرة ملايين درجة ويحصل عندها الاندماج
النووي للقزم الأبيض كله ويشتعل النجم وينفجر انفجاراً كبيراً يمزق النجم منتجاً مستعراً

أعظم من نوع.la

أما ما يؤدي إلى زيادة أو نقص سطوعها فهو المسافة بينها وبين الراصد، أو ابتعاد أو قرب
المستعر الأعظم عن الراصد، وهذا هو ما جعلها - كما تقدم - شموعاً معيارية لتحديد
المسافات الكونية بدقة، فمثلاً: إذا عرفنا المسافة التي يبعد بها مستعر أعظم عنا ثم أردنا
قياس المسافة بيننا وبين مستعر أعظم ثاٍن له ربع سطوع المستعر الأعظم الأول، فإن المسافة
التي يبعد بها عنا المستعر الأعظم الثاني هي ضعف المسافة التي يبعد بها عنا المستعر الأعظم
الأول؛ لأن السطوع يتناسب مع مربع المسافة، وهذا يعني أننا أيضاً إذا عرفنا المسافة بيننا
وبين المستعر الأعظم يمكننا أن نحسب سطوع المستعر الأعظم، وبما أنّ المستعرات العظمى
تتفجر باستمرار في الكون حولنا فقد وفرت معلومات عن المسافات الكونية بدقة، وكذلك فإن
مراقبتها بينت سرعة توسع الكون (المادة والطاقة).

ففي نهاية القرن العشرين توصل فريق من الباحثين الذين كانوا يرصدون المستعرات
العظمى إلى أنّ أحد المستعرات العظمى البعيدة عنا أخفت مما المفروض أن يكون عليه
سطوعه، وهذا يعني أنّ الكون يتمدد بسرعة أكبر من المتوقع والذي يعني بدوره أنّ هناك
طاقة مجهولة هائلة متزايدة تقاوم جاذبية كتلة المادة الكونية وتدفع باتجاه التوسع بتسارع.

بعد أن توفرت أداة قياس المسافات الكونية الدقيقة فمن قياسات المسافات إلى المجرات
وقياس سرعات ابتعادها عرف علماء الفلك أنّ هناك طاقة مجهولة كبيرة تصارع قوة جذب
المادة في الكون وتشارك بفعالية في تمدد الكون باستمرار وبتسارع سميت هذه الطاقة بالطاقة
المظلمة.

أما حساب الأمر رياضياً، فاعتماداً على ما تقدم ومن نتائج الرصد التي توفرت تمكن

𝛀 − 𝛀 = 𝟎.𝟒𝟔

الفلكيون من معرفة قيمة الفرق بين 𝐌 𝚲 مع زيادة أو نقصان بمقدار
𝟎.𝟎𝟑

𝛀

و 𝚲: تمثل نسبة الكثافة التي توفرها الطاقة المظلمة إلى الكثافة الحرجة.

𝛀

و𝐌: تمثل نسبة متوسط كثافة كل المادة الموجودة في الكون إلى الكثافة الحرجة.

والكثافة الحرجة: هي الكثافة التي عندها يكون تقوس الكون صفري بحسب معادلات
اينشتاين.

وفي الكون المرئي وبحسب نتائج الرصد الفلكي، فإن نسبة متوسط كثافة كل المادة
الموجودة في الكون بما فيها المادة المظلمة - المحسوبة اعتماداً على الجاذبية - إلى الكثافة

𝛀

𝟎.𝟐𝟓 𝟎.𝟐𝟓
الحرجة تساوي تقريباً أي إنّ 𝐌 = تقريباً.

𝛀

ومن المعادلة التي في الأعلى يمكن أن نعرف أنّ قيمة 𝚲 هي:

𝛀 = 𝛀 + 𝟎.𝟒𝟔

𝚲 𝐌

𝛀 = 𝟎.𝟒𝟔(±𝟎.𝟎𝟑) + 𝟎.𝟐𝟓 = 𝟎.𝟕𝟏
𝚲 تقريباً

𝛀 + 𝛀 = 𝟎.𝟗𝟔~𝟎.𝟗𝟗
أي إنّ 𝐌 𝚲 وهذا الرقم لدى بعض علماء الفيزياء
والفلكيين تقريباً واحد صحيح، وهو يعني أن تقوس الكون صفري.

فمن معادلات اينشتاين النسبية حول شكل الكون وتمدده أو استقراره يمكن معرفة
مقدار الكثافة الحرجة للمادة في الكون، والكثافة الحرجة هي كثافة المادة في الكون التي يكون
عندها تقوس الفضاء صفري، أما كثافة الكون المقاسة فعلاً بما فيها الطاقة الكونية محولة
∗ س٢ 𝟐𝒄𝒎 = 𝑬
إلى ما يعادلها من المادة بحسب معادلة اينشتاين ط = ك، فتسمى الكثافة
الفعلية.

فإذا كانت الكثافة الفعلية أكبر من الكثافة الحرجة فهذا يعني أنّ الكون موجب التقوس
كسطح كرة، ويعني أيضاً أنه إذا كان كوننا متمدداً فإنه سينتهي به المطاف إلى الانكماش ولن
يستمر تمدده دون توقف.

أما إذا كانت الكثافة الفعلية أقل من الكثافة الحرجة فهذا يعني أنّ الكون سالب التقوس
كسطح مكافئ زائدي أو سرج حصان وتمدده سيستمر دون توقف.

أما إذا ساوت قيمة الكثافة الفعلية قيمة الكثافة الحرجة فهذا يعني أنّ الكون صفري
التقوس أو لنقل مسطح وسيستمر تمدده، ولكن معدل تمدده سيتباطأ ويقترب من الصفر،
ولكنه لن يصل للصفر أبداً.

وبحسب النتائج المتقدمة، فإنّ النسبة هي واحد تقريباً أي إنّ الكثافة الفعلية تساوي الكثافة الحرجة أي إنّ الكون صفري التقوس أو مسطح.

شكل٣٠: نماذج فريدمان

)A Journey Into Gravity and Spacetime ـ Wheeler. A.J(المصدر:

إضافة إلى ما وفرته المستعرات العظمى فيما تقدم، كذلك فإنّ رصد اشعاع الخلفية
الكوني ورسم خريطة دقيقة للانحرافات فيه بواسطة معدات متطورة محمولة على مناطيد
وأقمار صناعية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين مكن العلماء من

𝛀 𝛀

معرفة مجموع و𝐌 وكانت القيمة هي 𝟏.𝟎𝟐 تقريباً مع زيادة ونقصان محتملة قدرها

𝚲

𝟎.𝟎𝟐 وإذا راجعنا النتيجة التي وفرتها المستعرات العظمى لقيمة الفرق بينهما نصل إلى نفس
النتيجة تقريباً، وهي أن مجموعهما تقريباً واحد صحيح وهو ما يعني:

إنّ الثابت الكوني في معادلة اينشتاين ليس صفرياً كما كان متوقعاً في وقت سابق وإن
هناك طاقة مجهولة أو كما تسمى مظلمة تمثل الغالبية العظمى من الطاقة المؤثرة في الكون،
وإذا حولناها إلى كتلة فستكون المساهم الأكبر في كتلة الكون.

والأمر الآخر: هو أنّ الكون صفري التقوس أي مسطح.

«إن البيانات الاتية من المسبار WMAP تبين أن أكبر الانحرافات عن مستوى
تجانس إشعاع الخلفية الكوني تغطي زاوية قدرها حوالي درجة واحدة، وهو ما يعني أن
+Ω Ω له قيمة قدرها ١.٠٢، بزيادة أو نقصان ٠.٠٢. وعلى هذا، ضمن حدود الدقة

Λ M

التجريبية يمكننا أن نستنتج أن

١ = +Ω Ω وأن الفضاء مسطح.

Λ M

يمكن التعبير عن نتائج مشاهدات المستعرات العظمى البعيدة من النوع Ia على
صورة

Ω −Ω = ٠.٤٦.

Λ M

إذا دمجنا هذه النتيجة مع النتيجة التي تقول إن ١ = +Ω Ω، سنجد

Λ M

Ω = ٠.٢٧، Ω = ٠.٧٣، بمعدل شك قدره نسبة مئوية بسيطة في كل رقم

Λ M

وكما ذكرنا من قبل، هذه هي أفضل التقديرات الحالية للفيزيائيين الفلكيين لقيمة هذين
العاملين الكونيين المحوريين، وهو ما يخبرنا بأن المادة – العادية والمظلمة- توفر٢٧
بالمائة من إجمالي كثافة الطاقة في الكون، وأن الطاقة المظلمة توفر حوالي٧٣ بالمائة.
وإذا فضلنا التفكير في مقدار الكتلة المكافئ للطاقة، ط/س٢، يمكن اعتبار أن الطاقة المظلمة تمثل ٧٣ بالمائةمن كتلة الكون الإجمالية»(١).

أما جواب سؤال من أين أتت وتأتي الطاقة المظلمة، فيحتمل بعض علماء الفيزياء أنّ
ميكانيك الكم كفيل بتفسير هذا الأمر؛ حيث إنّ الفضاء الفارغ من أي شيء تظهر فيه
جسيمات افتراضية وتختفي باستمرار، إذ إنّ هناك تفاوتات كمية للفراغ بحسب مبدأ الريبة
في ميكانيك الكم كما بينا سابقاً.

الفضاء الخاص بالمادة والطاقة يزداد مع توسع انتشار المادة والطاقة سواء كان هو جزء
من فضاء أكبر وإن المجرات مع حركتها المتباعدة والمتسارعة تشغل جزءاً أكبر منه كلما مر
الزمن، أم كان هو كل الفضاء الكوني وكان في الماضي متناهي الصغر وبدأ توسعه بالانفجار
العظيم.

ومع افتراض أنّ الطاقة المظلمة تأتي من التفاوتات الكمية للفضاء الخاوي تكون النتيجة
أنه مع توسع الفضاء تزداد الطاقة المظلمة في الفضاء الخاوي بين المادة ويرافقه مزيد من
تشتت المادة وانتثارها في الكون، وبالنتيجة فالمتوقع في كون مسطح وله ثابت كوني غير صفري

𝛀 𝛀

في معادلة اينشتاين النسبية أنه يتجه لزيادة 𝚲 على حساب 𝐌 باستمرار بحيث يحافظان

𝛀

على أن يكون مجموعهما واحد، ومن المتوقع أن يصل 𝐌 إلى رقم أقرب ما يكون من الصفر،

𝛀

وأن يصل 𝚲 إلى رقم أقرب ما يكون من الواحد الصحيح، ولكنه يتطلب فترة زمنية شاسعة.

الثابت الكوني نظرياً يمكن أن يكون كبيراً جداً، فالآن لو رجعنا إلى بداية تشكل الكون
وفرضنا أنّ الثابت الكوني أكبر مما هو عليه الآن بكثير - كما هو متوقع نظرياً - فهذا يعني أنّ

𝛀

كثافة الطاقة المظلمة ستكون كبيرة، وهذا يعني أنّ قيمة 𝚲 لن تحتاج كل هذا الوقت

𝛀 𝛀 𝛀

لتتجاوز قيمة 𝐌 بل إنّ قيمة 𝚲 ستكون أكبر من قيمة 𝐌 بكثير خلال فترة قصيرة
من عمر الكون ربما بضعة ملايين من الأعوام، وهذا يعني أنّ تأثير الكمية الهائلة للطاقة
المظلمة المتزايد سيجعل تمدد الكون يحدث بتسارع كبير ويؤدي إلى تشتيت المادة ونثرها في
الفضاء بحيث إنه لن يسمح بتشكل النجوم والكواكب والمجرات وما كانت لتكون في الكون أي حياة، وهذا يعني أنّ الثابت الكوني بمقداره الحالي المناسب لظهور الحياة في الكون دليل
على أنّ الكون مقنن لتظهر فيه الحياة لأن احتمالات الثابت الكوني كثيرة جداً، ومن غير
المعقول أن يصدف دون قصد مسبق أن يكون الثابت الكوني بحسب المشاهدات الكونية
أصغر بكثير مما هو متوقع نظرياً، وبالتالي يكون مناسباً لتشكل المجرات والنجوم والكواكب
وظهور الحياة.

«يتنبأ التطبيق المباشر لنظرية الكم على ما نسميه بالف + راغ بأن التفاوتات الكمية
هي المسئولة عن إنتاج الطاقة المظلمة دون شك. لكن حين نروي القصة من هذا المنظور
يبدو أن السؤال الأهم بخصوص الطاقة المظلمة هو: لماذا احتاج علماء الكونيات لهذا
الوقت الطويل حتى يدركوا أن هذه الطاقة موجودة؟ للأسف تُغَيِر تفاصيل الموقف الفعلي
هذا السؤال إلى: كيف أخطأ فيزيائيو الجسيمات إلى هذ االحد؟ فحسابات كمية الطاقة
المظلمة الكامنة في كل سنتيمتر مكعب تنتج قيمة تفوق القيمة التي وجدها علماء
الكونيات من واقع مشاهدات المستعرات العظمى وإشعاع الخلفية الكوني بمقدار١٠١٢٠
عند تقدير الحسابات الفلكية البعيدة يمكن اعتبار النتائج التي تثبت صحتها في نطاق
فارق قدره عشرة أضعاف على أنها مقبولة مؤقتًا، لكن فارقًا قدره١٠١٢٠ لا يمكن غض
الطرف عنه بسهولة، حتى من جانب أسهل المتساهلين. وإذا احتوى الفضاء الخاوي على
مقدار من الطاقة قريب من هذا المقدار المقترح من قبل فيزيائيي الجسيمات، كان الكون
سيتضخم لدرجة مهولة لم تكن حتى لتسمح لرؤوسنا بأن تدور من فرط ضخامتها؛ إذ لم
يكن الكون سيحتاج إلا لكسر بسيط من الثانية كي ينثر المادة في أرجائه بشكل لا يمكن
تصوره»(١).

في محاولة لتفسير ضبط الثابت الكوني، فإنّ الأكوان المتعددة تطرح هنا بأكثر من صورة
من قبل بعض علماء الفيزياء والكونيات حيث إنّ هناك افتراضاً يقول: إننا نعيش في كون من
سلسلة أكوان متعددة - غير متصلة ببعضها فكل كون منها له فضاؤه الخاص به - وقد تشكلت
باحتمالات وبانفجارات كثيرة داخل كيان بأبعاد أعلى، وهنا يمكن تصور أنّ كوننا هو نتاج أحد
هذه الاحتمالات والانفجارات الكثيرة والتي أكثرها تشكل بثابت كوني لا يسمح بظهور الحياة
فيها، وبهذا لا يكون الإشكال المتقدم قائماً.

ولكن هذه تبقى مجرد فرضية، فالأكوان المتعددة يمكن أن نقول إنّ كل واحد منها صدر
من كون أعلى منه، وبهذا لا يكون مصدرها واحداً ولا تصلح بهذه الصورة لحل إشكالية
الاحتمالية في ضبط الثابت الكوني، أضف أنّ فرضية الأكوان المتعددة نفسها تقود إلى
تساؤلات أخرى عن تلك الأكوان المتعددة ومدى إمكانية أن تؤثر ببعضها وإن كانت التفاوتات
الكمومية في الفضاء من نتاج هذا التأثير.

وعموماً، هي فرضية حتى الآن تمثل رداً ضعيفاً على ما ثبت تبعاً لمشاهدات كونية واقعية
وهي أنّ الثابت الكوني الحالي وبهذا المقدار مناسب لظهور الحياة وبالتالي ظهور أجسامنا ولو
أنه لم يكن بهذا المقدار وكان أكبر منه بكثير كما هو المفروض بحسب المبادئ النظرية لما ظهرت
الحياة في هذا الكون، وهذا فيه دلالة على أنه مقصود وأنّ الحياة مقصودة وأنها هدف، وهذا
يثبت وجود الإله.

«فوفق مفهوم الكون المتعدد يُطمر الوجود بأسره في أبعاد أعلى، وبهذا يظل فضاء
كوننا بمعزل عن أي كون اخر، والعكس صحيح. إن الافتقار إلى أي تفاعل ممكن ولو من
الناحية النظرية مع أكوان أخرى يضع نظرية الكون المتعدد في مصاف الفرضيات غير
القابلة للاختبار، ومن ثم غير القابلة للتأكيد، على الأقل إلى أن تجد عقول أذكى سبلاً
يمكن من خلالها اختبار صحة نموذج الكون المتعدد»(١).

هناك من علماء الفلك من يرد بأنّ هذه الحجة قائمة لأننا موجودون هنا أي إنّ الإشكال
متعلق بالراصد أو الإنسان أي إنّ وجودنا يقيد قيمة الثابت الكوني، فلأننا موجودون هنا
وقمنا برصد الثابت الكوني أصبحت لقيمته الحالية أهمية، ويسمى هذا الحل لإشكالية الثابت
الكوني بالمبدأ الإنساني أو المقاربة الإنسانية. ولكنها في الحقيقة تعطي لوجود الإنسان - الذي
رصد الثابت الكوني - أهمية بقدر كونها محاولة لحل إشكالية الثابت الكوني، فالآن وبحسب
المبدأ الإنساني أو المقاربة الإنسانية أصبح الثابت الكوني والكون بلا قيمة دون وجود الإنسان
الذي يرصده - كما بينا سابقاً في ميكانيك الكم - وبهذا أصبح الإنسان ووجوده أهمية كبرى
حيث لا قيمة معرفية وعلمية للكون دون وجود الراصد (الإنسان)، فلا وجود للكون كما
نعرفه الآن من دون الإنسان وهذا يعني أنّ الإنسان هو الهدف الكوني الأول وطالما كان هناك هدف فمن ورائه قوة عليا هادفة أو إله.

«وعلى أي، هب انه قد تم في المناطق المستوية وحدها تكوين المجرات والنجوم
وان الظروف فيها وحدها كانت ملائمة لنشأة الكائنات المعقدة الناسخة لذاتها مثلنا نحن
انفسنا والتي لها القدرة على توجيه سؤال لماذا يكون الكون جد مستو هكذا؟ إن هذا مثل
لتطبيق ما يعرف بالمبدأ الإنساني principle ciporhtnA، الذي يمكن إعادة صياغته
كالتالي: إننا نرى الكون بما هو عليه لأننا موجودون»(١).

يوجد أيضاً نموذج آخر من الأكوان المتعددة لحل معضلة الثابت الكوني المتقدمة ويسمى
النموذج المتأجج وهو يعتمد على نظرية الأوتار الفائقة أو نظرية M ويفترض هذا النموذج
وجود أكوان متعددة على شكل أغشية ممتدة وتحدث اصطدامات بينها وكل اصطدام يحدث
ينتج عنه انفجار عظيم في كل من الغشائين المتصادمين وبالتالي كون جديد في كل منهما، ومن
الطبيعي مع تعدد الأكوان أن يكون بعضها منتجاً للحياة بجانب أكوان أغلبها غير منتج.

«أنتج بول شتاينهارت من جامعة برينستون، الذي يمكنه الاستفادة من بعض العون
في ابتكار أسماء جذابة، نموذجًا نظريٍا سماه النموذج المتأجج للكون، وذلك بالتعاون
مع نيل توروك من جامعة كامبريدج. يتصور شتاينهارت الكون، بدافع من حماسه لأحد
أقسام فيزياء الجسيمات يسمى بنظرية الأوتار على أنه يتكون من أحد عشر بُعدًا، أغلبها
مدمج أو بالأحرى مطوي على نفسه كالجورب، بحيث لا يشغل سوى حيز ضئيل من
الفضاء. لكن بعض الأبعاد الإضافية لها حجم وأهمية حقيقيان، باستثناء أننا نعجز عن
إدراكها لأننا نظل حبيسي الأبعاد الأربعة المألوفة لنا. وإذا تصورنا أن كل الفضاء الموجود
في كوننا يشغل غشاءً رقيقًا لانهاية له (يختزل هذا النموذج أبعاد المكان الثلاثة إلى بعدين
فقط)، يمكننا تصور وجود غشاء اخر موازٍ، ثم تخيل هذين الغشاءين وهما يقتربان
أحدهما من الاخر ويتصادمان. ينتج عن التصادم الانفجار العظيم، ثم يرتد هذان
الغشاءان أحدهما عن الاخر، ويستمر تاريخ كل منهما في مساره المألوف، وتتولد
المجرات والنجوم. وفي النهاية يتوقف الغشاءان عن الابتعاد أحدهما عن الاخر، ويبدان
في الاقتراب أحدهما من الاخر مجددًا، لينتجا انفجارًا اخر في كل منهما. وعلى هذا يكون
للكون تاريخ حلقي؛ بحيث يكرر نفسه، على الأقل من حيث الشكل العام، على فترات
تقدر بمئات المليارات من الأعوام. بما أن كلمة ekpyrosis باليونانية تعني التأجج ومنها جاءت الكلمة المألوفة أكثر pyromaniac التي تعني الشخص المولع بإشعال النار، يذِكر
الكون المتأجج كل من له معرفة باليونانية بالنار العظيمة التي تولد عنها الكون الذي
نعرفه.

مع ما لنموذج الكون المتأجج من جاذبية من الناحيتين العاطفية والعقلية، فإن
هذا ليس كافيًا كي يأسر عقول وقلوب العديد من علماء الكونيات زملاء شتاينهارت. ليس
بعد على أي حال. ربما يومًا ما سيقدم شيئاً أشبه بالنموذج المتأجج، إن لم يكن هذا
النموذج بنفسه، الحل السحري الذي ينتظره علماء الكونيات الان في محاولاتهم لتفسير
الطاقة المظلمة. وحتى مناصرو المقاربة الإنسانية لن يقاوموا أي نظرية جديدة من شأنها
تقديم تفسير جيد للثابت الكوني دون الاستعانة بفرضية وجود عدد لا نهائي من الأكوان
التي يتصادف أن كوننا هو الكون الوحيد سعيد الحظ منها»(١).

تبيّن فيما تقدم أنّ هناك إشكاليات حقيقية أو على الأقل منطقة ضبابية ومشوشة في
ميكانيك الكم وخصوصاً في مسألة الاحتمالية واللايقين، وليس هناك جواب مقنع للجميع
لدى مدرسة بور وهايزنبرج ولا عند غيرهم حول مصير الاحتمالات الأخرى المتوقعة للجسيم أو
الموجة والتي لا تسجل عند الرصد وانهيار دالة الموجة، ولحل هذه الإشكالات طرح طالب
دراسات عليا في جامعة برنستون اسمه هيو افرت Everett()Hugh نظرية الأكوان المتعددة.

«إن أهمية أعمال إيفرت التي نشرت سنة ١٩٧٥، والتي نتناول فيها الفكرة التي تبدو
خيالية في مظهرها، إلا أنه وضعها على أسس رياضية لا تقبل الشك، مستخدما قواعد
نظرية الكم؛ فأن نخمن شيئا عن طبيعة الكون هذا أمر، لكن أن نطور من هذه
التخمينات ونضعها في نظرية للواقعية كاملة ومتسقة مع نفسها فهذا أمر اخر»(٢).

تقع في هذه الأكوان المتعددة كل احتمالات الحدث الأخرى أو لنسميها الواقع البديل وإن
كنا لا نرصد إلا واحداً من تلك الاحتمالات وهو الواقع الذي نعيشه ونراه، فبدل أن يجاب بصورة غير منطقية ويقال: إنّ الاحتمالات الأخرى اختفت عند لحظة الرصد أو تبخرت وإن
لحظة الرصد خلقت أحد الاحتمالات وهو الواقع وأزالت الأخرى وهي الواقع البديل، وبدل أن
يكون للراصد وعملية القياس أثر غير مفهوم في خلق واقع واختفاء آخر، جاء هيو بجواب
مفاده أنّ كل الاحتمالات موجودة في الواقع وتحققت ولكن في عوالم أخرى أو أكوان أخرى أي
لا يوجد أي انهيار لدالة الموجة، وإنما يوجد أكثر من واقع حقيقي وإنما في عوالم وأكوان
مختلفة تظهر في التداخل الذي يمكن قياسه في المستوى الكمي، والذي يحصل عندما نتوجه
بالقياس للجسيم مثلاً هو أننا نختار أحد هذه الصور الواقعية ونشاهدها ونفس عملية
المشاهدة تمنع أن نشاهد ونقيس بقية الصور الواقعية، لهذا فنحن نتمكن من قياس
ومشاهدة إحدى الصور الواقعية،

أي في تجربة الشقين عندما أُرسلَ الكترونٌ واحد نحو الشقين وكانت الشاشة الخلفية
تسجل تداخلاً فقد كان هناك واقعياً جسيم يدخل من الشق الأول وجسيم يدخل من الشق
الثاني، ولكننا عندما نرصد الشقين ونرى الجسيم يعبر من أحدهما فما يحصل هو أننا نرى
ما يحصل في أحد الأكوان وما يحصل في الكون الآخر يحجبه عنا نفس مشاهدتنا للجسيم
الذي رصدناه في الكون الذي شاهدناه.

في الحقيقة، إنّ هذا لا يعني فقط أكواناً متعددة إنما يعني أيضاً أنّ الجسيم الواحد له
أكثر من وجود أي وجود واحد في كل كون على الأقل، وهذا يعني أنّ لنا وجوداً في أكوان أخرى.

ويعني أيضاً وهو الأهم: أنّ السببية عادت إلى ميكانيك الكم وأصبحت الأحداث الكمية
معللة ومنطقية.

«قطة شرودنغر: من الصعب ان نستوعب ماذا نعني عندما نتكلم عن انهيار دالة
الموجة لكل الكون، لكن الامر قد يصبح اسهل كثيرا عندما نرى مدخل إيفرت كخطوة
للامام عند النظر الى مثال أبسط. إن بحثنا عن القطة الحقيقية المختبئة داخل صندوق
شرودنجر المتناقض، يأتي اخيرا الى نهاية، حيث يعطي هذا الصندوق الذي احتاجه
لأستعراض قوة تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم، والمفاجأة أن هذا المسلك
سيؤدي في النهاية ليس الى قطة واحدة بل اثنتين.

تدلنا معادلة مكانيكا الكم أن داخل صندوق تجربة شرودنجر الذهنية الشهيرة
صورتين لدالة موجة (قطة حية) و (قطة ميتة) والاثنتان حقيقيتان على قدم المساواة، وينظر تفسير كوبنهاجن المتفق عليه إلى هذه الاحتمالات من منظور مختلف، ويقول إن
الدالتين في الواقع غير حقيقية بنفس المقدار وإن إحداهما فقط ستتبلور كواقع عندما
ننظر داخل الصندوق، ويتقبل تفسير أيفريت معادلات الكم كلية بكامل وجاهتها،
ويقول إن كلا من القطتين حقيقة واقعة؛ فهناك قطة حية وقطة ميتة، ولكنهما يوجدان
في عالمين مختلفين. وليس الأمر أن الذرة المشعة داخل الصندوق تتفكك أم لا تتفكك،
بل يحدث كل من الحالتين، ونواجه بالقرار بأن العالم ككل - الكون - ينقسم على نفسه
في صورتين متطابقتين من جميع الاوجه، عدا انه في إحدى الصورتين تتفكك الذرة
وتموت القطة، وفي الصورة الأخرى لا تتفكك الذرة وتبقى القطة حية، ويبدو هذا كخيال
علمي، لكنه يذهب أعمق من أي خيال علمي، ومبني على معادلات رياضية لا تقبل الشك
ومتماسكة ولها تتابع منطقي في أن ناخذ ميكانيكا الكم حرفيا»(١).

ففي الحل القديم لهذا الإشكال تكون الحالات أو الاحتمالات متراكبة وكلها متوقعة وعند
الرصد تنفك الحالات عن بعضها وتظهر إحدى الحالات فقط (الواقع) للراصد دون أن يكون
هناك تفسير لاختفاء الحالات أو الاحتمالات الأخرى (الواقع البديل)، وكأنه لا يوجد أي شيء
واقعي في تفسير كوبنهاغن، أما في حل هيو افرت فالحالات أو الاحتمالات كلها تقع ولا تخلق
عملية المشاهدة أو القياس حالة منها دون أخرى حيث عند المشاهدة تكون كل الاحتمالات أو
الحالات واقعة ومخلوقة ولكن في أكثر من كون، وما يتم رصده منها هو الحالة التي في أحد
هذه الأكوان فقط أي إنّ كل الاحتمالات هي واقع في تفسير الأكوان المتعددة ولكن نحن نحصل
على ما نشاهده فقط هذا هو ما يحصل باختصار. وهكذا يمكن أن يكون حل الأكوان المتعددة
وضع حداً لمشكلة الاحتمالات واختفائها أو كما قال اينشتاين: "إن الله لا يلعب النرد".

واضح أنّ تفسير الأكوان المتعددة أكثر منطقية؛ لأنه لا يلغي السببية حيث إنه يعني وجود
أكثر من واقع، ولهذا فنحن عندما نشاهد نختارواقعاً ونتوجه إليه وبهذا يكون جزءاً من كوننا،
وفي تفسير الأكوان المتعددة فإنّ الماضي محدد ولكنه ماضٍ أو تاريخ لأكثر من عالم ومشاهدتنا
تحدد تاريخاً معيناً لكوننا الذي نعيش فيه من بين تلك التواريخ الواقعية وبالتالي تبقى تلك
التواريخ الواقعية كواقع تفرع عنا بسبب المشاهدة، وهذا يعني على الأقل أنّ تشخيصنا لتاريخ
الانفجار العظيم لا يعني أنّ بقية الاحتمالات أو التواريخ اختفت هكذا إلى غير رجعة، ذلك لأنها تواريخ واقعية ولهذا فهي موجودة كأكوان من ضمن كون فائق وكوننا جزء منه أيضاً.

أما المستقبل فمن المستحيل أن نعرفه وفق تفسير الأكوان المتعددة؛ لأنه يتفرع إلى
مسارات عديدة ونحن سنكون في أحدها في لحظٍة ما من المستقبل.

يذكرنا هذا بكلمات نزلت قبل ألف وأربعمائة سنة تقريباً:

﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبتُ وَعندَهُ أُم الْكتَاب﴾.

إنّ الفيزياء اليوم تؤكد صحة القرآن، وتؤكد أكثر صحة منهج آل محمد (عليهم السلام)؛
لأنه لم يفسر هذه الآية بالبداء غيرهم، بل شنع المخالفون على أهل البيت القول بالبداء، وها
نحن بعد أكثر من ألف سنة يثبت ميكانيك الكم صحة ما قاله آل محمد (عليهم السلام) في
البداء.

استخدمت نظرية الأكوان المتعددة كما تقدم للرد على إشكال الثابت الكوني المضبوط
بقدر يسمح بتكون المادة والكون الذي نعيش فيه؛ حيث وجود عدد كبير من الأكوان يوفر
عدداً كبيراً من الاحتمالات وعندها لا يصبح مستغرباً أن يكون أحد هذه الاحتمالات هو كوننا
الذي نعيش فيه وقد بينا ضعف هذا الحل لإشكال ضبط الثابت الكوني.

مبدأ اللايقين في ميكانيك الكم يمثل أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لمن يُنَظّرون لشيء من لا
شيء أو كون من لا شيء، فمبدأ اللايقين يقول: إنّ الفراغ لا يمكن أن يكون خالياً تماماً من
أي تفاوتات كمومية؛ لأنه لو كان كذلك فسيكون هناك موضع حددت قيمته وسرعته وضبط
على الصفر، وهذا يمثل انتهاكاً لمبدأ اللايقين لهايزنبرج والذي يقول: إنه لا يمكن تحديد الموضع
والسرعة أو قيمة المجال ومعدل تغيره معاً وبدقة لكٍمّ ما، أما أهمية هذه النتيجة وهي أنّ
هناك تفاوتات كمومية في الفراغ - بالنسبة لهؤلاء القوم - فهو أن معنى هذا الكلام: إنّ الفضاء
الفارغ من أي شيء ينتج شيئاً في كوننا.

«فالنظرية الكمية، كما رأينا في الفصل الثاني، تعني ان أي مجالات لا يمكن أن
تكون صفرا بالضبط، حتى فيما يسمى بالفراغ، ذلك انها لو كانت صفرا، سيكون لها معا
قيمة أو موضع مضبوط عند الصفر، وكذلك معدل مضبوط للتغير أو السرعة هو أيضا صفر.
وهذا انتهاك لمبدا عدم اليقين الذي يقول أن الموضع والسرعة لا يمكن ان يكونا معا
محددين بدقة. وبدلا من ذلك يجب ان يكون لأي مجال قدر معين مما يسمى تراوحات
الفراغ (بالطريقة نفسها التي يكون بها للبندول تراوحات لنقطة الصفر، كما ورد في الفصل
الثاني). يمكن لنا تفسير تراوحات الفراغ بطرائق عديدة تبدو مختلفة وإن كانت في الحقيقة
متكافئة رياضيا. ومن وجهة نظر الوضعيين، نجد أن للمرء حرية استخدام أي صورة تكون
هي الأكثر فائدة بالنسبة إلى المشكلة موضع البحث. وفي هذه الحالة سيكون من المفيد
أن ننظر إلى تراوحات الفراغ كأزواج من جسيمين افتراضيين يظهران معا عند نقطة ما من
المكان-الزمان، ويتحركان متباعدين، ثم يعودان ليجتمعا معا ويبيد أحدهما الاخر. وكلمة
أفتراضية هنا تعني ان هذه الجسيمات لا يمكن ملاحظتها على نحو مباشر، ولكن يمكن
قياس تأثيراتها غير المباشرة، وهي تتفق مع التنبؤات النظرية بدرجة ملحوظة من
الدقة»(١).

والحقيقة، إنه حتى وإن ثبت تجريبياً أنّ الفراغ في كوننا ينتج شيئاً من لا شيء فلا يمكن
في حدود كوننا أن يـُحدد سبب حقيقي لكون الفراغ أنتج شيئاً من لا شيء أو الكموم التي تظهر
وتختفي في الفراغ، وقد مرت الإشكالات على ميكانيك الكم وعلى الاحتمالية ومبدأ الريبة أو
اللايقين وكان أحد الحلول هو حل هيو بفرض وجود أكوان متعددة وأن الاحتمالات التي لا
تتحقق في كوننا تتحقق في كون آخر.

إذن، فبعض علماء الفلك والفيزياء النظرية من أمثال ستيفن هوكنج ولورانس كرواس
وغيرهم من المتحمسين لمقولة: (شيء من لا شيء)، والتي على أساسها قالوا: إنّ الكون ظهر
من العدم دون الحاجة إلى إله قد بنوا بنيانهم على أمر فلسفي في ميكانيك الكم وغير محسوم
ولا يوجد أي دليل عليه وهو إلغاء السببية، مع العلم أنه يوجد منافس قوي وهو فرضية
الأكوان المتعددة وأنّ الجاذبية غير المعللة مثلاً يمكن أن تكون أثراً آتياً من كون آخر، وكذلك
التفاوتات الكمومية في كوننا الذي نعيش فيه فلا مانع أن تكون هذه التفاوتات الكمومية عبارة عن آثار تصلنا من أكوان أخرى.

كما أنّ هؤلاء الذين يريدون إثبات عدم حاجة الكون لشيء آخر من خارجه ليبدأ
يحتاجون لحل إشكالية الثابت الكوني وإشكالية الاحتمالية - في وجود كوننا - إلى فرض الأكوان
المتعددة السابق ذكرها، وفرضيات الأكوان المتعددة يمكن أن تتعارض مع مبدأ إلغاء السببية
في ميكانيك الكم حيث سيكون من السهل أن نقول: إنّ التفاوتات الكمومية للفراغ إنما هي
آثار لكون ملاصق لكوننا أو لقوى عابرة للأكوان المتعددة، وبهذا يكون بنيان ستيفن هوكنج
ولورانس كرواس وغيرهم فيما يخص الإلحاد بنياناً هار ياً متناقضاً علمياً.

عندما يقال: إنّ الكون نشأ من انفجار عظيم لنقطة تفرد (ytiralugnis)، فمعنى هذا أنّ
الكون نشأ في البداية مما يشبه الثقب الأسود أو تحديداً مركز ثقب أسود، حيث لو أننا أعدنا
الكون إلى بدايته المحتملة حسب النموذج القياسي أي أن نرجع الكواكب والنجوم والمجرات
وكل شيء في الكون في عملية انكماش إلى بدايتها حيث الزمن صفر فسيكون لدينا حجم صفر
حيث لا مادة ولا فضاء ولا زمن وكثافة عالية جداً وقوة جذب عظيمة، أي باختصار تكون
لدينا مفردة وعند المفردة تنهار قوانين الفيزياء الحالية، وبهذا فلا توجد قوانين تتنبأ بما يحدث
من المفردة بدقة.

ولكي أقرّب فكرة الانفجار العظيم فسنمر على الثقب الأسود ففي مركزه أيضاً نقطة تفرد،
وسنمر على مسيرة الثقب الأسود نحو نهايته بالانفجار كما يتوقع بعض علماء الفيزياء النظرية،
وسأكرر التعريف بالثقب الأسود فهو:

إما كتلة مادية تعرضت لضغط هائل محيط بها وخارج عنها في بداية نشوء الكون تسبب
في تكثفها بشكل هائل حتى أصبحت في النهاية ثقباً أسوداً صغيراً وهذا النوع يُسمى ثقب أسود
بدائي، وهذا النوع هو نوع افتراضي حيث لا توجد أدلة ملموسة قوية على وجوده حتى الآن.

أو أنّ الثقب الأسود عبارة عن نجم كبير تقلص حتى انهار على نفسه بسبب جاذبيته الكبيرة
عند نفاد وقوده النووي.

فعند فقد النجم لقوة الانفجارات النووية التي تحافظ على حجمه بمقاومتها لجاذبيته
تتغلب الجاذبية الذاتية وتسبب تقلص النجم وانهياره بشكل كامل وتحدب الزمكان بشكل
كامل، وحجم الثقب الأسود الافتراضي يعتمد على كتلته ودورانه، ولا يفلت من الثقب الأسود
أي جسم يدخل أفق الحدث وهو الحد الذي تفشل فيه أشعة الضوء من الفرار بعيداً عن
الثقب الأسود، ومعلوم أنّ أعظم سرعة معروفة علمياً حتى الآن هي سرعة الضوء والتي تعتبر
ثابتاً كونياً. وبعد أفق الحدث مباشرة إلى خارج الثقب الأسود توجد منطقة فضاء افتراضي
تؤثر فيها قوى الجاذبية والكهرومغناطيسية فتكون فيها تذبذبات أو تفاوتات كمومية وهي عبارة
عن أزواج جسيمات تقديرية تظهر معاً ويفني بعضها بعضاً، وبهذا فهي كشيء يطل بوجهه من
العدم دون أن يظهر حقيقة، وهذه الجسيمات أو الطاقات الموجبة والسالبة التقديرية يمكن
أن يسقط بعضها في الثقب الأسود مكونة جسيمات حقيقية أو مضادة ذات طاقة سالبة
داخل الثقب الأسود لشدة جذب الثقب الأسود وبالتالي قد ينشأ أيضاً من الجسيم التقديري
المقابل للجسيم الساقط في الثقب الأسود جسيم حقيقي إما أن يتبع صاحبه ويسقط في
الثقب الأسود أو أن تمكنه طاقته الموجبة ليتحرر بعيداً عن الثقب الأسود مكوناً جسيماً
حقيقياً، وهذا هو الاشعاع المنبعث من الثقب الأسود، وبهذا تكون الطاقة الموجبة المنبعثة
من جهة الثقب الأسود إلى الخارج قد عودلت بجسيمات تحمل طاقة سالبة إلى داخل الثقب
الأسود تُنقص من كتلته المفترضة حسب معادلة اينشتاين التي تنص على أنّ الطاقة تساوي
)𝑬 = 𝒎𝒄𝟐
الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء (وبهذا ينقص انتروبي الثقب الأسود،
ولكن نقص انتروبي)entropy(الثقب الأسود يعوض بانتروبي الاشعاع المنبعث من جهة
الثقب الأسود وبزيادة حرارة الثقب الأسود وهذا متوافق مع القانون الثاني للديناميك
الحراري حيث إنّ: (أي تغير يحدث تلقائياً في نظام فيزيائي لابد وأن يصاحبه ازدياد في مقدار
انتروبيته) أو (في دورة عكوسة يكون الإنتروبي ثابتاً، بينما في دورة غير عكوسة فلابد له من
أن يزداد).

والانتروبي: هو مقياس كمية الاضطراب في النظام.

وبحسب قانون الداينمك الحراري الثاني:

ففي النظام المغلق لا يمكن للانتروبي أن يقل، كما أنّ الانتروبي الكلي لنظامين لا ينقص عند حدوث تبادل حراري بين النظامين.

والانتروبي يقل في نظام يفقد الحرارة ويزيد في نظام يكتسب الحرارة.

وفي حالة الثقب الأسود الذي يفقد من كتلته - إذا كان مشعاً - وينقص الانتروبي فيه
فبما أنه نظام غير عكسي فلابد أن يزداد فيه الانتروبي وهذا يحصل أولاً بالجسيمات التي
تنطلق خارجاً عنه معادلة النقص وبزيادة حرارته لتكون هناك زيادة في الحصيلة النهائية
للانتروبي وبهذا لا يخرق القانون الثاني للدينامك الحراري.

وهكذا فإنه مع ديمومة هذه العملية فإننا سنصل في النهاية إلى ثقب أسود كتلته متناهية
الصغر وحرارته هائلة تكاد تكون لا متناهية، يقول ستيفن هوكنج:

«وليس من الواضح تماما ماذا يحدث عندما تصبح كتلة الثقب الاسود في النهاية
بالغة الصغر وعلى ان اكثر تخمين معقول هو انه سيختفي تماما في تفجر هائل ونهائي
مشع يعادل انفجار ملايين القنابل الهدروجينية»(١).

بحسب الانفجار العظيم الكون بدأ بمفردة تشبه المفردة التي في قلب الثقب الأسود،
فالكون بدأ بمفردة بحجم يساوي صفراً ولم يكن هناك فضاء ولا ما يعرف بالأبعاد الأربعة
وحرارة هائلة وكثافة هائلة، وبالتالي فهناك قوة جاذبية تسببت في النهاية بانفلات الطاقة ومن
ثم حدوث انفجار عظيم - كما في حالة الثقب الأسود المتقدمة - أدى لنشوء الكون وخلال
مليارات السنين وصل للشكل الذي نرصده اليوم.

«وفي ١٩٦٥ قرأت عن نظرية بنروز من ان أي جسم يخضع للتقلص بالجاذبية يجب
في النهاية أن يكون مفردة. وسرعان ما تبينت أن المرء لو عكس اتجاه الزمان في نظرية
بنروز، بحيث يصبح التقلص تمددا،فأن شروط نظريته تظل صالحة، بفرض أن الكون
مشابه بالتقريب لنموذج فريدمان بالمقاييس الكبيرة في الوقت الحالي، ونظرية بنروز قد بينت أن أي نجم يتقلص (يجب) أن ينتهي بمفردة. ولا أسباب تقنية، تتطلب نظرية بنروز
أن يكون الكون لا متناهيا في المكان. وهكذا فقد امكنني في الحقيقة استخدامها لإثبات
ان المفردة لا تكون مما ينبغي إلا لو كان الكون يتمدد بالسرعة الكافية لتجنب تقلصه
ثانية (حيث ان هذا النوع من نماذج فريدمان هو الوحيد اللامتناهي في المكان).

وأثناء السنوات القليلة التالية أنشات تقنيات رياضية جديدة لأتغلب على هذا هو
وغيره من الشروط التقنية في النظريات التي تثبت أن المفردات يجب ان تقع. وكانت
النتيجة النهائية هي ورقة بحث مشتركة - لبنروز ولي في عام ١٩٧٠، أثبتت في النهاية انه
لابد من ان مفردة انفجار كبير كانت موجودة، وذلك مشروط فقط بأن تكون النسبية
العامة صحيحة وأن يحوي الكون من المادة قدر ما نلاحظ. وكان ثمة معارضة كبيرة
لبحثنا، كانت في جزء منها من الروس بسبب ايمانهم الماركسي بالحتمية العلمية، وفي
جزء اخر من أناس يحسون أن فكرة المفردات كلها فكرة منفرة تفسد جمال نظرية
اينشتين. على ان الواحد لا يستطيع حقا ان يجادل نظرية رياضية، وهكذا فان عملنا
أصبح في النهاية مقبولا بصورة عامة واصبح كل فرد تقريبا في يومنا هذا يفترض أن الكون
قد بدأ بمفردة انفجار كبير. ولعل مما يثير السخرية أنني وقد غيرت رأي، فإني أحاول الان
اقناع الفيزيائيين الاخرين بأنه لم يكن هناك في الحقيقة مفردة عند بدأ الكون - وكما
سنرى فيما يلي، فإن المفردة يمكن ان تختفي ما ان تؤخذ تأثيرات الكم في الحسبان»(١).

فيما تقدم تبين أنّ النظرية التقليدية لتفسير نشوء وبداية الكون تنتهي إلى نقطة تفرد،
فهي في الحقيقة تصل إلى نهاية مشوشة بالنسبة لبداية الكون حيث إنّ النسبية وقوانين
الفيزياء تنهار عند المفردة، وبهذا لا يمكن الانطلاق من المفردة نفسها لتوقع ما يحدث بعدها
مباشرة بدقة؛ لأنه لا توجد قوانين تحكم المفردة كما أنّ المفردة نفسها تدفع للتساؤل عما
قبلها، وبما أنّ قوانين الفيزياء توقفت عندها فلا يتوقع أن تكون هناك إجابات علمية شافية
وكافية لما قبلها.

ولهذا حاول هوكنج أن يطرح كوناً له بداية ولكنها غير حدية لكي يلغي السؤال الذي يقول
فماذا قبل البداية، فالبداية بحسب هذا الطرح هي بداية وفي نفس الوقت ليست حداً ليقال
ما الذي كان قبلها فالذي قبلها هو الكون نفسه، فما يطرحه هوكنج هو أنّ الزمان كلما نظرنا
إلى بداية الكون يختفي ويصبح بعداً مكانياً إضافياً، وبهذا لا يكون في البداية زمان ليكون
للسؤال عن الماضي الذي سبق البداية معنى، ويصبح الكون مستغنياً بذاته ومعتمداً على
الاحتمالات الواردة من داخله.

وهكذا يكون قد تجنب فرض نقطة التفرد التي تنهار عندها القوانين الفيزيائية وأصبحت
لديه بداية سلسلة للكون - كما يعتقد - تعمل عندها قوانين الفيزياء كميكانيك الكم، وفي
نفس الوقت تخلص من السؤال الملح ماذا كان قبل الكون أو من الذي بدأ الكون، وهكذا
جعل الكون مكتفياً بنفسه ولا يحتاج أحداً من الخارج ليبدأه حسب تصوره.

«يبدو الزمان التخيلي وكانه شيء اتى من رواية خيال علمي ولكنه مفهوم رياضي محدد
جيدا فهو قياس للزمان بما يسمى الأرقام التخيلية. يستطيع المرء ان ينظر إلى الأرقام
العادية الواقعية (١، ٢، ٣...) على انها تناظر مواقع على خط يمتد من اليسار الى اليمين:
الصفر في الوسط والأرقام الإيجابية الواقعية الى اليمين والأرقام السلبية إلى اليسار
ويمكننا بعدها ان نمثل الأرقام التخيلية على انها تناظر مواقع على خط رأسي: الصفر مرة
أخرى في الوسط بينما ترسم الأرقام التخيلية الإيجابية الى الأعلى والسلبية الى الأسفل،
وبالتالي فأنه يمكن النظر الى الأرقام التخيلية على انها نوع جديد من الأرقام التي تتعامد
مع الأرقام العادية الواقعية وحيث أنها إنشاء رياضي فإنها لا تحتاج إلى تحقق فيزيقي،
فنحن لا نستطيع ان يحوز الواحد منا عددا تخيليا من البرتقالات او بطاقة ائتمان تخيلية
لدفع المشتريات.

وربما يعتقد المرء أن هذا يعني ان الأرقام التخيلية هي مجرد لعبة رياضية لا علاقة
لها بالعالم الواقعي. إلا انه من وجهة نظر الفلسفة الوضعية لا يستطيع المرء أن يحدد ما
هو الواقعي، وكل ما نستطيعه هو ان نعثر على النموذج الرياضي الذي يوَِصف الكون
الذي نعيش فيه. وقد ثبت في النهاية أن نموذجا رياضيا يتضمن الزمان التخيلي لا يقتصر
على ان يتنبا فحسب بظواهر قد لاحظناها من قبل وإنما يتنبا بظواهر لم نستطع بعد
قياسها وإن كنا نؤمن بها لأسباب أخرى وإذن فما هو الواقعي وما هو التخيلي؟ هل هذا
التمييز موجود فحسب في عقولنا؟.

تجمع نظرية اينشتاين الكلاسيكية (أي اللاكمية) عن النسبية العامة الزمان الواقعي مع أبعاد المكان الثلاثة في زمكان من أربعة أبعاد إلا أن أتجاه الزمان الواقعي يتميز فيها
عن الابعاد الثلاثة المكانية فخط العالم او تاريخ احد الملاحظين يتزايد دائما مع اتجاه
الزمان الواقعي (بمعنى ان الزمان يتحرك دائما من الماضي الى المستقبل) ولكنه يمكن
أن يزيد او يقل في أي من الاتجاهات الثلاثة المكانية وبكلمات أخرى يستطيع المرء ان
يعكس اتجاهه في المكان ولكن ليس في الزمان ومن الناحية الأخرى حيث أن الزمان
التخيلي يتعامد على الزمان الواقعي فإنه يسلك وكانه بعد مكاني رابع وبالتالي فإنه يمكن
ان يكون له مدى من الإمكانات اغنى كثيرا من خط السكة الحديد للزمان العادي الواقعي
الذي لا يمكن ان يكون له إلا بداية او نهاية او ان يدور في حلقات وهذا المعنى التخيلي
هو الذي يكون فيه للزمان شكل»(١).

“Time, however, seemed to be like a model railway track. If it had a beginning,
there would have to have been someone (i.e., God) to set the trains going.”

«الزمن، يبدو كنموذج لمسار السكة الحديدية. اذا كان لها بداية، كان يجب ان
يكون لها احد (مثلا، الله) ليبدأ سير القطار».

“Although Einstein’s general theory of relativity unified time and space as

space-time and involved a certain mixing of space and time, time was still different
from space, and either had a beginning and an end or else went on forever. However,
once we add the effects of quantum theory to the theory of relativity, in extreme cases
warpage can occur to such a great extent that time behaves like another dimension

of space.”

«رغم ان نظرية اينشتاين النسبية العامة وحدت الزمان والمكان كزمكان ووفرت
مستوى من الخلط في المكان والزمان، لكن الزمان مازال مختلفا عن المكان، وكلاهما
له بداية ونهاية والاذهبت الى الابد. على كل، عندما نضيف تاثير النظرية الكمية الى
نظرية النسبية، في الحالات المتطرفة فان نسيج الزمكان ينحني ويتشوه الى درجة كبيرة
بحيث ان الزمن يتصرف كبعد اخر للمكان».

“In the early universe-when the universe was small enough to be governed by both general relativity and quantum theory-there were effectively four dimensions
of space and none of time. That means that when we speak of the “beginning” of the
universe, we are skirting the subtle issue that as we look backward toward the very

early universe, time as we know it does not exist!”

«في الكون المبكر- عندما كان الكون صغيرا بما يكفي ليخضع لكلا من النظرية
النسبية والنظرية الكمية- كان هناك اربع ابعاد مؤثرة للمكان ولا شيء للزمان. هذا يعني
اننا عندما نتكلم عن "بداية" الكون، فنحن نتحاشى مسالة غاية في الارباك فكلما ننظر
للخلف نحو بداية الكون المبكرة فان الزمان كما نعلمه لم يكن موجودا!».

“We must accept that our usual ideas of space and time do not apply to the very

early universe. That is beyond our experience, but not beyond our imagination, or
our mathematics. If in the early universe all four dimensions behave like space, what

happens to the beginning of time?”

«علينا ان نقبل ان افكارنا العادية عن المكان والزمان لا تنطبق على الكون المبكر
جدا. هذا بعيد عن خبرتنا، لكن ليس مستبعدا من تصوراتنا، او رياضياتنا. اذا كان في
الكون المبكر كل الابعاد الاربعة تتصرف كالمكان، فماذا حصل لبداية الزمان؟».

“The realization that time can behave like another direction of space means one

can get rid of the problem of time having a beginning, in a similar way in which we

got rid of the edge of the world.”

«ادراك ان الزمان يمكن ان يتصرف كاتجاه اخر للمكان يعني ان الشخص يمكنه
التخلص من مشكلة ان الزمان له بداية، بطريقة مشابهة لكيفية تخلصنا من مشكلة
حافات العالم».

“Suppose the beginning of the universe was like the South Pole of the earth,

with degrees of latitude playing the role of time. As one moves north, the circles of
constant latitude, representing the size of the universe, would expand. The universe
would start as a point at the South Pole, but the South Pole is much like any other

point.”

«افرض ان بداية الكون كانت كالقطب الجنوبي للارض مع درجات خط العرض تلعب دور الزمان. عندما يتم التحرك شمالا فان دوائر خط العرض الثابتة (التي تمثل حجم
الكون) سوف تتوسع. الكون سوف يبدا كنقطة في القطب الجنوبي، لكن القطب الجنوبي
هو كاي نقطة اخرى.»

“To ask what happened before the beginning of the universe would become a

meaningless question, because there is nothing south of the South Pole. In this
picture space-time has no boundary-the same laws of nature hold at the South Pole
as in other places. In an analogous manner, when one combines the general theory
of relativity with quantum theory, the question of what happened before the
beginning of the universe is rendered meaningless. This idea that histories should be

closed surfaces without boundary is called the no-boundary condition.”

«السؤال عما حدث قبل بدء الكون قد يكون سؤالا بدون معنى، لانه لا يوجد شيء
جنوب القطب الجنوبي. في هذه الصورة الزمكان ليس له حدود (نفس قوانين الطبيعة
التي تحكم القطب الجنوبي تحكم في اماكن اخرى). بطريقة مماثلة، عندما يتم دمج
النظرية النسبية العامة مع النظرية الكمية، فان السؤال عما حدث قبل بداية الكون
يكون بدون معنى. فكرة ان التواريخ يجب ان تكون سطوح مغلقة بدون روابط يطلق
.»)no-boundary condition(حدود. اللا حالة عليها

“Over the centuries many, including Aristotle, believed that the universe must

have always existed in order to avoid the issue of how it was set up. Others believed
the universe had a beginning, and used it as an argument for the existence of God.

The realization that time behaves like space presents a new alternative.”

«عبر عدة قرون، كثيرون ومنهم ارسطو امنوا بان الكون كان موجودا دائما لكي
يتجنبوا قضية كيفية تكوينه. اخرون امنوا بان الكون يجب ان تكون له بداية،
واستعملوها كنقاش لوجود الله.

ادراك ان الزمان يتصرف كالمكان تقدم بديلا جديدا».

“It removes the age-old objection to the universe having a beginning, but also

means that the beginning of the universe was governed by the laws of science and

doesn’t need to be set in motion by some god.”

«انها تلغي الاعتراض القديم على ان للكون بداية، لكنها ايضا تعني ان بداية الكون
كانت محكومة بقوانين العلم ولم يكن الكون بحاجة الى رب ما ليبدأ.»

“We are the product of quantum fluctuations in the very early universe. If one
were religious, one could say that God really does play dice.”

«نحن ناتج عملية تفاوتات كمية في مراحل نشوء الكون المبكرة. لوكان هناك
متدينين لقالوا حقا ان الله يلعب بالنرد»(١).

هوكنج ليحل إشكالية الاحتمالية في أن يظهر كوننا بالذات للوجود افترض تعدد
الاحتمالات بناءً على نفس مبدأ اللايقين في ميكانيك الكم، فكما بينا سابقاً أنّ جسيماً كمياً
يتجه لصفيحة فيها عدة ثقوب يمكن أن يدخل من كل تلك الثقوب في وقت واحد بحسب
ميكانيك الكم طالما لم يكن هناك مشاهد، وهكذا الأمر بالنسبة للبداية الكونية فبما أنها
حدث كمي فهي إذن تنطلق بكل الاتجاهات المحتملة والنتيجة ستكون تعدد الأكوان الممكنة
والتي من ضمنها كوننا الذي وجدنا أنفسنا فيه ونحن نرصده.

“In this view, the universe appeared spontaneously, starting off in every

possible way. Most of these correspond to other universes. While some of those
universes are similar to ours, most are very different. They aren’t just different in
details…………… but rather they differ even in their apparent laws of nature. In fact,

many universes exist with many different sets of physical laws”

«بناء على ذلك، يتبين ان الكون انطلق تلقائيا بكل الاتجاهات. واغلب هذه
الاتجاهات مرتبطة باكوان اخرى. والتي بعضها مشابه لكوننا ولكن اغلبها تختلف عنه.
وهذا الاختلاف ليس فقط في التفاصيل ولكن الاختلاف يمتد الى قوانين الطبيعة الظاهرة.

في الحقيقة هناك عدة اكوان موجودة وتختلف فيما بينها كثيرا في نظم القوانين
الفيزيائية»(٢).

«على أنني ادركت انا وزميلي جيم هارتل أن هناك إمكانا ثالثا، فمن الجائز أن الكون
ليس له حد في المكان والزمان. سيبدو لأول وهلة أن هذا يتناقض مباشرة مع المبرهنات
التي اثبتها انا وبنروز، والتي أوضحت ان الكون لابد ان تكون له بداية، أي حد للزمان.
إلا ان هناك نوعا اخر من الزمان، كما سبق ان أوضحت في الفصل الثاني، وهو الزمان
التخيلي الذي يتعامد على الزمان العادي الواقعي الذي نحس بمروره. وتاريخ الكون في
الزمان الواقعي يحدد تاريخه في الزمان التخيلي، والعكس بالعكس، ولكن نوعي التاريخ
يمكن ان يختلفا جدا. وبوجه خاص، فإن الكون مما لا يلزم ان تكون له بداية أو نهاية في
الزمان التخيلي. يسلك الزمان التخيلي ما يماثل تماما اتجاها اخر في المكان. وبالتالي،
فإنه يمكن التفكير في تواريخ الكون في الزمان التخيلي كأسطح منحنية،هي مثل الكرة،
أو مستوية، أو في شكل سرج، ولكنها أسطح لها أربعة ابعاد بدلا من بعدين.

إذا كانت تواريخ الكون تمضي الى اللانهائية، مثل السرج او مثل سطح مستو،
فسيكون لدينا مشكلة تعيين ما كانت عليه الظروف الحدية عند اللانهاية. ولكننا نستطيع
ان نتجنب تماما ان يكون علينا ان نعين أي ظروف حدية إذا كانت تواريخ الكون في
الزمان التخيلي اسطحا مغلقة، مثل سطح الأرض. فسطح الأرض ليس له أي حدود ولا
احرف، وليس لدينا أي تقارير يوثق بها عن تساقط الناس خارج الأرض.

إذا كانت تواريخ الكون في الزمان التخيلي هي حقا اسطح مغلقة، كما طرحنا انا
وهارتل، فإن هذا يكون له دلالات أساسية في الفلسفة، وفي تصورنا عن الكون الذي اتينا
منه. سيكون الكون عندها مكتفيا ذاتيا بالكامل (وهو لا يحتاج لأي شيء من خارجه يدير
زنبركا فيه ليعمل وبدلا من ذلك سيتحدد كل شيء فيه حسب قوانين العلم ورميات النرد
من داخله). وربما بدأ في ذلك تجاوز لفروض تقليدية، إلا ان هذا هو ما أفترضه أنا وكثيرون
غيري من العلماء.

ولكن، حتى لو كان الظرف الحدي للكون هو أنه بلا حد، فأنه لن يكون لديه تاريخ
وحيد لا غير. سيكون لديه تواريخ عديدة كما طرح فينمان، وسيكون هناك تاريخ في
الزمان التخيلي يناظر كل سطح مغلق ممكن، وكل تاريخ في الزمان التخيلي سوف يحدد
تاريخا في الزمان الواقعي. وبالتالي سيكون لدينا وفرة فائقة من الاكوان الممكنة. ما الذي
يتخير بالذات الكون الذي نعيش فيه من بين سائر الاكوان الممكنة كلها؟ إحدى النقاط
المهمة التي يمكن لنا أن نلاحظها هي ان الكثير من التواريخ الممكنة للكون لن تمر
بالسلسلة المتعاقبة التي تتشكل فيها المجرات والنجوم، وهي سلسلة ضرورية لنشأتنا
نحن. وإذا كان من الجائز إمكان تطور كائنات ذكية من غير مجرات ونجوم، إلا ان هذا
يبدو من غير المرجح. ومن ثم، فإن حقيقة أننا موجودون ككائنات نفسها تتساءل (لماذا يكون الكون بما هو عليه؟)لهي قيد على التاريخ الذي نعيش فيه. فهي تتضمن أنه واحد
من التواريخ قليلة العدد التي فيها مجرات ونجوم. وهذا مثل مما يسمى المبدأ الإنساني.
ويقول المبدا الإنساني إن الكون يجب ان يكون تقريبا كما نراه، لأنه لو كان مختلفا لما
وجد أحد ليلاحظه. يكره علماء كثيرون المبدأ الإنساني لأنه يبدو غامضا نوعا، كما لا تظهر
له قدرة كبيرة على التنبؤ. إلا ان المبدأ الإنساني يمكن ان تعطى له صياغة دقيقة، ويبدو
انه مبدأ أساسي عند تناول اصل الكون. تتيح نظرية - إم التي وصفت في الفصل الثاني
عددا كبيرا جدا من التواريخ الممكنة للكون. ومعظم هذه التواريخ ليست ملائمة لنشأة
حياة ذكية، فهي إما خاوية، أو تبقى لزمن قصير قصرا اكثر مما ينبغي، وإما هي منحنية
بأكثر مما ينبغي، وإما فيها خطأ ببعض طريقة أخرى. ومع ذلك فإنه حسب فكرة ريتشارد
فينمان عن التواريخ المتعددة، فإن هذه التواريخ غير المأهوله قد يكون لها احتمال كبير
نوعا»(١).

“Some histories will be more probable than others, and the sum will normally

be dominated by a single history that starts with the creation of the universe and
culminates in the state under consideration. But there will be different histories for
different possible states of the universe at the present time. This leads to a radically

different view of cosmology, and the relation between cause and effect.”

«بعض الاحداث لها احتمالية حدوث اعلى من غيرها والنتيجة ستكون عادة تحت
هيمنة حدث واحد يبدا مع خلق الكون وتبلغ اوجها في حالة الكون موضع الاعتبار. ولكن
سيكون هناك احداث مختلفة لعدة حالات مختلفة محتملة الحدوث بالنسبة للكون في
وقتنا الحالي. هذا يؤدي الى وجهات نظر مختلفة جذريا في علم الفلك وكذلك العلاقة بين
السبب والتاثير».

“The histories that contribute to the Feynman sum don’t have an independent

existence, but depend on what is being measured. We create history by our

observation, rather than history creating us.”

«الاحداث التي تساهم في نظرية فينمان ليس لها وجود مستقل عن بعضها لكن
تعتمد على ما تم قياسه. نحن نخلق الاحداث من خلال مشاهداتنا وليس الاحداث هي التي تخلقنا».

“The idea that the universe does not have a unique observer-independent

history might seem to conflict with certain facts we know… That might sound like

science fiction, but it isn’t.”

«فكرة ان الكون ليس عنده احداث متفردة مستقلة عن المراقب قد تبدو متعارضة
مع بعض الحقائق التي نعرفها.................. قد يبدو هذا كخيال علمي ولكنه ليس
كذلك»(١).

على فرض أنّ هناك تواريخ متعددة واحتمالات متعددة للكون وقد ناقشنا هذا الأمر
سابقاً، فأعتقد أنه مجرد افتراض أنّ التواريخ المتعددة أو الاحتمالات المتعددة الأخرى للكون
تتبخر وتختفي لمجرد أننا وجدنا هنا لنرصد الكون يجعل لوجودنا أهمية لا تتناسب مع ما
يفترضه الإلحاد، وأكرر هنا ما قلته سابقاً:

(إذا كان انهيار دالة الموجة سببه المشاهد أو تسجيل الحدث الكمي من قبل الملاحظ كما
في تفسير كوبنهاجن فهذا يعني أنه لولا وجود الإنسان أو الكائن الذكي لما كان هناك كون،
فالكون يدين بوجوده لمشاهدتنا له حيث إنّ الكون كله عبارة عن منظومة لها دالة موجية
واحتمالات كثيرة وإنما هو موجود فقط عندما نشاهده وتنهار دالة الموجة ويتشخص في الواقع،
وهذه المسألة تعني أننا نحن البشر أو لنقل الذكاء يمثل المحور الذي وجد من أجله الكون)،

«نحن نخلق الاحداث من خلال مشاهداتنا وليس الاحداث

وبالتالي فمقولة هوكنج المتقدمة:

هي التي تخلقنا»

، لا تنفعه في إثبات أنّ الكون ليس بحاجة لإله؛ لأنها باختصار جعلتنا شرطاً
لوجود الكون بأسره أي إنّ الكون وجد لأجلنا أي إننا هدف وهناك هادف، وقد ناقشت مسألة
كوننا نخلق الأحداث في موضوع: (نشاهد الأشياء أم نخلقها بالمشاهدة).

وكما يمكننا القول بأنّ نسبة من هذه الاحتمالات وإن كانت ضئيلة صالحة لتتكون فيها
المادة ثم لتنشأ فيها حياة ذكية تقوم برصدها. إذن، فهذه الأكوان أو بعضها لابد أن يكون موجوداً وتلك الكائنات تقوم برصدها وإلا فما ميزتنا نحن وما ميزة كوننا الذي نرصده عن
أولئك وعن أكوانهم التي يرصدونها.

إذن، فلا مناص هنا من فرض تعدد الأكوان حقيقة، وتعدد الأكوان بحد ذاته كاٍف لنقض
الغزل من أساسه حيث يمكن فرض أنّ التفاوتات الكمومية للفراغ التي من المفروض أنها
أوجدت الكون الحالي هي من تأثيرات أكوان أخرى.

أما المبدأ الإنساني فلا يحل إشكال ظهور كوننا بالذات، بل ربما يعقد الأمر أكثر بالنسبة
لمن يريدون إنكار وجود الإله وتدخله في إيجاد الكون؛ حيث إنّ المبدأ الإنساني يجعل وجودنا
الأهم على مستوى الكون ككل ويجعلنا هدف وجود الكون الأول، وهذا يثبت وجود الإله.

فلأننا هنا ولأننا أذكياء ونرصد، ماذا نفهم منها مثلاً؟!

وفي كل حال، فإنّ أي فرض يجعل لوجودنا أثراً فيما نرصد أي في حالتنا هذه رصدنا مؤثر
في الكون نفسه ستكون النتيجة المستخلصة منه أنّ الكون لا معنى لوجوده بدون وجودنا
نحن الذين قمنا برصده؟! وسيكون هذا الأمر بحد ذاته دلالة واضحة على أنّ الكون وجد من
أجلنا؟!

كما أنّ فرض هوكنج ليبدأ ويكون الكون مستغنياً بذاته وبرميات النرد من داخله كما
يقول هوكنج سيحتاج من قبل أن يتوفر له فضاء مهما كان متناهياً في الصغر (وحتى لو كان
مفردة كما في الفروض الأخرى) لنحصل على تفاوتات كمومية تخرج الكون إلى الوجود، وهذا
ينقل السؤال عن البداية لما قبل هذا الفضاء، فأما أن يكون هذا الكون الأولي (الفضاء
والتفاوتات الكمومية) حادثاً وعندها سيكون هناك من أوجد الكون ولن يكون الكون مكتفياً
بنفسه، أو يكون قديماً ولكنه في نفس الوقت محلاً للحوادث وهذا محال؛ لأن ما كان محلاً
للحوادث فهو حادث، وبهذا تبقى الحاجة لفرض الإله بحسب الطرح المتقدم، وتبقى الحاجة
للرب، وإن لم تكن هذه الحاجة على مستوى الطاقة والمادة الكونية فهي تبقى على مستوى
الفضاء الكوني المؤهل لظهور التفاوتات الكمومية فيه مهما كان هذا الفضاء متناهياً في
الصغر.

هذا إضافة إلى أنّ نفس هذه التفاوتات الكمومية غير معللة وإنما فقط مبدأ اللايقين يقرر وجودها دون معرفة سببها ومصدرها، وإذا كنا نحن لم نجد لها مصدراً من كوننا فهذا
لا يعني أنها غير معللة بل غاية ما في الأمر أنّ مصدرها ممكن أن يكون من خارج كوننا، وقد
ناقشنا هذا الأمر سابقاً وأوضحنا أنّ فرض الأكوان المتعددة هو الصحيح.

والأكوان المتعددة بالنسبة لنا لها مراتب وجودية مختلفة ويستحيل التطابق التام بين
اثنين منها، كما وأنّ بعضها مخلوق من بعض ويؤثر بعضها في بعض.

فكرة الوتر كأساس لبناء الكون تقوم على أساس أكثر دقة، أي أننا لو نظرنا بدقة أكبر
من المتوفرة حالياً إلى جسيمات بناء الكون الأولية سنجدها عبارة عن أوتار متذبذبة وكل وتر
يتذبذب بصورة معينة تشخصه، فالالكترون وتر والكوارك وتر وكذا جسيمات القوى الأربعة
عبارة عن أوتار فجسيم قوة الجاذبية الكرافيتون عبارة عن وتر وهكذا.

وتعتبر نظرية الأوتار محاولة لتوحيد قوى الطبيعة الأربعة، فالنموذج المعياري نجح حتى
الآن في توحيد القوى الثلاث القوة الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة أولاً ثم القوى
النووية القوية، وهذه القوى الثلاث تعمل بمستويات مكرسكوبية ويصفها ميكانيك الكم
ولكنه إلى الآن فشل في توحيدها مع قوة الجاذبية التي تعمل في مستويات الأجسام الكبيرة
عادة كالنجوم والكواكب والمجرات وتصفها نظرية النسبية العامة، فصعوبة ايجاد طريقة
لتوحيد نظرية النسبية العامة مع نظرية ميكانيك الكم جعلت من الصعب توحيد قوى
الطبيعة الأربعة أو بالأخص القوى الثلاث الكهرمغناطيسية والنووية القوية والضعيفة مع
قوة الجاذبية، مع أنه من المؤكد أنّ هناك مواضع لابد أن تتوحد فيها الجاذبية مع بقية القوى
وهي تلك المواضع المتناهية الصغر وعالية الكثافة كالثقب الأسود ومفردة الانفجار العظيم أو
حتى المراحل الأولى للانفجار العظيم.

وهكذا فإنّ نظرية الأوتار تطرح نفسها كبديل لتوحيد هذه القوى الأربعة وبالتالي تطرح
نفسها لتفسير الكون ككل من الانفجار العظيم وحتى الآن وإلى النهاية، ومن الكواركات
والالكترونات وحتى النجوم والكواكب والمجرات والعناقيد المجرية والكون ككل، نظرية تطرح
توحيد قوانين الفيزياء بدل أن تكون مقسمة كما هي الآن إلى قسمين: قسم يتعامل مع ما هو دقيق وصغير وهو قوانين ميكانيك الكم، وقسم يتعامل مع ما هو كبير وهو قانون النسبية
العامة.

نظرية الأوتار تفسر كتلة الجسيمات من خلال تذبذب وترها الداخلي بصورة أكبر ونوع
الجسيم واشارته تحدد من خلال نسق الاهتزاز وهكذا فهناك وتر واحد وبتغير بعض صفاته
يصبح الكتروناً أو كواركاً أو جرافيتوناً... الخ.

«ونحن نعرف الان من النسبية الخاصة أن الطاقة والكتلة وجهان لنفس العملة:
فزيادة الطاقة تعني زيادة الكتلة والعكس صحيح. وهكذا وطبقا لنظرية الاوتار فإن كتلة
الجسيمة الاولية تتحدد بطاقة النسق الاهتزازي لوترها الداخلي. فأوتار الجسيمات الاثقل
تتذبذب بصورة اكثر نشاطا بينما تتذبذب الاوتار الداخلية للجسيمات الاخف بصورة اقل
نشاطا.

وحيث ان كتلة الجسيمة تحدد خواص جاذبيتها فإننا نرى ان هناك علاقة مباشرة
بين نسق اهتزاز الوتر وتجاوب الجسيمة تجاه قوى الجاذبية. وعلى الرغم من ان هذا
التعليل تجريدي بعض الشيء، إلا ان الفيزيائيين قد وجدوا تطابقا بين تفاصيل بعض
السمات الاخرى للنسق الاهتزازي للوتر وخواصه. ويحدث نفس الشيء بالنسبة للقوى
الاخرى، فتتحدد الشحنة الكهربائية والشحنة الضعيفة والشحنة القوية التي يحملها وتر
معين، مثلا، بالطريقة الدقيقة التي يهتز بها هذا الوتر. والاكثر من ذلك فإن نفس الفكرة
بالضبط تنطبق على الجسيمات المراسلة نفسها. فالجسيمات مثل الفوتونات والبوزونات
القياسية الضعيفة والغليونات ماهي الاانساق رنينية لاهتزازات الاوتار. ومن الامور ذات
الاهمية الخاصة، اتضح انه من بين انساق اهتزازات الاوتار هناك نسق معين يتطابق
تماما مع خواص الغرافيتون، مما يؤكد ان الجاذبية هي جزء متكامل في نظرية الاوتار.

وهكذا فإننا نرى طبقا لنظرية الاوتار ان الخواص المشاهدة لكل جسيمة أولية تنتج
من كون وترها الداخلي يحدث نسق اهتزاز رنيني معينا، ويختلف هذا المنظور بشدة عن
ذلك الذي اعتقد به الفيزيائيون قبل اكتشاف نظرية الاوتار. ففي المنظور الاقدم كانت
الاختلافات بين الجسيمات الاولية تفسر بالقول انه في الواقع قد صنع كل نوع من
الجسيمات من نسيج مختلف فمع ان كل جسيمة كانت تعتبر اولية فإن نوع حشو كل
منها كان يعتقد انه مختلف فمثلا حشو الالكترون له شحنة سالبة بينما حشو النيوترينو
ليس له شحنة كهربائية. وتغير نظرية الاوتار هذه الصورة راديكاليا بأن تزعم ان حشو كل
المواد وكل القوى هو نفس الحشو فتتكون كل جسيمة اولية من وتر منفرد - أي ان كل جسيمة هي وتر منفرد - وكل الاوتار واحدة تماما. وينتج الاختلاف بين هذه الجسيمات
من كون وتر كل منها يحدث نسق اهتزاز رنيني مختلفا. وما يبدو انه جسيمات اولية مختلفة
هو في الواقع نغمات مختلفة لوتر اساسي واحد. وحيث ان العالم يتكون من عدد هائل
من هذه الاوتار المتذببة، فإنه بذلك يمثل سيمفونية كونية.

وتوضح هذه النظرية العامة كيف ان نظرية الاوتار تقدم إطارا موحدا حقيقيا رائعا.
فكل جسيمة مادية وكل ناقل للقوى يتكون من وتر له نسق اهتزاز مميز يعتبر بمثابة
بصمته ولأن كل حدث فيزيائي وكل عملية وكل ما هو موجود في العالم يمكن ان يوصف
- في اعمق مستوياته الاولية - بمدلول القوى التي تعمل في ما بين هذه المكونات الاولية
للمادة، فإن نظرية الاوتار تقدم الامل ان تكون هي الوصف الموحد الشامل للعالم
الفيزيائي: اي نظرية كل شيء.)١(»)T.O.E.(

وتحتاج نظرية الأوتارإلى فرض وجود ستة أبعاد إضافية مطوية ومتناهية الصغر تتذبذب
خلالها الأوتار بحيث إنّ هذه الأبعاد لا تلحظ كالأبعاد المكانية الثلاثة الكبيرة.

وتفرض نظرية الأوتار أنه لا يمكن أن يكون هناك تقلص للأوتار إلى أبعاد أصغر من طول
بلانك؛ لأن أي محاولة تقلص لما دون طول بلانك تنقلب إلى تمدد، ومعنى هذا أنّ الانفجار
العظيم بدأ من طول بلانك وليس من مفردة حجمها صفر وكثافتها لا نهائية.

وهناك خمس صيغ لنظرية الأوتار وهي مختلفة عن بعضها وتوجد صيغة لنظرية تشملها
جميعاً وهي صيغة سادسة تسمى نظرية M وأهم ما في نظريات الأوتار هو أنّ الوتر قادر على
حل التناقض بين نظرية الكم ونظرية النسبية العامة في المستويات المتناهية الصغر والذي لا
تستطيع نظرية الجسيمة النقطية حله.

نظرية M هي صيغة أكثر شمولية لنظريات الأوتار فهي نظرية تبين أنّ نظريات الأوتار
الخمسة الأخرى إنما هي نظريات تعكس نفس الحقيقة ونظرية M تمثل أساساً لربط هذه
النظريات مع بعضها.

«لعدة سنوات كان الفيزيائيون في ظلام مثلهم في ذلك مثل العميان، يظنون ان نظريات الاوتار المختلفة مختلفة جدا بالفعل. أما الان وبواسطة البصيرة النافذة لثورة
الاوتار الفائقة الثانية، فإن الفيزيائيين قد ايقنوا ان نظرية M هي الشأن الموحد لنظريات
الاوتار الخمس»(١).

تطرح نظرية M بعداً مكانياً جديداً مضافاً إلى الأبعاد العشرة السابقة لنظريات الأوتار
الخمسة، فتصبح الأبعاد في (نظرية - أم) أحد عشر بعداً، عشرة أبعاد مكانية وبعد زماني.

وما تطرحه نظرية M ليس فقط الأوتار، وإنما أيضاً أغشية ثنائية وثلاثية الأبعاد.

وتعد الآن نظرية M هي نظرية الأوتار المرشحة لتكون أرضية صالحة لنظرية كل شيء أو
النظرية التي تضع القانون الذي يتعامل مع ما هو متناهي الصغر كالالكترون والكوارك وما
هو كبير كالكون الحالي بما فيه من نجوم وكواكب ومجرات أي إنها تجمع بين نظريتي ميكانيك
الكم والنسبية العامة.

نظريات الأوتار الفائقة ونظرية M تفترض أنه لا يمكن أن يتقلص الوتر إلى بعد أصغر من
طول بلانك، ومعنى هذا أنّ الكون - بحسب نظرية M - تكوّن من قطعة متعددة الأبعاد
ومتناهية الصغر بحجم بلانك، أي إنّ نظرية M تجنبت الحجم صفروالكثافة اللانهائية لنقطة
التفرد التي يفترض أنها كانت بداية للكون.

وتفترض الرؤية الكونية لنظرية M أنه بعد أن حدث الانفجار العظيم تمددت فقط ثلاثة
أبعاد مكانية من الأبعاد المتعددة المطوية في قطعة صغيرة بحجم بلانك نشأ منها الكون، وطول
𝟏.𝟔𝟏𝟔𝟏𝟗𝟗(𝟗𝟕)×𝟏𝟎−𝟑𝟓 𝒎(
بلانك صغير جداً)، وكما بينا سابقاً فإنّ نظرية M يفترض
أنها نظرية توحيد قوى الطبيعة الأربعة أو توحيد الجاذبية مع القوى الثلاثة الأخرى
الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والقوية، ويطرح في نظرية M كذلك عالم ما دون طول
بلانك وهو عالم غير مقيد بالزمان والمكان أو عالم اللامكان، وله رياضيات خاصة غير
الرياضيات المعتادة التي تعتمد في التشخيص على الزمان والمكان.

«والامل معقود في أن النظرية ستصف عالما تطور إلى شكل ظهرت فيه خلفية متماسكة من الاهتزازات الوترية مؤدية إلى المفهوم المتفق عليه للمكان والزمان، وذلك
بدءأ من نقطة البداية الخالية - التي من المحتمل ان تكون في عصر سابق للأنفجار الهائل
(إذا كان في استطاعتنا استخدام مصطلحات تتعلق بالزمان لعدم وجود إي إطار لغوي
اخر) فإذا كان هذا الاطار موجودا، فإنه سيبين أن المكان والزمان، وبالتبعية أيضا
الابعاد، ليست كلها عناصر أساسية محددة للكون. وبالاحرى فإنها مفاهيم مريحة نبعت
من حالات اولية أساسية مغرقة في السلفية.

وقد أظهرت البحوث الرائدة حول سمات نظرية - M التي قادها عدد كبير من
الفيزيائيين ومنهم ستيفن وشينكر وإدوارد ويتن وتوم بانكس وويلي فيشلر وليونارد
ساسكيند، ان هناك شيئا ما يعرف باسم الغشاء صفر (بران - صفر brane)Zero من
المحتمل أن يكون هو العنصر الاساسي في نظرية - M، وهو الشيء الذي يسلك إلى حد
ما مثل الجسيمة النقطة في المسافات الكبيرة، ولكن له صفات مختلفة جذريا في
المسافات القصيرة - يمكن ان يقدم لنا لمحة عن دنيا اللامكان واللازمان.

وقد كشفت أبحاثهم أنه بينما تبين لنا الاوتار أن المفاهيم المتفق عليها للمكان تعجز
عن كشف ما تحت مقاييس بلانك، فإن الغشاء صفر (بران - صفر) يعطي نفس النتيجة
في الاساس ويلقي بصيصا من الضوء على إطار جديد غير مألوف والذي سيتسيد الموقف.
وقد بينت الدراسات التي أجريت على هذه الاغشية الصفرية ان الهندسة العادية سيحل
محلها شيء ما يعرف باسم الهندسة اللاتبادلية)Noncommutative(وهي قطاع من
الرياضيات تطور بمعظمه بواسطة عالم الرياضيات الفرنسي الان كونز وفي هذا الاطار
الهندسي تختفي المفاهيم المتفق عليها للمكان والمسافات بين النقاط وتتركنا بمفاهيم
مختلفة تماما عن المكان ومع ذلك إذا ركزنا انتباهنا على أطوال اكبر من طول بلانك،
أظهر الفيزيائيون ان مفهومنا التقليدي للمكان يعود إلى الظهور بالفعل. ومن المرجح أن
إطار الهندسة اللاتبادلية ما زال بعيدا عن حالة بلانك الخالية التي أشرنا لها من قبل بعدة
خطوات ملحوظة، ولكنها تقدم إشارة من الاطار الاكثر شمولا الذي من المحتمل ان يضم
المكان والزمان»(١).

ولأن نظرية M الآن هي النظرية التي تطرح توحيد الجاذبية مع بقية القوى وتطرح تفسيراً
محتملاً لعالم ما قبل الزمان والمكان فقد رشحها هوكنج لتكون المفسر المرتقب لظهور الكون من لا شيء.

ولكن هل يمكن أن تفسر نظرية M ظهور المكان والزمان أو الفضاء من لا شيء؟

أعتقد أنّ هذا غير ممكن؛ لأنه مهما كانت الأطروحة التي ستنتهي لها نظرية M أو النظرية
النهائية فإنها سترتكز على شيء كالتفاوتات الكمية في الفضاء أو اهتزازات الوتر وهكذا، فهي
ستنقل السؤال إلى مرحلة متقدمة أكثر فقط، ولن تفسر وجود الكون من لا شيء.

وحقيقة مما تقدم ومما سيأتي أيضاً نرى أنه تعسف في الحكم أن نجد عالم فيزياء يقول:
إنّ الكون جاء من لا شيء، وإنه لا يحتاج شيئاً من خارجه ليبدأ.

رأينا سابقاً أنّ ضبط الثابت الكوني يتطلب فرض أكوان متعددة لتفسيره،

ولكن تعدد الأكوان يفتح الباب أمام محاجة وهي أن الأساس الذي يرتكز عليه تفسير كون
من لا شيء هو التفاوتات الكمومية للفراغ، وبفرض تعدد الأكوان أصبح من الممكن تعليل
هذه التفاوتات بتأثيرات عابرة للأكوان فهي أكثر منطقية وعقلانية من اللاسببية التي يتبناها
ميكانيك الكم وهكذا هدم فرض شيء من لا شيء من أساسه ولم يعد هناك شيء من لا شيء،
هذا فضلاً عن أن الأمر يتطلب قبل كل شيء وجود فضاء مهما كان متناهي الصغر لتوجد فيه
التفاوتات الكمية للفراغ.

يفترض من يعللون ضبط الثابت الكوني بمسألة الأكوان المتعددة أنّ هذه الأكوان في
نفس المستوى وأنها تعود بأجمعها لأصل واحد أو كما يصورونها دائماً مثل فقاعات تخرج من
قدر ماء يغلي، ونحن يمكن أن نفترض - وهو ما نعتقده - أنها أكوان متعددة ولكن في مستويات
مختلفة وبعضها صدر من بعض، فالأدنى مستوى صدر من الكون الأعلى منه في المستوى،
وهذه الأكوان يؤثر بعضها في بعض. وبحسب هذا الفرض يمكن أن نعللظهور التفاوتات
الكمومية في الفراغ بالنسبة لكوننا، ولكن لا يمكن أن نعلل ضبط الثابت الكوني إلا أن يكون
هناك من قام بضبطه وهو يهدف إيجاد الكون، وبالتالي يثبت وجود إله يريد إيجادنا.

ولا يوجد علمياً ما يرجح فرض أنّ الأكوان المتعددة في مستوى واحد على ما افترضناه من
أنها ليست في مستوى واحد، بل ربما التفاوتات الكمومية في الفضاء ترجح فرض أن الأكوان
في مستويات مختلفة؛ حيث إن هذه الكموم تمثل الجسيمات الأولية التي صدر منها كوننا،
فإذا كانت من تأثير كون آخر فهي بالتأكيد من تأثير كون صدر منه كوننا، وهذا يؤيد أن الأكوان
المتعددة ليست في مستوى واحد ومن أصل واحد بل هي في مستويات مختلفة وصدر بعضها
من بعض، وكل كون له مصدر يختلف عن الأكوان الأخرى وبالتالي فإن له حيثيات خلق ووجود
وتركيب تختلف، وهذا يجعل الأكوان المتعددة غير صالحة لتعليل ضبط الثابت الكوني.

وكمثال للتوضيح: فلو أنّ كل الأكوان المتعددة بدأت بتفاوتات كمومية للفضاء ومن
جسيمات أولية كالتي بدأ منها كوننا عندها يمكن القول إنها تصلح بمجموعها لتعليل ضبط
الثابت الكوني في كوننا، أما لو كان كل كون من الأكوان المتعددة قد بدأ بصورة مختلفة
تناسب مستواه كأن يكون بدأ مثلاً بشيء يختلف تماماً عن أي جسيمات طاقة أو مادة عندها
لا تصلح هذه الأكوان بمجموعها لتعليل الثابت الكوني؛ لأنها ليست مجموعة واحدة صادرة
عن أصل مشترك مباشر لها.

بينت فيما مضى كيف تم وفق المشاهدات والرصد إثبات أنّ الكون صفري التقوس
ومسطح، وقد سبق أن بينا أيضاًأن النماذج المحتملة للكون هي ثلاثة نماذج: كروي أو سرج
حصان أو مسطح.

ولنفهم ماذا يعني كون مسطح وماذا يلزم منه بوضوح أكثر، سأضرب مثالاً لتقريب
الصورة:

الآن فلنتصور أنّ طاقة الكون الموجبة ومادته كلها عبارة عن الكرة الأرضية، ومن الطبيعي
بحسب قانون التكافؤ من النسبية الخاصة أنه يمكن حساب الطاقة كمادة، ولنتصور أيضاً
أنّ الكون عبارة عن صاروخ نريد إطلاقه من الأرض باتجاه الفضاء، وقد بينت سابقاً أن هناك
سرعة إفلات من الجاذبية وذكرت قيمة تقريبية لسرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية، فالآن هذا الصاروخ إذا أطلقناه بسرعة أقل من سرعة الإفلات فإنه سيرتفع لمسافة معينة ثم يرتد
ويسقط باتجاه الأرض بسبب الجاذبية، ويمكن أن نفهم أن الذي حصل للصاروخ يشابه ما
يحصل لكون كروي حيث تكون قيمة الطاقة التي تدفعه للتوسع أقل من قيمة جاذبيته وهذا
يؤدي إلى انكماشه وانهياره على نفسه وربما حتى قبل أن تتشكل فيه معالم مادية واضحة
كالمجرات التي في كوننا. وإذا أطلقنا الصاروخ بسرعة أكبر من سرعة الإفلات بفارق كبير فإنه
سينطلق إلى الفضاء ويستمر في التحرك بسرعة مبتعداً عن الأرض، وهذا يمثل النموذج الذي
يشبه سرج الحصان في نماذج فريدمان، وكون كهذا ربما لا تجد المادة فيه - إن وجدت - الوقت
لتشكل المجرات حيث ستقوم سرعة توسع الكون (الطاقة والمادة) بنثرها في الفضاء.

والاحتمال الثالث هو أن نطلق الصاروخ بسرعة تساوي سرعة الإفلات، وهذا يعني أنّ
هذا الصاروخ سيفلت من الجاذبية الأرضية ولكنه بعدها سيبطئ دون أن يسقط إلى الأرض،
فهو قد أفلت من الجاذبية الأرضية وهذا يشابه نموذج الكون المسطح من نماذج فريدمان
حيث تكون فيه الطاقة الموجبة لكل المادة (والطاقة) في الكون (طاقة دفع الصاروخ في مثالنا)
تساوي الطاقة السالبة للجاذبية الكونية (طاقة الجاذبية التي تقاوم حركة الصاروخ في
مثالنا)، فهكذا كون فيه طاقة تدفعه للتوسع كافية لإفلاته من قوة جاذبيته فقط.

وسابقاً تعرفنا على أنّ الرصد أثبت لنا أنّ كوننا مسطح، وأنّ الثابت الكوني فيه يسمح
بإفلاته من جاذبيته فقط أي أن الطاقة الموجبة تساوي الطاقة السالبة في كوننا، وهكذا كون
يُنظّر بعض الفيزيائيين مثل لورانس كراوس(١) الى أنه ربما جاء من لا شيء؛ لأن مجموع طاقته
الكلية يساوي صفراً (٢).

هناك أمر آخر يمكن أن نراه في كون طاقته السالبة تساوي طاقته الموجبة، فنحن إذا كنا
نبحث الأمر من ناحية اقتصادية سنختار ما يضمن لنا إفلات الصاروخ من الجاذبية الأرضية
فقط طالما أننا لا نحتاج أكثر من هذا.

وكوننا مسطح والثابت الكوني فيه يسمح بإفلاته من جاذبيته أي إنه يسمح للمادة
بالتشكل ويمنع انهيار الكون على نفسه، وفي نفس الوقت فهو اقتصادي في الطاقة إلى أبعد
حد ممكن إلى حد أن طاقته الكلية تساوي صفراً، فلا يوجد فيه فائض في الطاقة يدفعه
للتوسع أكثر من الحاجة ولا نقص يسبب انهياره على نفسه.

هذه المسألة التي أعتقد أنها سهلة الفهم تجعل كل من يفهمها يجزم بأن الكون مضبوط
بدقة عالية، ولهذا حاول علماء الفيزياء إيجاد تفسير علمي لهذا الضبط الدقيق للثابت الكوني
كما بينا سابقاً، ففي الواقع هناك عجز علمي على الأقل حتى الآن عن تفسير الثابت الكوني
المضبوط بهذه الصورة الدقيقة، وما يطرح من حل يستأهل المناقشة ناقشناه سابقاً.

فيما تقدم عندما بحثنا في الطاقة المظلمة تبين كيف تمكن الفيزيائيون من البرهنة
وبدرجة لا بأس بها من الثقة أنّ شكل الكون مسطح، وإذا كان الكون مسطحاً فعلى هذا
الأساس يطرح بعض الفيزيائيين مثل د. لورانس كراوس أنّ مجموع الطاقة في كون مسطح
تساوي صفراً والسبب: إنّ للجاذبية طاقة سالبة تواجه طاقة المادة الموجبة والكون المسطح
طاقته الموجبة تكفي فقط للإفلات أي إنّ الطاقة الموجبة هي بالضبط تساوي الطاقة السالبة،
وهكذا تكون الطاقة الكلية للكون تساوي صفراً، وكون طاقته الكلية تساوي صفراً يمكن أن
يأتي من لا شيء بحسب لورانس كرواس والذين يلتزمون هذا الرأي، حيث لم تدخل للكون
طاقة من خارجه وبالتالي فطاقة الكون ومادته إنما هي نتاج داخلي فقط والتفاوتات الكمومية
في الفراغ تضمن ذلك بحسب مبدأ اللايقين وميكانيك الكم.

وهكذا تكون التفاوتات الكمومية قد أوجدت الكون من لا شيء، فلا يوجد تدخل في
الكون من خارجه؛ لأنه ليس بحاجة لهذا التدخل، فالكون بدأ نفسه بنفسه بواسطة
التفاوتات الكمومية للفراغ التي لا يخلو منها الفراغ بحسب ميكانيك الكم، وهكذا فلا داعي
لفرض وجود إله ابتدأ الكون من خارجه، وهذا كله بغض النظر عن الفضاء الذي تحدث فيه
التفاوتات الكمية للفراغ حيث إنه نفسه يحتاج لتفسير مهما كان متناهياً في الصغر وقد ناقشنا
هذا الأمر سابقاً.

إذن، فما لدينا هنا هو فضاء وتفاوتات كمومية تظهر فيه بحسب قوانين ميكانيك الكم
أو بالخصوص مبدأ الريبة أو اللايقين، وهنا لابد من الانتباه إلى أنّ مبدأ اللايقين يقول إنه
لابد أن تكون هناك تفاوتات كمومية في الفضاء ولكنه لا يعلل وجودها، فعلة وسبب ظهور
هذه التفاوتات تبقى مجهولة وميكانيك الكم هنا يتنازل عن التعليل بإلغاء مبدأ السببية
المضطرد في كل الأحداث داخل الكون على مستوى أكبر من المستوى الكمي، فالسببية مبدأ
لم يتخلف في حادثة كونية واحدة فكيف يفرض تخلفه هنا؟! لماذا لا تكون قدراتنا - وهي قطعاً
غير مطلقة - لا تؤهلنا لإيجاد السبب؟

أعتقد أنّ إلغاء السببية يمثل هروباً من الحل وليس حلاً، ونحن ببساطة يمكننا المحاججة
بما طرحه هيو افرت وهو وجود أكوان أخرى يمكن أن يؤثر بعضها ببعض، وبهذا تكون
التفاوتات الكمومية عبارة عن آثار من كون مجاور لكوننا أو عابرة للأكوان.

أما كون الطاقة الكلية للكون تساوي صفراً أو مجموع القوى فيه تساوي صفراً، فهذا لا
يعني بحال نفي وجود الإله، هم يريدون القول: إنه لا يوجد شيء دخل للكون من الخارج
فلماذا نحتاج فرض وجود الإله، ولكن من قال: إنه يجب أن يدخل شيء من الخارج للكون
لنتمكن من فرض وجود إله أو لنحتاج فرض وجود إله، هذا الأمر قيد الاثبات والدليل وقد
بينت الأدلة العلمية على ذلك ومنها ضبط الثابت الكوني.

وبالنسبة لي شخصياً أقول: إنه لا يجوز أصلاً أن يدخل شيء من خارج الأكوان إليها ويجب
أن تكون مجموع القوى فيها يساوي صفراً؛ لأن الوجود المخلوق ككل يجب أن لا يكون شيئاً
آخر غير العدم نفسه، فلو كان الوجود المخلوق ككل ليس عدماً لكانت له مقابلة مع الذات
الإلهية ولوقعنا في أكبر إشكال فلسفي كلامي ممتنع على الحل وهو: أين هو الوجود المخلوق
من الإله؟ أو هل أن الخلق خلقوا في الذات أو خارج الذات؟ أو يمكن أن نضع السؤال أيضاً
بهذه الصيغة: هل أنّ الإله داخل في الخلق أو أنه خارج عنهم؟

فلو لم يكن الوجود المخلوق ككل مجرد عدم لكان أي جواب يلزم منه أحد أمرين: إما أنّ
الإله حادث، أو أنّ الوجود المخلوق قديم، وهذا يعني إما نقض ألوهيته المطلقة أو نفي
وحدانيته سبحانه وتعالى.

ومع أنّ القول: إنّ الله لا داخل في الأشياء ولا خارج عنها أو أنّ الخلق ليسوا في الذات ولا خارج الذات لا يعتبر جواباً، بل هو فقط إنكار لكلا الجوابين المتقدمين، ولكنه أفضل في كل
حال من الجوابين المتقدمين وما يلزم منهما من نقض ألوهيته ووحدانيته سبحانه وتعالى.

الحقيقة، إنّ وجود الخلق هو مجرد وجود اعتباري في مقابل وجود الله الحقيقي وحالنا
كحال التفاوتات الكمية في الفضاء والتي تعج بها أجسامنا، فنحن في مقابله سبحانه وتعالى
مجرد أعدام؛ لأننا أصلاً لم نخرج من العدم، إنما نحن في العدم ونحمل عدمنا معنا، فحقاً لا
يوجد سواه سبحانه ربما يصعب على بعض المتدينين فهم هذه العبارات والتي عرضت برهانها
العلمي قبل أن أطلقها، ولكن هناك كثير من الحقائق العلمية المبرهنة يصعب فهمها كميكانيك
الكم والنسبية العامة، فهل من السهل فهم واستيعاب أن الكتروناً واحداً وهو جسيم مادي
يدخل من شقين في صفحة واحدة في نفس الوقت، أم هل من السهل فهم أن الزمان بعد
كوني رابع كأبعاد المكان الثلاثة وأن كتلة الأرض تؤثر في الزمان وتحنيه في نسيج الزمكان.

هذا السؤال الذي أجبته في الموضوع السابق يعتبر من أهم الأسئلة العقائدية الملحة على
الإنسان إن لم نقل إنه أول وأهم سؤال عقائدي يمر على الإنسان باعتبار أنه واقع في أول
طريق البحث عن الحقيقة، فكل إنسان يسأل هذا السؤال ويردده في فكره: أين نحن، أو أين
نحن من الله؟ أين خلقنا الله؛ هل خلقنا في ذاته أم خارج ذاته، وإذا كان خارج ذاته فأين هذا
الخارج؟ هل هو خلق هذا الخارج ثم خلقنا فيه، أم أنّ هذا الخارج قديم أزلي؟

واضح أنه لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً؛ لأن معناه تعدد القدماء أو اللاهوت المطلق،
ولكن إذا كان قد خلق هذا الخارج فأين خلقه؟! هل خلقه في خارج آخر أقدم منه؟! هكذا
سيتسلسل الأمر حتى ينتهي إلى خارج قديم أزلي! وإذا كان الخارج الذي خلقنا فيه قديم أزلي أو
ينتهي إلى قديم أزلي فقد تعدد القدماء! وتعدد اللاهوت المطلق! وهذا بلا شك باطل وشرك،
والوهابيون يقولون بهذا القول أي أن الخلق خارج الذات ويعتقدون بهذه العقيدة الفاسدة،
وهذا الاعتقاد أسوأ بكثير من قول المسيحيين بالأقانيم الثلاثة.

أما القول إننا خلقنا في ذاته فهو يعني حدوث ذاته؛ لأنها أصبحت محلاً للحوادث، وبهذا نقض قدمه ونقض لاهوته المطلق.

والجواب بالخارج القديم الأزلي أو الجواب الذي يرجع لخارج قديم أزلي لو افترضناه فهو
إضافة إلى كونه يعني تعدد القدماء، فهو سيكون محلاً للحوادث إذا كان الخلق فيه، وهذا
يعني إنه حادث له بداية وقديم أزلي في نفس الوقت، وهذا الأمر محال فلا يمكن أن يكون
الشيء حادثاً وقديماً.

إضافة إنّ القول بوجود خارج عن الذات بائن عنها ينقض لاهوته المطلق سبحانه؛ لأنه
ينقض كونه مطلقاً، فهذا الخارج أصبح حداً له سبحانه وتعالى؛ لأنه ليس في هذا الخارج.

فالمسألة كما نرى مربكة جداً، ولهذا اختار من كتبوا في العقائد تجنبها في الغالب وبعض
المسلمين اختاروا جواباً مفاده أنه ليس في الأشياء ولا خارج عنها، وهذا الجواب أقرب إلى
اللاجواب منه إلى أن يكون جواباً على السؤال أو حلاً لهذه المعضلة، وهو عملية اجترار لكلمة
منسوبة للإمام علي (عليه السلام): [قريب من الأشياء من غير ملامسة، بعيد منها من غير
مباينة] (١).

وهذا ليس جواباً مفصلاً للمعضلة إنما فقط إنكار على كلا الجوابين الخاطئين (أي إنّ
الإله في الأشياء، أو أنه خارج الأشياء)، وعدم تفصيل الأئمة (عليهم السلام) لهذه المسألة
العقائدية الكبرى المرتبطة بإثبات وجود الله وبالتوحيد والتي تحتاج التفصيل لنفس الأسباب
التي قلناها سابقاً وكررناها وهي أنّ المتشابهات تترك بعض الأحيان ليبينها حجة من حجج الله
في زمانه، فتكون دليلاً عليه. وأيضاً: ربما لا تبين أمور لأنه لم يحضر وقتها وأهلها، فمن يمكنه
أن يفهم معنى سرعة الإفلات أو المفردة مثلاً في زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو
يفهم أن المادة تحمل عدمها معها أو يفهم المادة المضادة وأموراً كثيرة لم يكن قد حضر وقتها
في ذلك الزمان.

قال الصادق (عليه السلام): [ما كل ما يعلم يقال، ولا كلما يقال حان وقته، ولا كلما حان وقته حضر أهله] (١).

(وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل
ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية) (٢).

في البحوث المتقدمة من هذا الفصل ناقشنا موضوعاً مهماً يخص انهيار دالة الموجة في
ميكانيك الكم وتشخص أحد الاحتمالات كواقع نشاهده، وهناك بينا ما طرحه هيو افرت من
أنّ كل الاحتمالات هي في الحقيقة وقائع حقيقية ولكنها في أكوان متعددة وبالتالي انتقلنا إلى
مناقشة موضوع التواريخ المتعددة للحدث الواحد، وأنه لا يمكن معرفة المستقبل لأن له عدة
وجوه محتملة، وهي وإن كانت وقائع كلها بحسب الأكوان المتعددة ولكن واقعاً واحداً هو فقط
الذي سيتشخص في كوننا الذي نعيش فيه، وبالتالي فلن نتمكن من تشخيص المستقبل بدقة؛
لأن هناك أكثر من مستقبل وهذا ما قلته سابقاً: (أما المستقبل فمن المستحيل أن نعرفه وفق
تفسير الأكوان المتعددة، لأنه يتفرع إلى مسارات عديدة ونحن سنكون في أحدها في لحظة ما
من المستقبل).

ولكن هذه الاستحالة لا تعني بحال أننا لا يمكن أن نعرف مستقبلاً محتملاً أي أن نعرف
أحد هذه المسارات ونظن أنه هو المستقبل أو حتى نعرفها كلها ونحن نعرف أن أحدها هو
المستقبل، فالمستحيل علمياً بحسب ما ناقشناه في ميكانيك الكم والأكوان المتعددة هو أن
يتشخص لنا مستقبل محدد دون غيره علمياً.

ومعنى هذا الكلام: إنّ الأحلام يمكن أن تفسر وفق ميكانيك الكم على أنها رسائل مستقبلية
تصل لنا وخصوصاً أنها قد تتحقق وقد لا تتحقق، فالحلم عبارة عن أحد هذه الاحتمالات أو
الوقائع المستقبلية في أحد الأكوان وبالتالي فبما أنّ هذا الأمر مفسر علمياً لم تعد هناك قيمة لقول إنّ الأحلام دليل على وجود إله أخبرك عن طريق الحلم ما سيحدث في المستقبل، فالحلم
الذي رأيته وتحقق لا يعدو كونه رسالة محتملة الوقوع جاءتك من أحد الأكوان من المستقبل
بحسب احتمالات ميكانيك الكم والدليل أنك ترى أحلاماً أخرى لا تتحقق.

«وفقا لتفسيري لنظرية العوالم المتعددة، فإن المستقبل لا يتقرر من حيث إدراكنا
الحسي الواعي للعالم المعني، لكن الماضي محدد، وبفعل الملاحظة فقد اخترنا تاريخا
(واقعيا) من بين الواقعيات العديدة، فبمجرد أن رأي شخص ما شجرة في عالمنا، فإنها
تظل هناك حتى عندما لا ينظر اليها أحد وينطبق هذا على كل شيء الى الوراء حتى الانفجار
الكبير.وعند كل وصلة على الطريق السريع للكم، ربما يكون العديد من الواقعيات
الجديدة، ولكن ما وصل الينا واضح وغير مبهم،وهناك العديد من الطرق التي تصل الى
المستقبل، إلا أن بعض نسخ (منا) ستتبع كل واحد منها،وستعتقد كل نسخة منا أنها
تسلك مسلكا فريدا، وسننظر الى الوراء الى ماض فريد، لكن من المستحيل أن نعرف
المستقبل،حيث أن به مسارات عديدة، وربما نستقبل رسائل من المستقبل، إما بواسطة
وسائل ميكانيكية مثل (هروب الزمن)، أو إذا اردت أن تتصور احتمال حدوث ذلك من
خلال الاحلام، أو بالإدراك الخارج عن النطاق الحسي، لكن من غير المحتمل جدا أن
تكون تلك الرسائل ذات فائدة كبيرة لنا، وحيث أنه قد توجد أعداد وافرة من عوالم
المستقبل، فإن أي رسائل مثل هذه يجب أن تتوقع أنها مشوشة ومتضاربة، وإذا تصرفنا
بناء على هذه الرسائل فإن الاحتمال الأكثر أن نحيد بأنفسنا الى فرع من الواقعية مختلف
عن الذي جاءت منه (الرسائل) وعليه فإنه من غير الممكن جدا ان تستطيع هذه الرسائل
(أن تصبح صحيحة. والناس الذين يقترحون أن نظرية الكم تقدم مفتاحا لتفسير الإدراك
الخارج عن النطاق الحسي)ESP(عمليا، وأنه تخاطر عن بعد وخلافه، إنما يضللون
أنفسهم»(١).

بالنسبة لنا نعتقد بوجود الاحتمالات المستقبلية ويمكن أن تكون الرؤيا (الحلم) هي أحد
الاحتمالات، ويمكن أن لا تتحقق في هذا العالم؛ لأنها منُ لوح المحو والاثبات، وهذا ذكر في
القرآن وفي الروايات: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبتُ وَعندَهُ أم الْكتَاب﴾، وذكر في الروايات عن
آل محمد (عليهم السلام) باسم البداء، ولكن يبقى أمر وهو ما نراه في الأحلام وهي الرموز،
فمثلاً: الأسنان في الحلم ترمز للأقارب فمن يرى حلماً أنّ أحد أسنانه يقع يموت أحد أقاربه في المستقبل وهذا يتحقق لدى كثيرين، فمسألة الرموز في الأحلام لا يمكن بحال لميكانيك الكم
تفسيرها وبالتالي تبقى الأحلام دليلاً على وجود قوة غيبية مدركة عالمة حكيمة تكلمنا لتقول:
أنا هنا.

أيضاً: الأحلام التي تؤثر في البدن بشكل ملموس وكبير ومنها أحلام الصائم في نهار الصيام
حيث يرى في نومه نهاراً أنه يأكل ويشرب ثم يستيقظ وقد ذهب عنه الجوع والعطش، وهذه
الرؤى كثيرة الوقوع، وقد تفسر على أنها تحصل نتيجة إشارات من الدماغ والارتواء والشبع
تحصيل حاصل لبعض افرازات الجسم أو عمل بعض الأعضاء.

ولكن الحقيقة إنّ الإنسان عندما يستيقظ وهو في كثير من الأحيان ينتبه في الرؤيا إلى أنه
صائم يجد أنّ طعم الشراب أو الطعام ربما لا يزال في فمه، هذا إضافة إلى أنّ الصائم لا
يذهب ظمأه وهو مستيقظ في حين عندما ينام يرى أنه يشرب ويذهب ظمأه، فلماذا لا تعمل
هذه الافرازات إلا في النوم؟ولماذا عندما يرى الرؤيا يستيقظ وقد ذهب ظمأه ولا يذهب ظمأه
لو لم يرَ تلك الرؤيا أو الحلم بأنه يشرب؟!

قولهم: «بما أنّ الزمن بدأ عند الانفجار الكبير فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك زمان
ليكون فيه خالق».

تنبيه: هذا إشكال غير صحيح، حيث إنّ الزمن هو أحد أبعاد الكون المادي الذي نعيش
فيه والإله غير محدود ومطلق وهو قديم أزلي ليس له بداية فلا يمكن أن تقيده الأبعاد أو
تحويه وإلا لأصبح حادثاً، بل حتى فيما يطرح علمياً بحسب نظرية الأكوان المتعددة فإن
الأكوان أو العوالم المفترضة الموازية لعالمنا لا يمكن أن تقيّد بنفس أبعاد عالمنا التي أحدها
الزمن، ولو قيدت بزمن يناسبها باعتبار أنّ لها بداية في كل حال فكيف يمكن أن يُقَيّد فرض
وجود الإله من عدمه بإثبات تدخله المباشر عند بداية الزمن من عدمه في كوننا بالخصوص؟!
مع أنّ الأكوان منها المتقدم ومنها المتأخر ولم تحصل في آن واحد.

قولهم: «إن الكون يفسره الانفجار العظيم والانفجار العظيم تفسره قوانين الكم والجاذبية وبالتالي تنتفي الحاجة لوجود إله؛ لأن معرفتنا محصورة بهذا الكون المادي وقد
وجدنا سبب وجوده».

تنبيه: غير صحيح؛ وذلك لأن الأمر لابد أن يدور حول وجود السبب الأصيل أو العلة
الأصيلة التي لا تحتاج إلى علة ففرض وجود قانون الجاذبية في البداية مثلاً يحتم وجود علة
قبله أوجدته حيث لابد للجاذبية من جسيمات الكرافيتون أو أوتار الكرافتون حسب نظرية
M وهذه الجسيمات أو الأوتار أو الأغشية لابد من سبب لوجودها وهكذا تستمر السلسلة،
فإن وجدوا أن سبب نشوء الكون عند الزمن صفر هو قانون الجاذبية فهذا لا يعني نفي وجود
الإله بل هو يؤكد وجوده؛ حيث إنهم أثبتوا حدوث العالم المادي وأنّ له بداية عند الانفجار
الكبير وبدايته معتمدة على قوانين وهذه القوانين معتمدة على وجود يقنّنها، وهكذا فهم قد
أثبتوا أنّ السلسلة مستمرة إلى ما قبل الانفجار العظيم حتى تنتهي إلى العلة الأزلية وتتوقف،
ونحن نقول: إنّ هذه العلة الأزلية هي الله سبحانه.

تنبيه: أخطأ الذين تصوروا أنّ العدم المطلق عبارة عن طاقة سلبية وطاقة ايجابية
متساويتان ومجموعتان وبما أنّ ناتجهما يساوي صفراً إذن فهما عدم مطلق، أي إنّ العدم
المطلق عندهم هو عبارة عن (١-١)، في حين أنّ العدم المطلق ليس فقط لا شيء بل لا شيئية
في العدم المطلق، ولهذا فتصور أنّ (١-١) تمثل العدم المطلق تصور غير صحيح، نعم (١-١)
عدم رياضي وتساوي لا شيء ولكنها ليست عدماً مطلقاً لا شيئية فيه، والفرق كبير جداً.

مثال لتقريب الصورة: لو تصورنا أنّ شخصاً ما قام بحفر حفرة في العدم ووضع التراب
أو ما أخرجه من الحفرة في كومة بجنب الحفرة، فهنا لدينا حفرة وتراب - أو ما أخرجناه من
الحفرة - إلى جنبها ومجموعهما يمثل لا شيء جديد، بمعنى لو أننا جمعنا التراب والحفرة مرة
أخرى بصورة ما فسيعود الأمر كما كان لا شيء أو لنقل لا حفرة ولا كومة تراب أي العدم
فقط، وفي هذه الصورة لم يأت للمعادلة شيء من الخارج ليقال إن هناك شيئية حقيقية
وإنما دائماً كان لدينا العدم نفسه، ولكن هذا ليس عدماً مطلقاً لا شيئية فيه، فهذا العدم
الذي نتكلم عنه هنا عبارة عن حفرة وكومة تراب تساويها تماماً فهناك شيء تقديري في هذا
العدم، كذلك فإنّ هذا الشيء الذي يحمل عدمه معه لم يظهر من لا شيء بل هناك من تسبّب
بظهوره وهو الشخص الذي حفر الحفرة أو القوة التي حفرتها.

إذن، فحتى وإن كانت الشيئية هي شيئية تقديرية في عدم الوجود، كظهور الجسيمات أو
الأوتار دون الذرية ومضاداتها وإفناء بعضها بعضاً كما تبين وفقاً لمبدأ الريبة في ميكانيك الكم
فإن هذا لا يسمى ظهوراً من لا شيء، بل الحقيقة إنّ الذي ظهر هو الجسيم الحامل للطاقة
الموجبة وظهر في مقابله كمعادل لظهوره الجسيم الحامل للطاقة السلبية، وظهور الجسيم
ذي الطاقة الموجبة لابد أن يكون له سبب وعلة أظهرته، وميكانيك الكم بحسب تفسير
كوبنهاجن كما بينا سابقاً يهرب من البحث عن العلة والسبب إلى إلغاء مبدأ السببية، ولكن
هذا الهروب لا يلغي العلة والسبب حقيقة بل تبقى هناك علة وسبب مجهول هو الذي حفر
الحفرة في مثالنا المتقدم.

وهذا تماماً يثبت وجود الإله ويثبت ما نقوله دائماً وهو أن الكون خلقه الله وهو مستمر
التقوّم بالله، وليس المقصوَد أنه يباشر الخلق أو التقوّم بنفسه سبحانه، بل هو كما قال في
القرآن ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بأيٍْد وَإنَّا لمَوُسعُونَ﴾(١)، وهو منزه عن اليد الحقيقية، فالمقصود بالأيد
أي بأسباب أو كيانات سبّبها هو سبحانه.

تنبيه: مسألة التفاوتات الكمية في الفضاء أو ظهور الجسيمات أو الأوتار التي تحمل طاقة
موجبة ومضاداتها وفناءها يدلّ بوضوح على ما نقوله دائماً وهو أن المخلوق الأول (محمد)
يخفق بين الظهور والفناء أو لنسميها كما يسميها علماء الفيزياء اليوم مجموع طاقتين موجبة
وسالبة تظهر وتختفي، والأكوان كلها ومنها كوننا تتبعه في خفقه ولهذا نجد أنه من الممكن
جداً بل ومن الطبيعي أن تظهر وتختفي الطاقات في المستوى ما دون الذري في عملية أشبه ما
تكون بالخفق الذي وصفه الإمام الصادق (عليه السلام) بأنه حجاب يخفق أو لنقل كستارة
موضوعة أمام باب وتحركها الريح فتخفق.

فقد سأل أبو بصير الإمام الصادق (عليه السلام)، فقال: [جعلت فداك كم عرج برسول
الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال (عليه السلام): مرتين، فأوقفه جبرئيل موقفاً فقال له: مكانك
يا محمد، فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل،
وكيف يصلي؟ قال يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي، فقال:
اللهم عفوك عفوك، قال: وكان كما قال الله "قاب قوسين أو أدنى"، فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: ما بين سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ
يخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة،
فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك؟ قال: الله أعلم
قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، قال: ثم قال أبو
عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض ولكن
جاءت من السماء مشافهة] (١).

تنبيه: الفضاء ليس فقط المناطق الخالية من المادة بين الكواكب والنجوم والمجرات، بل
إنّ المادة نفسها غالبيتها العظمى هي فضاء يعج بالتفاوتات الكمومية، وهذا يعني أنّ الجزء
الأكبر من كل ذرة هو فضاء أي أن جسم الإنسان مثلاً هو عبارة عن فضاء يعج بالتفاوتات
الكمومية أو الجسيمات التي تظهر وتختفي.

تنبيه: عندما نقول إنّ الله خالق العدم ليس المقصود أنه خلق العدم المطلق؛ لأن العدم
المطلق لا شيئية فيه ليكون الله قد خلقه، بل مرادنا أنه سبحانه خلق عدم الوجود مع الوجود
كما تبين الآن في أنّ الجسيمات في المستوى ما دون الذري تظهر وتختفي أو تفني بعضها بعضاً؛
لأنها عبارة عن طاقات سالبة وموجبة أو لنقل: إنها عبارة عن مادة ومادة مضادة، وهذه المسألة
مهمة وتفسر وبشكل معقول إشكال أنّ الوجود الحادث في الله أو خارج عن الله أو لنقل: بما
أنه سبحانه أزلي فقط ولا أزلي غيره فأين أوجد الخلق فيه أم خارجه؟ حيث إن كان في الله فقد
لزم الله الحدوث وبطل قدمه ولاهوته المطلق، وإن كان خارج عن الله فقد لزم قدم وأزلية غيره
وهو الخارج عنه الذي أوجد الخلق فيه، فالآن تبيّن أنه لا هذا ولا ذاك بل إنّ ما نسميه
بالوجود الحادث ما هو إلا وجود يحمل عدمه معه كما في العلم الحديث مادة ومادة مضادة
أو طاقة موجبة وطاقة سالبة، وبالتالي فهو ليس في الله ولا خارجاً عن الله؛ لأنه بحسب حقيقته
لا شيء عموماً عندما يوضع في مقارنة مع الله سبحانه وتعالى الموجود الحقيقي.

تنبيه: الآن علمياً وبحسب قوانين الفيزياء تبيّن جهل علماء الوهابية وانتقض دينهم
الشيطاني المنحرف المبني على أنّ الخلق بائنون عن الله وأنه سبحانه ينزل وهو سبحانه في الأعلى وفوق السماوات... الخ من تراهات مذهب السلفية الصنمي.

تنبيه: هذه هي الحقيقة كما هي وقد بينتها وبأدلة علمية لا غبار عليها، ربما كثيرون لا
يعجبهم أن تقول لهم: إنكم لا شيء خصوصاً بعض رجال الدين المتكبرين ولكن أظن أنهم
مرغمون اليوم أو غداً أن يصدقوا أننا مكوّنون من مادة تحمل مادتها المضادة معها، ونعيش
في كون مادي يحمل مادته المضادة معه وطاقته السالبة تساوي طاقته الموجبة، اللهم إلا إن
كانوا يريدون الاصرار مدة من الزمن كما أصروا سابقاً على أنّ الأرض لا تدور أو أنهم
سيعتمدون على إمكانية أن يبقى الناس لا يفهمون هذه العلوم على اعتبار أنه مرّ عشرات
السنين على نظرية اينشتاين النسبية العامة، وإلى الآن مع الأسف قليل من المثقفين يعرفها
ويعرف معنى الزمكان ونسبية الزمان والمكان وأن الجاذبية يسبّبها تحدب النسيج الكوني
(الزمكان). فكم من الوقت سيمر حتى تفهم الناس نظرية أم وأن هناك أكثر من عشرة أبعاد،
وكم سيتاح لهم - أئمة التجهيل - من الوقت حتى تعرف وتفهم الناس أن العلم أثبت الآن أنهم
يحملون عدم مادتهم معهم وأن الكون الذي يعيشون فيه يحمل مادته المضادة معه؟!

أكيد أنّ كثيراً من الناس إلى الآن لم يسمعوا بشيء اسمه المادة المضادة أو المادة المظلمة،
وهذه دعوة لكل من يمكنه أن يفهم هذه الأمور أن يقرأها ويطلع عليها ويحاول أن يوظفها
بصورة صحيحة لنصرة الدين وإثبات وجود الله وإثبات أنّ الله لا بائن عن الخلق ولا هو فيهم،
كما أنّ الملحدين يحاولون بكل قوة أن يوظفوا هذه العلوم لنقض الدين، وكما أن الوهابيين
يستغلون الجهل لإضلال الناس وحرفهم عن التوحيد وعبادة الله إلى عبادة صنم كبير الحجم
صنعته أوهامهم وجهالاتهم بائن عن خلقه ويقع فوق السماوات. أرجو أن يكون الناس بمستوى
المسؤولية هذه المرة ولا يكونوا متخلفين قروناً طويلة عن الحقائق.

تنبيه: إنّ ما توصّل له العلم الحديث إجمالاً له شواهد وأدلة في القرآن وفي روايات خلفاء
الله الماضين صلوات الله عليهم، فالانفجار العظَيم وتوسع الكون الجسماني الذي نعيش فيه
مبين في القرآن، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بأيٍْد وَإنَّا لمَوُسعُونَ﴾ أي: إنّ السماء بنيت (بأيد)
والمعنى: إنّ هناك عللاً وأسباباً سبّبها الله هي التي بنت السماء، والسماء في توسع، وهذا ما
أكدته الأرصاد والمشاهدات للمجرات من حولنا؛ حيث إنها تبتعد متسارعة بحسب ظاهرة
دوبلر وغيرها من الأدلة على توسّع الكون التي تعرفنا عليها فيما تقدم من الكتاب.

والخلق الذين سبقوا آدم على هذه الأرض والحياة في الكواكب الأخرى والأكوان المتعددة
كل هذه الأمور بينها آل محمد (عليهم السلام) بتفصيل جيد منذ أكثر من ألف عام، وهذه
بعض الروايات لمن يريد معرفة الحقيقة ومعرفة فضل محمد وآل محمد، وأيضاً هي معجزة
إخبارات غيبية أثبتها إجمالاً العلم الحديث، فللملحدين أن يتبيّنوا الحقيقة إذا كانوا فعلاً
يطلبون معرفة الحقيقة، وأظن أنّ العاقل يعمل ويحتاط لدفع الضرر المحتمل فكيف إذا
أصبح الضرر شبه مؤكد!

أظن أنّ تطابق أقوال آل محمد (عليهم السلام) مع نظريات وحقائق العلم الحديث تدفع
العاقل إلى أن يبحث ويدقق فيما هو فيه، أما غير العاقل فشأنه يفعل ما يشاء.

قال الباقر (عليه السلام):.....[وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله
ألف ألف عالم، وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين] (١).

قال الصادق (عليه السلام): [إن لله عز وجل اثني عشر ألف عالم؛ كل عالم منهم أكبر من
سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم وأنا الحجة عليهم]
.)٢(

قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) لمنجم: [هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت
علينا في أربع عشر عالماً؛ كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه؟ قال: من
هو؟قال: أنا] (٣).

قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن نفسه أنه: [يسير في ساعة من النهار مسيرة شمس
سنة حتى يقطع اثنى عشر ألف مثل عالمكم هذا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس، قال:
فيعرفونكم؟قال: نعم، ما افترض عليهم إلا ولايتنا والبراءة من عدونا] (٤).

بل إنّ روايات آل محمد (عليهم السلام) بينت بُعدين آخرين للحياة العاقلة المدركة غير
بعد تعدد العوالم أو الأكوان المتقدم، فهناك الكون الذي نعيش فيه نفسه أي إنّ هناك حياة
عاقلة في كواكب أخرى ومجموعات شمسية أخرى في نفس كوننا، بل إنّ الأئمة ذكروا ما ثبت
علمياً الآن وهو أنّ الشمس ليست ضرورية لتنمو الحياة، فقد اكتشفت كائنات حية في أعماق
البحار تعتمد على حرارة باطن الأرض ومواد كيميائية لتنمو وتتكاثر فالمهم أن تتوفر الطاقة
لتنمو الحياة، والنجوم (كشمسنا) ليست المصدر الوحيد للطاقة في الكون:

عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، قال: [أما إن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثين
مغرباً أرضاً بيضاء مملوة خلقاً يستضيئون بنورها، لم يعصوا الله طرفة عين، لا يدرون أخلق
الله آدم أم لم يخلقه...] (١).

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: [إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين
عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمراً فيها خلق كثير لا يدرون أن الله
خلق آدم أم لم يخلقه..] (٢).

عن الباقر (عليه السلام): [إن من وراء شمسكم هذه أربعين عين شمس، ما بين شمس
إلى شمس أربعون عاماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، وإن من وراء
قمركم هذا أربعين قمراً ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن
الله خلق آدم أو لم يخلقه] (٣).

وهناك الأرض التي نعيش عليها، وإنّ هناك حياة عاقلة سبقتنا عليها:

فعن الباقر صلوات الله عليه: [لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين
ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عز وجل أبا هذا البشر وخلق ذريته منه] (١).

وَعن زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأََبي عَبْد اللَّه (عليه السلام): [جَعَلَنيَ اللَّهَُ فدَاكَ أَسْأَلُكَ فَي الْحَجّ
مُنْذُ أرْبَعينََ عَاماً فَتُفْتيني. فقَالَ: يَا زُرَارَةُ، بَيْتٌ حُجَّ إلَيْه قَبْلَ آدَمَ بألْفَيْ عَاٍم تُريدُ أنْ تَفْنَى
مَسَائلُهُ في أرْبَعينَ عَاماً] (٢).

إذن، قبل أكثر من ألف عام ذكر محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله):

- أن هناك حياة عاقلة مدركة غيرنا سبقتنا على هذه الأرض، وهذا اثبتته الاحفوريات
والأدلة الجينية كما بينا في هذا الكتاب.

- أن هناك حياة عاقلة ومدركة غيرنا موجودة ضمن كوننا الذي نعيش فيه، وهذا بحسب
المعلومات الكونية الحديثة ممكن جداً خصوصاً بعد رصد كواكب تشبه كوكب الأرض إلى حد
بعيد.

- أن هناك حياة عاقلة مدركة ليست في كوننا أصلاً بل ضمن أكوان أخرى غير كوننا الذي
نعيش فيه، وقد بينا هذا الأمرفيما تقدم عند مناقشة ميكانيكا الكم والاكوان المتعددة ونظرية
هيو افرت.

والحمد لله وحده.

إلهي.. لو أنّكَ بَعْدَ هذهِ الحَياة أعَدْتَني عَدَماً إلى أبَدِ الآبِدِين

لا أُبَالِي

فَكَثِيرٌ عَلَيّ أنّكَ تَفَضَّلْتَ وَخَلَقْتَنِي وَأحْيَيتَني هَذهِ الأيَّام لِأعْرفك.

أحْمَد الحَسَنِ

١٤٣٤
هـ.ق

٢٠١٣
م

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الفصل السادس: العدم غير منتج - وهم الإلحاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.