الفصول

الفصل الخامس: صفة الأثر دالة على صفة المؤثر في الإنسان

وهم الإلحاد · أحمد الحسن

المصدر ↗

الفصل الخامس

صفة الأثر دالة على صفة المؤثر

في الإنسان

سبق أن بيّنت كيف أنّ الدماغ باعتباره آلة ذكاء دليل دامغ على أنّ التطور هادف،
فالجينة التي تبني آلة ذكاء هي الجينة الأفضل؛ لأن آلة الذكاء هي أفضل آلة بقاء في المنافسة
على البقاء فمتى وُجدت جينة بناء آلة الذكاء في الحياة فإنّ التطور سيصقلها باتجاه ذكاء
أكبر، وهذا يثبت أنّ التطور هادف، وهذا يكفي لإثبات وجود إله وراء الهدف.

وقد وضعتْ نظريات كثيرة لتفسير نمو الدماغ بشكل مضطرد وسريع عند أسلاف الإنسان
في الملايين الأخيرة من السنين حتى وصل الأمر إلى دماغ الهومو سابينس، ويمكن اختصارها
جميعاً بقول واحد وهو إنّ الدماغ آلة البقاء الأفضل على الاطلاق فمتى توفرت الظروف المناسبة ووفر الطفر جينات تحسينها سواء كماً أم كيفاً فستنطلق باتجاه التحسين لا محالة.

الدماغ آلة بقاء مثلى بالنسبة للكائنات ولكن كلفتها الاقتصادية عالية على الجسم؛ لأنه
يحتاج لكمية طاقة كبيرة للعمل مقارنة ببقية أجزاء الجسم وبالتالي سيحتاج الجسم ككل
كميات غذاء كبيرة مع وجود دماغ أكثر تطوراً، ولهذا فهناك معادلة وهي: متى تمكن تحسين
هذه الآلة بالطفر الجيني من إفادة الجسم في تحصيل كميات غذاء أكثر لتحقيق الكفاية
والتمكن من التكاثر أو وفر لها فرصة إضافية للنجاة من الأخطار أو هيأ لها قدرة أفضل على
التواصل الاجتماعي فأكيد أنّ الانتخاب الطبيعي سيرسخ هكذا جيناً طافراً وبأسرع وقت
ممكن، وهكذا سينمو الدماغ طالما أنّ هناك طفراً جينياً متاحاً نحو التحسين، فالدماغ آلة
النجاة المثلى ولهذا فمن الطبيعي أنّ الانتخاب الطبيعي لن يتوقف عن تطوير آلة ذكاء الكائن
الحي حتى يستفرغ كل تحسين وفره الطفر الجيني.

ولعل أهم ما يميز أسلاف الإنسان في أفريقيا في الملايين الأخيرة هو حياتهم الاجتماعية فهم
يصيدون ويجمعون قوتهم ويتمكنون من النجاة كجماعات بشكل أكبر، وأكيد أنّ التواصل
الأمثل بين أفراد الجماعة هو محور بناء الجماعة الناجحة التي تحقق النجاة، وليتحقق
التواصل الأمثل يحتاجون إلى لغة تتطور أكثر فأكثر لتفي حاجة تواصلهم وبالتالي فكل جيل
جديد ربما يجد نفسه في مواجهة مفردات ومعلومات أكثر من سابقه ولابد لهم من حفظها
وهي تزيد مع الزمن وربما تتطور وتزداد صعوبة، فالبداية قد تكون لغة إشارات وأصوات قليلة
ولكنها مع الزمن تتكثر وتتعقد وهكذا تزيد حاجتهم إلى تحسين آلة الحفظ أو الدماغ، فمتى ما
وفر الطفر الجيني هذا التحسين فسيتم حتماً انتقاؤه وترسيخه من قبل الانتخاب الطبيعي
حيث إنّ الأفراد الذين سيحملونه سيكونون الأقدر على النجاة والتكاثر وانتقال جيناتهم إلى
الأجيال اللاحقة وجينات تحسين الدماغ كماً وكيفاً ستبقى تزيد وستترسخ في مجموع الجينات
الموجودة في الطبيعة وهكذا شيئاً فشيئاً يزيد حجم الدماغ.

أما توفر طفرات التحسين للدماغ بهذه الكثرة في الملايين الأخيرة بالذات أو حتى يمكن أن
نقول تقريباً بالمليوني سنة الأخيرة بالخصوص وربما فقط لسلف الإنسان بالخصوص، فلا
يوجد لدى علماء الأحياء ما يفسره تفسيراً دقيقاً غير المعرفة التي وفرها التاريخ الاحفوري من
أنّ هناك سنة تتكرر في التطور وهي: إنّ سرعة التطور غير ثابتة عموماً فهناك توقفات أو شبه
توقفات وفي المقابل هناك سرعة عالية نسبياً - بحسب مقاييس التطور - تقابل هذه التوقفات، ولكن هذه السنة التطورية لا يمكن أن تفسر توفير الطفر الجيني لطفرات تحسين
متتالية وبسرعة كبيرة في أوقات معينة نسبة إلى تاريخ التطور البطيء عموماً؛ لأننا عندما نقول
سرعة التطور أو سرعته باتجاه التحسين بالذات كأننا نقول إنّ هناك طفراً جينياً سريعاً
متجهاً نحو التحسين فالأمران متلازمان ولا تطور بدون طفر جيني، وكون الطفر الجيني يوفر
طفرات تحسين كثيرة جداً وبشكل ملحوظ لجزء في الجسم ولنوع معين وفي وقت دون آخر أمراً
لا يمكن تعليله لمن يقول إن الطفر الجيني عشوائي تماماً ومئة بالمئة.

ونحن يمكننا القول: إنّ الأمر هادف ومقصود؛ لأن الطفر الجيني وفّر طفرات تحسين كماً
وكيفاً للدماغ البشري بالخصوص وفي الفترة الأخيرة بالذات، فمن غير المعقول أن يعزى هذا
الأمر للمصادفة المحضة فقط.

فلماذا وفر الطفر الجيني طفرات تحسين كماً ونوعاً كثيرة جداً للدماغ البشري في الفترة
الأخيرة بالذات (مليوني سنة تقريباً)؟!

لماذا لم تتوفر طفرات تحسين للدماغ لبقية الكائنات كالشمبانزي مثلاً؟!

يمكن أن يجيب أحد علماء علم الأحياء التطوري ويفترض أنّ الطفرات أيضاً توفرت
للشمبانزي ولغيره ولكنها تحسينات مكلفة اقتصادياً فالدماغ يحتاج طاقة تشغيلية عالية،
فأي تحسين للدماغ لا يعني فقط قدرة أفضل على تحصيل الغذاء والتخلص من الأعداء
والنجاة عموماً بل يعني أيضاً الحاجة لطاقة إضافية والحاجة لغذاء إضافي وبالتالي تعريض
الحيوان لخطر إضافي، ولأن الشمبانزي غير منتصب على قدمين فلم يتمكن من تحقيق الفائدة
المثلى منها ليتم انتخابها ولهذا خرجت هذه الجينات ولم تثبت في مجموعة الشمبانزي الجينية،
في حين أنّ الإنسان لأنه منتصب كانت فائدتها بالنسبة له أكبر من كلفتها فتم انتخابها وتثبيتها
في مجموعته الجينية.

ولكن هذا الجواب يعني أيضاً أنّ التطور هادف ومخطط له ليصل إلى هدف معين؛ لأن
خطواته بحسب هذا الجواب مبنية بصورة تشبه ترتيب الصورة المقطعة (elzzup)، فخطوة
تحسين الدماغ كماً ونوعاً بصورة مضطردة لينتج لنا الدماغ الفائق لا تتحقق أبداً إلا في
الإنسان لأنها مبنية على خطوة سابقة وهي الانتصاب على ساقين اثنين فلما تحقق الانتصاب
تحقق بعده الدماغ الفائق، فالأمر إذن منظم وليس عشوائياً فتطور الدماغ كماً وكيفاً في الفترة الأخيرة (المليوني سنة تقريباً) يحتاج مقدمات لابد أن تبنى قبله وبدونها لن يحدث حتى
وإن توفرت طفرات التحسين المناسبة، وهذا باختصار يعني أنّ عملية التطور كيفما سارت
ستنتج الإنسان أو الكائن المنتصب العاقل ذو العقل الفائق لأن الطفر والانتخاب عاجلاً أم
آجلاً لابد أن يوفرا حيواناً منتصباً في النهاية، وهذا الحيوان إن توفر لابد أن يتطور دماغه كماً
ونوعاً بشكل كبير لينتج لنا الحيوان ذا الدماغ الفائق أو الإنسان؛ لأن الطفر والانتخاب عاجلاً
أم آجلاً لابد أن يفعلا هذا ونصل لهذه النتيجة أي الإنسان الحديث أو الهومو سابينس.

وإذا كان هناك من لا يريد أن يقبل بهذه النتيجة ككل، فلا محيص له عن قبول الأمر
الذي بينته بدليل قطعي وهو: أن الحياة المتطورة لابد أن تنتج ذكاء بأي حال من الأحوال
وكيفما سارت طالما توفر لها الوقت الكافي.

وقد مر قول كارل ساغان الذي بين فيه رأيه - ورأي غيره من العلماء - في الذكاء، والذي
يلزم من رأيه سواء أقر هذه النتيجة أو لم يقرها هو: إن هناك هدفاً للحياة والتطور، لأن هذا
هو المعنى الوحيد لكون آلة الذكاء هدفاً لابد أن تصله الحياة المتطورة أينما وجدت في الكون
الذي نعيش فيه.

«يعتمد عدد الحضارات المتقدمة في درب اللبانة على عوامل عديدة تتراوح بين عدد
الكواكب حول كل نجم وفرصة نشأة حياة عليها. ولكن بمجرد نشأة حياة في بيئة مناسبة
وإتاحة الفرصة لها للبقاء بلايين السنين، فإنها ستنمو حسب توقع كثير منا إلى مخلوقات
ذكية»(١).

ولكن هناك من لا يقبل هذه المسألة أي كون آلة الذكاء ناتجاً حتمياً لوجود الحياة
ويعترض عليها مثل ستيفن هوكنج (٢) حيث يقول:

«كيف نفسر اذن عدم وجود زوار لدينا من خارج الأرض؟ لعل الامر انه يمكن ان
يكون هناك بالخارج جنس متقدم واع بوجودنا، ولكنه يتركنا لنعاني نتائج اعمالنا البدائية.
إلا ان من المشكوك فيه ان جنسا كهذا سيراعي هكذا، مراعاة بالغة، شكلا من الحياة هو ادنى منه: هل يهتم الكثيرون منا بعدد ما يهرسونه تحت اقدامهم من الحشرات ودود
الأرض؟ هناك تفسير اكثر معقولية، وهو ان ثمة احتمالا صغيرا جدا بأن تنشأ الحياة على
كواكب أخرى أو بان تطور هذه الحياة ذكاء. ولما كنا نحن نزعم اننا اذكياء، وإن كان هذا
فيما يحتمل من غير أسباب قوية، فإننا ننحو الى ان نرى الذكاء نتيجة حتمية للتطور. إلا
ان في وسع المرء أن يشك في ذلك. فليس من الواضح إن كان للذكاء قيمة كبيرة في
استمرار البقاء. والبكتريا تجيد البقاء تماما بلا ذكاء وسوف تستمر باقية بعدنا اذا أدى بنا
ذكاؤنا المزعوم الى ان نمحو انفسنا من الوجود في حرب نووية. وهكذا فإننا عندما
نستكشف المجرة قد نجد فيها حياة بدائية، ولكن ليس من المرجح اننا سنجد كائنات
تشبهنا»(١).

الحقيقة، إنّ اعتراض ستيفن هوكنج وغيره كثيرين لا يصلح للاعتراض على ما أردنا إثباته
فيما تقدم؛ لأننا لا نريد إثبات أنّ آلة الذكاء هي أفضل آلة تمكن الأجسام من البقاء في كل
الظروف بما فيها الظروف المتطرفة، وإنما غاية ما نريد إثباته أنّ آلة الذكاء هي أفضل آلة
بقاء عند المنافسة مع الأقران على الغذاء أو النجاة أي في مسيرة تطور الحياة وبالتالي فلابد
للتطور أن يصل لها ويطورها إن توفر الوقت الكافي.

فالكلام ليكون علمياً ودقيقاً لابد أن يحصر في أثر آلة الذكاء في مسيرة التطور للكائنات
ومقارنتها بآلات البقاء الأخرى عند المنافسة على الغذاء أو النجاة، وعندها حتماً ولا مناص لنا
عن إصدار الحكم بأنّ آلة الذكاء هي آلة البقاء المثلى.

وإذا كان الأمر كذلك، فالكلام في البكتريا أو الكائنات وحيدة الخلية حقيقية النواة يكون
- وإن كان خيالياً - فيما لو ظهرت آلة ذكاء نتيجة الطفر في بعض أفرادها فحتماً ستكون
أفضلية البقاء للأفراد الذين يمتلكون آلة الذكاء؛ لأنها ستعطيهم أفضلية للحصول على الغذاء
والنجاة من الأعداء أكثر من أي آلة بقاء أخرى كالأسلحة البايولوجية والسرعة وبالتالي
فسيختار التطور آلة الذكاء ويطورها وهكذا، فالأمر محسوم ولا مخرج منه لستيفن هوكنج
ودوكنز وغيرهم إلا أن يفترضوا حياة جامدة عند متحجرات بكتيرية حية. وهذا فرض خيالي لا
يمكن تحققه في الواقع طالما كان هناك طفر تحسين ووقت كاٍف لتثبيته.

والحقيقة، إنه حتى على مستوى المغالطة التي طرحها هوكنج وغيره فيمكننا القول إنّ
البكتريا متى ما دخلت في سباق منافسة على البقاء مع كائنات ذكية بما يكفي فإن النصر
سيكون للذكاء لا محالة، وخير دليل هو ما يحصل الآن في المجال الطبي هل يشك هوكنج أن
ذكاءنا يمكّننا من الانتصار على البكتريا التي تهاجم أجسامنا، وهل يشك في أنّ ذكاءنا مكّننا
من إبادة كثير من أنواع البكتريا الضارة في أي مكان محدد نختاره كغرف العمليات مثلاً. وليس
ببعيد تصور أن يصل الإنسان إلى إمكانية إبادة أي نوع بكتريا أو كائنات مجهرية حقيقية النواة
على مستوى الأرض ككل.

أعتقد أنّ الأمر حُسم الآن بأنّ الحياة - طالما كان هناك تطور فهي - هادفة وهدفها إنتاج
آلة ذكاء، وطالما كان هناك هدف فلابد أنّ وراءه مقنن هادف يريد تحقيقه وإن كنا لا نراه
بأعيننا فها قد رأيناه بعقولنا وبآلات الذكاء التي أنتجتها رسالته التي أرسلها وأظهرتنا إلى الوجود
كأجسام بايولوجية ذكية.

وبالنسبة لتوصل البشر بواسطة آلة الذكاء إلى نظرية ميكانيك الكم وقانون التكافؤ ومن
ثم انتاج الطاقة النووية فهو بالتأكيد مفيد وآلة الذكاء إلى هنا لم تخطئ ولو استخدمنا آلة
الذكاء فهي لا تقول لنا أصنعوا أسلحة نووية وفجروها في الأرض، والحرب النووية لو قامت
فهي ليست من انتاج آلة الذكاء بالتأكيد بل هي لا تكون حتماً إلا بتجميد آلة الذكاء لدى
الإنسان، فآلة الذكاء ليس لها مدخلية بقرار أخرق اتخذته الحكومة الأمريكية عندما قامت
بضرب اليابان بالأسلحة النووية.

أعتقد من الظلم أن تُحمَّل آلة الذكاء تصرفاً مبنياً على تجميدها.

الحيوانات تشاركنا في القدرة على التفكير والرد، وهناك أمثلة كثيرة في المملكة الحيوانية
ولعل أوضح أمثلة معروفة لهذا هي القردة العليا وقدرتها على استخدام آلات من أحجار
وأغصان أشجار للحصول على غذائها، والشمبانزي يستطيع تعلم لغة الاشارة ويستطيع
التعامل مع اللغة بذكاء وهو يحدد عدوه أو من يزعجه ويؤذيه بدقة ويحاول إهانته لو سنحت له الفرصة، وفي بعض التجارب أظهر القدرة على التفكير وتحديد المشكلة وايجاد حل لها،
والاورنجوتان لديه قدرة على التقليد والتعلم.

يقول ألفريد راسل والاس(١) wallace russel Alfred المكتشف المشارك لنظرية التطور:

«إن طفل الأورنجوتان(٢) يتصرف تماما مثل طفل الإنسان في ظروف مماثلة»(٣).

وذكاء الاورنجوتان (إنسان الغابة) لايخفى على من يتعامل معه.

«اكتشف عالما النفس بياتريس وروبرت جاردنر من جامعة

Beatrice and Robert gardner

نيفادا ان بلعوم الشمبانزي وحنجرتها لا تناسبان النطق الانساني............ وفق جاردنر
وزوجته إلى فكرة رائعة، وهي تعليم الشمبانزي لغة الإشارة الأمريكية امسلان وتسمى
احيانا لغة الصم والبكم، وهي تتلائم تماما مع مقدرات الشمبانزي التشريحية ولها ايضا
كل الخواص المهمة للغة المنطوقة......... عندما رات واشو - شمبانزي اختبار- لأول مرة
بطة تعوم في بركة، وصفتها بإشارة تقول طائر الماء وهو تعبير اخترعته واشو. ولم تكن
لافا - شمبانزي اختبار - قد رأت من قبل فاكهة مستديرة غير التفاح، ولكنها كانت تعلم
الألوان الأساسية، وعندما رات فني معمل ياكل برتقالة وصفتها بانها التفاحة البرتقالية.
وبعد ان أكلت بطيخا، وصفته لوسي - شمبانزي اختبار- بانه الفاكهة التي تشرب "وهي
جملة تعادل اسم البطيخ بالانجليزية "water وعندما احترق فمها من اكل فجل حار

melon

وصفته بانه اكل البكاء المؤلم. وعندما رات واشو عروسة "لعبة " في فنجانها قالت "طفل
في مشروبي" وعندما كانت واشو تتبرز على ملابسها او على فرش المنزل كان يقال لها
"قذرة" واعتبرتها هي سبا، فعندما كان يضايقها قرد معين كانت تقول له "قرد قذر، قرد
قذر، قرد قذر". وأحيانا كانت تداعب المشرفين بقولها "يا جاك يا قذر اعطني أشرب".
وفي لحظة غضب وصفت لافا مدربها بقولها يا براز أخضر واستطاعت لوسي ان تميز بين
روجر يزغزغ لوسي ولوسي تزغزغ روجر وهي تمارس أيا من النشاطين بحماس.

تعلمت الشمبانزي وغيرها من الحيوانات الرئيسية (غير الانسان) لغات إشارات أخرى
غير امسلان ففي مركز أبحاث الحيوانات الرئيسية يركس yerkes بأطلانتا Atlanta ولاية
جورجيا تتعلم الحيوانات لغة كمبيوتر خاصة يسميها المشرفون يركيش

Georgia

....................yerkish تراقب لافا – شمبانزي - جملتها كما يسجلها الكمبيوتر وتمحو ما به
من اخطاء اجرومية. في إحدى المرات وفي اثناء تكوين لافا لجملة معقدة تعمد المدرب
عدة مرات ان يحشر كلمة تفقد جملة لافا معناها نظرت لافا إلى شاشة الكمبيوتر ورأت
المدرب على مكتبه، فكتبت من فضلك ياتيم أترك الغرفة.....................

من الممكن توقع نمو اللغة عند الشمبانزي خلال حياة قليلة إذا اصبحت الشمبانزي
غير قادرة على الاتصال وفاقدة لقدرتها على المعيشة أو على التناسل. إن اللغة الانجليزية
الاساسية تتكون من حوالي الف كلمة، وهناك من الشمبانزي من هي قادرة على استعمال
مائة كلمة، ولعله من الممكن بعد أجيال قليلة من الشمبانزي المتحدث أن يستطيع القراء
الحصول على مذكرتها مكتوبة بالانجليزية أو اليابانية مع عبارة كما قصها الشمبانزي على
فلان!!

إذا كان للشمبانزي وعي وإذا كانت قادرة على التجريد، اليس لها الحق الان فيما
نطلق عليه اسم حقوق الانسان؟ أي حد من الذكاء يجب أن تبلغه الشمبانزي قبل ان
نعتبر قتلها جريمة؟ أية صفات يجب ان تظهرها قبل ان يعتبرها المبشرون مستحقة
للإرشاد الديني؟

منذ فترة قريبة صحبني باحث كبير للحيوانات الرئيسية في زيارة لمعمله، دخلنا في
ممر طويل تمتد على جانبية أقفاص الشمبانزي. كان بكل قفص حيونان او ثلاثة، وكانت
الأقفاص مماثلة للموجودة في مثل هذه المؤسسات أو حدائق الحيوانات التقليدية، عندما
اقتربنا من أول قفص أبرز سكانه انيابهم وقذفوا المدير ببصاقهم بدقة بالغة حتى اغرقوا
بدلته الانيقة، ثم بداوا في أطلاق صيحات متقطعة امتدت وتضخمت في باقي الاقفاص،
مع صوت ارتجاج حديدها، قال لي المدير إن ما يقذفونه يكون أحيانا غير البصاق ونصحنا
بالانسحاب، وذكرني هذا بأفلام الثلاثينيات والاربعينيات حيث كان المساجين يدقون
بادوات الأكل على اقفاصهم الحديدية عند ظهور حارسهم المستبد.

كانت الشمبانزي بحالة صحية جيدة وكانت تغذيتها ممتازة، فإذا كانت الحيوانات
مجرد حيوانات والحيوانات لا تجرد، فإن المقارنة تصبح لامعنى لها، ولكن الشمبانزي
تستطيع التجريد وهي مثل غيرها من الحيوانات الثدية - قادرة على المشاعر
العميقة.......... إن القدرة المعرفية للشمبانزي تفرض علينا بعض المقاييس الأخلاقية التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار والتي من الممكن ان تمتد إلى أسفل انواع سكان الارض
وإلى أعلى سكان الفضاء الخارجي، إذا وجدوا»(١).

كل ما تقدم، لو صح بكل تفاصيله، لا يعني بحال أنّ الإنسان هو فقط جسم حيواني
متطور عن أجسام سبقته فمسألة مشاركة الحيوانات لنا بالتفكير والتجريد في حدود أدنى
مسألة يقرها الدين أو على الأقل لنقل الإسلام ونص عليها القرآن:

﴿حَتَّى إذَا أَتَوْا عَلَى وَادي النَّمْل قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مََسَاكنَكُمْ لاَ يَحْطمَنَّكُمْ
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.....َ...... وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا ليَ لاَ أرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ منَ
الْغَائبينَ....... فَمَكَثَ غَيْرَ بَعيٍد فَقَالَ أحَطتُ بمَا لَمْ تُحطْ به وَجئْتُكَ من سَبٍَإ بنَبٍَإ يَقيٍن﴾(٢).

﴿وَمَا من دَآبٍَّة في الأرَْض وَلاَ طَائرٍ يَطيرُ بجَنَاحَيْه إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا في الكتَاب من
شَيٍْء ثُمَّ إلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ﴾(٣).

ونحن إن قلنا بالتطور فأكيد نقول: إنّ القدرة على التفكير لدى الإنسان تطورت مع
الزمن ومع تطور دماغه كماً وكيفاً ولكنها قدرة مميزة عن بقية الحيوانات بشكل كبير، وقد
بينت سابقاً الدليل على أنّ تطوير آلة الذكاء يمثل هدفاً حتمياً للتطور بالصورة التي نعرفها
على هذه الأرض، ثم بيّنا كيف أنّ السرعة النسبية لتطور دماغ البشر في ما يقارب المليوني
سنة الأخيرة وتحوله إلى دماغ فائق تمثل دليلاً على أن أدمغتنا بالذات تمثل هدفاً للتطور وفي
كل موضع تمكّنا من إثبات أن التطور هادف فقد أثبتنا وجود إله وراءه.

والآن نريد أن نخرج من آلة الذكاء إلى نتاج آلة الذكاء ونرى ما يميزنا ثقافياً وبوضوح لا
لبس فيه عن بقية الحيوانات.

فالآن نريد أن يكون استدلالنا على وجود الإله من خلال الثقافة المتخصصة بالذات ولن
يكون من خلال تميّز الإنسان في القدرة على الحياة الاجتماعية أو التفاهم وايجاد وسيلة لغوية لذلك، فهناك كثير من الحيوانات تعيش حياة اجتماعية منظمة بدرجات متفاوتة كالنمل
والنحل والضباع والأسود والشمبانزي والأورانجوتان ولديها وسائلها اللغوية للتفاهم مع
بعضها البعض، ولغة الاشارة يستخدمها النحل وهو دون الشمبانزي بكثير.

إذن، فبحثنا الآتي في الثقافة الإنسانية ودلالتها على وجود الإله لن يكون في امتلاك دماغ
أو آلة ذكاء ولا في القدرة على التفكير والتجريد، بل سيكون في الثقافة الإنسانية المتخصصة
والتي ظهرت فجأة قبل بضعة آلاف من السنين ودلالة هذه الثقافة على وجود الإله، هذه
الثقافة التي تمثل تنظيماً أخلاقياً راقياً للحياة ويمكن أن نميزه بوضوح في إعطاء الآخرين
حقوقهم ووضع قانون لذلك، وفي الإيثار الحقيقي غير المبني على الأنانية الجينية أو توقع
المنفعة، هذا إضافة إلى وضع أسس المعرفة والحياة المترقية كقوانين العقوبات والقراءة
والكتابة وأنظمة الحساب وما شابه والتي دخلت إلى الحياة الإنسانية في فترة معينة، ونحن
نريد بيان أنها أتت بتعليم خارجي وبتغيير جذري طرأ على الحياة الإنسانية.

وهذا إقرار جلي وواضح لدكتور دوكنز أنّ هذه الأمور تأتي بتعليم وهي مضادة تماماً
لبيولوجيا الحيوان التي تسيطر على أجسامنا الحيوانية:

«فأنا لا أدافع عن سلوك يستند إلى التطور، أنا فقط اتحدث عن كيفية تطور الاشياء.
أضف أنني لا اتحدث عن السلوك الأخلاقي الذي يجدر بنا نحن البشر اعتماده وانا أشدد
على هذه المسألة لأني اعلم أنني اواجه خطر ان يسيء فهمي كثيرون من الذين يعجزون
عن التمييز بين التصريح بالإيمان بما هو عليه الحال وبين الدفاع عما ينبغي أن يكون
عليه الحال. شخصيا أعتقد بان المجتمع المبني فقط على قانون الانانية الكونية العديمة
الشفقة للجينة، سيكون مجتمعا كريها يصعب العيش فيه ولكن لسوء الحظ ومهما بلغ
استهجاننا أي امر، فهذا لا يحول دون كونه حقيقة، ولابد لي من القول إن غايتي من هذا
الكتاب ان يكون مثيرا للاهتمام. ولكن إذا كنت تود الخروج بعبرة منه فاقراه كإنذار. في
حال كنت مثلي ترغب في بناء مجتمع يتعاضد أفراده بسخاء بعيدا عن الانانية لما فيه
الخير العام، تنبه إلى أنك لا تستطيع توقع الحصول على الكثير من الدعم من جانب
الطبيعة البيولوجية فلنحاول تعليم الكرم والايثار لاننا ولدنا انانيين. فلنحاول فهم ما
تخطط له جيناتنا الانانية، لأننا قد نحظى عندئذ أقله بفرصة لإفساد مخططاتها، وهو أمر لم يسع إليه أي من الكائنات الأخرى »(١).

نحن نحتاج أن نتعلم الإيثار، وهذا ما سأناقشه فيما يأتي وسنحاول معاً أن نعرف من
علّمنا الإيثار؟! أو من أين تعلمنا الإيثار الحقيقي؟! وهو بالضد تماماً لتركيبتنا البيولوجية
الأنانية والتي توجّهنا بأنانية جينية.

مسألة حقوق الحيوانات واحترامها التي ذكرها د. ساغان بل وحتى كونها يمكن أن تدرك
الدين بقدرٍ ما وبالتالي فهي أهل للتبشير الديني بقدرها، فهذا يقره الدين الإسلامي والقرآن
وعلى الأقل يمكن أن نقول مذهب آل محمد (عليهم السلام) ونحن لدينا في القرآن والسنة
عن النبي والأئمة (عليهم السلام) أنُ الحَيوانات أمم مثلنا ويجب احترامهم ﴿وَمَا مُن دَآبٍَّة في
الأرَْض وَلاَ طَائرٍ يَطيرُ بجَنَاحَيْه إلاَّ أمَمٌ أمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا في الكتَاب من شَيٍْء ثمَّ إلَى رَبّهمْ
يُحْشَرُونَ﴾(٢).

وآل محمد (عليهم السلام) بيّنوا أنّ الشخص الذي يربي ويحسن إلى خروف يكره له أن
يقوم بذبحه؛ لأن هذا الخروف قد اعتاد من هذا الشخص الإحسان إليه، وهذا دليل على أن
الإسلام الحقيقي الذي نقله أهل البيت (عليهم السلام) يعتبر أن لدى الخروف مشاعر
وأحاسيس يفترض احترامها [عن مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن بإسْنَاده، عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن الصَّفَّار،
عَنْ يََعْقُوبَ بْن يَزيدَ، عَنْ يَحْيَى بْن المُْبَارَك، عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَبَلَةَ، عَنْ مُحَمَّد بْن الْفُضََيْل،
عَنْ أبي الْحَسَن (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَانَ عنْدي كَبْشٌ سَمَّنْتُهُ لأضَُحّيَ به فَلَمَّا أخَذْتُهُ وَأَضْجَعْتُهُ نَظَرَ إلَيَّ فَرَحمْتُهُ وَرَقَقْتُ لَهُ،ثُمَّ إنّي ذَبَحْتُهُ. قَالَ: فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحب لَكَ أَنْ تَفْعَلَ
لاَ تُرَبّيَنَّ شَيْئاً منْ هَذَا ثُمَّ تَذْبَحُهُ] (١).

أما التبليغ الديني فعلى مستوى الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء من المؤكد أنّ كثيراً من
الحيوانات سمعت دعواتهم، وفي القرآن لدينا قصص لحيوانات سمعت بدعوات الأنبياء
كالهدهد والنملة في قصة سليمان (عليه السلام).

قول د. دوكنز:

«فلنحاول فهم ما تخطط له جيناتنا الانانية، لأننا قد نحظى عندئذ أقله بفرصة لإفساد
مخططاتها، وهو أمر لم يسع إليه أي من الكائنات الأخرى »(٢).

والحق، إنّ المنصف لابد له أن يقول إننا كنوع إنساني فعلاً أفسدنا أنانية الجينات
فالأخلاق العليا أو الإيثار الحقيقي الذي نشره أنبياء الله ورسله وجاءت به الأديان الإلهية قد
حطّم هذه الأنانية، فهذه الأنانية الجينية تقول: ابني أفضل من ابن أخي، وأخي أفضل من ابن
عمي، وابن عمي أفضل من الغريب، وابن مدينتي أفضل من ابن المدينة الأخرى، وابن بلدي
أفضل من ابن البلد الآخر، وابن قوميتي أفضل من ابن القومية الأخرى، وبلدي أفضل من
البلد المجاور، أما الأنبياء والأديان فقد جاءت بالإحسان وايثار الغريب على النفس والأولاد،
وانتشرت هذه الأخلاق الإيثارية بين الناس، ولن أتعرّض لغير قصة تاريخية مشهورة في الإسلام
وقد نزل بها قرآن وهي قصة أصحاب رسالة الإسلام أنفسهم وهم عائلة محمد (صلى الله عليه
وآله) نبي الإسلام، هي قصة بقاء علي وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وأبنائهم الصغار
جياعاً بعد أن قاموا بإعطاء طعامهم للفقراء ﴿وَيُطْعمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّه مسْكيناً وَيَتيماً وَأَسيراً * إنَّمَا نُطْعمُكُمْ لوَجْه اللَّه لاَ نُريدُ منكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً﴾(١).

سورة الإنسان وهي تروي قصة الإنسان الحقيقي الذي انتصر على حيوانيته وجاء لينقذ
الآخرين من حيوانيتهم الجينية الأنانية، لم يطلبوا بهذا الايثار سمعة لأنه كان بالسر وهم أصلاً
كتموه ولم يذيعوه، ولم يطلبوا به منفعة متبادلة فهم أعطوا ولم يأخذوا شيئاً، ولم يكن
عطاؤهم يسيراً لأنه كان بالنسبة لعلي وفاطمة (عليهما السلام) مخاطرة بحياة أطفالهم.

بفضل هؤلاء وأشباههم من أنبياء الله ورسله لدينا اليوم أفراد ومجموعات وحتى دول
يؤثرون الآخرين الغرباء عنهم وإن كان بالقليل الذي لا يؤثر في حالهم وربما هناك غايات من
وراء العطاء في بعض الأحيان، ولكنها عموماً خطوة بالاتجاه الصحيح وصلنا لها بفضل أولئك
العظماء، فهم الأمثلة الإيثارية العليا التي تعلمت منها البشرية.

نحن اليوم نمتلك انتصارات حقيقية على الأنانية الجينية ولكنها جميعاً تستند إلى جهود
أولئك العظماء أنبياء الله ورسله الذين ضربوا المثل الأعلى في الايثار الحقيقي لينقذوا
الإنسانية من حيوانيتها.

أعتقد أنّ فعل علي وفاطمة (عليهما السلام) يستحق من عالم علم الأحياء التطوري أو
علم الأحياء الاجتماعي الملحد أن يراجع حساباته على الأقل وهو يراهم قد شخصوا داء الأنانية
الجينية ووضعوا له العلاج قبل أن يشخصه علماء علم الأحياء التطوري بأكثر من ألف عام.

[عن ابن عباس، قال:في قوله تعالى "يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً
ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً" قال: مرض الحسن والحسين فعادهما
جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما عامة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت
على ولدك نذراً، فقال علي:إن برءا مما بهما صمت لله عز وجل ثلاثة أيام شكراً، وقالت فاطمة
كذلك، وقالت جارية يقال لها فضة نوبية: إن برأ سيداي صمت لله عز وجل شكراً، فألبس
الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير فانطلق علي إلى شمعون الخيبري
فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء بها فوضعها، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته وصلى علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه
إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من أولاد
المسلمين أطعموني أطعمكم الله عز وجل على موائد الجنة، فسمعه علي فأمرهم فأعطوه
الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع
وخبزته وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم ووضع الطعام بين يديه إذ أتاهم يتيم فوقف
بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد يتيم بالباب من أولاد المهاجرين استشهد والدي
أطعموني فأعطوه الطعام فمكثوا يومين لم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثالث قامت
فاطمة إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته فصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم ووضع
الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت النبوة تأسروننا
وتشدوننا ولا تطعموننا أطعموني فإني أسير فأعطوه ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلا
الماء، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما بهم من الجوع، فأنزل الله تعالى:"هل أتى
على الانسان حين من الدهر"، إلى قوله:"لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً"] (١).

أفراد الحيوانات ومنها الإنسان عادة يتصرفون بصورة أنانية، فلا يوجد في الطبيعة من
يقدم الطعام لغيره أو يهتم بغيره دون ثمن، فالحيوانات على المستوى الفردي لا يطعم بعضها
بعضاً ولا يهتم بعضها ببعض، وفي الطبيعة التصرفات الإيثارية الظاهرية قليلة نسبة إلى
السلوك الأناني الفردي، فقد يقدم ذكر الطعام وبناء عش لأنثى لأنه يريد أن يمرر جيناته إلى
جيل لاحق من خلال تلقيح بيوضها التي تستثمر الأنثى فيها غذاء الجنين عادة، والأهل قد
يقدمون الطعام والحماية لأبنائهم ولكن هل هذا إيثار حقيقي؟! وإذا لم يكن حقيقياً فعن أي
ايثار نتكلم عندما نريد إثبات خصوصية الإنسان بأنه كائن يمتلك الأخلاق وقاعدتها آلام الإيثار.

نحن في الدين نتكلم عن الايثار بقدرٍ ما، عندما نطرح محاربة الأنا على مستوى المجتمع
والمحيط الذي نعيش فيه، ولهذا فمن الضروري أن نميّز الإيثار الذي نقصده بصورة واضحة
وجلية لكي لا نسمح للمغرضين الذين يهدفون إلى تجهيل الناس بتمرير قانونهم المخادع الموَحَد
الذي يستعملونه بأجمعهم سواء كانوا علماء دين أم ملحدين أم من اتخذ بين ذلك سبيلاً،
هذا القانون - أو المغالطة - الذي يقول لك: انظر في يدي جوزة وهي مستديرة الشكل ثم يرفع
لك في اليد الأخرى شيئاً آخر مستديراً ويقول لك: انظر إنها مستديرة إذن فهي جوزة.

الإيثار عموماً كلنا نعرفه وهو في مقابل الأنانية، والذي يمكن أن نعرفه على أنه تفضيل
الآخر على النفس أو على آخر أقرب في سلوك معين.

ولو نظرنا حولنا سنجد لدى بعض الحيوانات سلوكاً إيثارياً في بعض الأحيان، فممكن أن
نشخص مثلاً سلوك الآباء والأمهات تجاه أبنائهم وسلوك عاملات النحل تجاه الملكة والعاملات
الأخر والخلية ككل، ولكن هل هذا سلوك ايثاري حقيقي أم أنّ ظاهره سلوك ايثاري أما
حقيقته فهو سلوك أناني جيني؛ حيث إنه مبني على أنانية جينية ومحاباة الطبيعة وتفضيلها
لبقاء الأجساد التي ضمّت هذه الجينات التي تسبب هذا السلوك الايثاري أي مداراة الأهل
للأبناء وتوفير الطعام لهم وتضحية الشغالات لأجل حماية الخلية والملكة وأخواتها، فهذه
الجينات كانت تحمل صفة النجاح للمرور والاستمرار والبقاء، فالحقيقة البايولوجية أنّ الأب
والأم يدارون الأبناء؛ لأن هناك جينة في تركيبتهم الجينية تدفعهم لهذا (من خلال تأثيرها في
بناء الجهاز العصبي أو الدماغ أو الغدد والهرمونات مثلاً)، وأنّ أحد أسباب نجاح تركيبتهم
الجينية في الانتشار والبقاء هو وجود تلك الجينة التي تدفعهم لهذا السلوك الإيثاري.

أما كيف تنتفع تركيبة جينات الأهل من الأبناء في البقاء والاستمرار، فهذا يمكن تفسيره
ببساطة حيث إن الأبناء يحملون جينات الأهل بنسبة معينة، فطفل الإنسان مثلاً يحمل نصف
جينات أبيه ونصف جينات أمه.

إذن، فالأهل الذين تحتوي تركيبتهم الجينية لجينة ايثار الأبناء وتوفير كفايتهم ليتمكنوا
من الوصول إلى سن البلوغ والتكاثر سيحققون - هؤلاء الأهل - دوام جيناتهم في الأجيال
اللاحقة وبقائها، إذن فهذا النوع من الايثار (إيثار الأهل للأبناء) أصله جيني أناني - أي بنته
أنانية الجينات المفترضة - وليس إيثاراً حقيقياً. أما الأهل الذين لا يعتنون بأبنائهم بشكل جيد أو لنقل الأهل الذين لا تحتوي تركيبتهم الجينية جينات تدفعهم إلى الايثار بدرجة كافية لتوفير
كفاية الأبناء (مثلاً توفير العش والطعام والحماية) فلن يتمكنوا - هؤلاء الأهل - من تمرير
جيناتهم إلى الأجيال اللاحقة؛ لأنهم باختصار لن ينجحوا في تربية أبناء يصلون إلى سن البلوغ
والتكاثر وتمرير تركيبتهم الجينية إلى الأجيال اللاحقة، وبهذا يُعاقب هؤلاء الأهل أو لنقل تُعاقب
هذه التركيبة الجينية أو الخريطة الجينية ولا تستمر جيناتهم (الخاصة) في هذه الحياة وتخرج
من السباق.

فمسألة اهتمام الأهل بأبنائهم معللة جينياً تماماً، ولو وجدت الجينات استراتيجية أخرى
ناجحة غير الاهتمام المباشر للأهل بأبنائهم فمن الممكن أن تسلكها كما هو حاصل في طير
الوقواق، فهذا الطائر يضع بيوضه في أعشاش ضحاياه ليقوموا بتربية أبنائه وهو لا يهتم لأبنائه
ولا يحمل أي عاطفة تجاههم، وعلاقته بهم تنتهي بمجرد أن يوفر كفايتهم عندما يضعهم في
عش الضحية الذي سيتورط بتربيتهم نيابة عنه، وهذا دليل واضح على أنّ المتحكم بالمسألة
في حدود الأجسام هي الجينات.

ونفس الأمر في شغالات النحل، فدرجة قرابتهم من أخواتهم عالية جداً وتفوق درجة
قرابتهم من أمهم؛ لأن الأخوات جميعاً يحملون نسخة متطابقة من جينات الأب، ولهذا فهناك
سبب منطقي لتسابقهم على التضحية بالنفس من خلال التسابق للهجوم على العدو - مع أنّ
الشغالة التي تلدغ تموت - فهذه الجينة الإيثارية نجحت في التكاثر والاستمرار والبقاء؛ لأنها
باختصار كانت الأقدر في الحفاظ على الخلية ككل، فموت الشغالة الظاهري يمثل مكسباً
لجيناتها أكبر من بقائها حية؛ لأنها بتسابقها للموت عوضاً عن أخواتها ودفاعاً عن أمها (ملكة
النحل) تكون قد ساهمت ببقاء واستمرار نسخ كثيرة من جيناتها الموجودة في أجساد كل
أخواتها الشغالات وأسهمت ببقاء جيناتها الموجودة في البيوض والحيامن الموجودة في جسم
أمها (ملكة النحل)، وأكيد أنّ تركيبة جينية كهذه أقدر على البقاء والاستمرار من تلك التي لا
تقدم على التسابق للتضحية بالنفس فالطبيعة ستختار المقدامة المتسابقة للتضحية أو لنقل
إنها قادرة بجدارة على البقاء والاستمرار ومقاومة الظروف الطبيعية المحيطة بها.

وعموماً، يمكن لأنانية الجينات أن تعلل الصفة الإيثارية لكائن تجاه كائن آخر متى ما
كانت التضحية تجلب فائدة لجيناته أكبر وحتى بغض النظر عن علاقة القربى بينهما.

فيمكن أن يعلل إيثار الأهل لأبنائهم جينياً وأن الجينات التي تؤدي هذه الوظيفة ستكون
مفضلة وقادرة على البقاء بصورة أكبر من الجينات الأخرى التي لا تسمح بايثار الأهل لأبنائهم
أو لا تشجعه، وبنفس الطريقة يمكن أن نعلل السلوك الايثاري للأخ الأكبر تجاه أخيه الأصغر
أو للأبناء تجاه أهلهم، ويمكن أن نعلل تنظيف بعض الحيوانات لبعضها البعض أو حتى إطعام
الخفافيش مصاصة الدماء لجيرانها؛ لأنها تتوقع فائدة مستقبلية وإن كان بصورة غير واعية.

ولكن لا يمكن لنظرية الجينة الأنانية أن تعلل تضحية شخص لإنقاذ شخص آخر غريب
عنه أو لطفل غريب عنه أو إعطاء شخص طعامه أو الماء الذي لديه لآخرين مع أنه بحاجة
إليه؛ لأنه في مثل هكذا حالات إن كان نصيب المؤثرالهلاك أو على الأقل عدم القدرة على تكثير
جيناته الخاصة أو تقليل فرصه فستكون خسارته الجينية أكبر من ربحه في الجينات المشتركة
مع الذي قام بإنقاذه أو أعطاه طعامه أو آثره على نفسه عموماً. وللتوضيح أكثر بلغة الأرقام:
فحياتي تساوي نقل جيناتي العاملة وبقاءها مئة بالمئة، أما حياة فلان الغريب عني فتساوي
نقل جزء من جيناتي العاملة وهذا الجزء هو عبارة عن الجينات المشتركة بيني وبينه كأن تكون
خمسة بالمئة وهكذا، الأمر واضح أنّ خسارة حياتي تعني خسارة أكبر بالنسبة لبقاء جيناتي،
ولهذا فنظرية الجينة الأنانية عاجزة عن تفسير هكذا أنواع من الايثار، الذي قد تكون جينات
المؤثر فيه خاسرة وبشكل كبير، إذن لا يمكن تعليل هكذا سلوك ايثاري بأنه مبني على أنانية
جينية.

أيضاً: الإيثار التبادلي إيثار غير حقيقي، فباعتباره استراتيجية تطور مفضلة فمتوقع أن
يسود عند الحاجة إليه كما هو في تنظيف بعض الحيوانات لبعضها البعض أو اجترار
الخفافيش مصاصة الدماء الغذاء لجيرانها؛ وذلك لأن المجموعة الجينية التي تحمل جيناته
سيفضلها الانتخاب وستسود حتماً، فالمجموعة الجينية التي لا تحمل هذا النوع من الايثار
التبادلي ستخرج من سباق التنافس لأنه سيكون مصير أفراد نوعها الانقراض، فمثلاً:
الخفافيش مصاصة الدماء لا تستطيع البقاء دون غذاء أكثر من يومين وبالتالي فإن الايثار
التبادلي طوق نجاة لكل فرد لا يجد غذاء في ليلة ما، وما أكثر من لا يجدون الغذاء وبالتالي
فالايثار التبادلي هو طوق نجاة للنوع ككل، فأكيد أن يفضله الانتخاب الطبيعي، وعموماً
فالايثار التبادلي معلل علمياً بصورة جيدة.

وأيضاً: هناك الإيثار لأجل السمعة، والحقيقة يمكن أن نقول إنّه نوع من الإيثار التبادلي أيضاً خصوصاً إذا كان الهدف من التضحية بالطعام لأجل الآخرين هو التفاخر والسمعة
وبالتالي للحصول على مكاسب أكبر كجذب انتباه عدد أكبر من الإناث وبالتالي الزواج بعدد أكبر
من الإناث،وهذا يعني النجاح في نقل الجينات الفردية إلى الأجيال التالية بصورة أوسع وأكبر،
إذن فهذه الأنواع من الإيثار التي سيأتي تفصيلها بصورة أوسع معللة جينياً.

وأكيد أنّ هكذا أنواع من الإيثار غير الحقيقي والذي بنته أنانية الجينات ليس مقصودنا
وهدفنا؛ لأننا نبحث عن إيثار أخلاقي غير مرتبط بمصلحة الجينات ونفعها.

فنحن لا نتكلم عن إيثار الأقارب المعلل جينياً، ولا عن الإيثارالتبادلي الذي أيضاً يمكن أن
يعزى لسبب جيني، ولا نتكلم عن الإيثارلغرض السمعة الذي قد يعزى في بعض الأحيان لسبب
جيني، فهذه الأنواع من الإيثاريمكن أن تجلب فائدة للأجسام التي تمارسها لأنها توفر لها فرصاً
للبقاء أكبر.

كما أننا هنا لا نتكلم عن إيثار ينتقل كوحدة ثقافية بين الأفراد والمجموعات وأساسه
أنانية فردية كحب الظهور أو ما شابه أي إنّ دافع القيام به هو حاجة المؤثر أو رغبته النفسية.

فإذا كان الأمر كذلك، فعن أي إيثار نتكلم نحن ونعتبره دليلاً على خصوصية الإنسان
وتفرده الأخلاقي عن بقية الحيوانات؟

نحن نتكلم عن إيثار لا يمكن تعليله بيولوجياً واعتباره يعود إلى أنانية الجينات التي
تستخدم الأجسام وأجزاءها كآلات بقاء وانتقال لها، ونتكلم عن ايثار لا يمكن تعليله ثقافياً
على أنه بهدف الحصول على فائدة نفسية ولو بعيدة المدى.

نحن نتكلم عن سلوك إيثاري لا يعود بالنفع على الجينات ولا يمكن تعليله بأنانية الجينات
واعتباره مجرد ايثار ظاهري غير حقيقي لأنه مبني على أصل أناني بيولوجي، نتكلم عن إيثار لا
ينتظر صاحبه نفعاً مستقبلياً مقابله أو مدحاً أو حتى كلمة شكر من الآخرين.

وهذا يُبرز إلى الساحة سؤالاً ملحاً وهو: ما الذي يدفعنا لهذا الإيثار الحقيقي، وما الذي
تسبب بإيجاده عندنا نحن بالخصوص؟

الحقيقة، إنّ الأمر لابد أن يكون قد بدأ بمنهج وبأشخاص، ونحن لو بحثنا الأمر تاريخياً - حيث إن التاريخ هو الطريق الوحيد لحسم هذه المسألة - فسنجد أنّ المنهج الذي يضج بهذا
السلوك الايثاري الراقي الحقيقي هو المنهج الديني، وفرسان الإيثار هم الأنبياء والمقدسون،
وأقدم ما وصلنا في الآثار من التدوين حول الإيثار نجده عبارة عن نصوص دينية ودعوات
دينية أطلقتها شخصيات دينية، وهذا أمر ثابت في أقدم الحضارات الأرضية كحضارة سومر
واكاد التي يعتبر شخصياتها مثل نوح (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام) أصلاً ترجع له
الديانات السماوية التي تلتها كاليهودية والمسيحية والإسلام، حيث إنها أيضاً استمرت على نفس
المنهج الأخلاقي السومري الاكادي.

فكانت دائماً الدعوة للإيثار دينية، وفرسان هذا المضمار هَم الأنبياء والمرسلون وحملة
الرسالات الإلهية ﴿وَيُطْعمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّه مسْكيناً وَيَتيماً وَأسيراً﴾.

هناك مجموعتان إنسيتان نجحتا في المرور عبر مئات آلاف السنين الأخيرة وقد تفرعتا عن
الهومو إركتس الأفريقي وهما: النياندرتال الأوربي ومجموعة الهومو سابينس الصغيرة التي
هاجر بعضها عن طريق باب المندب ومن ثم ملأت العالم، وبينما نجد النياندرتال يملك معدل
حجم دماغ أكبر من الهومو سابينس ولكنه لم يتطور حضارياً ولا ثقافياً كما حصل مع مجموعة
الهومو سابينس المهاجرة من أفريقيا، فلم توجد روابط اجتماعية بين مجموعات النياندرتال
كما كانت بين الهومو سابينس، وفي أوربا قبل خمسة وثلاثين ألف عام تقريباً كان الهومو
سابينس يصنعون تماثيلاً وأعمالاً فنية تعبر عنهم بينما كان النياندرتال عاجزاً عن مجاراتهم،
فما الذي دخل في معادلة تلك المجموعة الصغيرة المهاجرة عن طريق باب المندب؟ما الذي
طرأ على تلك المجموعة المصطفاة لتنتج جيلاً تمكن أن يملأ الأرض؟

يمكن أن يفترض أي شخص أي فرض يحلو له لإجابة هذا السؤال، ولكن الحقيقة إنه لا
يوجد أي تفسير علمي حقيقي وكاٍف أبداً لما حصل لعقل الهومو سابينس المهاجرين من
أفريقيا، فبينما عاش النياندرتال مئات آلاف السنين في أوربا لكنه لم يتمكن من إحداث أي
تطور ثقافي أو حضاري حتى على مستوى الحياة الاجتماعية أو اللغة أو الرسوم وكل ما فعله
صناعة أدوات حجرية بسيطة وهناك شك في أنه مخترعها الأصيل بل ربما تعلمها من الهومو سابينس عندما هاجروا إلى أوربا، في حين نجد أن الهومو سابينس المهاجرين خلال أقل من
ستين ألف عام وصلوا إلى مرحلة تدوين القوانين الأخلاقية في ألواح الطين كما وصلتنا من
السومريين، فهل يمكن إغفال أن هناك شيئاً طرأ على معادلة هذا الكائن الأرضي وجعله
يتصرف بصورة منظمة وليست حيوانية كما في السابق بحيث إنه بدأ يزرع وينتج ويربي
الحيوان ويصنع وينظم حياته الاجتماعية ويتكلم وأخيراً يكتب، ما الذي حصل بحيث إنّ هذا
الإنسان تطور هذا التطور الملفت وذاك الذي في أوربا لم يتطور رغم تفوقه بكبر الدماغ؟!

هناك سر أحدث قفزة نوعية واضحة في الهومو سابينس ولا يمكن أن تعزى لكبر حجم
الدماغ فقط أو الوصول إلى الكتلة الحرجة للدماغ أو عبورها، كما يفسر بعض العلماء مسألة
اختلاف الإنسان عن بقية الحيوانات بأنها مرتبطة بحجم الدماغ ونسبته إلى بقية الجسم، في
حين لو كانت المسألة تعتمد على كبر حجم الدماغ فالنياندرتال كان قد تطور بحيث إنّ معدل
دماغه كبير كمعدل أدمغة الإنسان الحديث (الهومو سابينس) وربما أكثر في بعض الأحيان بما
يقرب من ١٠% ومع هذا لم يفعل النياندرتال شيئاً مقابل ما فعله الإنسان الحديث، فالإنسان
الحديث سجّل ثقافته وحياته الاجتماعية في أوربا في حين لم يسجل النياندرتال شيئاً له قيمة
بل حتى حياتهم الاجتماعية كانت بسيطة ولم يكونوا مرتبطين كالإنسان الحديث الذي كان
يميل إلى الحياة الاجتماعية أكثر، فلا مناص إذن من الاقرار بدخول شيء جديد في المعادلة
سبّب هذا التقدم الحضاري والثقافي والفكري الذي وصل بالإنسان الحديث (الهومو سابينس)
إلى إحداث قفزة حضارية وثقافية واضحة وأبرز معالمها التي وصلتنا مدونة هو المثل الأخلاقية
العليا كالايثار والعدل.

لا يهمنا هنا أن نطرح نظرية تعلل ازدياد حجم الدماغ أو إمكانية استخدام هذا الدماغ في
التفكير وصنع أدوات للصيد وما شابه، فهذا أمر قد تمت مناقشته سابقاً ولكن سنبين نظريات
يتصور بعضهم أنها قادرة على تفسير ظهور وانتشار الثقافة الإنسانية بصورة مقبولة،
والمفروض - والمطلوب منها - أن تفسر ظهور الثقافة وانتشارها ولا تتوقف عند تفسير تقليد ونقل الوحدات الثقافية بل لابد من تفسير بداية ظهور الثقافة الإنسانية المتخصصة وأهم
عناصرها التي ترتكز عليها مثل المعايير الأخلاقية العليا كالايثار الحقيقي غير المرتكز على أنانية
جينية والعدل وحتى وصولاً إلى التنظيم وبناء الحضارة، وإلا فلو أنّ أطروحة عجزت عن تفسير
ظهور الثقافة الإنسانية المتخصصة كالإيثار فستكون أطروحة فاشلة في تفسير الثقافة
الإنسانية المتخصصة بلا ريب.

والآن، سنعرض لهذه الاطروحات ونرى كل واحدة منها وماذا يمكن أن تفسر وأين تقف
عاجزة.

هذا التفسير مبني على نفس قانون التطور، فيفترض أنّ الانتقائية الطبيعية صقلت كل
شيء فينا بحيث لا يوجد تأثير في سلوك الإنسان لغير الجينات الأنانية فسلوك الإنسان عموماً
عندهم يرجع لسبب بيولوجي وهكذا، فالدماغ عندهم كاٍف لتعليل خصائص السلوك
الإنساني.

والحقيقة إنّ هذه الأطروحة هي أقبح أطروحة إذا نظر لها من الجانب الأخلاقي؛ لأنها
أطروحة جبرية وإذا أردنا تطبيقها على أرض الواقع فإنها ستعلل للفكر المتطرف والمنحرف
والإجرامي تطرفه وانحرافه واجرامه، فالمجرم يرتكب جريمته لأن هناك أسباباً بيولوجية تدفعه
لهذا، والمحسن يحسن لأن هناك أسباباً بيولوجية تدفعه لهذا، وهذه الاطروحة تفشل في
تفسير سلوك الإنسان عندما يقوم بكبح جماح حاجته البيولوجية وما تمليه عليه جيناته
بسبب النظرة الاجتماعية أو عقيدة فكرية معينة، وتفشل أيضاً في تفسير الأخلاق الحقيقية
الأصيلة (هي لا تؤمن بوجودها أصلاً).

فمثلاً: الانتقائية الطبيعية صقلت الإيثار فينا من خلال تفضيل صفات الإيثار التي تخدم
بقاء الجينات كايثار الأهل لأبنائهم أو الإيثار المتبادل، ولكن هذا الأمر يمكن أن يفسر ايثاراً
ينطوي على مصلحة جينية أي أن تكون الجينات هي من بنته في الكائنات خلال المسيرة
التطورية لأنه طريق أمثل لانتقالها إلى الأجيال اللاحقة كما هو حال إيثار الأهل لأبنائهم أو
الأقارب لبعضهم البعض، فعموماً هؤلاء جميعاً لديهم قدر ملحوظ من الجينات المشتركة.

أيضاً: يمكن لهذا الأمر أن يفسر وجود ايثار المقابلة بالمثل في موقف مستقبلي مثل عملية
اجترار الخفاش مصاص الدماء بعض الدم والتبرع به لخفاش صديق جائع نتيجة عدم حصوله
في إحدى الليالي على فريسة يمتص منها الدم على أمل أن يعامله بالمثل عندما يقع بنفس
الضائقة.

ولكن هذه الأطروحة التي يتبناها كثير من علماء الأحياء لا يمكنها تفسير الإيثار الحقيقي
الذي لا يبنى على الأنانية الجينية أو المقابلة بالمثل، كما لا يمكنها تفسير الثقافة الأخلاقية
المتخصصة التي ظهرت فجأة في تاريخ الإنسان المتأخر أي قبل آلاف من السنين فقط.

هي أطروحة طورها د. ريتشارد دوكنز وأصلها أو أصل الفكرة لجورج كريستوفر وليامز(١).

ويمكن أن نقول: إنهم مضطرون لها في محاولة لحل عجز نظرية الجينة الأنانية عن تعليل
كثير من سلوكيات الإنسان الثقافية - كالإيثار الحقيقي - التي لا يمكن أن تنسب إلى أنانية
الجين أو الايثار المتبادل، فهي محاولة لتفسير قدرتنا على اختراع الايثار الحقيقي ومناقشته،
وأيضاً هي محاولة لحل معضلة الجبر الأخلاقية التي تجعل حتى الجرائم مبررة بيولوجياً في
حال تم ارجاع كل شيء في سلوك الإنسان إلى الجينات، ولهذا وجد دوكنز أنّ الحل بأطروحة
الميمات أو الميمة الأنانية التي يفترض بها أن تعمل في المواضع التي تتوقف عندها نظرية الجينة
الأنانية أو الانتخاب عن التفسير والعمل.

ففي مقابل أطروحة الجبر الجيني المتقدمة ظهرت أطروحة الميمات لدوكنز لتقول: إننا
الآن نمتلك الحرية والقدرة على كبح جماح الأنانية الجينية، وإننا الآن نمتلك استقلالية كافية
لنمنع التحكم التام للجينات فينا باعتبارنا آلات بقاء فانية تستخدمها الجينات للبقاء
والأفضل أن أترك دوكنز نفسه يتكلم عن هذه المسألة:

«بالنسبة إلى الاختزاليين (جبريين جينيين)، إن الادمغة أغراض بيولوجية محددة
تولد خصائصها السلوكيات التي نلحظها والحالات الفكرية او النيات التي نستدل عليها من
السلوك... لنفرض أن موقفا ما يكون، او ينبغي أن يكون، منسجما تماما مع مبادئ
البيولوجيا الاجتماعية التي قدمها ويلسون ودوكنز. لكن اعتمادها يعني تورطهم في معضلة
الادعاء أولا بفطرية القسم الأكبر من السلوك البشري، وهو ما يعتبرونه بوضوح، بصفتهم
ليبراليين أمرا غير جذاب (ضغينة، تلقين، الخ) ومن ثم التورط في مخاوف ليبرالية
أخلاقية تتعلق بالمسؤولية عن الاعمال الاجرامية، في حال كانت هذه، كغيرها من
الاعمال، محددة بيولوجيا. ولتفادي هذه المشكلة، قرر ويلسون ودوكنز التماس إرادة
حرة تمكننا من القيام بعكس ما تمليه علينا جيناتنا في حال رغبنا في ذلك... وهذا يشكل
في الأصل عودة الى الديكارتية غير المحرجة، الى الدخيل المزدوج. اظن ان روز وزملاءه
(كذا) يتهموننا باننا نجمع شيئين متناقضين. فإما ان نكون (جبريين جينيين) واما ان
نؤمن (بالارادة الحرة) ولا يمكننا الحصول على الاثنين لكن - وهنا أفترض أني أتكلم عن
نفسي وبالنيابة عن ويلسون - نحن جبريون جينييون فقط من منظور روز وزملاءه وما لا
يفهمونه (على ما يبدو على الرغم من صعوبة تصديق ذلك) هو انه بالإمكان التشبث بفكرة
ان الجينات تمارس تأثيرا احصائيا على السلوك البشري والاعتقاد في الوقت نفسه بإمكان
تعديل هذا التاثير او التخلص منه أو عكسه من خلال تاثيرات أخرى. ولابد من أن تمارس
الجينات تاثيرا احصائيا على أي نمط سلوكي يتطور نتيجة الانتقائية الطبيعية ولعل روز
وزملاءه يتذرعون بحجة مفادها ان الرغبة الجنسية لدى البشر تطورت نتيجة الانتقائية
الطبيعية تماما كما يتطور أي شيء بفعل الانتقائية الطبيعية وعليه لابد لهم من ان يوافقوا
على حقيقة وجود جينات تؤثر في الرغبة الجنسية تماما كما تؤثر الجينات في أي شيء اخر
لكنهم لا يجدون مشكلة على الأرجح لجهة كبح رغباتهم الجنسية عندما تتجلى الحاجة
اجتماعيا الى ذلك وأين الازدواجية في ذلك؟ لا مكان لها على ما يبدو. ولا ازدواجية كذلك
بالنسبة الي في الدفاع عن التمرد ضد (جور المتضاعفات الانانية) فنحن أي ادمغتنا،
منفصلون ومستقلون كفاية عن جيناتنا لكي نتمكن من التمرد عليها. وكما اشرت سابقا،
نحن نفعل ذلك على نطاق ضيق كلما استخدمنا وسائل منع الحمل ولا سبب يحول دون
تمردنا على نطاق واسع أيضا»(١).

الميم في الثقافة كالجين في الأحياء، فإذا كان الجين هو عبارة عن المعلومات الوراثية
المنقولة في الكروموسومات فالميم هو عبارة عن ثقافة معينة تتناقلها الكائنات وتتعلمها من بعض أفراداً وجماعات وجيلاً من بعد جيل، وآلة حفظها ونقلها هو الدماغ الذي يأخذ في
أطروحة الميمات دور حاوية الحساء الأولي - وربما الحساء أيضاً - الذي تكونت فيه الناسخات
أو المتضاعفات الأولى التي تطورت فيما بعد إلى الحمض النووي منقوص الأوكسجين أو الـ
.DNA

فالميمات عبارة عن ثقافة معينة (مفردات لغوية لفظية أو غير لفظية، لباس، سلوك..
الخ) تُنسخ بين أفراد المجتمع الحيواني أو الإنساني، وأطروحة الميمات وضعت لتفسير التطور
الثقافي للإنسان بالخصوص بانتقال الميم المفضل بين الأفراد، كما يعتبر بعض علماء الأحياء
أنّ الميمات - كمفردات لغوية وثقافية - أحد الأسباب التي تفسر حصول الإنسان على الدماغ
الفائق، الذي يُمكّنهُ من نسخ الميمات أكثر كماً وكيفاً، والتي بدورها تعتمد على كبر حجم
الدماغ ونوعه.

وعموماً، يمكن اعتبار أطروحة الميمات محاولة لتفسير الطفرة الحضارية الثقافية في
التاريخ الإنساني والتي تعجز الجينات والتطور البايولوجي لوحده عن تفسيرها بصورة كاملة.

«الجدير ذكره أنني أتعاطف كثيرا مع هذا الموقف. ولا أشك في وجود منافع جينية
لامتلاكنا الادمغة التي نمتلكها. لكنني على الرغم من ذلك أعتقد بأن هؤلاء الزملاء
سيكشفون، إن هم تمعنوا في أسس فرضياتهم الخاصة، أنهم يلتفون على المواضيع
بمقدار ما افعل انا ذلك. فالسبب الأساسي الذي يجعل محاولتنا تفسير الظواهر
البيولوجية على مستوى المنفعة الجينية سياسة مفيدة يُعزى إلى أن الجينات تكون
متضاعفات أو نواسخ. فما إن يوفر الحساء البدائي الظروف الملائمة التي للجزيئات بأن
تنتج نسخا مطابقة لها حتى تتولى المتضاعفات هذه المهمة. فعلى مر أكثر من ثلاثة الاف
مليون عام، كان الحمض النووي الريبي المنقوص الاكسجين المتضاعف الوحيد الجدير
بالحديث عنه في العالم. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يتحكم بهذه الحقوق الاحتكارية
إلى الابد. فمتى نشأت ظروف تسمح لنوع جديد من المتضاعفات بإنتاج نسخ مطابقة عنه،
ستنزع المتضاعفات الجديدة إلى تولي المهمة وتبدأ بنوع جديد من التطور الخاص بها. وما
إن يبدأ هذا التطور الجديد حتى يصبح تابعا للتطور القديم إنما في سياق غير ضروري.
فالتطور القديم المرتكز على الانتقائية الجينية يؤدي عبر إنتاجه للأدمغة إلى استحداث
الحساء الذي تنشأ فيه الميمات الأولى. وما إن تنشأ الميمات المستنسخة لنفسها حتى
ينطلق التطور الخاص بها بوتيرة أسرع. أشير ألى أننا نحن علماء الاحياء تشربنا فكرة
التطور الجيني إلى حد يجعلنا ننسى أنها مجرد نوع واحد من أنواع التطور العديدة المحتملة. الواقع ان التقليد بمعناه الواسع، هو الطريقة المعتمدة التي تجعل الميمات
تتضاعف»(١).

أيضاً: افترض دوكنز أنّ تأثير الميمات ممكن أن يكون سريعاً جداً وليس على غرار تأثير
الجينات البطيء في محاولة لتعليل قصر المدة الزمنية التي تطور فيها الإنسان ثقافياً، وليعلل
أي قفزة حضارية ثقافية بهذا الفرض.

«أظن أن نوعا جديدا من المتضاعفات قد ظهر أخيرا على هذا الكوكب نفسه. وها هو
يحدق في وجوهنا. إنه لايزال في مرحلة الطفولة، ويتحرك متعثرا في حسائه البدائي، لكنه
يحقق في الوقت نفسه تغيرا تطوريا بسرعة تجعل الجينة القديمة تلهث وراءه متاخرة عنه
مسافة طويلة»(٢).

وانتقال الميمات وترسخها يعتمد على مبدأ التقليد والنسخ، أما نشوؤها فالمفروض أنه
يعتمد بعض الأحيان على اختراعها عند الحاجة أو وقوع أخطاء أثناء التقليد تؤدي إلى نشوء
ميم جديد، وهكذا تتنوع الميمات وتنتقل بين أفراد الحيوان أو الإنسان.

فالميمات هي المادة الثقافية القابلة للنسخ، والحيوانات والناس هم عبارة عن آلات نسخ
تنسخها وتحتفظ بها وتعمل بها وتنقلها إلى الآخرين وتتطور هذه الآلات - عند توفر الطفر
الجيني نحو التحسين - تبعاً للميمات وتوسعها وتكثرها وتراكمها، فهي يمكن أن تكون أحد
أسباب تثبيت جينات التحسين، وهذا يمكن أن يُفسّر حجم ونوع أدمغتنا فيمكن أن يقال: إنّ
لتوسع الثقافة مدخلية بكبر حجم الدماغ وتطوره النوعي باعتبارها جهة ضاغطة بهذا الاتجاه.

«لوحظ سلوكيات معينة، وهناك اغراء شديد بوصفها بانها ثقافات مختلفة بين
القبائل المتعددة من البابون والماكاك وغيرها من الحيوانات الرئيسية، لو حظ مثلا ان
بعض القردة تاكل بعض الطيور بينما لا تفعل ذلك القبيلة المجاورة، ولدى كل قبيلة
صيحة معينة قد تعنى "أهرب فهناك حيوان مفترس" ولكن هذه الصيحات تختلف من
قبيلة الى اخرى، فهناك لهجات مختلفة.

وقد وقعت تجربة أكثر إثارة بالصدفة على يد عالم ياباني للحيوانات الرئيسية فعند
محاولته لحل مشكلة الجوع بين قردة الماكاك في أحدى جزر جنوب اليابان لقلة مصادر
الغذاء، ألقى العالم حبوبا من القمح على رمال الشاطئ. كان من الصعب طبعا استخلاص
القمح حبة بحبة من الرمال، فهي عملية قد تستنفذ من الطاقة أكثر مما يحصل، ولكن
أحد قردة الماكاك الاذكياء - وأطلق عليه اسم إيمو imo ألقى بحفنة من الحبوب المختلطة
بالرمال في ماء المحيط، وبينما تطفو الحبوب على الماء فإن الرمل يسقط للقاع، وهكذا
تمكنت القردة من أكل الحبوب. وقلدتها القردة الصغار فانتشرت العادة في الجيل الثاني
واصبحت كل قردة الماكاك على الجزيرة قادرة على استعمال الماء في فصل الحبوب.
ولعل هذا يصلح مثالا لتقليد ثقافي عند القردة.

ترينا الدراسات على جبل تاكا سا كيا ما takasakiyama في شمال كيوتو في اليابان التي
يقطنها أيضا قرد الماكاك نموذجا اخر للتطور الثقافي فعندما يلقى زوار الجبل بالحلوى
الملفوفة في ورق للقردة - وهي عادة منتشرة في حدائق الحيوانات في اليابان ولكنها غير
مالوفة للقردة الحرة- لاحظت إحدى القردة الصغيرة انه من الممكن إزالة الغلاف الورقي
من الحلوى قبل أكلها فتعلم الزملاء والأمهات العادة سريعا واستغرقت فترة انتقال الثقافة
حوالي ثلاث سنوات»(١).

وعموماً، فمسألة الميمات من جهة اختراعها عند الحاجة أو تقليدها من الآخرين غير
مختصة بالإنسان، ولكن أطروحة أو نظرية الميمات التي يمكن أن تفسر انتقال ثقافة معينة
لا يمكنها تفسير اختراع ثقافة معينة أصيلة إذا لم تكن هناك حاجة فردية لهذه الثقافة ويشتد
الأمر عندما تكون هذه الثقافة مضرة بالفرد وبجيناته الفردية.

الآن، ما يهمنا معرفته هو: هل أنّ أطروحة أو نظرية الميمات يمكنها تفسير أهم شيء في
ثقافة الإنسان وهي مختصاته كالايثار الحقيقي الذي تعجز نظرية الجينة الأنانية عن تفسيره؟

الحقيقة، إنّ نظرية الميمات أيضاً عاجزة تماماً عن تفسير الايثار الحقيقي، ليس فقط
لأنه لا توجد فائدة يحققها المؤثر ليكون ايثاره عبارة عن اختراع ولدته حاجته له، بل إنّ الايثار
الحقيقي صفة سيئة بالنسبة للجينات الفردية وهي صفة لا يمكن أن تحابيها الطبيعة؛ لأنها صفة تعمل بالضد من مصلحة الجينات الفردية.

فلا الجينات يمكنها تفسير صفة الايثار الحقيقي، لأنها صفة مضادة وعدو لدود للجينات
الفردية، ولا الميمات أيضاً يمكنها تفسير وجود هذه الصفة؛ لأنها كميم ثقافي لا يمكنه أن يظهر
للوجود فضلاً عن أن ينجح ويبقى لأنه عبارة عن صفة مضادة وعدوة للبنية الأنانية التي
رسختها أنانية الجينات فينا، والتي بنتنا ككيانات أنانية لتضمن بقاءها، ولا يوجد استثناء
لأنانية الكيانات (أي أجسامنا) إلا تلك الحالات الإيثارية المبنية على الأنانية الجينية نفسها أو
الايثار المتبادل والتي بيناها فيما سبق كإيثار الأهل لأبنائهم واطعام الخفاش مصاص الدماء
لجاره في الكهف على مبدأ (حك ظهري اليوم لأحك ظهرك غداً)، وهذا النوع من الإيثار لا
علاقة له بالإيثار الحقيقي المتعمد.

وفي كتابه (الجينة الأنانية) وفي فصل الميمات بالذات فإن د. دوكنز لم يناقش هذه المسألة
رغم أنها أهم مسألة في هذا الموضوع، فليس المطلوب - من الملحد ليثبت صحة منهجه - وضع
نظرية تفسر اختراع الوحدات الثقافية عند الحاجة إليها أو الاستفادة منها ونسخها وتناقلها
بعد ذلك، بل المطلوب هو تفسير الثقافة المتخصصة للإنسان كالايثار وسبب ظهورها ومبدأها.

«ومن المحتمل أن يتفرد الانسان بميزة أخرى هي المقدرة على الايثار الحقيقي
الأصيل والمحايد. وإن كنت امل ذلك، فلن أناقش هذه المسألة بطريقة أو باخرى، كما
لن أخمن تطورها الممكن من حيث التقليد»(١).

هل يمكن أن نعتبر هذا التصريح عبارة عن اعتراف من د. دوكنز بالعجز عن إيجاد تفسير
منطقي للايثار الحقيقي يتوافق مع نظريته الإلحادية، أم ماذا؟ هل من المعقول مثلاً أن يكون
لديه تفسير لأهم المسائل التي تنقض مذهبه الإلحادي ثم يتركها هكذا تبرعاً؟ أترك الجواب
للقارئ.

ويكمل دوكنز، فيقول:

«وما أود التوقف عنده الان هو أن تبصرنا الواعي، أي مقدرتنا على محاكاة المستقبل في المخيلة، قد ينقذنا من الفائض الاناني الاسوء للمتضاعفات العمياء حتى وإن كنا ننظر
إلى الجانب المظلم ونفترض أن الانسان الفرد اناني في الاساس. فنحن نتمتع اقله بالعتاد
العقلي الذي يتيح لنا تطوير مصالحنا الانانية الطويلة الامد وليس المصالح الانانية القصيرة
الامد فقط. فنحن نرى المنافع الطويلة الامد للمشاركة في تأمر اليمامات ويمكننا أن نجلس
معا لنناقش سبل تحقيق المؤامرة»(١).

كل الأحوال التي ندافع فيها عن مصالحنا الأنانية سواء كان أساس دفاعنا ميمي ثقافي أم
جيني وسواء كانت مصالح أنانية على المدى القصير أم البعيد، فنحن إنما نتصرف بأنانية
وليس بإيثار ولن يغير الايثار الآني لأجل أنانية بعيدة المدى في كون التصرف أنانياً يهدف لتحقيق
مصلحة وإن كانت بعيدة المدى كما هو الحال في ايثار السمعة، وبالتالي فهذا النوع من السلوك
لا يمكن أن يكون تعليلاً صالحاً لتفسير الإيثار الحقيقي الأصيل المحايد.

ثم يكمل د. دوكنز، ويقول:

«والواقع أننا نتمتع بالمقدرة على مقاومة الجينات الانانية لولادتنا، وإن دعت
الحاجة، الميمات الانانية لتلقينا. وأكثر من ذلك، نحن قادرون على مناقشة سبل تطوير
وتنمية الايثار المحايد المحض المتعمد، وهو امر لا وجود له في الطبيعة، أمر لم يطرأ من
قبل في التاريخ كله. فنحن بنينا كالات جينية وتثقفنا كالات ميمية، ولكننا نتمتع بالمقدرة
على التمرد على من ولدنا منهم. نحن، دون غيرنا على كوكب الأرض، نستطيع التمرد على
جور المتضاعفات الانانية»(٢).

نعم، ولكن:

لا يمكن أن توجد وتنمو فينا صفة مضادة لبقاء الجينات الفردية، فهذا أمر غير ممكن
أن ينمو ويترسخ في الطبيعية؛ لأنها:

صفة مضادة لأنانيتنا كآلات بقاء بنتها الجينات، وصفة تعمل بالضد من مصلحة الجينات الفردية.

وهذا السؤال لن يستطيع الملحدون الاجابة عليه بجواب علمي.

فلا يمكن أن يسير زورق عكس التيار دون تجديف يتفوق على التيار الجارف الذي جرف
كل الخشبات الأخرى - أو الكائنات غير الإنسان - معه، ولا يمكن أن يكون هناك تجديف دون
مجدف.

المفروض أننا بعد هذا الإثبات العلمي نقبل ونعترف بوجود مجدف، فقد ثبت لنا وجود
أثره الظاهر بقوة من خلال حركتنا عكس التيار الجارف وتمردنا على جور جيناتنا.

ومن الواضح أننا لا نقصد الله بقولنا المجدف، بل فليكن المجدف هو النفس أو الروح
ومن المؤكد أنّ إثبات وجودها هو طريق لإثبات عالم الروحانيات وبالتالي إثبات وجود الله.

أما لماذا لا نرى النفس بأعيننا فلسبب بسيط وهو أنها في عالم آخر غير العالم الجسماني
المادي الذي نعيش فيه، أما كيف تؤثر فينا مادياً فيمكن تفسير هذا الأمر علمياً على الأقل من
خلال قوى عابرة للأكوان وسيأتي بيان هذا الأمر في الفصل السادس، فهناك إمكانية تأثير كون
على كون وموجودات في كون على موجودات في كون آخر دون حتى أن يحصل تماس حسي
مادي مباشر بينهما، وبنفس الطريقة يمكن أن نفهم تأثير عالم الأنفس في هذا الكون المادي
الذي نعيش فيه.

في كتابه "وهم الإله" يطرح دوكنز محاولة لتفسير الأخلاق، وهو لا يتعرض بصورة صريحة
للايثار الحقيقي الذي ناقشته سابقاً وبينت أن لا نظرية الميمات ولا نظرية الجينة الأنانية ولا
الإيثار المتبادل قادرة على تفسيره.

ولكنه يحاول تفسير نوع من التعاملات الايثارية التي اعتدناها في حياتنا الاجتماعية على
أنها تنشأ عندما يخطأ قانون دارويني هدفه وربما بعدها تنتشر كميم ثقافي، ويحاول ربما أن
يوهم القارئ أنّ ما طرحه كاٍف لتفسير كل أنواع الايثار مع أنه في الحقيقة غير كاٍف لتفسير أي نوع من أنواع الإيثار الحقيقي أو الإيثار بلا ثمن، وسيتبين هذا من خلال مناقشة ما يطرحه
دوكنز.

نحن فيما تقدم تعرفنا على نوعين من الإيثار بوضوح وهما: ايثار الأقارب والإيثار المتبادل
ويمكن أن نضيف لهما، الإيثار لأجل السمعة، واستعراض القوة والجرأة لكسب منافع
السلطة.

«كنت قد نوهت على القرابة والتبادل كعمودين رئيسيين للايثار في العالم
الدارويني، ولكن هناك بناء ثانوي يقع على تلك الاعمدة. وبخاصة في المجتمع الإنساني،
فبوجود اللغة والثرثرة تصبح السمعة مهمة. واحد الافراد تكون له سمعة كشخص لطيف
او كريم. واخر له سمعة كغشاش وكسول ولا يلتزم بكلامه. واخر تصبح له سمعة كريمة
وطيبة لكن في نفس الوقت قاس من خلال معاقبته للغش بشكل عنيف. النظرية غير
المنقحة عن الايثار المشترك تتوقع أن تبنى الحيوانات سلوكها على تبادل غير واع لنفس
ذلك السلوك لدى أقرانها. وعند الانسان أردفنا اللغة وقوتها لنشر السمعة وعادة على شكل
لغط كلامي. لا تحتاج للمعاناة الشخصية مثل فشل س من الناس بشراء المشروب
لأصدقائه في البار. بل تسمع على باب الدار بأن س بخيل جدا أو لاضافة بعض السخرية
على الموضوع، بأن ص مثلا نمام رهيب. السمعة مهمة وعلماء الطبيعة يستطيعون
الاعتراف بأن البقاء الدارويني يقتضي ليس فقط أن يكون الفرد مشاركا ولكن أيضا أن يكون
له سمعة جيدة كمشارك أيضا»(١).

«عالم الاقتصاد النرويجي - الأمريكي تورستين فيبلين وعالم الحيوان الإسرائيلي اموتز
زهافي أضافا فكرة جذابة أخرى. الايثار ربما يكون وسيلة لاستعراض السلطة أو التفوق.
علماء السلوك قد رصدوا ما يسمى ب (فعل الكرماء)والذي سمي تيمنا بتقليد يتبارز فيه
الزعماء المتنافسون في قبائل الشمال الغربي بإقامة مأدبة مدمرة بكرمها. وفي حالات
التطرف تتمادى النوبات الانتقامية حتى يصبح أحد الطرفين شديد الفقر تاركا الطرف الاخر ليس بأفضل حالا منه. مبدأ فابلان عن الاستهلاك المظهري يضرب على الوتر الحساس
عند الذي يشاهد المشهد المعاصر. ومساهمة زهافي التي أهملها العديد من الطبيعيين
حتى وضع الرياضي اللامع غرفين نموذجا رياضيا لها ساهمت في وضع نسخة تطويرية
لفعل الكرماء. زهافي درس العصافير الثرثارة البنية التي تعيش وتتكاثر في مجموعات.
ومثل العديد من الطيور الصغيرة فإن الثرثار يطلق صيحات تحذير ويترعون بالاكل
لبعضهم. وتحقيق دارويني عن ذلك الايثار سيبدو لأول وهلة وكأنه للتبادل والقرابة بين
العصافير. وعندما يطعم الثرثار طيرا اخر فهل يتوقع أن يحصل على طعام منه في وقت
لاحق؟ أم أن ذلك فقط يحصل بسبب القرابة الوراثية؟ وتفسير زهافي غير متوقع بالمرة.
الثرثار المتسلط يؤكد هيمنته بإطعام أتباعه. وباستعمال تعابير تشبيهية لارضاء زهافي فإن
الطائر المهيمن وكأنه يقول أنظروا كم انا متفوق بالنسبة لكم، أنا عندي المقدرة على
اعطائكم طعاما أو انظروا كم أنا متفوق عليكم بأن اجعل نفسي عرضة للنسور بالجلوس
على فرع عال لأعطي اشارة الإنذار للباقين الذين يأكلون على الأرض وملاحظات زاهافي
وزملائه ترينا بأن طيور الثرثار تتبارى بشكل دائم على دور الحارس. وعندما يحاول أحد
الطيور الاتباع اعطاء الطعام لطائر مهيمن فإن محاولته تقابل برفض عنيف. وملخص فكرة
زاهافي هو ان استعراض التفوق يتماشى مع كلفته. والمتفوق فقط يستطيع استعراض
تفوقه بتلك الهدايا الثمينة. وبذلك السعر يستطيعون جذب عدد أكبر من الاناث وذلك
باستعراض الكرم والاستعداد للمخاطرة من اجل الاخرين»(١).

«لدينا أربعة أسباب جيدة من الناحية الداروينية ليتمتع الفرد بالايثار والكرم
والأخلاق الحميدة تجاه الاخرين:

الأول: هو وجود القرابة الوراثية كحالة خاصة.

الثاني: وجود رد الجميل المتبادل والمعروف بالمعروف وعمل المعروف بتوقع الدفع
لاحقا وذلك يقودنا للنقطة.

الثالثة: المنافع الداروينية الناتجة من وجود السمعة الحسنة للكرم واللطف.

والرابع: لوكان زاهافي محقا فهناك منفعة اضافية للكرم المتبادل كطريقة لشراء دعاية
أصلية وغير قابلة للتزييف»(١).

هذه الأمور كلها ليست إيثاراً حقيقياً فالأمر الأول والثاني ارتكزا كما علمنا سابقاً على
أنانية الجينة وعلى الإيثار المتبادل، والثالث والرابع يمكن دمجهما مع الإيثار المتبادل؛ لأنهما
يصبان في نفس فكرة "اعطي اليوم واجني الفائدة غداً"، فكلاهما عبارة عن فعل الإيثار
لتحقيق فائدة مستقبلية، وكل هذه الأنواع ليست أنواع إيثار حقيقي، إذن فوجود هذه الأنواع
من الايثار لا تعطي تفسيراً للإيثار الحقيقي المتعمد.

«معظم الوقت فيما قبل التاريخ عاش الانسان في ظروف أدت إلى تطور انواع الايثار
الاربعة المذكورة. عشنا في قرى او قبلها في مجموعات متجولة كما يفعل قرد البابون
وبشكل جزئي معزولين عن الجيران او القرى القريبة. معظم أعضاء مجموعتك يكونون
أقاربك، وهم أقرب لك من أعضاء المجموعات الأخرى، وهذا يوفر الكثير من الفرص
لتطور ايثار الأقارب وكنت لتقابل أفراداً اخرين لمرات عديدة على مدى حياتك، بغض
النظر عن كونهم أقارب أو غرباء، وهذا يوفر ظروف مثالية لتطور الايثار المتبادل. وهي
ايضا الظروف المثالية لبناء السمعة والاعلان عنها للشخص باحد او جميع الطرق الاربعة
التي ذكرناها. والاتجاه الوراثي للايثار يفضل من قبل الانتخاب الطبيعي في الانسان الاول.
ومن السهل ان نرى لماذا كان اسلافنا جيدين بالنسبة الى مجموعاتهم وسيئين وخائفين
من المجموعات الاخرى. ولكن ما سبب طيبتنا تجاه بعض؟ بما اننا اليوم نعيش في مدن
كبيرة ولسنا محاطين بالاقارب بشكل عام وفي كل يوم نرى اشخاصا لن نراهم بعد ذلك
طوال حياتنا، نحن طيبين حتى بالنسبة للاخرين الذين ينتمون لمجموعات خارجة عن
نوعنا كيف هذا ممكن؟

من المهم أن لا نخطيء بتقدير دور الانتخاب الطبيعي. فالانتخاب لا يُفضل تطور من
هو مدرك بوعي لما هو جيد بالنسبة لمورثاته. ذلك الادراك كان عليه ان ينتظر للقرن
العشرين ليصل الى مستوى من الوعي بل الفهم الكامل في حالة قلة من العلماء
المختصين. القاعدة فيما يفضله الانتخاب الطبيعي عموما هو نشر المورثات التي صنعتهُ.

والقواعد بشكل عام وبطبيعتها تخطيء اهدافها احياناً. وفي دماغ هُناك القاعدة التي تقول
"ابحث عن احياء صغيرة تزقزق في العش وادفع ببعض الطعام في الفراغ الاحمر في
رؤوسها" تؤدي الى الحفاظ على المورثات التي بنت تلك القاعدة لان الاشياء الصغيرة التي
تزقزق ستكون بشكل طبيعي من نسله. ولكن القاعدة تخطيء عندما يصل ابن طائر اخر
للعش بشكل ما وذلك الشيء يبرع طائر الواقواق فيه. هل من الممكن ان يكون اندفاعنا
الاخلاقي الجيد هو الذي يخطيء الهدف. كما اخطأت غريزة الطائر الاحمر وتسببت له
باجهاد نفسه من اجل طائر الواقواق؟ بل هُناك تشبيه اقرب وهو اندفاع الانسان لتبني
طفل. وهنا علي ان اسرع بتوضيح ان "إخطاء الهدف" مقصود به المعنى الدارويني البحت.
ولا تحمل أي معنى انتقاصي باي شكل من الاشكال.

فكرة الخطأ أو الناتج العرضي "الذي اريد الدفاع عنه يعمل بالشكل التالي. الانتخاب
الطبيعي في زمن الاسلاف عندما كنا نعيش في مجموعات جوالة كالبابون برمج في عقولنا
الميول الايثارية الى جانب الجنسية والجوع والخوف من الاجنبي.. الخ. وعندما يقرا
زوجين من الاذكياء كتاب داروين فانهما يعرفان بان السبب النهائي لاندفاعهم الجنسي هو
التكاثر. ويعلمون بان المرأة لن تحمل لانها اخذت حبوب منع الحمل. ولكن ذلك لن
يؤدي باي شكل لتخفيض الدافع الجنسي بسبب تلك المعرفة. ان الرغبة الجنسية هي
رغبة جنسية في النفس وهي مستقلة تماما عن هدفها الدارويني الذي ساقها. انها حاجة
قوية موجودة بشكل مستقل عن هدفها النهائي.

وانا اقترح هنا أن الحاجة والدافع هو نفسه بالنسبة للطف والطيبة والايثار والكرم
والتعاطف والرأفة.وفي ايام الاسلاف كانت لدينا فرصة لنكون ايثاريين فقط بالنسبة
للاقرباء ومن يعتقد انه سيبادلنا المعروف. وفي ايامنا هذه لم تعد تلك القيود موجودة
لكن القاعدة بقت. ولماذا لا؟ انها كالرغبة الجنسية. ولا نستطيع شيئا ازاء الشعور بالرأفة
عند رؤية شخص يبكي لمصيبة ما (وليس بالقريب او ممكن نتوقع من رد الجميل) تماما
كما لا نستطيع شيئا ازاء رغبتنا في شخص من الجنس الاخر (رغم انه من الممكن ان يكون
عقيما او غير مهيء للانجاب) الاثنان خطأ بالهدف اخطاء داروينة: اخطاء مباركة
وثمينة»(١).

ملخص ما يريد دوكنز قوله هو: إنّ صفات من نوع إيثار بثمن تحولت إلى صفات إيثار من

«والقواعد بشكل عام وبطبيعتها تخطيء اهدافها

دون ثمن بسبب خطأ في تنفيذ القانون كما قال:

احياناً » «وفي ايامنا هذه لم تعد تلك القيود موجودة»

نتيجة تغير الظروف لكن القاعدة بقيت.

الوقواق طائر متطفل لا يرقد على بيضه ولا يطعم صغاره بل يقوم بوضع بيضه في
أعشاش الطيور الأخرى، وهي استراتيجية لنشر الجينات، حيث يمكنه نشر جيناته بوضع
البيض باستمرار في أعشاش الطيور الأخرى دون تضييع وقت في تربية الصغار، وبما أنّ الطيور
التي تقع ضحية له ستكون عرضة للانقراض، فأي طفرة جينية تمكنها من التعرف على بيوض
الوقواق ورميها من أعشاشها ستثبت في المجموعة الجينية لهذا الطائر من خلال تمكن الطيور
التي تحملها من التكاثر ونقل جيناتها للجيل اللاحق دون الأخرى التي لا تحمل الجينة وترد طيور
الوقواق بتطوير بيوضها بنفس الطريقة، وهكذا مع الزمن تطورت بيوض وصغار الوقواق،
فبيوضه تشبه بيوض الطير الضحية من جهة اللون والنقش لكي لا يتعرف عليها ويرميها من
العش، كما أنها تفقس عادة بفترة قصيرة مقارنة ببيوض المضيف، ولفراخ الوقواق نقرة في
الظهر وحالما يفقس فرخ الوقواق - وحتى قبل أن تفتح عيناه ربما - يقوم بوضع أي شيء في
العش سواء كان بيوضاً أو فراخاً في نقرة ظهره ويدفعها لتسقط من العش؛ لينفرد هو بالغذاء
الذي يجلبه الطائر الضحية أو مربيه، إذن فما يفعله طائر الوقواق هو عملية خداع - بنتها
الجينات - وبالنتيجة فإنّ إيثار الضحية لفرخ الوقواق ليس إلا نتيجة وقوعه في عملية نصب
واحتيال مررها عليه الوقواق بتغيير شكل البيض وحجمه ووضعه في عشه، فالطائر الضحية
يغذي من في عشه على أنه ابنه، فهو ضحية مخدوع وليس متبرعاً بتغذية أفراخ غيره ليقال
مثلاً: إنّ هذه عملية إيثارية ولن يتغير الأمر بالنسبة لهذا الطائر بناءً على هذه الحادثة، فنحن
لا نتوقع أننا سنرى هذا الطائر الضحية يدور على أعشاش الطيور الأخرى ويطعم أفراخها.

أما كونه قانوناً بنته الجينات وأخطأ هدفه فأيضاً لابد من الالتفات إلى أنّ هناك عملية
مراجعة وتصحيح مستمرة من قبل الضحية والمعركة الجينية لا تزال مستمرة بين الوقواق
وضحاياه ولم تحسم بعد، فكيف ينظر إلى أنّ القانون أخطأ هدفه مرة بسبب خداع ومكر
الوقواق ولا ينظر إلى الخطوة التصحيحية التي اتخذها الطائر الضحية والتي تعني أن الجينات
تحارب وبقوة هذا الخطأ في إصابة الهدف.

كما أنه حتى مسألة أنّ القانون أخطأ هدفه فهي نسبية، ففي مثال فراخ الوقواق
فالضحية لديه طريق يميز به البيوض على أنها تحمل مواصفات معينة ويميز الصغار التي
يطعمها على أنها صغاره كونها متواجدة في عشه وربما تتصرف كما يتصرف صغاره، فهناك
بعض الطيور الضحايا ميزت فراخ الوقواق ولهذا طورت الجينات في فراخ الوقواق مع الزمن
حركات وأصوات تشبه حركات وأصواتاً أفراخ تلك الطيور، فالنتيجة أنّ القانون الذي بنته
الجينات في الطائر الضحية ليميز أبناءه ويهتم بهم قد سمح للوقواق أن يوقع الطائر الضحية
في هذا الخداع، ولو أنّ الجينات بنت طريقة التمييز بحيث يصعب اختراقها أو أن ما يحدث
بعيد عن كونه عملية اختراق للقانون عندها لا يمكن أن نعلل ما يحصل على أنه قانون أخطأ
هدفه، وهذا هو ما يحصل بالنسبة للايثار الحقيقي المحايد لدى البشر فنحن نميز أقاربنا ليس
لكونهم قريبين مكاناً منا بل نميزهم بالشكل وبالصفات الدقيقة التي تجعلنا نميزهم بين ملايين
البشر غيرهم، وهذا يجعل الفكرة التي يطرحها دوكنز: (أنّ القانون أخطأ هدفه عندما أصبح
القريب منا مكاناً شخصاً غريباً وليس من أقاربنا فتوجهت له صفات ايثار الأقارب كونهم في
الطبيعة كانوا قريبين مكاناً منا) فكرة غير مقبولة وغير منطقية ولا يقبلها العقل.

حب الأطفال أمر بنته فينا الجينات لصالحها لكي يهتم الأهل بالأطفال وتنتقل الجينات
من جيل إلى جيل.

فإذا قام أحدهم بتبنّي طفل لأجل سد الفراغ العاطفي عنده فقد أخطأ القانون هدفه
وهو الابن الصلبي الذي يحمل جينات الأبوين إلى الابن المتبنى الذي لا يحمل جينات الأبوين.

والتبني الحقيقي المتعمد يحصل عندنا نحن البشر، والمسألة هي اثبات أصل الأخلاق عند
البشر فلا يصح ان تُجعل أخلاقهم مثلاً لإثبات ظهور الأخلاق عندهم؟!

نعم، يمكن أن يقال: إنّه قد يحصل خطأ بتبني طفل غريب، أو حتى يمكن أن يحصل تبني
طفل غريب لدى فرد من النوع نتيجة طفر جيني، وهذا يكون بداية نشوء ميم ثقافي جديد
فتنتشر هذه المسألة كثقافة في المجتمع.

فهنا نحتاج مناقشة أمرين؛ هما:

هل سيكون هذا التبني ايثاراً حقيقياً؟

وما مدى إمكانية نجاح هكذا ميم - في الطبيعة - أي تبني طفل غريب؟

إذا كان من يتبنّون الطفل هم فقط الذين لا ينجبون، فهذا لا يمكن أن نسميه ايثاراً
حقيقياً فهذه عبارة عن ثقافة سد نقص الأبوة أو الأمومة وليست تبنياً إيثارياً، وأعتقد أننا لا
نحتاج مناقشته بأكثر من هذا.

أما إذا كان الأهل ينجبون كما هي الحالة الطبيعية، فلا يمكن أن تنتشر بينهم هكذا ثقافة
في الطبيعة؛ لأنها بالضد من انتشار جيناتهم فلو أنّ هكذا ثقافة أرادت الانتشار بينهم
فستحاربها الجينات بظهور جينات تمنعها وستكون هكذا جينات ناجحة وتكتسح المجموعات
الجينية التي لا تحتوي هكذا جينة، ودوكنزوغيره من علماء الأحياء أرجعوا بداية نشوء الثقافة
الأخلاقية الإنسانية إلى فترات كانوا فيها مجموعات تعيش في الطبيعة ومعرضة للانتخاب
الطبيعي كغيرهم من الحيوانات.

الذي يؤثر أقاربه يميزهم كأقارب وبدرجاتهم وهناك دافع مبني في داخله ليهتم بهم بحسب
ترتيبهم كدرجات قرابة يحملون نسباً متفاوتة من جيناته الفردية، فكلما زادت النسبة زاد
الاهتمام والعكس صحيح، وهذا يجعل من الضروري أن تكون لديه القدرة على تمييزهم
بوجوههم ولهذا فهو يهتم بابنه أكثر من ابن أخيه وبأخيه أكثر من ابن عمه وهكذا، وبالتالي
المسألة لا تتعلق بالقرب المكاني ولهذا فقرب الغرباء منا لن يؤدي إلى أن تخطئ غريزة ايثار
الأقارب هدفها وتوجه إلى الغرباء لأنهم أصبحوا قريبين بعد الاستقرار في القرى الزراعية الأولى
مثلاً.

نعم، يمكن تصور أن يحصل طفر بعض الأحيان فيجعل هذه الصفة أي إيثار الأقارب
تتوجه أيضاً للغرباء، ولكن هكذا طفراً في النهاية سيكون مآله الاندثار عاجلاً أم آجلاً؛ لأن
هكذا مجموعة جينية غير قادرة على المنافسة مع المجموعة الجينية التي تختص بصفة إيثار
الأقارب فقط في الطبيعة، لأن الذين يؤثرون أقاربهم سينجحون بنقل جيناتهم بشكل أكبر وبما
أنّ المنافسة بين أفراد النوع الواحد أشد ضراوة فبالنتيجة عاجلاً أم آجلاً ستخرج المجموعة التي تحوي الجين الطافر من السباق ولن يبقَ إلا إيثار الأقارب.

الذي يؤثر تبادلياً يحمل صفة اعطني وأعطيك كصفة بنتها الجينات ولا يمكن أن تتحول
إلى أعطيك بلا ثمن مهما حصلت أخطاء في تطبيق القانون نتيجة خداع أو ما شابه؛ لأن
المسألة بايولوجية أما إذا قلنا إنها ليست بايولوجية فلا يبقى معنى لبحث الايثار المتبادل
كحالة دارونية جينية من الأساس.

أيضاً: الانتخاب الطبيعي عند وجود المخادع الذي يأخذ ولا يعطي سيؤدي عادة إلى
انقراض الساذج الذي يعاود العطاء حتى وإن تعرض للخداع، ومسألة انقراض السذج مع
وجود المخادع مسألة منتهية حتى وإن كان السذج غالبية، فبالنتيجة سيكون مصيرهم
الانقراض مع وجود المخادع الذي سيستغلهم حتى النهاية.

ومن الطبيعي أنّ المخادع أصلاً لا يدخل ضمن حساب الإيثار؛ لأنه أصلاً يأخذ ولا يعطي،
فيبقى الحقود وهو الذي يعامل بالمثل على مبدأ حك ظهري لأحك ظهرك لاحقاً ولكن سأحفظ
وجهك فإن خدعتني لن أحك ظهرك مرة أخرى، وهذا النموذج للإيثار التبادلي هو الذي يسود
في الطبيعة ويكون نتيجة التطور الذي يجب أن يحسب في مسألة الإيثار التبادلي.

والحقيقة إنه لا يمكن تصور كيف أنّ هذه الصفة الإيثارية التبادلية تخطأ هدفها وتتحول
إلى صفة إيثار حقيقي، فالخفاش مصاص الدماء مثلاً إذا اجتر فائض غذائه لجاره الجائع
يتوقع من جاره رد الجميل فإذا لم يرد الجار الجميل فخفاشنا الحقود الضحية لن يخدع مرة
أخرى؛ لأنه حقود ويحفظ الوجوه ولن يعطي لمخادع مرتين، فكونه أعطى المخادع مرة لا يعني
أنّ القانون قد أخطأ هدفه؛ لأن القانون الذي بنته الجينات يقول له بادر وأطعم الخفاش
الجائع الذي يطلب الدم ولكن احفظ وجهه وإن لم يرد الجميل لا تعطه مرة أخرى وإن رد
الجميل استمر معه في عملية إيثار تبادلية كلما وقع أحدكما في مأزق ليلة ما ولم يجد حيواناً
يمتص منه بعض الدماء.

وحتى لو قلنا: إنّ هناك خطأ وقع في تطبيق القانون الجيني وكرر الحقود إيثاره للمخادع
مرتين أو ثلاثة فهذا لا يعني أنّ الحقود سيصبح ساذجاً بأي حال من الأحوال؛ لأن المسألة معتمدة على حفظ الوجه وتشخيص الصديق ولو أصبح الحقود ساذجاً فإنّ مصيره سيكون
الانقراض مع وجود المخادع، وبالنتيجة فالايثار التبادلي لا يمكن أن ينتج إيثاراً حقيقياً طالما
أنه يعتمد تمييز الأفراد بصفتهم الفردية في المعاملة الايثارية الظاهرية غير الحقيقية.

إذن، الحقود لابد أن يسود في التطور، كما أنّ التمييز الدقيق للأفراد لابد منه في معاملة
الايثار المتبادل سواء بحفظ الوجوه أو بحفظ مكان سكن الطرف الآخر في المعاملة، والذي
يميزه كطرف آخر في المعاملة الشخصية.

«من المسلي في الواقع مشاهدة محاكاة عبر الكمبيوتر تبدأ بغالبية ساحقة من الطيور
الساذجة، واقلية من الطيور الحقودة تتجاوز بعض الشيء المعدل الحرج، واقلية بالمقدار
نفسه تقريبا من الطيور المخادعة، فأول ما يحدث هو انهيار مأساوي في مجموعة الطيور
الساذجة باعتبار ان الطيور المخادعة ستستغلها بشراسة. واذ ذاك، تستمتع الطيور
المخادعة بتحليق مجموعاتها وتبلغ الذروة مع موت اخر طائر ساذج. لكن يبقى على الطيور
المخادعة ان تتعامل مع الطيور الحقودة.في خلال الانهيار السريع لمجموعة الطيور
الساذجة، تتراجع اعداد الطيور الحقودة بوتيرة بطيئة، وتتعرض للخيانة من الطيور
المخادعة المزدهرة، لكنها تنجح في الحفاظ على حياتها. وبعد رحيل اخر طائر ساذج، لا
يعود بمقدور الطيور المخادعة ان تستمر في الاستغلال الاناني بسهولة. وإذ ذاك، ستبدأ
الطيور الحقودة ببطء تزداد عدداً على الطيور المخادعة.وعلى الأثر تكسب مجموعتها زخما
ثابتاً. وفي حين تزدهر مجموعة الطيور الحقودة بسرعة كبيرة، تنهار مجموعة الطيور
المخادعة الى حد الانقراض ثم تتوازن جراء تمتعها بامتياز الندرة والانعتاق النسبي من
الطيور الحقودة الناجم عن هذه النتيجة. ولكن الطيور المخادعة تتجه ببطء وقسوة نحو
اللاوجود، لتسيطر الطيور الحقودة وحدها. وللمفارقة، يتبين ان وجود الطيور الساذجة
كان يهدد الطيور الحاقدة في مرحلة مبكرة لأن الطيور الساذجة كانت مسؤولة عن الازدهار
المؤقت للطيور المخادعة.

للمناسبة، اشير الى ان المثال الافتراضي الذي اقترحته حول مخاطر عدم الإفادة من
التنظيف، معقول جدا. فالفئران المعزولة تنزع الى تطوير تقرحات كريهة على اجزاء من
رؤوسها لا يمكنها بلوغها. وقد تبين في احد الدراسات أن الفئران التي وُضعت في
مجموعات لم تعانِ هذه المشكلة لانها كانت تلعق رؤوس بعضها بعضاً.

قد يكون لافتاً ان نختبر نظرية الايثار المتبادل بالتجربة، لا بل يبدو أن الفئران
تشكل موضوعاً ملائماً لمثل هذه التجربة.

الى ذلك يناقش ترايفرس بدوره التكافل الملحوظ لدى السمكة المنظفة. فمعروف ان
نحو خمسين فصيلة، بينهما الاسماك الصغيرة والروبيان، تقتات من الطفيليات التي
تلتقطها من سطح سمكات اكبر حجما تنتمي الى فصائل اخرى. من الواضح بان السمكة
الكبيرة تستفيد من تعرضها للتنظيف فيما تحصل الاسماك المنظفة على مخزون غذائي
جيد. ويمكن القول إن هذه العلاقة تكافلية. ففي كثير من الحالات، تفتح الاسماك الكبيرة
افواهها وتسمح للاسماك المنظفة بان تلتقط الطفيليات من بين اسنانها، وبأن تسبح الى
الخارج عبر الخياشم التي تعمد ايضاً الى تنظيفها.وقد نتوقع ان تنتظر السمكة الكبيرة
بدهاء حتى تفرغ السمكة المنظفة من تنظيفها ثم تلتهمها. ولكم ما يحدث في الواقع هو
ان السمكة الكبيرة تجعل السمكة المنظفة في العادة تسبح الى الخارج من دون ان
تتسبب لها باي اذى. لا شك في أن هذا نموذج مهم على الايثار الظاهري لان حجم السمكة
المنظفة يعادل في العديد من الحالات حجم الفريسة الطبيعية للسمكة الكبيرة.

ولابد من الاشارة الى ان الأسماك المنظفة تتميز باشكالها المخططة وبعروضها
الراقصة التي تدل على انها منظفة.وإذ ذلك، تحجم الاسماك الكبيرة عن التهام الاسماك
الصغيرة التي تتميز بهذا النوع المحدد من الخطوط، والتي تقترب منها وهي تؤدي الرقصة
المحددة. وعوضاً عن التهام هذه الاسماك الصغيرة، تدخل الاسماك الكبيرة في ما يشبه
الغيبوبة وتسمح للاسماك الصغيرة بان تقربها من الداخل والخارج. لكن من غير
المستغرب، نظرا لطبيعة الجينات الانانية، أن تفيد الاسماك المخادعة المسِتغلة من هذا
الوضع. فبعض الاسماك الصغيرة من فصائل اخرى يبدو شبيها بالأسماك المنظفة ويؤدي
الرقصة نفسها ليضمن مروره الامن في جوار الاسماك الكبرى. وعندما تدخل السمكة
الكبيرة في الغيبوبة المرجوة، تعمد السمكة المخادعة، عوضا عن ازالة الطفيلي، الى
قضم جزلة من زعنفة السمكة الكبيرة وتتراجع بسرعة. ولكن على الرغم من سلوك
الاسماك المخادعة، فان العلاقة بين الاسماك المنظفة وزبائنها تبقى علاقة مستقرة قائمة
على الود. والجدير ذكره ان السمكة المنظفة تضطلع بدور مهم في الحياة اليومية لمجموعة
الشعب المرجانية.

فلكل سمكة منظفة اقليمها الخاص، وقد لوحظ أن الاسماك الكبرى تصطف لتحظى
بالاهتمام كما الزبائن في صالون الحلاقة. ولعل هذا التشبت بالموقع الجغرافي هو ما يتيح
تطور الايثار المتبادل المتاخر في هذه الحالة. فلا شك في ان المنفعة التي تحققها السمكة
الكبيرة إذ تعود باستمرار الى "صالون الحلاقة" نفسه عوضا عن البحث دوماً عن صالون
جديد تفوق كلفة الاحجام عن التهام السمكة المنظفة. ومن السهل تصديق هذه الفرضية
لكون الاسماك المنظفة صغيرة الحجم. وربما يشكل وجود اسماك مخادعة مقلدة للاسماك المنظفة خطرا يتهدد الاسماك المنظفة الحقيقية اذ ان الاسماك المخادعة تشكل
ضغطا على الاسماك الكبيرة لالتهام الاسماك الراقصة المخططة. اما التشبت بالموقع من
جانب الاسماك المنظفة الاصيلة، فيمكن الزبائن من العثور عليها وتفادي الاسماك
المخادعة.

معروف أن الذاكرة القوية والقادرة على تمييز الافراد لها سمتان متطورتان لدى البشر.
ومن ثم قد نتوقع ان يكون الايثار المتبادل قد ادى دورا مهما في التطور البشري. والواقع
ان ترايفرس يذهب الى هذا الحد ليقول بان العديد من مزايانا النفسية – الحسد، الشعور
بالذنب، العرفان بالجميل، التعاطف، الخ - قد تشكل بفعل الانتقائية الطبيعية للمقدرة
على الخداع ورصد المخادعين وتفادي ان يعتبرنا الاخرون مخادعين. وما يثير الاهتمام
على وجه الخصوص "المخادعون الحاذقون" الذين يتظاهرون برد الجميل في حين انهم
يعطون على الدوام اقل مما ياخذون. ومن المحتمل ايضاً أن يكون دماغ الانسان
واستعداده المسبق للتحليل الرياضي قد تطور كالية للخداع الحذق والرصد النافذ لخداع
الاخرين. والواقع ان المال يشكل رمزاً رسمياَ للايثار المتبادل المتأخر.

لا حد للاعتقاد المذهل بأن فكرة الايثار المتبادل تتجلى عندما نطبقها على جنسنا
البشري. وعلى الرغم من أن هذا الاعتقاد يُعد مغرياً، فلن ابرع في هذا اكثر من اي من
القراء. واترك للقارئ ان يمتع نفسه»(١).

ولو بحثنا عن الصفة الايثارية التبادلية التي بنتها الجينات عند الإنسان في الزمن السابق
من التطور والتي لم تندثر ولم تتحول إلى إيثار حقيقي بحسب ما قدمت وبينت، فسنجدها
اليوم شاخصة أمامنا في كل أعمالنا وتعاملاتنا مع بعضنا البعض كمعاملات إيثار متبادل،
فالعمل وتقديم الخدمات بأجر كلها معاملات إيثار تبادلي، والمقايضة سابقاً والبيع حالياً أيضاً
معاملات إيثار تبادلي. إذن، فصفة الايثار التبادلي موجودة اليوم كمعاملات إيثار تبادلي كما
كانت ولم تتحول إلى صفة إيثار حقيقي متعمد.

إذن، فهل يصح أن تنسب صفة الإيثار الحقيقي لدى الإنسان إلى أصل إيثار تبادلي بدون
دليل وخصوصاً بعد هذا البيان؟!

خلاصة:

«وانا اقترح هنا أن الحاجة والدافع هو نفسه بالنسبة للطف والطيبة والايثار والكرم

قال دوكنز:

والتعاطف والرأفة. وفي ايام الاسلاف كانت لدينا فرصة لنكون ايثاريين فقط بالنسبة للاقرباء ومن يعتقد
انه سيبادلنا المعروف. وفي ايامنا هذه لم تعد تلك القيود موجودة لكن القاعدة بقت».

قد تبيّن أنّ اقتراح دوكنز هذا الذي يحاول أن يفسر به الأخلاق والإيثار الحقيقي بلا قيمة،
فالقيود موجودة دائماً؛ لأن ما بنته الجينات في أجسامنا هو إيثارنا لأقاربنا لأنهم أقاربنا ونحن
نميزهم بدقة بصفاتهم أنهم أقاربنا، وليس لأنهم قريبون مكاناً منا أو لأنهم على احتكاك مباشر
بنا ليتحول إيثار الأقارب إلى كل قريب مكاناً منا، وأيضاً مسألة إيثار المبادلة بالمثل يتحكم به
منهج الحقود الذي يعطي وينتظر نتيجة المقابل فإن رد بالمثل وإلا قطع عنه وهذا أمر بنته
الجينات ولا يتغير إلا جينياً فلا يتغير لمجرد تغير نظام الحياة.

الجينات أنانية ولكن هذا لا يعني أنّ الأجساد تسلك سلوكاً أنانياً محضاً، فمعنى أنّ
الجينات أنانية هو أنّ الأجساد لا يمكن أن تسلك سلوكاً إيثارياً مضاداً لأنانية الجين، فالجين
من حيث إنه أناني حريص على بناء أجساد تضمن بقاءه وانتقاله عبر الأجيال، ولهذا فقانون
الجين الأناني لا يسمح للميمات المضادة له - ميمات الإيثارالحقيقي - التي تسعى للقضاء عليه
بالمرور في الطبيعة، فوجود الانتخاب الطبيعي سيجعل مرورها مستحيلاً حيث إنّ أي فرد أو
مجموعة تتحلى بها سيكون مصيرها الهلاك والفناء وبالتالي فناء هذه الصفات الإيثارية
الحقيقية واستحالة تواجدها في الطبيعة.

أضف أنّ الجينات - باعتبارأنّ البقاء هو هدفها الأساس - لابد لها من بناء جينات مضادة
للإيثار الحقيقي في حال ظهوره في النوع وإلا فهي لن تكون أنانية وتهتم بالبقاء والانتقال عبر
الأجيال كما هو ثابت، وفي الحقيقة إنّ أنانية أجسادنا واضحة جلية لنا فهي مبنية لمحاربة
الايثار الحقيقي ونحن لا نتصف بالإيثار الحقيقي كصفة أصيلة مترسخة في أجسادنا بل نحن
نتصف بالأنانية كصفة أصيلة مترسخة في أجسادنا وأدمغتنا، ولهذا فالإيثار الحقيقي يحتاج
ثورة حقيقية كبرى على الجسد ليكون له وجود معتد به بيننا كما هو الواقع اليوم، فنحن سواء كنا - كأفراد - نمارس أم لا نمارس الإيثار الحقيقي نتفق بغالبية كبيرة على أنه هدف
سام وصفة محبوبة نتمنى الاتصاف بها، وهذا التمني ليس وليد اليوم بل هو مسجل منذ أول
عصور التدوين لدى الإنسان أي منذ الإنسان السومري، وهذا يعني أنّ هناك ثورة إنسانية
حقيقية حصلت قبل آلاف السنين على الجسد وعلى أنانية الجسد، ولا يمكن تفسير هذه
الثورة علمياً على مستوى الجسد فقط بل إنه أمر مستحيل كما بيّنت، ولهذا فنحن عند هذه
المرحلة مضطرون لإدخال النفس والروح في المعادلة لحل هذه المعضلة، ومن شاء أن يرفض
فرض الروح لأنه يكره الإيمان فهو أيضاً مضطر لفرض شيء آخر فليفرض الطوطم أو ميماً
مجهول الأصل أو ما يشاء ولكنه بالنتيجة فرض لا علاقة له بالجسد وبعلم الأحياء، بل ولا
حتى بالمنطق السليم أبداً.

وهي أطروحة وضعها الباحث زكريا سيتشن(١) صاحب كتاب (الكوكب الثاني عشر)،
وكتاب (إنكي المفقود) وأيده بعض الباحثين بصورة أو بأخرى، وتكلم عن نفس الفكرة تقريباً
المهندس الأمريكي موريس شاتيلان(٢) chatelain()Maurice مؤلف كتاب (سلفنا الذي جاء
من الفضاء).

وضع زكريا سيتشن أطروحته بناءً على معطيات التنقيب الاثارية التي ورد فيها بعض
الأمور مثل أنّ السومريين كانوا يعرفون النظام الشمسي قبل آلاف السنين وأيضاً صور
ملوكهم وآلهة الانوناكي التي تظهر فرقاً كبيراً بالطول بينهم وبين البشر العاديين، كما أنّ بعض
الألواح الطينية التي ترجمها زكريا سيتشن وبعض الباحثين فسرها زكريا سيتشن على أنّ
هناك كائنات فضائية جاءت إلى الأرض قبل مئات آلاف السنين وأنّ السومريين رواد الحضارة
الإنسانية هم نتاج تلاقح بين تلك الكائنات الفضائية وبين (الهومو إركتس) أو نتيجة التلاعب
بجينات الهومو، وبالنتيجة تم انتاج أطفال أنابيب أو ما شابه لتكون النتيجة هو الإنسان
العاقل الذي بنى الحضارة الإنسانية،وكانت البداية في بلاد ما بين النهرين سومر (العراق) ثم تلتها الحضارة المصرية.

ولكن لا توجد معطيات حقيقية يمكن الاعتماد عليها للتوصل إلى أنّ هذا قد حدث فعلاً،
فمثلاً: البطارية الكهربائية التي اخترعها السومريون يقول مؤيدو هذه الأطروحة: إنّ السومريين
ربما كانوا يستخدمون هذه البطارية الكهربائية في الاتصالات، وهذا الكلام يحتاج دليلاً،
والأقرب منه أنهم استخدموها في طلاء المعادن أو ما شابه. وعموماً، هذه البطارية لا يوجد ما
يبين أين استخدمها السومريون.

أيضاً: يستدل مؤيدو هذه الأطروحة برسم السومريين المجموعة الشمسية كاملة بما فيها
بلوتو الذي اكتشف عام (١٩٣٠)، وبحسبهم فهذا يدل على أنّ السومريين لديهم علوماً ومعارف
متقدمة، ولكن الحقيقة إنّ هذا ليس مؤشراً لوجود كائنات فضائية لا من قريب ولا من بعيد.
وبقية الأدلة على هذا النسق مثل: طول أجسام الملوك والآلهة السومرية في الصور.

وما يهمنا من هذه الأطروحة هو أنّ وضعها واتكاء بعض الناس عليها لتفسير الحضارة
السومرية هو مؤشر واقعي واعتراف واقعي من عدد من الناس بأنّ هناك قفزة حضارية وثقافية
لدى السومريين وتحتاج هذه القفزة إلى تعليل، ولهذا وضع هؤلاء هذه الأطروحة التي لاقت
قبولاً من بعض الناس. ولكن تبقى هذه الأطروحة عاجزة عن رد النقد العلمي، فهناك إشكالات
حول ترجمة وتفسير سيتشن للنصوص السومرية، وهناك إشكالات علمية حول ما يطرحه
سيتشن في الكونيات، إضافة إلى أنها تتعارض مع علم الأحياء التطوري.

والظاهرأنّ عالم سبيط النيلي (رحمه الله) تأثر كثيراً بأفكار زكريا سيتشن، وهذا ما نلاحظه
في أطروحته حول جلجامش السومري وذي القرنين وتفسيره لرحلة جلجامش على أنها فضائية،
وعموماً هذه النظرية إضافة إلى ما تقدم من عجزها عن الصمود أمام النقد العلمي، فهي
أيضاً لا تطرح حقائق علمية قابلة للإثبات بل هي تعتمد على تأويل لنصوص وأحداث ورسوم
ولقى آثارية يوجد لها تأويل أفضل وأكثر واقعية ورصانة.

وهو عبارة عن تفسير بشري للنص الديني على أنّ الإنسان عبارة عن تمثال طيني أرضي بثت فيه الروح على الأرض مباشرة فدبت في التمثال الحياة وأصبح من لحم ودم، وهذه
النظرية التي يصر عليها معظم رجال الدين تتناقض مع العلم تماماً مئة بالمئة، ووجدت نفسها
- أخيراً - الكنيسة الكاثوليكية مضطرة للتنازل عنها؛ لأنها تصطدم مع العلم. فمسألة التطور
عموماً مسألة علمية دقيقة ولا معارض علمي محترم لها، ومسألة تطور الجسم الإنساني عن
أصول سابقة مسألة منتهية، فالآن بحسب التحليل الجيني حسمت على الأقل مسألة رجوع
الإنسان الحالي إلى الإنسان الأفريقي العاقل الهومو سابينس وهو علمياً قبل (٢٠٠) ألف عام،
كان إنساناً بدائياً لم يكن حتى يدفن موتاه (١) فهل يعقل أن آدم النبي الذي علّمه الله الأسماء
هو أحد هؤلاء البدائيين في أفريقيا ولم يكن يدفن موتاه، مع أن الله علّم آدم وبنيه دفن الموتى.

أعتقد أنّ هذا لوحده يكفي لنقض هذه النظرية التقليدية، وبغض النظر عن ثبوت تطور
الإنسان الحالي عن حيوان بدائي قبل ملايين السنين علمياً، مع أنّ السلسلة الاحفورية
أصبحت الآن تعطي قراءة شبه مكتملة لدى علماء الأحياء، إضافة إلى الأدلة الجينية وغيرها
مما ذكرناه سابقاً، ونظرية التطور هي النظرية العلمية الوحيدة التي تدرس في الجامعات
العلمية العريقة على أنها تفسر ظهور الحياة والإنسان على هذه الأرض.

وهذه النظرية الدينية التقليدية فضلاً عن تناقضها مع العلم والحقائق العلمية، فهي
عاجزة حتى عن مجاراة ظاهر النص الديني القطعي كالنص القرآني عند المسلمين.

فلا يوجد بحسب هذه النظرية تفسير معقول وغير متناقض لجنة آدم، فهي عاجزة عن
إجابة مجموعة أسئلة دون أن تقع في تناقض:

فكيف أنه لا يعرى، لا يجوع، لا يظمأ، لا يضحى فيها؟

وكيف أنه عري فيها لما عصى؟

وما هو الارتباط بين المعصية والعري أو ظهور السوءة بالخصوص في جنة آدم؟

﴿فَأَكَلاَ منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا من وَرَق الْجَنَّة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ
فَغَوَى﴾(١).

﴿فَدَلاَّهُمَا بغُرُورٍ فََلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سََوْءَاتُهُمَا وَطَفقَا يَخَْصفََان عَلَيْهمَا من وَرَق
الْجَنَّة وَنَادَاهُمَا رَبهُمَا ألَمْ أَنْهَكُمَا عَن تلْكُمَا الشَّجَرَة وَأقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطآنَ لكُمَا عَدُوٌّ مبينٌ﴾(٢).

وما معنى هبوط آدم من الجنة الى هذه الأرض ليستقر فيها إذا كان آدم أصلاً على هذه
الأرض منذ البداية بحسب هذه النظرية،

﴿َفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا ممَّا كَانَا فيه وَقُلْنَا اهْبطُواْ بَعْضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ
في الأرْض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حيٍن﴾(٣).

وهي: إنّ الروح نفخت في جسم تطور على هذه الأرض، وتُفسر خلق آدم على أنه عبارة عن
مرحلتين، مرحلة خلق البشر من الطين أي خلق جسد بشري من مادة هذه الأرض مباشرة
كمخلوق مكتمل منتصب على قدمين قابل للتطور، وهم يتصورون أنهم بهذا يفسرون التاريخ
الاحفوري المكتشف لأسلاف الإنسان الممتد لملايين السنين، ولكن يرفضون أي ارتباط تطوري
لهذا التاريخ الاحفوري بما سبقه من تاريخ الحياة الأرضية الحيوانية وما سبقها.

ويتصورون أنه بعد اكتمال عملية التطور في البشر الذي خلق مباشرة من الطين كانت
المرحلة الثانية: نفخ الروح في هذا الجسد البشري المتكامل الذي امتلك مهارات لغوية وتكنولوجية فكان آدم (عليه السلام) أول إنسان.

وطرح هذه الفكرة الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه (أبي آدم - قصة الخليقة بين
الأسطورة والحقيقة).

فهو يعتقد أنّ سلف الإنسان خلق مستقلاً وكذا بقية الأنواع بحسب فهمه وهو يقر التطور
ضمن حدود النوع الواحد أو الفصيلة الواحدة فقط. وهذا رأي غير علمي، فالتطور ضمن
حدود النوع أو الفصيلة يصل في النهاية مهما طال الزمن إلى التنويع وإنتاج أنواع آخرى،
فالتنويع تحصيل حاصل لعملية التطور، والحقيقة إن هذا الطرح مثل خللاً كبيراً في ما طرحه
الدكتور عبد الصبور حيث يقول:

«لقد سقطت فكرة التطور الخالق ونقول فكرة ولا نقول نظرية ورغم ان الناس قد
فتنوا بهذه النظرية لعدة عقود من الزمن... سقطت بكل ما ارتبط بها من أفكار أخرى،
انتصرت حقيقة الخلق المستقل التي قررها الدين كما اكدها العلم فما كان الانسان الابشرا
منذ كان، وما كان قردا وما كانت السمكة الاسمكة في عالمها المائي وكل ذلك لم يكن
الاطبقا للمشيئة الإلهية المطلقة وانجازا للقدرة الكنية»(١).

هذا الكلام يرثى له، وللأسف يكرره بعض رجال الدين كثيراً مستشهدين بقول لفلان أو
فلان وهي مجرد مقولات غير علمية ولا تستند إلى أي بحث علمي رصين ولا يتبناها أي مركز
بحثي أو جامعة مرموقة، فلا أدري أين سقطت نظرية التطور علمياً، اللهم إلا في مخيلة الحالمين
الموهومين، وإلا فهي نظرية علمية رصينة مثبتة علمياً بأدلة كثيرة ومعترف بها من كل الجامعات
العلمية العريقة ومراكز البحوث المعتبرة حول العالم، ولا يوجد أي نقض معتد به لهذه
النظرية بل إن هذه النظرية حسم أمرها بعد أن وصلالعلم إلى مرحلة البحوث الجينية
المتقدمة في نهاية القرن العشرين ولم يعد يشكك بها إلا من يجهل ما وصل إليه علم الجينات.

يقول د. عبد الصبور في بيان فكرته:

«قوله تعالى (وقد خلقكم أطوارا) فمن الناحية التاريخية قد يراد بالاطوار المراحل الزمنية المتطاولة التي مر بها خلق البشر وتقلبهم في اطوار التسوية والتصوير والنفخة من
روح الله (وجعل لكم السمع والابصار والافئدة) ومن الناحية المادية قد يراد بالاطوار ما
جاء بعد ذلك مباشرة من حديث القران عن الجنين واطواره في (القرار المكين) وهو رحم
الام فحديث سورة (المؤمنون) هو بمثابة الإجابة عن سؤال نجم عن ذكر الاطوار في سورة
نوح.. ماهي هذه الاطوار؟؟.. فجاء الرد في السورة الرابعة والسبعين (المؤمنون) وذلك
بقوله تعالى (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين) وكان الاية تدفع عن العقل احتمال
إدماج العمليتين في عملية واحدة، فالانسان خلق من سلالة نسلت من الطين أي إنه لم
يخلق مباشرة من الطين، فأما ابن الطين مباشرة فهو ابو البشر وكان ذلك منذ ملايين
السنين. وهذا المعنى هو الذي عبرت عنه السورة الخامسة والسبعون (السجدة) وهي
إضافة مهمة للرد على السؤال المثار عن المقصود ب (الاطوار) في السورة الحادية
والسبعين... يقول الله سبحانه وتعالى (الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الانسان
من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه...)
السجدة. فخلق الانسان (بدأ من طين) أي البداية البشرية ثم استخرج الله منه نسلا (من
سلالة من ماء مهين)، ثم كانت التسوية ونفخ الروح، فكان الانسان هو الثمرة في نهاية
المطاف... عبر تلكم الاطوار التاريخية السحيقة العتيقة»(١).

«حقيقة لاريب فيها: هي ان بين البشر والإنسان عموما وخصوصا مطلقا،فالبشر لفظ
عام في كل مخلوق ظهر على سطح الأرض، يسير على قدمين، منتصب القامة،والانسان
لفظ خاص بكل من كان من البشر مكلفا بمعرفة الله وعبادته، فكل إنسان بشر، وليس
كل بشر إنسانا. والمقصود هو طبعا المعنى الأول الذي استعملت فيه الكلمة بشر في ايات
القران، وهو الظاهر او المتحرك مع حسن وجمال»(٢).

«ونستطيع أن نقرر مع علماء الانسان (الانثروبولوجيين) أن الأرض عرفت هذا الخلق
الذي ظهر على سطحها منذ ملايين السنين، تختلف في تقديرات العلم باختلاف عمر
الاحافير، ونتائج التحليلات العلمية، وقد أطلق العلماء على هذا المخلوق خطأ او تجاوزا
لقب: أنسان فقالوا: إنسان بكين، أو إنسان جاوة، أو إنسان كينيا، أو ما سوى ذلك من
الاطلاقات التي تعني مراحل تكوين البشر بإطلاق القران واستخدام كلمة إنسان في وصف
هؤلاء ليس إلا على سبيل التوسع، كما استخدمت كلمة بشر للدلالة على معنى الانسان
توسعا أيضا، وإلا فاللفظ الدقيق بلغة القران، والذي ينبغي أن يستخدم في تسمية تلك المخلوقات العتيقة التي تدل عليها الاحافير هو البشر فواجب ان يقال: بشر بكين، وبشر
جاوة، وبشر كينيا، وبشر النياندرتال.. إلخ.اما الانسان فلا يطلق بمفهوم القران إلا على
ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير، وهو الذي يبدأ بوجود ادم عليه السلام،
وادم على هذا هو (أبو الإنسان)، وليس (أبو البشر)، ولا علاقة بين ادم والبشر الذين
بادوا قبله، تمهيدا لظهور ذلك النسل الادمي الجديد. اللهم إلا تلك العلاقة العامة او
التذكارية، باعتباره من نسلهم»(١).

مختصر أطروحته هو أنّ هناك مخلوقاً خلق من الطين مباشرة، وهو يسير مستقيماً على
قدمين قبل عدة ملايين من السنين، هو البشر، ثم تطور هذا المخلوق شكلاً، وامتلك قدرة
عقلية ولغة بدائية، ثم نفخت فيه روح خاصة، فحصل له ارتقاء، وأصبح أول إنسان وهو
آدم، وهو في هذه الأطروحة حاول حل مشكلة مناقضة الطرح الديني التقليدي السائد للعلم
وبشكل صارخ وممجوج، حيث لم يعد مجال للجدال في ما أحكم علمياً من أنّ تاريخ سلف
الإنسان الحالي يمتد لملايين السنين وأن أصوله من أفريقيا وأنه تطور في مراحل متتالية.

فحاول دكتور عبد الصبور أن يحل المشكلة بالاقرار بهذا الامتداد لعدة ملايين من السنين
هي تاريخ سلف الإنسان القريب أو بالخصوص الأسلاف الذين ساروا على قدمين اثنين، وهو
قد أقر بالتطور أيضاً، ولكن بحدود هذا الامتداد ورفض أن يكون للإنسان اتصال مع سلف
أو أصل أبعد من السلف الذي سار على قدمين، ورفض أن يكون هناك أصل واحد لكل الحياة
على هذه الأرض بدأت منه كما هو مقرر في علم الأحياء التطوري ومثبت بالدراسات الجينية،
بل فرض عبد الصبور شاهين أن الإنسان خلق كبشر قبل عدة ملايين من السنين ثم تطور
وتشكل ليكون أخيراً الإنسان الأول آدم (عليه السلام) دون أي دليل علمي أو مناقشة علمية
لهذا الفرضية التي تناقض علم الأحياء التطوري وتناقض كل الأدلة العلمية التي تثبت أن
مسألة السلف المشترك تمتد ولا تتوقف عند نهاية إلا النهاية التي توحد كل الحياة الأرضية
وهي التركيبة الكيميائية الأولى القابلة لنسخ نفسها والتي تطورت فيما بعد إلى RNA و DNA
وبكتريا ثم خلية حقيقية النواة ثم كائنات نباتية وحيوانية مركبة من عدة خلايا.

ورغم أنّ عبد الصبور شاهين ومن تابعوه حاولوا حل مشكلة التناقض بين الطرح الديني الساذج لبعض فقهاء الأديان وبين بعض ما ثبت علمياً، ولكن بقيت أطروحاتهم تتضمن خللاً
كبيراً فهي لا تتوافق في كثير من الأحيان مع دلالة النص الديني القطعي الصدور، إضافة إلى
أنها تتعارض بعض الأحيان مع الأمور العلمية الثابتة كما تبين في طرح الدكتور عبد الصبور.

فلا يوجد بحسب هذه الأطروحات تفسير منطقي ومعقول للآيات والروايات التي صرحت
بأن آدم الذي خلق من الطين والروح خلق في الجنة ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلزَوْجكَ
فَلاَ يُخْرجَنَّكُمَا منَ الْجَنَّة فَتَشْقَى﴾(١)، حيث إنهم يعتبرونها حديقة أرضية، وهذا يصطدم بآيات
وروايات كثيرة.

ولا يوجد تفسير منطقي ومعقول لكون آدم لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى رغمَ كونه
في الأُرض دائماً ومنذ البداية بحسب هذه الأطروحة ﴿ إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأنَّكَ لاَ
تَظْمَأ فيهَا وَلاَ تَضْحَى﴾(٢).

ولا يوجد تفسير منطقي ومعَقول لعري آدم ورؤيته عورته على الرغم من أنه كان أرضياً
دائماً بحسب هذه الأطروحة ﴿فَأكَلاَ منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا من وَرَق
الْجَنَّة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(٣).

ولا يوجد تفسْير معقول لهبوط آدم وحواء من الجنة ﴿قَالَ اهْبطَا منْهَا جَميعاً بَعْضُكُمْ
لبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمَّا يَأتيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضل وَلاَ يَشْقَى﴾(٤).

ولا يوجد تفسير معقول لهبوط آدم إلى الأرض للاستقرار والحياة فيها بعدَ المعصية، فمن
غير المعَقول أن يكون الخروج والهبوط الذي تلاه من الأرض وإلى الأرض ﴿َفَأزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ
عَنْهَا فَأخْرَجَهُمَا ممَّا كَانَا فيه وَقُلْنَا اهْبطُواْ بَعْضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ في الأرْض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حيٍن﴾(١).

﴿قَالَ اهْبطُواْ بَعْضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ في الأرَْض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حيٍن﴾(٢).

ولا يوجد تفسير للروايات التي صرحت بأنّ صورة آدم الطينية طرحت في باب الجنة قبل
أن تنفخ فيه الروح.

أصحاب هذه الأطروحة قد ألغوا وجود آدم وخلقه السابق من الطين في الجنة تماماً،
وبداية آدم عندهم أرضية مئة بالمئة، مع أنّ النصوص القرآنية واضحة في أن بداية آدم (عليه
السلام) سماوية وفي الجنة الدنيوية في السماء الأولى بالخصوص، هذا بغض النظر عن أنهم
سيكونون مضطرين قطعاً إلى إنكار عالم الذر المذكور في القرآن؛ لأن أطروحتهم ليس فيها
موضع لعالم الذر حتماً، حيث إنّ بداية آدم (عليه السلام) عندهم في الأرض!

ولاَ أدري كيف سيمكنهم مثلاً بيان هذه الآياتَ لو طلب منهمَ بيانها وَلو بأي صورة مقبولة
﴿وَإذْ أخََذَ رَبكَ من بَني آدَمَ من ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ ألََسْتُ برَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى
شَهدْنَا أن تَقُولُواْ يَوْمََ الْقيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافلينَ* أَوْ تَقُولُواْ إنَّمَا أشْرَكَ آبَاؤُنَا من قَبْلُ
وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدهمْ أفَتُهْلكُنَا بمَا فَعَلَ المُْبْطلُونَ﴾(٣).

وضع عالم سبيط النيلي في كتابه (أصل الخلق وأمرالسجود) أطروحة على نسق أطروحة
دكتور عبد الصبور:

ويستفاد من كلام عالم سبيط أنه يعتقد بصحة نظرية التطور ولم يضع قيداً كما فعل
الدكتور عبد الصبور، فالظاهر من أقوال عالم سبيط أنه يعتقد بالتطور والانتخاب الطبيعي
كما هو مقرر في علم الأحياء التطوري، وهو يتبنى أيضاً أنّ آدم نتاج نفخ الروح في الجسد الذي
نتج عن التطور في هذه الأرض، وكما فرق الدكتور عبد الصبور شاهين بين الإنسان والبشر
كذلك فعل عالم سبيط ولكن ما اعتبره دكتور عبد الصبور خطاباً قرآنياً موجهاً إلى المكلف الإنسان اعتبره عالم سبيط ذماً له وبالتالي قلب المسألة، فعالم سبيط جعل الإنسان تطور
إلى بشر وآدم الذي كان عند الدكتور عبد الصبور أول إنسان أصبح عند عالم سبيط أول
البشر.

«فالصلصال هو الخلاصة المتركزة المأخوذة من الحمأ وهو كتلة من المادة موضوعة
في شرعة ومنهاج مسنون ولها قدرة ذاتية على حماية نفسها، كما لها قوة ذاتية تساعدها
على البقاء عن طريق الانقسام والتكاثر. إذن الصلصال من حما مسنون هو المادة الأولى
للحياة»(١).

«ستجد أن الفرض السابق وهو: (أن الصلصال من حمأ مسنون هو المادة الأولى
المشحونة بالحياة التي ترقت لتصل الى انسان سوي خلال حقب ودهور) هو فرض صحيح
على اكثر من جهة»(٢).

وعالم سبيط ليحل إشكالية تعارض فرضيته مع الروايات والآيات التي تتكلم عن أنّ آدم
مخلوق من طين وضع فرضية مفادها أنّ آدم خلق من الطين وليس من الصلصال، حيث إنّ
الذي خلق من الصلصال هو الإنسان الذي ترقّى فيما بعد إلى بشر، والبشر (آدم) هو المخلوق
من الطين، وأنّ آدم البشر المخلوق من الطين عبارة عن نتاج تدخل إلهي بتعجيل عملية
التطور بالانتخاب القسري.

وليحل إشكال تناقض كلامه المتقدم مع نظرية التطور وعلم الجينات ومع قوله تعالى:
﴿لبَشَرٍ خَلَقْتَهُ من صَلْصَاٍل مّنْ حَمٍَإ مَّسْنُوٍن﴾ قال: إنّ الطين هنا ليس هو الطين الذي يعرفه
كل الناس، بل هو مَادة متماسكة متناسقة ترَقت من الصلصال. وليحل تناقض فروضه مع
قوله تعالى: ﴿الَّذي أحْسَنَ كُلَّ شَيٍْء خَلَقَهُ وَبَدَأ خَلْقَ الإْنسَان من طيٍن﴾ قال:

«(بدأ خلق الانسان من طين) مما يستلزم ظاهريا نوعا من التعارض، ولكن هنا
يكمن الاعجاز القراني ففي سورة صاد ذكر أيضا أنه من طين فالفارق يكمن في بقية الالفاظ
فقوله (اني خالق بشرا من طين) مختلف عن قوله (وبدا خلق الانسان من طين) فالقول
الأول بالماضي حيث يتحدث فيه عن أمر سيقع مستقبلا أي انه خالق بشرا من صلصال او من طين فذكر فيه المنشأ الأول لاظهار التباين الشديد بين حالتين مما يظهر القدرة
على شحنه بقوة الترقي. وبينما القول الثاني يتحدث الان عن واقعة سبقت فهي عكس
الأولى تماما في طريقة الاخبار عن الواقعة. فالكائن البهيمي الأول لم يصل بعد الى مرحلة
الانسان وإنما بدأ يكون انسانا من مرحلة الطين. من ناحية لفظ الطين فانه يصدق على
الحالتين فعلا أما درجة النقاوة فتفهم من المداخلات اللفظية الاخرى »(١).

وهكذا استمر في سلسلة فروض استحسانية عبثية ليخرج نفسه من إشكال ويقع في
إشكالات أخرى كحاطب ليل لا يدري أين يقع فأسه.

«في مرحلة الطين مورد صاد لاحظ التغيير في الوصف: (إلا ابليس استكبر وكان من
الكافرين) فقد جعله متكبرا وكافرا ذلك لانه خلق النموذج المعجل للتطور من نفس
التراب إذ اخذنا بهذه الفكرة فكرة إدخال عنصر معجل او قدوة حيث هي الفكرة الوحيدة
التي تحل المعضلات في المرويات الماثورة عن المعصوم ع بشأن الطين ومنشأ الخلق
كما سترى. كل ما حدث هو ان التراب هذه المرة صفو لا كدر فيه كما تقرره عبارة إحدى
المرويات وإن الطين المتشكل منه صفو لا كدر فيه بخلاف منشأ الصلصال من حما
مسنون. لا تحسب ان الكدر المقصود هنا هو الشوائب المعتادة ولا هذا الطين، بل ان
الطين سمي طينا لان الأصل اللغوي للطين هو الأجزاء المتماسكة جدا والمتخصصة بفعل
ما. حيث وصف فيما بعد بانه طين لازب لقوة ارتباط عناصره مع بعضها بسبب غياب أية
شوائب في هذا الصفاء يتم خلق بشر مباشرة من غير المرور بمرحلة الانسان فانتبه. إنه
طين مقدس لذلك فهو الموضع الوحيد الذي ينسب فيه خلق هذا البشر الى الذات
المقدسة بصيغة المفرد خلقت...»(٢).

«الطين الذي نحن بصدده طين ادم هو مادة متناسبة ومتناسقة في عناصرها ترقت
من الصلصال لا من شيء اخر ولكن اليد الربانية تدخلت في تعجيل تصفيتها وترقيتها
بعناية خاصة فهي تنطوي على ظهور متأخر لهذا البشر المترقي بصورة طبيعية»(٣).

وعموماً، فكرة أو أطروحة أنّ آدم عبارة عن نتاج روح نفخت في جسد أو بدن مترٍق بالتطور فكرة خاطئة وغيرَ صحيحة، وإضَافة إلى تَعارضها مع آيات الذر ﴿وَإذْ أَخََذَ رَبكَ من بَني
آدَمَ من ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ ألَسْتَ برَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شََهدْنَا أن تَقُولُواْ يَوْمَ
الْقيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافلينَ﴾، وآية خلقكم من نفس واحدة ﴿يَا أيهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ
الَّذي خَلَقَكُم مّنَ نَّفْسٍ وَاحدٍَة وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رجَالاً كَثيراً وَنسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذي
تَسَاءلُونَ به وَالأرْحَامَ إنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيباً﴾، وروايات النطفة التي تخرج عند الموت وغيرها
من الآيات والروايات،

فإنه يتعذر على هذه الأطروحة أن تعطي تفسيراً منطقياً للموت وما يحصل فيه من نزع
للنفس أو الروح، فأي نفس أو روح هذه التي تنزع عن البدن عند موت الإنسان؟ هل هي الروح
المنفوخة فهي روح خاصة لا يمتلكها كل إنسان بل فقط المرتقي بحسب هذه الأطروحة، أم
هي شيء آخر؟ والحقيقة إنه لا يوجد شيء آخر اتصل بالبدن المتطور على هذه الأرض بحسب
هذه الأطروحة، وفي نفس الوقت فإن موت البدن ما هو إلا عملية تعطل للتفاعلات الكيميائية
التي تنتج عمل أعضاء البدن، فمجرد هلاك البدن بحد ذاته ليس فيه نزع لنفس حقيقية بل
هو مجرد توقف تفاعلات يؤدي إلى تعطيل عمل الأعضاء وبالنتيجة البدن ككل.

وعلمياً، فإنّ البدن المتطور على هذه الأرض مجرد بدن مركب من مواد كيميائية، ولو
أردنا اختصاره بكلمة علمية فيمكننا أن نقول: إنّ بدن أي كائن حي كالإنسان هو عبارة عن
مستعمرة ناسخات (AND،ANR....) تمتلك خريطة آلة كيميائية متفاعلة قامت بتنفيذها
لتبقى ولتمر للأجيال اللاحقة لا أكثر.

وهنا يرد أكثر من إشكال على الأطروحة المتقدمة، وهي إشكالات عصية على الحل، منها:

لا يصح أن يوجه التكليف لبدن لا يمتلك نفساً حقيقية مؤهلة للتكليف، وبدن الإنسان
علمياً مجرد تركيبة كيميائية كأي خفاش أو اخطبوط أو شمبانزي، فكيف يكلف ابتداء ثم
يحاسب أو يعاقب بعدها، ومن هو المكلَّف والمحاسَب؛ هل هو البدن المركب من مواد كيميائية
متفاعلة تجعله يقوم ببعض الوظائف؟!

إذا كان نفخ الروح منقبة وارتقاء في المقام فلا يصح أن تنفخ الروح في بدن دون آخر ابتداء
وهم مجرد آلات كيميائية غير مؤهلة للتكليف ثم يحاسب أحدهما ويكافئ الآخر، فهذا مناقض
للعدالة المفترضة في الخالق العادل سبحانه؟!

في حين نجد عالم سبيط يقول:

«فمنذ انعقاد العلقة وإلى لحظة الموت يكون كل منهم قد استلم مقدارا منها مختلفا
جدا، فبعضهم يموت ولا روح له وبعضهم يولد وله روح عظيمة»(١).

فما هو ضابط نفخ الروح، هل هو العمل والطاعة والحال أنه لا يمكن أن تكون طاعة
لمجرد بدن مركب من مواد كيميائية متفاعلة ونتيجة تفاعلها تنتج الشهوة والقوة وحياة البدن
المتمثلة بالحركة ووظائف الأعضاء، وهذه كلها علمياً قوى مادية مفسرة مادياً بشكل كامل ولا
تحتاج فرض شيء آخر أكثر من المادة، وعبرت عنها الروايات بأنها أرواح الشهوة والقوة والمدرج
أي الحركة ووظائف الأعضاء التي تشترك بها الكائنات الحية، وهذه الأرواح ليست شيئاً آخر
غير مكونات هذا البدن المادية ومنتجاتها.

أظن ما بينته يكفي ليتضح أنّ هذه الأطروحات غير صحيحة، ولهذا سأتوقف عن
مناقشتها بإسهاب أكثر وإن كان هناك كثير يمكن أن يقوله فيها كل من يقرأ هذا الكتاب.

أما الصحيح فهو ما بينته في هذا الكتاب، وهو أنّ كل إنسان يولد مع نفس مخلوقة من
الطين المرفوع ونفخ الروح، وهذه النفس متصلة بالبدن اتصال تفاعل وتدبير كامل بحيث إنها
تستشعر لذته وألمه وحياته وموته، ولها تأثير مادي فعلي على البدن كعمل محرك فاعل فيه.

وهذه النفس لأنها مخلوقة من النفخ فهي صورة واضحة وجلية للروح والعقل الكلي،
ولهذا فهي مؤهلة للتكليف ولهذا يصح أن يوجه لها التكليف، وهي الجهة الموجه إليها التكليف
الإلهي بالطاعة، وهي ممتحنة في هذه الدنيا باتصالها بالبدن ذي المتطلبات الشهوانية
الدنيوية.

وأيضاً مما تقدم تبيّن: أنّ الجميع يمتلكون أنفساً مؤهلة للتكليف، والجميع يمتلكون
نفس القابلية والقدرة فلا يتوجه إشكال لعدالة الله سبحانه، فهو قد ساوى بين الجميع
وأدخلهم الامتحان الدنيوي، فمحمد وعلي والأنبياء والأوصياء والصالحون فازوا بما قدمت
أيديهم ولم يفضلهم الله ابتداءً على الآخرين فتنتقض عدالته، فالآخرون الخاسرون دخلوا الامتحان بنفس ما دخل به محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي والأنبياء والأوصياء (عليهم
السلام) ولكنهم قصّروا ولم يعملوا ويطيعوا فخسروا.

وهو أنّ النفس الإنسانية المخلوقة من (الطين المرفوع، ونفخ الروح) اتصلت بجسم مادي
تطور في هذه الأرض، فالنفس الإنسانية الأولى خلقت في السماء الأولى مركبة من الطين المرفوع
لها ومن نفخ الروح فيه، فخلق آدم (عليه السلام) في السماء الأولى، وإن لم يمكن فهم أو
تعقل السماء الأولى - لغير المؤمنين - فنفرض أنها بحسب نظرية الأكوان المتعددة في كون موازٍ
لكوننا الذي نعيش فيه الآن ومن ثم أعيدت هذه النفس إلى هذا الكون المادي الذي نحن فيه
من خلال اتصالها بجسم موجود فيه - وهو في الرحم - وهو جسم كأجسامنا الحالية ولا يختلف
عنا، فتكوّن الإنسان الأول على هذه الأرض وهو آدم(عليه السلام)، وحال حواء (عليها السلام)
كحاله وتكاثرت الإنسانية على هذه الأرض وعمرتها لأول مرة بشكل ملحوظ ومدون ومحفوظ
في سومر.

وإذا لم يمكنكم فهم اتصال النفس وهي في عالم موازٍبالجسد وهو في هذا العالم فيمكنكم
اعتباره كالاتصال المفترض بين الأكوان المتوازية وانتقال جسيم أو موجة بين الأكوان(١).

وأما نفس حواء فقد شقّت من نفس آدم (عليه السلام): ﴿يَا أَيهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذي
خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحدٍَة وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رجَالاً كَثيراً وَنسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذي
تَسَاءلُونَ به وَالأرَْحَامَ إنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيباً﴾(٢) (٣)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذي خَلَقَكُم مّنَ نَّفْسٍ
وَاحدٍَة وَجَعَلَ منْهَا زَوْجَهَا ليَسْكُنَ إلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفيفاً فَمَرَّتْ به فَلَمَّا أثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئنْ آتَيْتَنَا صَالحاً لَّنَكُونَنَّ منَ الشَّاكرينَ﴾(١).

ثم أخرجت أنفس الذرية من أنفسَ آدم وذريتهَ وامتحنهَم الله في ذلك العالم ﴿وَإذْ أَخََذَ
رَبكَ من بَني آدَمَ من ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ ألَسْتُ برَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهدْنَا أن
تَقُولُواْ يَوْمَ الْقيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافلينَ﴾(٢)، وأصبحت كل أنفس بني آدم مركبة من الطينة
المرفوعة وتجٍل لروح الإيمان وروح القدس أو قل صورة لروح الإيمان وروح القدس، وبهذا
فيكون كل إنسان مفطوراً على أن يصل إلى أعلى المراتب،ومفطوراًعلى أن يكون مع الملأ الأعلى،
ومفطوراً على معرفة الله بل ولديه الآلة التي يرتقي بها وهي صورة روح الإيمان وروح القدس،
فالمفروض أنه من الصورة المودعة فيه يعرف حقيقته ويصير إليها.

أما سبب اتصال نفس آدم وحواء وبقية الذين خلقوا في السماء الأولى أو عالم الذر
بالأجساد في هذه الأرض فهو لإعادة الامتحان واعطائهم فرصة أخرى للامتحان، وهذا قد بينته
سابقاً في كتب أخرى بالتفصيل، فيمكن مراجعته للوقوف على الحقيقة، وهذا الاتصال لتلك
الأنفس السماوية بالأجساد الأرضية أدى لظهور الثقافة والحضارة كما سيتبيّن.

عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: [قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة جعل
الله عز وجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلى في أرفع محل؟فقال (عليه السلام):
إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع أكثرها إلى
دعوى الربوبية دونه عز وجل، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظراً
لها ورحمة بها وأحوج بعضها إلى بعض، وعلق بعضها على بعض، ورفع بعضها على بعض في
الدنيا، ورفع بعضها فوق بعض درجات في الآخرة، وكفى بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله
واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع
التي تعبّدهم بها، ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل ومثوبات في العاجل
ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ويزهّدهم في الشر وليدلهم بطلب المعاش والمكاسب،
فيعلموا بذلك أنهم بها مربوبون وعباد مخلوقون ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الأبد وجنة الخلد ويأمنوا من الفزع إلى ما ليس لهم بحق.

ثم قال (عليه السلام): يا ابن الفضل، إن الله تبارك وتعالى أحسن نظراً لعباده منهم
لأنفسهم ألا ترى أنك لا ترى فيهم إلا محباً للعلو على غيره حتى يكون منهم لمن قد نزع إلى دعوى
الربوبية، ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها، ومنهم من قد نزع إلى دعوى الإمامة
بغير حقها وذلك مع ما يرون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر
والآلام والمناوبة عليهم والموت الغالب لهم والقاهر لجمعهم. يا ابن الفضل، إن الله تبارك وتعالى
لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون] (١).

إذن، فالنفس باعتبار أنها مخلوقة من الطين فإنّ لها قابلية استيعاب القوى أو الأرواح
المادية الجسمانية وهي الشهوة والقوة والمدرج أو حياة البدن، والنفس باعتبار أنها مخلوقة
من نفخ الروح فهي مؤهلة للارتقاء واستيعاب روحي الإيمان والقدس،

ولهذا رُفع الطين وخلقت منه ومن نفخ الروح؛ لأنها في علم الله ستعود إلى الطين أو عالم
الأجسام المادي أو الأرض بالخصوص، ولأنها مخلوقة منه فستكون مؤهلة للتفاعل مع ما هو
أرضي واستيعابه والاندماج معه أي الجسم بحيث يمثل امتحاناً ملائماً لها، وفي نفس الوقت
لأنها من نفخ الروح السماوي فستكون مؤهلة للارتقاء واستيعاب ما هو سماوي أي روح
الإيمان وروح القدس.

فالنفس يمكن أن نتصورها عبارة عن مرآة لها جهتان جهة سفلية فيها صورة وموضع
لأرواح أو قوى البدن الجسمانية (روح الشهوة والقوة والحياة)، وجهة علوية فيها موضع لروحي
الإيمان والقدس، فهي شاملة للأرواح الخمسة؛ أرواح أو قوى البدن وروحي الإيمان والقدس،
وهي أصبحت هكذا شاملة لقوى وأرواح من عوالم مختلفة؛ لأنها مخلوقة من عوالم مختلفة
فالطين المرفوع من عالم المادة الجسماني ونفخ الروح من السماوات العلوية.

عَنْ إبْرَاهيمَ بْن عُمَرَ الْيَمَانيّ، عَنْ جَابرٍ الْجُعَْفيّ، قَالَ: [قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه (عليه السَلام):
يَا جَابرُ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ ثَلاَثَةَ أصْنَاٍف وَهُوَ قَوْلُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: "وَكُنْتُمْ أزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحُابُ المْيَْمَنَة ما أَصْحابُ المَْيْمَنَة وَأَصْحابُ المْشَْئَمَة ما أَصْحابُ المْشَْئَمَة وَالسَّابقُونَ
السَّا بقُونَ أولئكَ المَْقَُرَّبُونَ"َ، فَالسَّا بقُونَ هُمْ رُسُلُ اللَّه (عليهم السلام)َ وَخَاصَّةُ اللَّه منْ خَلْقه
جَعَلَ فيهمْ خَمْسَةَ أرْوَاَحٍ؛ أيَّدَهُمْ برُوح الْقُدُس فَبه عَرَفُوا الأْشَْيَاءَ، وَأيََّدَهُمْ برُوح الإْيمَان فَبه
خَافُوا اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ، وَأيَّدَهُمْ برُوح الْقُوَّة فَبه قَدَرُوا عَلَى طَاعَة اللَّه، وَأيَّدَهُمْ برُوح الشَّهْوَة فَبه
اشْتَهَوْا طَاعَةَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَكَرَهُوا مَعْصيَتَهُ، وَجَعَلَ فيهمْ رُوحَ المْدَْرَج الَّذي به يَذْهَبُ النَّاسُ
وَيَجيئُونَ. وَجَعَلَ فيَ المْؤَُْمنينَ وَأصْحَاب المَْيْمَنَة رُوحَ الإْيمَان فَبه خَافُوا اللَّهَ، وَجَعَلَ فيهمْ رُوحَ
الْقُوَّة فَبه قَدَرُوا عَلى طاعَة اللَّه، وَجَعَلَ فيهمْ رُوحَ الشَّهْوَة فَبه اشْتَهَوْا طَاعَةَ اللَّه، وَجَعَلَ فيهمْ
رُوحَ المْدَْرجَ الَّذي به يَذْهَبُ النَّاسُ وَيَجيئُونَ] (١).

وعَنْ جَابرٍ، عَنْ أَبي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: [سَأَلْتُهُ عَنْ علْم الْعَالم،ْ فَقَالَ لي: يَا جَابرُ
إنَّ في الأَْنْبيَاء وََالأَْوْصيَاء خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ: رُوحَ الْقُدُس وَرُوحَ الإَْيمَان وَرُوحَ الحَيَاة وَرُوحَ الْقُوَّة
وَرُوحَ الشَّهَْوَة، فبَرُوح الْقُدُس يَا جَابرُ عَرَفُوا مَا تَحْتَ الْعَرْش إلى مَا تَحْتَ الثَّرَى. ثُمَّ قَالَ: يَا جَابرُ
إنَّ هَذه الأْرْبَعَةَ أرْوَاحٌ يُصيبُهَا الْحَدَثَانُ إلاَّ رُوحَ الْقُدُس فَإنَّهَا لاَ تَلْهُو وَلاَ تَلْعَبُ](٢).

وعَن المْفَُضَّل بْن عُمَرَ، عَنْ أَبي عَبْد اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: [سَأَلْتُهُ عَنْ عَلْم الإْمَام بمَا
في أَقْطَار الأْرَْض وَهُوَ في بَيْته مُرْخًى عَلََيْه ستْرُهُ، فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتعَالَى جَعَلَ في
النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)َ خَمْسَةَ أرْوَاحٍَ: رُوحَ الْحَيَاة فَبه دَبَّ وَدَرَجَ، وَرُوحَ الَْقُوَّة فَبه نَهَضَ
وَجَاهَدَ، وَرُوحَ الَشَّهْوَة فَبه أكَلَ وَشَربَ وَأتَى النّسَاءَ منَ الْحَلاَل، وَرُوحَ الإْيمَان فبه آمَنَ وَعَدَلَ،
وَرُوحَ الْقُدُس فبه حَمَلَ النبُوَّةَ، فَإذَا قُبضَ النَّبي (صلى الله عليه وآله) انْتَقَلَ رُوحُ الْقُدُس
فَصَارَ إلَى الإْمَام، وَرُوحُ الْقُدُس لاَ يَنَامُ وَلاَ يَغْفُلُ وَلاَ يَلْهُو وَلاَ يَزْهُو، وَالأْرَْبَعَةُ الأْرَْوَاح تَنَامُ وَتَغْفُلُ
وَتَزْهُو وَتَلْهُو، وَرُوحُ الْقُدُس كَانَ يَرَى به] (٣).

لا شك أنّ ظهور الكائن الذي يسمى الإنسان الحديث أو العاقل (الهومو سابينس) مثل
طفرة واضحة في التطور الثقافي والحضاري كما تبين سابقاً، ولكن لو نظرنا إلى تاريخ نفس
هذا الكائن الهومو سابينس وبالذات إلى المجموعة المهاجرة من أفريقيا فسنجد أيضاً أن هناك
معطيات اكتشفت في الآثار تؤشر طفرة ثقافية واضحة في فترة زمنية معينة للهومو سابينس،
وقد يصعب علمياً تشخيص بدايتها بدقة لعدم وصول شيء مادي يمكن الاعتماد عليه
لتشخيص بداية الطفرة الحضارية بشكل قطعي، أما مؤشرات بداية القرى الزراعية قبل
عشرة آلاف عام تقريباً في الشرق الأدنى فلا تمثل البداية بل هي انتشار وتوسع للبداية جعل
تشخيصها آثارياً ممكناً لبقاء آثار لها.

ولكن يمكننا الوصول إلى شيء من الحقيقة - إذا لم نقل الحقيقة كاملة - من خلال
دراسة علمية وموضوعية لأقدم ما حفظ ودوّن، وأقدم حضارة وثقافة دونت تاريخها هي
الحضارة السومرية أو الاكادية بالكتابة السومرية والتي من المؤكد أنها تمثل الوارث أو أحد
الورثة الأقرب لحضارة وثقافة المجموعة المهاجرة الأولى حيث إنها استوطنت الوادي المنخفض
الذي يقع في الخليج الحالي. ثم إن هذه الحضارة انتقلت بعد الطوفان إلى شمال (الوادي -
الخليج) الحالي وكونت في الحدود التي تسمح بالسكن وعلى حدود الأهوار أو البحيرات قرى ما
قبل التاريخ السومرية (الاكادية) في بلاد ما بين النهرين (العراق)، ويصل تاريخ بعض ما وصلنا
منها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ولكن بما أنّ حضارة أولئك الأقوام المتقدمين معتمدة على
القصب خصوصاً أنهم كانوا يعيشون في واٍد مليء بالبحيرات فأكيد لم يصل منها شيء وإنما
وصلتنا حضارتهم المتأخرة أي بحدود الألف الخامس قبل الميلاد، وما هو مسجل ومكتوب منها
بعد أن بدأت الكتابة والتدوين يؤشر طفرة حضارية وثقافية بكل معنى الكلمة، ويمكننا القول:
إنّ هذه الطفرة تجلت بعدد كبير من البشر في العراق وبأدوات بحيث لم تتمكن الظروف من
طمسها، وأكيد أن هذا العدد جاء من أفراد وَرَّثوا هذا المستوى الثقافي الراقي في السلوك
الإنساني للأبناء وبالتالي فهي طفرة حضارية تعود إلى آلاف السنين الأخرى التي ربما طمسها
الفيضان ودرستها المياه المالحة التي غطت الخليج الحالي.

وأبناء الحضارة السومرية (الاكادية) عندما يتكلمون عن أسلافهم في الرقم الطينية تجدهم يعبرون عنهم بأنهم أكثر رقياً أخلاقياً وثقافياً منهم - هم أنفسهم - وهي ثقافة وحضارة
مختلفة تماماً عن ما تقدمها، فنحن لا نتكلم هنا عن مجرد أدوات بل عن نظام اجتماعي
وسياسي وأخلاق عليا وبالتالي فهناك قفزة ثقافية وحضارية لا يمكن تفسيرها علمياً وقد
سجلت في فترة ما من تاريخها ووصلتنا من شومر أو سومر أو بلاد اكاد وسومر أو جنوب العراق
الحالي، وهذه الطفرة الحضارية أوصلت بعض الباحثين مثل زكريا سيتشن إلى أن يفترض
أصلاً سماوياً للسومريين (الاكاديين) وأنهم جاءوا من الفضاء الخارجي،

«وبوسعنا ان نفترض ان هؤلاء القوم الذين سموا السومريين قد انحدروا من الاقوام
التي سكنت (قدمت) العراق في عصور ما قبل التاريخ وهي العصور التي سبقت عصر فجر
السلالات وانهم عرفوا باسم خاص وهو اسم السومريين في الازمنة التاريخية نسبة الى
الجزء الخاص من العراق الذي تمركزوا فيه وهو القسم الجنوبي الذي سمي باسم شومر او
سومر ولعل اقوى ما يجعل هذه الفرضية رأيا قريبا من الواقع أن اسس الحضارة التي
سميناها السومرية والتي ازدهرت في عصر فجر السلالات يمكن اقتفاؤها الى الاطوار
الحضارية التي سميناها بعصور ما قبل السلالات مما يكون استمرارا حضاريا أي ان اصول
الحضارة السومرية نشأت في العراق ويمكن تتبع أسسها واصولها فيه منذ أقدم الازمان
فبامكاننا مثلا ان ندعو اهل طور العبيد من السومريين قياسا على ظهور أبرز مقومات
الحضارات السومرية فيه كالمعابد والقرى على الرغم من اننا نجهل اللغة التي تكلم بها
أهل العبيد»(١).

ومن المؤكد أنّ الحضارة المصرية أيضاً تمثل قارئاً ممتازاً لهذه الطفرة الثقافية والحضارية
ولكنها متأخرة زماناً عن الحضارة السومرية، وكذلك فبعض البحوث الجينية الأخيرة تثبت أن
أصول المصريين وشمال أفريقيا تعود إلى منطقة السومريين القديمة أي جنوب العراق، ولهذا
فسأكتفي بالحضارة السومرية أو الاكادية - باعتبارها حضارة الآباء - لإثبات هذه الطفرة
الحضارية من خلال المثال السومري (الاكادي).

الأدب باعتباره قارئاً ومقياساً للثقافة الإنسانية ولقدرة الإنسان على التفكير يجعلنا نضع
الأدب السومري أو الاكادي (البابلي والاشوري) كملحمة جلجامش بنصوصها المختلفة دليلاً
مهماً جداً على أنّ الإنسان منذ البداية المعروفة في سومر وأكاد التي سُجلت ونُقلت بالرقم
الطينية إلى اليوم هو هو لم يتغير من ناحية القدرة على الادراك والمعرفة، فالأدب مقياس
مجرد لا يحتاج إلى آليات أخرى ربما تشوش - على المستخدم - دقة قراءته كمقياس كما هو
الحال في الحضارة الصناعية والبناء والانشاء حيث يصعب على أي كان أن يجعلها مقياساً
دقيقاً؛ كونها تعتمد على آليات أخرى خارجة عن إنسانية الإنسان مثل: تراكم الاختراعات
وتراكم آلات الانشاء والصناعة التي يعتمد إنشاء بعضها على بعض، ومع ذلك فهي أيضاً
مقياس ولكن يحتاج ربما استدلالاً للتوصل إلى النتيجة المطلوبة.

فربما يقول بعض الناس: إنّ الإنسانية تقدمت كثيراً في البناء فنحن اليوم نتمكن من بناء
ناطحات سحاب وجسور في عرض البحر وبالتالي فهو ربما أيضاً يحكم بتقدمنا في الفكر
والإدراك على أسلافنا في سومر، ولكن لو دققنا النظر وقارنّا بين زقورة أور التي بناها
السومريون وبين أعقد الإنشاءات الضخمة هذه الأيام فسنحكم بأنه لا يوجد أي اختلاف في
مستوى الفكر والادراك بين المهندسين الذين صمموا ونفذوا زقورة أور وبين أقرانهم الصينيين
الذين صمموا ونفذوا أطول الجسور البحرية في العالم أو الذين نفذوا بناء فندق من ثلاثين
طابقاً أو أكثر خلال أيام قليلة، والسبب: إنّ المهندسين الصينيين اليوم يملكون معلومات
تجريبية وصناعات تخدم الإنشاء تراكمت على مدى طويل من تاريخ الإنسانية، وهذه لم يكن
يملكها السومريون لأنهم يمثلون البداية، فالفرق بين فريقي المهندسين السومري قبل آلاف
السنين والصيني اليوم ليس فرقاً في الفكر والادراك إنما هو فرق في القدرة الخارجية المتوفرة،
فحقيقة الأمر هو كمن تعطيه اليوم معاول وآلات بسيطة ومعلومات بسيطة عن البناء وتطلب
منه بناء يشبه زقورة أور وآخر تعطيه آلات ضخمة ومتطورة وكماً هائلاً من المعلومات التي
تراكمت لدينا من التجارب السابقة وكمبيوترات وبرامج متنوعة للتصميم والفحص وتطلب
منه بناء جسر يربط بين الصين وهونك كونك، بالنسبة لي لو نفّذ الاثنان ما طلبت منهم فلا يمكن أن أحكم بفرق فكري أو قدرة على الادراك بين الاثنين وأعتقد أنّ أي عاقل سيحكم بهذا
الحكم.

وبالنتيجة توصلنا إلى أنّ الحضارة السومرية من جهة البناء والإنشاء والصناعة والزراعة
تمثل طفرة حضارية قطعاً بالنسبة للتاريخ السابق على وجودهم، وبالتالي فهي تؤشر طفرة في
الفكر والادراك لدى السومريين لا يمكن تحديد بدايتها علمياً بدقة، ولكن المؤكد أنها بدأت
قبل التاريخ المسجل المنقول بكثير ربما عشرات آلاف أخرى من السنين وهي تضعهم بنفس
مستوانا في الفكر والادراك، ولكننا احتجنا في الحضارة المدنية مثلاًإلى تدقيق وضرب أمثلة
ووضع مقارنة لكي نصل للنتيجة المطلوبة.

أما بالنسبة للنص الأدبي فأعتقد أنّ كل إنسان عندما يقرأ ملحمة جلجامش مثلاً سيراها
أدباً يستحق أن يوضع في قمة الأدب الإنساني - لمن يعتقدونها نتاجاً إنسانياً محضاً - وبالتالي
سيحكم أن هناك طفرة حضارية وثقافية حصلت للإنسانية في سومر واكاد أو في العمق
التاريخي لعشرات آلاف السنين الذي ترتبط به سومر واكاد، ويمكن قراءتها بأدوات الادراك
المتوفرة لدى كل إنسان سوي، وهذا يعني بوضوح أن هناك شيئاً جديداً دخل في معادلة
الهوموسابينس غيَّرهُ بصورة جذرية من كائن بدائي بسيط تسيطر عليه أنانية البقاء إلى إنسان
مدرك مفكر يحاول أن يكون ايثارياً في هذه الحياة ويحول رغبته للبقاء إلى رغبة في الخلود في
عالم آخر مثالي خاٍل من الشر وممتلئ بالخير والأخلاق الطيبة.

شكل١٦: زقورة أور

اللغة السومرية تختلف عن اللغات السامية التي وجدت في بلاد ما بين النهرين، وقد مثل
هذا الاختلاف مشكلة - في تحديد أصل السومريين - جعلت كثيراً من الباحثين والمتخصصين
يفترضون أصلاً بعيداً للسومريين؛ كالهند وشرق آسيا أو حتى أوربا، ولكن بعض المتخصصين
الأوائل مثل جوزيف هاليفي والمتأخرين مثل الدكتور نائل حنون (١) خلصوا إلى نتائج أخرى
واعتبر بعضهم أنّ السؤال عن أصل السومريين سؤال خاطئ، حيث خلص الدكتور نائل حنون
إلى أنّ الموجود هو كتابة سومرية اخترعها الاكاديون للتدوين في بداية محاولات الكتابة
والتدوين باللغة المسمارية، وبالتالي فالسومريون هم الاكاديون (البابليون والاشوريون) وليسوا
قومية أخرى، أي إنّ السومريين الاكاديين هم ساميون.

«ويثبت بحث ثوركلد ياكوبسن عدم حدوث أي صراع بين السومريين والاكاديين
على أساس الاختلاف القومي، على الرغم من حتمية مثل هذا الصراع في التنازع على
السيادة في منطقة محدودة المساحة والموارد مثل جنوب بلاد الرافدين القديمة التي
تفتقر تماما للحواجز الطبيعية التي تفصل بين اجزائها فيما اذا وجد القومان معا. ويمكن
تلخيص أهم النتائج التي توصل اليها ياكوبسن في بحثه هذا على النحو الاتي:

أولا: لم تكن الصراعات بين المجموعات البشرية المختلفة في بلاد الرافدين القديمة
على أساس الخلافات القومية وإنما على أساس الخلافات السياسية الإقليمية.

ثانيا: إن الصراعات والحروب المذكورة في النصوص المسمارية لم تكن، ولا حتى في
حالة واحدة بين السومريين والأكاديين باعتبارهم يمثلون قوميتين مختلفتين، وإنما
كانت بين مدينة واخرى أو بين دولة مدنية وأخرى دون ان يكون لذلك علاقة بالانتماء
القومي لسكان أي من المدينتين.

ثالثا: إن أي بحث عن اختلاف السومريين عن الأكاديين يمكن أن يدور حول استعمال اللغة، أسماء الأعلام، والمعتقدات الدينية فقط، ولا يمكن أن يدور حول
الاختلافات العرقية أو العناصر الأنثروبولوجية الطبيعية مثل اللون والملامح وشكل
الشعر.... الخ وذلك لعدم إمكانية رصد مثل هذه الاختلافات أصلا.

أما أهم ما توصل إليه جي جيلب في بحثه فيمكن تلخيصه على النحو الاتي:

اولا: يؤكد الدليل الأنثروبولوجي أن الهياكل العظمية المكتشفة منذ أقدم العصور في
بلاد بابل تنتمي الى النوع المعروف بالفرع الشرقي لعنصر البحر المتوسط أي أنها تماثل
هياكل الاقوام البدوية في شبه الجزيرة العربية وبادية الشام. ولم تظهر هياكل من النوع
ذي الرأس الدائري الخاص بأقوام وسط اسيا،حيث يفترض أن يكون موطن السومريين
الأول.

ثانيا: يؤكد البحث على أهمية الدليل المستمد من أسماء المدن القديمة الذي توصل
اليه لاند زبيرجر في بحثه وعرضناه انفا. وفحوى هذا الدليل إن أسماء المدن الرئيسية
القديمة في جنوب العراق لم تكن سومرية.

ثالثا: تظهر في النصوص المسمارية أسماء اعلام أكادية مع أسماء الأعلام السومرية
حتى في مدن يفترض إنها كانت سومرية في عصور سومرية.فأسماء ملوك أول سلالة
حكمت بعد الطوفان، بموجب إثبات الملوك السومرية، كانت في الغالب أكادية. إذ إنه
من مجموع ٢٣ ملكا ذكرت أسماؤهم في هذه السلالة لم تكن الأسماء السومرية تزيد على
ستة. وفي مدن مثل شروباك وأور كانت أسماء الاعلام الأكادية تظهر في النصوص منذ
عصر فجر السلالات المبكر.

رابعا: أن جل معلوماتنا عن ملوك عصر فجر السلالات، الذين يفترض كونهم
سومريين، تأتي من خلال نصوص ملاحم ألفت باللغة السومرية في العصر البابلي
القديم، وليس في العصور السومرية المفترضة.

خامسا: أن الكتابة في مراحلها الأولى لم تكن محددة بالمنطقة السومرية المفترضة
في جنوب العراق وإنما انتشرت في ما عرف بالمنطقة الأكادية، أي القسم الشمالي من
جنوب العراق، وذلك في أثناء العصر الشبيه بالكتابي.

سادسا: بدات النصوص الأكادية بالظهور منذ عصر فجر السلالات الثالث، الذي
يعتبر من عصور السيادة السومرية، وذلك قبل تأسيس سرجون الأكادي لدولته. وفي عصر هذه الدولة كانت النصوص الملكية وأسماء السنين ثنائية اللغة أما النصوص الدينية
والنصوص الاقتصادية فكانت تدون أما بالسومرية أو بالأكادية. وفي منطقة ديالى،
البعيدة عن المنطقة السومرية المفترضة، استعملت اللغة السومرية لتدوين المعاهدات.
وكان البابليون، في العصر البابلي القديم، يستعملون اللغة السومرية في التدوين إلى
جانب اللغة الأكادية.

سابعا: إن الدراسة المعجمية للغة السومرية تبين وجود مجموعتين من المفردات،
الأولى تشمل مفردات سومرية، والثانية تشمل عددا كبيرا من الكلمات المستعارة من لغة
غير سومرية.

ثامنا: وجد عدد كبير من العلامات المسمارية بقيم صوتية معروفة ومستعملة في
اللغة السومرية ولكن ليس لها قيم رمزية تدل على معاني مقترنة بها، وقد أطلق الباحثون
على هذه القيم الصوتية تسمية كاكاسيكا(agisakak). ووجود هذه القيم، أو المفاتيح
اللغوية، يدل على إنها اشتقت من كلمات تعود إلى لغة غير سومرية.

تاسعا: اختلفت المقاطع الرمزية السومرية التي كانت تستعمل للمعاني نفسها من
منطقة الى أخرى في جنوب العراق إي خول HUL(.E)،ولكنفيالمناطقالشماليةيعبرعنه
بالمقاطع الرمزية ساك كش را RA(GIS..)SAG. وكانت بعض السوابق والأدوات اللغوية
تستعمل في مناطق وتهمل في مناطق أخرى.

عاشرا: كان هناك تأثير كتابي أكادي على الكتابات السومرية لا يقل وضوحا عن
التأثير اللغوي وهذا يدل على إن الأكاديين كانوا على صلة بالكتابة حين اختراعها. فعلى
سبيل المثال وجدت مقاطع في الكتابة السومرية اشتقت من كلمات أكادية مثل المقطع
اد)id(من الكلمة الاكادية)idu(بمعنى يد، والمقطع بو)pu(من الكلمة الأكادية)pu(
بمعنى فم، والمقطع از)iz(من الكلمة الاكادية)isu(بمعنى عصا. وهناك كلمات سومرية
جعلت مقاطع رمزية بعد اشتقاقها من الكلمات الأكادية بالمعاني نفسها، مثل شام)sam(
(ثمن) وخاز)hazi((فأس).

وقد أثار الأستاذ طه باقر في سبعينيات القرن العشرين موضوعا مهما متعلقا بالقضية
السومرية حين رفض ما كان يذهب إليه بعض الباحثين من نسب صفات جسمانية
للسومريين من خلال التماثيل والمشاهد الفنية موضحا إن ما يبدو من ملامح على
التماثيل الادمية كان أمرا تتحكم فيه الاساليب والطرز الفنية المتبعة في النحت بالدرجة
الأولى، وإن ما يظهر من هيئات وسحن على تلك التماثيل للأفراد لا يمثل في الواقع فروقا أو ميزات قومية خاصة بالسومريين أو الأكاديين، وإنما هي أزياء خاصة بمقام الشخص
الممثل. ويؤكد هذا الرأي أن الملامح والسمات التي درج الباحثون على عزوها إلى تماثيل
السومريين ظاهرة أيضا في تماثيل أشخاص في مناطق بعيدة عن المنطقة المفترضة
للسومريين مثل ماري (تل الحريري في سورية). ومن جهة أخرى نجد إن التماثيل
المنسوبة الى السومريين من عصر فجر السلالات تختلف في أشكال أشخاصها عن
التماثيل الشهيرة للأمير جوديا (السومري) الذي عاش في حوالي (٢٢٠٠ ق.م).

من خلال ما تقدم يتضح لنا ان الافتراض بوجود شعب سومري،يستدل على وجوده
من وجود اللغة التي اطلق عليها اسم اللغة السومرية ومن اسماء الاعلام المصاغة بهذه
اللغة، يثير من الاسئلة والاشكالات اكثر مما يجيب عليه.ويتضح لنا ايضا انه لا توجد
ادلةسوى اللغة،على وجود السومريين باعتبارهم قوما عاشوا مع الاكاديين او سبقوهم
على ارض جنوب بلاد الرافدين. وحتى في مجال الكتابة اصبح جليا ان الدراسات العلمية
الرصينة لا تميل الى قبول الرأي القائل انها من اختراع السومريين. ومن هنا فاننا نميل
بدليل ما تقدم،الى الاعتقاد بعدم وجود شعب يختلف قوميا عن الاكاديين بهذا الاسم،
واما اللغة السومرية فلدينا ما يكفي من الاسباب التي تجعلنا نذهب الى انها لغة وضعت
من قبل الاكاديين لغرض التدوين قبل ان يتمكنوا من ابتكار وسيلة لتدوين اللغة
الاكادية نفسها.ونرى ان اللغة السومرية بالشكل الذي وضعت فيه لم تكن قابلة للتحدث
بها،كما سنوضح لاحقا،ولكنها ساعدت الاكاديين على التوصل للمقطعية، بعد
المرحلتين الصورية والرمزية. والمقطعية كانت الوسيلة الوحيدة التي تمكن من تدوين
نصوص اللغة الاكادية التي كانت مستعملة في التخاطب ولكن الطريقة الصورية والرمزية
لا تصلحان لتدوينها بسبب ما تزدخر به من تصاريف واشتقاقات ومفردات غزيرة وانما
يمكن ذلك بواسطة الطريقة المقطعية. ولولا ابتكار الصورية والرمزية لتدوين لغة وضعت
اساسا لتدون بها لما امكن من الوصول الى المقطعية. ان ما قادنا الى هذا الرأي العمل في
إعداد المعجم المسماري للغات الاكادية والسومرية والعربية الذي صدر الجزء الاول منه
في بغداد عام ٢٠٠١ م. فبعد انجاز الجزء الاول وبدء العمل في الاجزاء اللاحقة التي
تتضمن المفردات اتضح لنا ان هناك عددا كبيرا من المفردات والمقاطع الرمزية السومرية
وضعت لاول مرة في زمن يمتد من منصف الالف الثاني الى منتصف الالف الاول قبل
الميلاد، اي بعد الاختفاء المفترض للسومريين باكثر من خمس قرون. وقد اثارت هذه
الحقيقة لدينا استنتاجا بان تلك المفردات وضعت من قبل الاكاديين نفسهم. واذا كان
الاكاديون هم الذين وضعوا المفردات السومرية في ذلك الزمن فما الذي يمنعنا من
الاعتقاد بكونهم قد وضعوا المفردات والمقاطع قبل ذلك الزمن؟ وما الذي يمكن ان
يدفعنا للظن بانهم كانوا غير قادرين على وضع قواعد كتابية لتتحكم بصياغة تلك المفردات في نصوص مثل النصوص التي نعرفها اليوم باسم السومرية؟

ومن خلال البحث في هذا الموضوع توفرت لدينا ادلة عديدة تؤيد ما افترضناه
لتضاف الى ما سبق ذكره. وفيما ياتي ناتي على عرض الادلة وذلك على النحو الاتي»(١).

السومريون أو الاكاديون قوم لديهم أقدم حضارة وثقافة ذات قيمة حقيقية مسجلة حتى
الآن ولديهم أقدم ديانة منظمة ومعروفة حتى الآن، وإذا نظرنا للدين على أنه تاريخ ثقافي فقط
فستكون الديانات الإلهية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام مجرد ناقلة للديانة السومرية
الاكادية ومجترة لها لا أكثر، فقصة الخلق والطوفان ونوح والقصص والأمثال والقيم الأخلاقية
العليا والسلوك المتسامي لبعض الأفراد والعبادات والدعاء والتضرع إلى الإله هذه كلها أمور
موجودة في الديانة السومرية.

إضافة إلى أنّ الديانات الإبراهيمية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام ترجع كلها بالأصل
إلى إبراهيم (عليه السلام) الذي جاء من سومر.

وبناءً على أنّ السومريين يمتلكون أقدم حضارة وثقافة أرضية ذات قيمة معروفة يمكن
اعتبار أن السومريين القدماء أو القوم الذين انحدر منهم السومريون يمثلون الأصل الذي
انتشر منه بنو آدم وثقافتهم إلى بقية الأرض، والسومريون في الرقم الطينية يعبرون عن
أسلافهم بذوي الرؤوس السود، وهذا متوافق مع ما ثبت علمياً في الفترة الأخيرة من أنّ أصل
الهوموسابينس المنتشرين الآن في الأرض هو أفريقيا.

أول الحضارات التي نشأت بعد السومريين بفترة ليست بقصيرة هي حضارات محيطة
بأرض السومريين ويمثل السومريون بالنسبة لهم كمركز، وهذا يعني تماماً انتشارهم إلى تلك
البلاد المحيطة وإقامتهم حضارات فيها أو على الأقل انتشار وانتقال حضارتهم وثقافتهم.

إذن، فالسومريون (الاكاديون) قوم ظهرت ثقافتهم فجأة دون مقدمات، وهي ثقافة راقية
جداً ومميزة، وهذه القفزة الحضارية والثقافية الواضحة للسومريين تمثل مؤشراً واضحاً على
دخول شيء جديد في المعادلة جعل هذا الموجود - الإنسان - ينتقل من التعامل الأناني الحيواني الظالم إلى الرغبة في التعامل الأخلاقي، العادل، الايثاري، الإنساني، - هذا بغض
النظر عن بنائه الحضارة المادية.-

والتفسير الوحيد المعقول لهذا الأمر والذي تؤيده المكتشفات الاثارية هو دخول الدين في
المعادلة، فالتفسير الديني لهذه النقلة الحضارية هو فقط الصحيح والحقيقي والمؤيد بالآثار
التي أكدت أنّ هذه القيم جاء بها الدين أو آدم والأنبياء، فنفس آدم (عليه السلام) لما اتصلت
بهذا الجسم المادي ذي البيولوجيا الأنانية دخلت هذه النفس في المعادلة ونقلت هذه النفس
الطيبة من الإله القيم الأخلاقية العليا كالإيثار، وصدَّق بقية الناس أنّ هذه حقائق نتيجة
أدلة لمسوها في أنفسهم وبدأوا بمحاربة الأنا بالإيثار وتحققت هذه النتيجة الطيبة المباركة التي
صعق جمالها حتى الملحدين وأخذوا يترنمون بأنهم من الدعاة إليها ولا يسعهم أن يقولوا غير
هذا رغم أن رائدها ومن أتى بها هو أعدى أعداء الملحدين وهو الدين الإلهي.

ولو جمعنا التاريخ الذي وصلنا عن السومريين في الألواح الطينية والآثار مع النص الديني
فسنخرج بنتيجة أن السومريين أو سكنة بلاد ما بين النهرين ما هم إلا ورثة حضارة وثقافة آدم
(عليه السلام) ونوح (عليه السلام) "اوتو- نبشتم" وإن كان في فترة موغلة في القدم عن التاريخ
الذي وصلنا في الآثار والألواح الطينية.

شكل١٧: خريطة سومر واكاد وعيلام

المصدر(١): ويكيميديا

شكل١٨: خارطة بلاد الرافدين Mesopotamia

المصدر(١): ويكيميديا

شكل١٩: خارطة سومر واكاد

المصدر(١): موسوعة التاريخ القديم ـ Encyclopedia History Ancient

الخرائط رتبت تسلسها بحيث أيضاً تعطي صورة لا بأس بها لعملية انحسار المياه التي
خلفتها القفزة الهيدروليكية للفيضان الذي ملأ الوادي بالمياه وكوَّن الخليج الحالي وتسبب
بنزوح السومريين الأوائل (أو سمهم ما شئت) من الوادي إلى مناطق جنوب العراق واستقرارهم
على حافات المياه بحدود (١٥ - ٨) ألف سنة ق.م، ثم بناؤهم القرى والمدن ثم انتشارهم
وحضارتهم إلى بقية العالم كشمال أفريقيا.

أهم ما يميّز المثال السومري (الاكادي) - الذي اخترناه - ثقافياً وحضارياً عن السلوك
الحيواني وسلوك أشباه الإنسان كالهومو اريكتس أو الهومو سابينس القديم (قبل الحضارة):

فقد وضعت قوانين تحكم التعامل بين الأفراد لتحقق العدالة الاجتماعية، بل ونجد في
الأدب السومري معايير أخلاقية عالية جداً كالإيثار وتقديم الآخر على النفس.

«لقد تعلق السومريون، كما يؤخذ مما كتبوه ودونوه، بحب الخير والصدق،
والقانون والنظام، والعدالة والحرية، والصلاح والاستقامة، والرحمة والرأفة. كما كانوا
يمقتون الشر والكذب والزور وعصيان القانون، والاخلال بالنظام والظلم والاضطهاد
وارتكاب المعاصي والضلال والصرامة وتحجر القلب. وكان حكامهم وملوكهم يتباهون
دائما بأنهم أقاموا القانون والنظام في البلاد، وحموا الضعيف من القوي، والفقير من
الغني، ومحوا الشر والظلم والعنف. هذا ولقد سبق لنا ان رأينا في تلك الوثيقة الفريدة
التي حللناها في الفصل السادس كيف ان حاكم مدينة لجش المسمى (أور - كاجينا)،
الذي عاش في القرن الرابع والعشرين ق.م. قد دون في سجلاته مفتخرا معتزا انه أعاد
العدل والحرية الى الناس الذين قاسوا كثيرا، وانه أزال الموظفين الطغاة المتغلغلين في
جميع شئون الناس. وأوقف الظلم والاستغلال، وكان حامي الأرملة واليتيم. ولم يكد
يمضي على هذه الاصلاحات أربعة قرون حتى نجد الملك (اور - نمو) مؤسس سلالة أور
الثالثة، وقد أصدر شريعة قوانينه التي في ديباجتها بعض أعماله في مجال الاصلاحات
الاخلاقية. فقد قضى على عدد من المظالم السائدة التي كانت ترتكبها طبقة الموظفين
(البيروقراطيين)، ونظم شؤون الاوزان والمكاييل ضمانا للامانة والاستقامة في معاملات
الاسواق وعمل على حماية الارملة واليتيم والفقير من المظالم والاستغلال. وبعد نحو قرنين من الزمان أصدر (لبت - عشتار) ملك مدينة (ايسن) شريعة جديدة. نراه يفخر فيها
بأنه اختير بوجه خاص من لدن الالهين (ان) و(أنليل) لحكم البلاد لكي يمكن العدل في
البلاد ويزيل الشكوى ويقضي على البغضاء والثورة مع استعمال السلاح، وليجلب الخير
والرفاء الى السومريين والاكديين وكما نرى في تراتيل عدد من الحكام السومريين انها
ملأى بمثل هذه الادعاءات في السوك الاخلاقي المتسامي وكان الالهة ايضا، كما ذكر
الحكماء السومريون، يفضلون ما هو اخلاقي وصالح على الفساد والخروج على مبادئ
الاخلاق. ونجد جميع الالهة العظام تقريبا قد مجدوا في التراتيل السومرية بصفتهم محبين
للخير والعدل وللصدق والاستقامة»(١).

وهذا نص مترجم من الوثائق السومرية وهو يصف الإلهة نانشة:

«انها هي التي تعرف اليتيم وتعرف الارملة، انها هي التي تعرف اضطهاد الانسان
للانسان، وهي أم اليتيم، الالهة نانشة التي تعنى بالارملة، والتي تنشد العدالة (.........)،
لافقر الفقراء.)......(ان الملكة تأوى اللائذين بحضنها وحماها، وهى التي تهيء المأوى
للضعفاء»(٢).

مثل إقامة الدولة والحكومة وتنظيم الزراعة ووضع تقويم زراعي وتنظيم الطب ووضع
دستور الأدوية، والمهن الادارية مثل تعيين رئيس بلدية، ضابط، سفير، مدير مكتبة... الخ.

تنظيم المدارس ووسائل التعليم:

يقول د. كريمر:

«كان نشوء المدرسة السومرية نتيجة مباشرة لاختراع طريقة الكتابة المسمارية
وتطورها، ذلك الاختراع الذي يعد أبرز ما ساهمت به بلاد سومر في تقدم الحضارة. وقد كشف عن أول وثائق مكتوبة في مدينة سومرية اسمها اوروك وتتالف هذه الوثائق من
أكثر من ألف لوح صغير من طين منقوش بالكتابة الصورية، أكثرها يحتوي على أجزاء
من مذكرات اقتصادية وإدارية، ولكن وجدت من بينها جملة ألواح تشتمل على جداول
بكلمات دونت لغرض الدرس والتمرين اي ان بعض الكتبة في زمن موغل في القدم،
حوالي (٣٠٠٠ ق.م) كانوا يفكرون بعقلية وطرق التعليم والتدريس. ولكن ما حصل من
تقدم في القرون التي اعقبت ذلك التاريخ كان بطيئا، ولكن ماحل منتصف الالف الثالث
ق.م حتى ظهر عدد من المدارس في جميع بلاد سومر حيث صارت الكتابة تدرس تدريسا
منتظما. وفي مدينة شروباك موطن (نوح) السومري، وجد في التنقيبات التي أجريت
هناك في عام ١٩٠٣-١٩٠٢ عدد كبير من الالواح المدرسية التي كان يدرس فيها تلاميذ
المدارس، ويرجع تاريخها الى عام ٢٥٠٠ ق.م على وجه التقريب ومهما كان الامر فان
النصف الاخير من الالف الثالث ق.م هو الوقت الذي بلغ فيه نظام المدرسة السومرية
طور النضج والازدهار فقد كشف في التنقيبات عن عشرات الالوف من الواح الطين من
ذلك العهد وليس هناك ادنى شك في ان مئات الوف اخرى لاتزال مدفونة في باطن الارض
تنتظر المنقبين في المستقبل. والغالبية العظمى من هذه الالواح التي تم استخراجها ذات
طابع اداري وتشمل جميع اوجه الحياة الاقتصادية عند السومريين. ونعلم منها ان عدد
الكتبة الذين كانوا يمارسون مهنة الكتابة كان يبلغ الالوف، وان أولئك الكتبة على
أصناف ودرجات، منهم الكتبة الصغار المبتدئون والكتبة المتقدمون والكتبة الملكيون
وكتبة المعابد وكتبة من ذوي التخصص العالي في بعض نواح خاصة بالشؤن الادارية.
وكتبة اصبحوا من كبار موظفي الحكومة. وفي حقيقة الامر هناك من الاسباب المعقولة ما
يحمل المرء على الاعتقاد بأن عددا من المدارس الكبيرة ذات الاهمية التي كانت تعد
الكتبة كانت مزدهرة في جميع ارجاء البلاد........ وفي الالف الثالث ق.م أصبحت مثل
هذه الكتب المدرسية متكاملة تامة وصارت بالتدريج قياسية مطردة في هياتها ومحتوياتها
وتستعمل في جميع المدارس في بلاد سومر ونجد من بينها اثباتا مطولة باسماء الاشجار
والاقصاب وباسماء انواع كثيرة من الحيوانات ومن بينها الحشرات والطيور واثباتا باسماء
الاقطار والمدن والقرى واخرى باسماء الاحجار والمعادن وتكشف لنا هذه الاثبات المدونة
عن معرفة كبيرة بما يمكن تسميته بالمعارف العامة عن النبات والحيوان والجغرافية
والمعدنيات - وهي حقيقة بدأ يدرك اهميتها الان مؤرخو العلوم!!!!!»(١).

ما وصل في الرقم الطينية السومرية أدب يعبر عن أعلى مستويات القيم الأخلاقية وبأفضل
صورة أدبية، مرمزة بعض الأحيان برموز تغني الكاتب عن عشرات الجمل، وأيضاً ما احتواه
هذا الأدب من حكمة عالية ومواقف حزينة ومؤلمة تمس الوجدان الإنساني وتجعل القارئ
يتعاطف مع تلك الشخصيات المثالية والحكيمة التي تحمل أخلاقاً عالية وتتعرض للأذى
والقتل من أجل تحقيق أهداف سامية مثل: جلجامش ودوموزي، وأيضاً تصوير نَوح وبكاء
الذين لم ينصروا هذه الشخصيات لأنهم مثلوا قضايا عادلة وكانوا مظلومين.

ومع أنّ السومريين يعبرون عنهم بالآلهة ولكن عندما تقرأ سيرة هذه الشخصيات في الرقم
الطينية السومرية تعلم أنهم بشر فهم يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون وينجبون، وواضح
أنها مجرد عملية تحريف للدين الإلهي وأن هؤلاء الآلهة ما هم إلا مجموعة الغيب التي تتمثل
بالأنبياء والصالحين والملائكة وأيضاً الذات والدنيا، فهي مسألة الغلو والتحريف للدين
المستمرة منذ خلق الله آدم وربما بعض الأحيان المقصود بالإله ليس الإله المطلق بل المراد هو
كل ما يؤله له وقد بينت في كتاب التوحيد معنى الالوهية والربوبية وأنها ألفاظ يمكن أن تطلق
على المخلوق بالأصل(١).

«هذه الاسطورة صورت لنا تصويرا جليا الصفة البشرية أو صفة التشبيه التي صورت بها الالهة السومرية. فقد كان حتى اقوى الالهة واعلمها واحكمها يعد بشرا في هيئته
وافكاره واعماله وكان الالهة كالبشر يريدون ويدبرون ويعملون ويأكلون ويشربون
ويتزاوجون ويؤسسون الاسر ويعولون الاسر الكثيرة العدد وكانوا يحسون بالاحاسيس
والعواطف البشرية وفيهم ايضا صفات الضعف البشري وبالرغم من انهم كانوا يفضلون
الصدق والعدل على الكذب والظلم الاان البواعث التي تسيرهم في اعمالهم لم تكن
واضحة للبشر على الدوام وكثيرا ماتاه ادراك الانسان في فهمها»(١).

وعندما نقرأ في الرقم الطينية السومرية نجد أنّ السومريين يبحثون في أدبهم عن المنقذ
للنوع الإنساني من حيوانيته وبعض هذه الشخصيات اللاهوتية صورت على أنها المنقذ
والمخلص المنتظر ورمز العدالة الإنسانية الذي ينتظر السومريون ظهوره، فكيف يمكن أن
يُفسر صدور هذه الملاحم الأدبية الفكرية فجأة دون أن يقال ان هناك قفزة حضارية عملاقة
حدثت؟! كيف يمكن أن يتصور الإنسان العاقل أنّ (الهومو سابينس) أصبحوا بهذا المستوى
الفكري الراقي والمثالي دون وجود شيء جديد دخل المعادلة وغير كل شيء بهذه الصورة التي
ظهرت فجـأة في بلاد ما بين النهرين؟!

«والنتاج الادبي في حضارة وادي الرافدين ذو خطورة خاصة في تاريخ الاداب
البشرية، لانه يمثل لنا اولى محاولات الانسان للتعبير عن الحياة وقيمها ومعانيها باسلوب
الخيال والفن. وبالرغم من ان هذه كانت اولى المحاولات في تاريخ تطور الانسان فان اروع
واعجب ما سيجده الفاحص لاداب وادي الرافدين هو انها مع ايغالها بالقدم وسبقها جميع
الاداب العالمية تتسم بالصفات الاساسية التي تميز الاداب العالمية المشهورة سواء اكان
ذلك من ناحية الاساليب وطرق التعبير ام من ناحية الموضوع والمحتوى ام من ناحية
الاخيلة والصور الفنية»(٢).

والسومريون يعتبرون أنفسهم ورثة حضارة وأدب وأخلاق وقيم عالية سبقتهم، بل هم
يتمنون تلك الأيام الخوالي كما يظهر هذا جلياً في ملحمة ايرنمكار وأرض أرتا.

أهم ما ميز السومريين هو وجود نظام تعليم أي المدارس والمدرسين وكتب تعليمية وتنظيم
التدريس، وكانت لدى السومريين مجموعة مهن تبين حجم الطفرة الثقافية والحضارية لهذه
الأمة، فلدى السومريين (مدرس، طبيب، كاتب، معمار، فران، قصاب، طباخ، صناعة
القصب، صناعة الفخار، صناعة الاحجار وقطعها، نجار، صناعة أدوات الوزن، صناعة
القوارب، خياط، وصناعة واستعمال الأدوات الهندسية المعقدة كالمسطرة المنزلقة للفلك،
صناعة المعادن مثل البرونز، صناعة الجلود، صناعة المنشار والازميل والمطرقة والقوس
والمسمار والدبوس والخواتم والمعول والفأس والسكين ورؤوس السهام والسيوف والدروع
والغراء والحقائب وعربات الحرب والأحذية، وصناعة العجلة، صناعة الري وشق القنوات
المائية، صناعة القير وتبليط الشوارع ويوجد إلى الآن شارع الموكب في مدينة بابل الاثرية وهو
مبلط بالقير السومري قبل آلاف السنين ويرجع تاريخه إلى ما قبل الميلاد.

ووضع السومريون مسائل في الجبر والهندسة وبعض الأنظمة الرقمية فهم من وضع
جدول الضرب ومسائل القسمة الرياضية، والبشرية اليوم كلها مدينة للسومريين بأنهم من
وضع النظام الستيني، ووضع السومريون بياناً دقيقاًللمجموعة الشمسية يبين كيف أن الأرض
والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، بل بينوا المجموعة الشمسية بكواكبها التي لم يكتشف
بعضها إلا في وقت متأخر بواسطة التلسكوب..... الخ.

كل هذا النتاج العلمي والصناعي السومري وغيره كثير لم أذكره يعتبر أثراً واضحاً لطفرة
ثقافية وحضارية أدت في النهاية إلى كل هذا الانتاج، مع أنه لم تُقرأ في الآثار ولا حتى فيما كتب
السومريون أي عملية تدرج معقولة تعارض حقيقة أن ما حصل مع الثقافة السومرية - أقدم
ثقافة إنسانية - هو طفرة حضارية، بل كتب السومريون العكس وبينوا أن أسلافهم أفضل
منهم، فهل يوجد عاقل يقول: إنّ ما حصل لم يكن نتاج طفرة ثقافية وحضارية حصلت في
وقت سابق في هذا الجزء من العالم، وإذا كانت مسألة تطور الحضارة والثقافة السومرية عن
ثقافة متخلفة مجرد فرضيات بلا دليل فالأولى بمن يدعي البحث العلمي أن يقبل معطيات
جاءت من السومريين أنفسهم من أن حضارتهم وثقافتهم ورثوها عن حضارة وثقافة راقية
قبلهم، فلم يكن أسلاف السومريين متخلفين ثقافياً وحضارياً عن السومريين أنفسهم. نعم،
ربما لم تصل ثقافتهم بخط أيديهم كالسومريين لقلتهم خصوصاً في مهد الإنسانية الآدمية ولأسباب أخرى كثيرة منها: الطوفان والظروف الطبيعية وعدم توفر الامكانات المادية التي
توفرت للسومريين لنقل حضارتهم وثقافتهم بخط أيديهم، هذا مع أن السومريين في كثير من
الأحيان ما هم إلا ناقلين لثقافة وحضارة من سبقهم فنجدهم يقرأون قصة الطوفان ونوح
(عليه السلام) في ملحمة جلجامش، ونجدهم يمدحون ثقافة أسلافهم كما في ملحمة ايرنمكار
وأرض أرتا.

قصة السومريين والاكاديين والبابليين في بلاد ما بين النهرين مع الدين كبيرة جداً ربما هي
أكبر قصة دينية نقلها التاريخ القديم، إضافة إلى كونها الأقدم في التاريخ الإنساني، فهي قصة
تضم عدداً كبيراً من الآلهة بل وتحتوي الديانة السومرية على الرمز العادل المنقذ للنوع
الإنساني من حيوانيته، الرمز الذي لا تكاد تخلو منه ديانة.

ومن يعتقد أنّ الديانة السومرية نوع متخلف من الديانات البدائية بسبب كثرة الآلهة
عليه أن يعيد النظر والبحث بدقة أكثر؛ لأن الديانة السومرية لا تختلف عن الديانات التي
أتت بعدها إن لم نقل إن الديانات الإنسانية بعدها مبنية على أساس الديانة السومرية، أما
الآلهة الكثر كما يسميهم السومريون أحياناً فتجدهم في القصص والملاحم والرقم الطينية
السومرية يتصفون بأنهم بشر أو ملوك حكماء، فهم يتزوجون ويلدون ويقتلون ويظلمون ويبكي
عليهم الناس، أو أنهم عبارة عن رموز فليس من الصعب أن نفهم أن سيدة الآلهة عشتار هي
الدنيا نفسها عندما نجدها تنوح على الهالكين في طوفان نوح (اوتو - نبشتم):

«وصرخت عشتار كالمرأة في ساعة مخاضها وانتحبت سيدة الالهة وناحت بصوتها
الشجي نادبة: واحسرتاه لقد عادت الايام القديمة الى طين لانني انا نطقت بالشر في مجمع
الالهة فكيف نطقت بالشر في مجمع الالهة لقد سلطت الدمار على خلقي وانا التي ولدت
خلقي هؤلاء لقد ملأوا اليم كصغار السمك»(١).

ربما من يطلع على قصة الدين السومرية سيجد نفسه يقرأ قصة الدين كلها مرمزة وسيجد قصة الديانات الثلاث والمخلص أو المنقذ أو المهدي، وسيجد أنّ الآلهة السومريين ما
هم إلا أشخاص ورموز لكل شيء يمكن أن يؤله له بالحق أو الباطل كالأنبياء وخلفاء الله
الصالحين من ولد آدم (عليهم السلام)، أو كالدنيا والأنا والجماعة.

الآن، يحق لنا أن نقول: إنه لا يوجد عاقل يقول إنّ كل هذا النتاج المتقدم الذي ظهر في
صفحة التأريخ بوضوح قبل آلاف السنين جاء من لا شيء، أو تطور عن ثقافة متخلفة بدائية
مع أنه لا يوجد أي أثر لسلسلة التطور الثقافي المزعوم، خصوصاً بعد أن دحضت مقولات
السومريين أنفسهم أي مقولة مبنية على الوهم ولا تستند إلى أي دليل مفادها بأن الثقافة
والحضارة والسلوك الراقي للسومريين تطور عن أقوام بدائية.

الآن، يحق لنا أن نتسائل: ألا يدل هذا النتاج على أن هذا الكائن الذي أنتجه أو جاء به
يتصف بأنه منظَم وبالتالي فإن مؤثره يتصف بأنه مُنَظم وعالم، وبهذا يثبت وجود الله، أظن
أنّ أي عاقل لا يجيد العناد واللجاج سيقول: نعم.

وأخيراً: هذا نص يبيّن أنّ الثقافة السومرية - البابلية ما هي إلا وارثة لثقافة وحضارة
إنسانية أقدم وربما أرقى خلقياً وسلوكياً مما وصلنا عن الحضارة السومرية بحسب الرقم
الطينية السومرية، جاء في ملحمة ايرنمكار وأرض أرتا:

«في غابر الازمان كانت بلاد شوبُر وهَمَازى وبلاد سومر الكثيرة الالسنة، البلد
العظيم ذو النواميس المقدسة الخاصة بالامارة وبلاد أورى البلاد التي احتوت كل ما هو
لائق، وبلاد مارتو كانت امنة مطمئنة، وجميع الكون والناس في وحدة وألفة حيث كان
الجميع يمجدون أنليل بلسان واحد ثم حدث بعدئذ ان المولى - الاب الامير - الاب الملك
- الاب......... يستمر قليلا كلام متقطع ثم خمسة أسطر مخرومة من الملحمة»(١).

وهذا النص ليس هو النص الوحيد الذي يبيّن رأي السومريين بحضارتهم وثقافتهم
وعلمهم، وكثير من الباحثين المتخصصين بالسومريات أو بتاريخ بلاد ما بين النهرين القديم
لاحظوا هذا الأمروهو أن هؤلاء القوم الذين يعتبرون بالنسبة لنا يمثلون أقدم حضارة أرضية يعتبرون أنفسهم ورثة حضارة بل ويعتبرون أصل هذه الحضارة والثقافة والعلم سماوي إلهي.

يقول شارل فيروللو(١):

«وحسب رأي البابليين لم يتوصل البشر الى ما يفرق بينهم وبين الحيوان من حراثة
الحقول وتشييد المدن بالبحث والتنقيب ولا بالتجارب والجهود المختلفة ولا بالتفاعل.
لقد جاءهم العلم دفعة واحدة من قبل الالهة»(٢).

لقد وصلتنا كتاباتهم بخط أيديهم بأنّ حضارتهم وثقافتهم وعلمهم إنما ورثوه ممن سبقهم
ويقولون عن هؤلاء السابقين: إنهم أكثر خلقاً وعلماً، وفوق كل هذا يقدمون لنا القصة كاملة
ويغلقون الباب على التخرصات الالحادية فيبيّنون أنّ أصل هذا العلم والثقافة والحضارة هو
السماء والإله، فكيف يريد الملحدون من إنسان عاقل يحترم عقله يلقي كل هذه الحقائق
العلمية خلف ظهره ويلهث وراء سرابهم الذي لن يوصله إلى أي حقيقة علمية بل مجرد أوهام
مبنية على أهواء فقط، ورفض وتعنت لحقائق علمية آثارية ثابتة لا لبس فيها أبداً؛ لأنها
مخطوطات بأيد أسلافنا في بلاد سومر وأكاد، وهم مهد الإنسانية الآدمية ومهد الحضارة
الإنسانية الآدمية أيضاً، فإذا ثبت أنّ هذا الوصف للإنسان (الفكر والادراك بهذا المستوى)
قد طرأ في فترة معينة فجأة فهذا يؤشر أنّ هناك مؤثراً عالماً هو الذي أحدثه.

ما تقدم كاٍف لبيان ما أردت الإشارة إليه من تحوّل وطفرة وانتقالة كبيرة للهومو سابينس
حصلت ربما قبل عشرات آلاف السنين وظهرت في ما وصل لنا من بلاد سومر واكاد، ولكن لا
بأس أن نمر على وجه السرعة بمحطات تعريفية تؤكد ما بيّنت فيما تقدم، وأيضاً تلقي الضوء
أكثر على حقائق النصوص التي وصلت لنا من سومر واكاد.

بعض أو جلّ الباحثين في تاريخ الشرق الأدنى أو الأوسط القديم يعتبرون أنّ الدين نتاج
إنساني صرف، وبدأ بتأليه عشتار الإله الأنثى بمختلف مسمياتها، التي وجدوا تماثيلها بمختلف
الأحجام منتشرة في حضارات الشرق الأدنى القديمة التي تمتد إلى أكثر من تسعة آلاف سنة
قبل الميلاد، وقد وضعوا تعليلاً لهذه البداية الدينية؛ أنّ المجتمع الإنساني في بداياته كان
مجتمعاً تسيطر عليه الأنثى بصورة الأم التي يجتمع حولها الأبناء الذين لا يعرفون غير انتسابهم
لها، وهكذا بحسب هؤلاء قدست الأنثى (الأم الكبرى عشتار) وصنعت لها تماثيل، وبعد زمن
تحول المجتمع الإنساني إلى ذكوري عندما اكتشفت الزراعة وأخذوا في الاستقرار وبناء البيت
والعائلة، وهذا أدى إلى ادخال الآلهة الذكور في المعابد، وهكذا تكوّن الدين الذي تطور فيما
بعد إلى اليهودية والمسيحية والإسلام وغيرها.

ولكن ينسى هؤلاء الذين يبنون نظريتهم على تماثيل أنثوية قديمة أنه يمكن أن تنسف
نظريتهم بسهولة بفرض أنّ هذه التماثيل إنما صنعت للأثارة الجنسية ولا تمثل شيئاً مقدساً،
فوجود أنثى مقدسة صنع لها تمثال في عصر معين لا يجعل الباحث المحقق يحكم بأن كل
تمثال صنع لأنثى قبلها يمثلها، وهذا الرأي: (إنّ الإنسان القديم صنع أدوات للإثارة الجنسية)
موجود ويطرحه بعض علماء الآثار.

أيضاً: هناك نصوص أثرية تصف الإله عشتار أو انانا المعروفة في بلاد سومر واكاد بصفات
الدنيا التي يعيش فيها الإنسان، فهي في النصوص ليست الأم ولا حتى أنثى حقيقية.

بل هي الدنيا التي رفض الملك دموزي عندما اعتلى العرش أن يسجد لها كما سجد لها
ملوك آخرون، فأسلمت دموزي (الابن الصالح) إلى الشياطين ليقتلوه:

«وتقصد انانا (عشتار) الى المدينتين السومريتين "أوما" و "بادتبيرا" حيث نجد
الهيهما، كما قدمنا، يسجدان لها وبذلك تخلصا من قبضة الشياطين. ثم تصل الى مدينة
كلاب التي كان دموزي الهها الحامي. وتستمر القصيدة على الوجه الاتي:

ارتدى دموزي (تموز) حلة فاخرة واعتلى جالسا على منصته،

فمسكه الشياطين من فخذيه..........،

لقد هجم عليه الشياطين السبعة كما يفعلون بجانب الرجل المريض،

فأنقطع الرعاة عن نفخ الناي والمزمار أمامه.

ثم صوبت (أي "انانا") نظرها عليه، ثبتت عليه نظرة الموت،

نطقت بالكلمة ضده، كلمة السخط والحنق،

وصرخت ضده بصرخة التجريم قائلة:

"اما هذا فخذوه"»(١).

وهي الدنيا التي رفض جلجامش أن يخضع لها لما جلس على العرش ولبس تاجه:

«ففتح جلجامش فاه واجاب عشتار الجليلة وقال:.......

اي خير سأناله لو تزوجتك؟

انِت!

ما انِت الاالموقد الذي تخمد ناره في البرد،

انِت كالباب الناقص لا يصد عاصفة ولا ريحا،

انِت قصر يتحطم في داخله الابطال،

انِت فيل يمزق رحله،

انِت قير يلوث من يحمله وقربة تبلل حاملها،

انِت حجر مرمر ينهار جداره،

انِت حجر يشب يستقدم العدو ويغريه،

وانِت نعل يقرص قدم منتعله،

اي من عشاقك من بقيت على حبه ابدا؟

واي من رعاتك من رضيت عنه دائما؟.................»(١).

وعموماً، فإنّ فرضية أن أصل الدين هو تأليه الأنثى الأم مجرد فرضية لا تستند إلى دليل
علمي رصين، ولهذا فلم أجد أنّ هناك حاجة للرد التفصيلي على هكذا فروض.

ولكن وجدت من الضروري بيان الأدلة والاشارات إلى الأصل الإلهي للدين السومري، فهذا
الموضوع يتعلق بإثبات أنّ الدين السومري دين إلهي سابق محرّف، فهنا نريد بيان أنّ
السومريين الذين كانوا يعرفون الوضوء بالماء والصلاة والصيام والدعاء والتضرع شعب
متدين وأنّ دينهم إلهي، فالملاحم السومرية وقصص السومريين فيها اخبارات غيبية حصلت
بعد أن كان يتداولهاالسومريون بآلاف السنين.

نعم، ربما يكون دينهم محرفاً في بعض الفترات ولكنه دين إلهي، كما كان أهل مكة أصحاب
ديانة حنيفية إبراهيمية محرفة ويعبدون أو يقدسون أصناماً وكما يوجد اليوم السلفيون أو
الوهابيون وهم عبدة صنم وورثة عبدة الأصنام القدماء في مكة، فهم يقولون: إنهم مسلمون
ولكنهم يعبدون صنماً كبيراً يعتقدون أنه موجود في السماء وغير موجود في الأرض، وله يدان
اثنتان وفيها أصابع، ورجلان اثنتان، وعينان اثنتان على نحو الحقيقة. فمسألة تحريف الدين
الإلهي وجدت ولا تزال موجودة.

ونحن إن عدنا إلى بداية الدين الإلهي نجد أنّ آدم جاء إلى الأرض بالدين الإلهي الأول،
وفيه قصص أبنائه الصالحين من بعده، والمفروض أنّ الناس، كما هي عادتهم، يحفظون هذه
القصص ويروونها ويتوارثونها.

وقصص وملاحم السومريين في بعض الأحيان ما هي إلا نقل لبعض هذه القصص المقدسة الموروثة، فقد روى السومريون قصة الطوفان بالتفصيل وقبل التوراة بزمن طويل:

«طوفان - أول نوح:

صرنا متأكدين الان من أن قصة الطوفان التي وردت في التوراة، لم تكن في الاصل
من وضع مدوني أسفار التوراة، وذلك منذ أن اكتشف (جورج سمث) الذي كان يشتغل
في المتحف البريطاني، اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش، وحل رموزه. ولكن
قصة الطوفان البابلية بدورها سومرية الاصل. فقد نشر (ارنوبوبل) في عام ١٩١٤ قطعة هي
الثلث الاسفل من لوح سومري ذي ستة حقول وجده من بين مجموعة ألواح (نفر)
المحفوظة في متحف الجامعة. وكانت محتوياتها تتعلق على الاغلب بقصة الطوفان وظلت
هذه القطعة حتى الان وحيدة فريدة لم يعثر على ما يطابقها أو يضاهيها...... وبالرغم مما
في النص من كسر ونقص، فان ما ورد فيه من العبارات ذات شأن كبير........ فهي تتضمن
مواطن مهمة تلقي ضوءا كاشفا على خلق الانسان، وأصل (المَلَكية) ووجود ما لا يقل عن
خمس مدن في عصر ما قبل الطوفان»(١).

نعم، هي ربما قصص محرفة بعض الأحيان - خصوصاً في منظور الديانات الأخرى - نتيجة
مرور الزمن عليها ودخول المزاج الإنساني المشوش بالوساوس لها، ولكن هل المـُحَرف يخلو من
الحقيقة تماماً؟!!!

هل تساءلنا: أين ذهب تراث آدم ونوح؟!!

وأين كان هذا التراث في زمن السومريين أو الاكاديين؟!!

أين ذهب تراث الدين الإلهي الذي كان قبل الطوفان؟!!

لا يعقل أن يهتم نوح ومن معه بنقل الماعز والبقر ولا يهتمون بنقل الدين الإلهي منذ آدم
(عليه السلام) في صدورهم، ولابد أن الإنسانية بعد نوح (عليه السلام) - ممثلة بالسومريين
أو الاكاديين وورثتهم البابليين والاشوريين - كما نقلت تاريخ الملوك والمزارعين والحرفيين نقلت
أيضاً تراث آدم ونوح والمثل العليا المقدسة ولو محرفة وفي قصص تتناقلها الأجيال، لتكون النتيجة أنّ الدين السومري هو دين آدم ونوح محرّفاً ربما بعض الأحيان بتأليه كل شيء يؤله
له كالدنيا والصالحين.

وكمثال على التحريف: محاولة تحريف لملحمة جلجامش اكتشفت في الآثار.

وهذا يدل على أمرين:

الأول: إنّ ملحمة جلجامش نص ديني، فلا يوجد أحد يهتم بتحريف نص أدبي عادة.

والثاني: إنّ نص ملحمة جلجامش الذي وصلنا ليس خالياً من التحريف حتماً.

يقول طه باقر(١):

«ولعل اطرف ما وجده المنقبون حديثا في الموضع الاثري المعروف باسم سلطان
تبه في جنوبي تركيا قرب حران أجزاء من الملحمة ورسالة عجيبة زورها كاتب قديم في
الالف الثاني ق.م. فقد جاءت تلك الرسالة على لسان البطل جلجامش معنونة الى أحد
الملوك القدماء يطلب منه جلجامش (كذا) ارسال احجار كريمة ليصنع منها تعويذة
لصديقه أنكيدو تزن ثلاثين منا»(٢).

«وبمقارنة هذه القطع الاصلية المتنوعة مع النص النينوي بدت معلومات قيمة. ليس
في سد الثغرات فحسب بل أظهرت تماما بأن قصيدة (ملحمة) جلجامش لم تكن على
شكل واحد في عهد الاشوريين. وهذا برهان على ان الاسطورة تطورت بصورة ملحوظة عبر
الاجيال. وبتعبير اخر فإن الكَتَبة لم يكتفوا بنسخ النص القديم بشكل أمين وحرفي بل
وأضافوا وبتروا وحوروا. وهذا مما يدل أو يشارك في الدلالة على ان الفكرة التي انتشرت -
مع خطئها - بأن الشرق ما كان ولن يكون قط جامدا منكمشا»(٣).

فإذا كانت هناك محاولات تحريف مقصودة لنصوص مكتوبة فما بالك بالنصوص المنقولة شفاهة قبل عصر الكتابة، أكيد أنّ تعرضها للتحريف أكبر، وأنها لما دوّنت في عصور
الكتابة والتدوين الأولى دونت بصورتها المحرفة، وبالتالي فقصة الطوفان وقصة دموزي وقصة
جلجامش وغيرها من القصص ذات الأصول السومرية - الاكادية يمكننا أن نجزم أنها لم تدوّن
بالصورة التي تداولها القاص قبل عهد التدوين.

الحقيقة إنّ أي مطّلع على التوراة والانجيل والقرآن وعلى ما حوته الرقم الطينية
السومرية سيحكم قطعاً بأحد حكمين لا محالة ولا مناص له عن أحدهما:

الحكم الأول: إنّ الدين أصله من تأليف الإنسان السومري، وما التوراة والانجيل والقرآن
إلا عملية اجترار للدين السومري (خلق الإنسان الأول آدم، قصة هابيل وقابيل، قصة
الطوفان، الخطيئة، الحياة بعد الموت، الجنة، النار... الخ).

الحكم الثاني: إنّ الدين السومري هو نفسه دين آدم ودين نوح (عليهما السلام)، ولكنه
نقل ثم دوّن بصورة محرفة وتعبَّد به السومريون أو الاكاديون (البابليون والآشوريون) بصورته
المحرفة، وهذا ما أريد بيانه من خلال بيان أنّ القصص السومرية ما هي إلا اخبارات غيبية
جاء بها آدم إلى الأرض، وهي قصص الصالحين من أبنائه (عليهم السلام) وما سيمر بهم،
وخصوصاً من يمثّلون علامات مهمة في طريق الدين، مثل دموزي (الابن الصالح)، أو
جلجامش.

الشبه كبير جداً بين ما هو مدوّن في التوراة وبين الألواح السومرية انتبه له (د. صموئيل
كريمر) ووصل به الأمر إلى أن يضع فصولاً في كتبه يبين فيها الشبه بين الألواح الطينية
السومرية والتوراة، وكمثال:

«الفصل السابع عشر (الفردوس) أول أوجه مشابهة مع التوراة»(١).

«الزواج المقدس ونشيد الأنشاد لسليمان»(١).

والسومريون كانوا يعرفون ويعملون بأمور دقيقة في الدين الإلهي، مثل الاعتقاد بالرؤى،
وأنها كلام الله والتوسّم والاعتقاد بأن الله ممكن أن يكلم الإنسان في كل شيء يمر به.

ويقول شارل - في أساطير بابل:

«عرفنا الان ان البشر خلقوا ليخدموا الالهة وان هؤلاء يعاقبونهم لأتفه الذنوب فعليهم
ان يطيعوا رغبات السماء بكل دقة وان يلبوا نزواتهم. كيف يعلمون إذن كي يحافظوا على
هذا الوفاق ويتجنبوا غضب الالهة؟ واذا ما راوا احلاما - ان الالهة يوحون ما يخطر لهم
بواسطة الاحلام - فكيف يفسرونها بصورة ترضيهم، هذا اذا كان هناك احلام فكيف اذا
لم تكن؟

الجواب: يعمدون الى الارهاصات والدلالات الطبيعية فهي ترشدهم الى الحقيقة ولذا
يجب الانتباه الكلي ليس الى تغيرات القمر فحسب بل الى شكل الغيوم، فكل حركة وكل
تنقل من الزاحفة تحت العشب حتى الكواكب السابحة في ميدان النجوم تعطي اشارة
لارادة الالهة سواء اكانت حسنة ام سيئة وهنا يظهر الفن او العلم عبقريته فيميز اذا كانت
الارادة خيرة ام لا.

وعلى السحرة ان يتدخلوا اما ليعجلوا مجيء الحظ السعيد واما ليدفعوا القوى
المعادية التي تهدد الحياة وليس المقصود حياة الافراد او عامة الشعب بل حياة الملك
الذي يناط به مصير الامة باسرها.

وهذا الملك الذي أودعته الالهة العلم كان - كما مر- السابع من دولة ما قبل الطوفان.
فهو يطابق حسب الترتيب الوراثي الى (أخنوخ) (ادريس) الذي يشغل المرتبة السابعة
من سلسلة ادم - سلسلة الانبياء ما قبل الطوفان -ومن الملحوظ أنه لا يوجد أي اشتراك
بين الاسمين مع ان اعمالهما واحدة تماما. والحق يقال، ان النص التوراتي المتعلق بسابع
الانبياء (اخنوخ) موجز جدا قال: (وسار اخنوخ مع الله ولم يوجد لان الله اخذه). وقد
اصبح اخنوخ بطل حلقة من الاساطير جعلته مخترع الكتابة ومؤلف اول كتاب وموجد علم الكواكب والسيارات: علم الفلك وكل الفلكيات. فهو يبدو وكأنه (فيدورانكي) ونستطيع
ان نتقبل بارتياح بان اسطورة اليهود هذه ليست الانقلا او توسعا للاسطورة الكلدانية التي
هي اقدم.

وبين بقية الملوك والانبياء - اسلاف أخنوخ الستة وخلفائهم الثلاثة - صفات مشتركة
ولا يهمنا الاالشخصية العاشرة التي عايشت الطوفان»(١).

وقصص السومريين تتكلم بوضوح - كما في بقية الأديان الإلهية - عن الحياة بعد الموت
وأنّ المحسنين والصالحين يذهبون إلى الجنة والطالحين إلى الجحيم.

«لقد تأكد هؤلاء من انهم يعيشون بعد الموت - ولكن في ظلام دامس وليس لهم اي
ثواب، إلا إذا سلكوا السلوك الحسن في دار الدنيا، أي بالتقوى كما حدث (لأوم نابيشتي)
أو بتطبيق القوانين بين الناس كما فعل حمورابي»(٢).

(أي نوح عليه السلام)

هناك أدلة ترشد إلى أنّ قصص السومريين ما هي إلا قصص واخبارات غيبية لقصص
حقيقية آتية بعد السومريين في مسيرة الدين الإلهي.

وأي قارئ للألواح الطينية السومرية سيرى أنها تخبر عن أنبياء ورسل جاءوا في زمن متأخر
عنها، مثل الذي ورد في قصة النبي أيوب (عليه السلام) قبل أن يأتي أيوب (عليه السلام)
وتدون قصة أيوب (عليه السلام) في التوراة وفي القرآن.

«ان جميع الالواح وكسر الالواح المدونة فيها تلك المقالة السومرية تمتد في عهدها
الى اكثر من الف عام قبل ان يدون سفر ايوب»(٣).

وهذه مقتطفات من قصة أيوب كما دوّنت في الألواح السومرية، وقبل أن يولد أيوب بزمن بعيد جداً:

«انا الحكيم العاقل. لماذا اقيد مع الاحداث الجهلة؟

انا المدرك العاقل لماذا احسب مع الجهال؟

الطعام وفير وفي كل مكان ولكن طعامي الجوع.

في اليوم الذي قسمت فيه الانصبة كانت حصتي المخصصة لي العذاب والألم،

يا الهي اريد ان اقف بين يديك،

اريد ان اكلمك.... وكلمتي أنين وحسرات، اريد ان اعرض عليك امري واندب مرارة
سبيلي.

اريد ان اندب اضطراب....،

على امي التي ولدتني الاتنقطع عن بث شكاتي اليك.

لتكف أختي عن ترديد الاغنية السعيدة فلا تترنم بها.

لتبك وتنح بمصائبي بين يديك.

لتصرخ زوجتي بالرثاء لعذابي،

وليندب المغني الماهر نصيبي التعس......

ان الدموع والنواح والجزع والغم ملازمة لي.

يحدق بي العذاب والألم، كذلك الذي لم يقدر له سوى الدموع.

المرض الخبيث يعم جسمي...

يا الهي، يا من انت أبي الذي ولدتني، ساعدني على النهوض...

الى متى ستتخلى عني وأبقى بلا هداية؟

لقد قالوا كلمة صدق وحق: لم يولد لأم طفل بلا خطيئة.

ان الطفل البريء لم يكن في الوجود منذ القدم......................

ان ذلك الرجل - قد استمع الهه الى بكائه ودموعه،

ان ذلك الشاب - قد استطاعت شكواه وندبه ان تسترضي قلب الهه،..........

لقد طرد شيطان المرض الذي احدق به ونشر عليه جناحيه،

والمرض الذي ضربه مثل....قد أزاله وبدده،

وبدل مصير السوء الذي قدر عليه بموجب حكمه،

وبدل عذاب الرجل فرحا وحبورا»(١).

بكى وناح السومريون أو الاكاديون على دموزي (دمو: الابن، زي: الصالح) آلاف السنين.

واستمر نواح بلاد ما بين النهرين على دموزي حتى زمن النبي حزقيال، نقل في التوراة أنّ
سكان بلاد ما بين النهرين كانوا ينوحون على تموز (دموزي):

«وقال لي بعد تعود تنظر رجاسات اعظم هم عاملوها * فجاء بي الى مدخل باب بيت
الرب الذي من جهة الشمال واذ هناك نسوة جالسات يبكين على تموز* فقال لي أرأيت
هذا يا ابن ادم. بعد تعود تنظر رجاسات اعظم من هذه * فجاء بي الى دار بيت الرب
الداخلية واذا عند باب هيكل الرب بين الرواق والمذبح نحو "تقريبا" خمسة وعشرون
رجلا ظهورهم نحو هيكل الرب ووجوههم نحو الشرق وهم ساجدون للشمس نحو الشرق »(١).

والعمل الموصوف بأنه رجس هو قتل تموز (دموزي) الذي جعل أولئك النساء يبكين
والرجال يسجدون عند مذبحه.

تبدأ قصة مقتل الملك دموزي بأن يدفع ثمن رفضه السجود لعشتار- انانا (الدنيا):

«فإذا أرادت "انانا" (عشتار) أن تصعد من العالم الاسفل،

فدعها تقدم من يكون بديلا عنها،

صعدت "انانا" من العالم الاسفل،

وكان الشياطين الصغار مثل قصب ال شوكر والشياطين الكبار مثل قصب ال
دابان، يمشون الى جانبها، حافين بها،

والشيطان الذي مشى قدامها أمسك صولجانا بيده، وان لم يكن وزيرا،

والذي بجانبها،وان لم يكن فارسا، فقد تمنطق بالسلاح، ان الذين رافقوها،

الذين رافقوا "انانا" (الالهة عشتار أو الدنيا)،

كانوا مخلوقات لا يعرفون الطعام ولا يعرفون الماء،

فلا ياكلون من الطحين المبسوس،

ولا يشربون الماء الذي يقدم قربانا،

أنهم يأخذون الزوجة من حضن زوجها،

وياخذون الطفل الرضيع من ثدي مرضعته......

وتقصد "انانا" (عشتار) الى المدينتين السومريتين "أوما" و "بادتبيرا" حيث نجد
الهيهما، كما قدمنا، يسجدان لها (لعشتار أو الدنيا) وبذلك تخلصا من قبضة الشياطين.
ثم تصل الى مدينة "كلاب" التي كان دموزي الهها الحامي. وتستمر القصيدة على الوجه
الاتي:

ارتدى "دموزي" (تموز) حلة فاخرة واعتلى جالسا على منصته،

فمسكه الشياطين من فخذيه..........،

لقد هجم عليه الشياطين السبعة كما يفعلون بجانب الرجل المريض،

فأنقطع الرعاة عن نفخ الناي والمزمار أمامه،

ثم صوبت (أي (انانا) نظرها عليه،

ثبتت عليه نظرة الموت،

نطقت بالكلمة ضده، كلمة السخط والحنق،

وصرخت ضده بصرخة التجريم قائلة،:

"اما هذا فخذوه"،

وهكذا أسلمت "انانا" الطاهرة الراعي دموزي الى ايديهم.

ان من رافقه،

من رافق دموزي (تموز)،

كانوا مخلوقات لا يعرفون الطعام ولا يعرفون الماء،

لا يأكلون الطحين المبسوس (السويق)،

ولا يشربون الماء المقرب (المقدم قربانا)،...»(١).

وهكذا فإنّ عشتار - انانا زوجة دموزي الملك سلمته للشياطين ليقتلوه في مفارقة يصعب
فهمها على من لا يعرفون معنى حاكمية الله أو التنصيب الإلهي أو كما يعبر عنها السومريون -
الاكاديون "الملوكية التي نزلت من السماء".

ولكنها حقيقة تكررت كثيراً في الدين الإلهي وهي أنّ عشتار - الدنيا - منقادة في كثير من
الأحيان للملوك الذين لم ينصبهم الله؛ لأنهم ساجدون وخاضعون لها، فهم يعبدون شهواتهم
الدنيوية.

وعشتار - الدنيا - متمردة على المنصّبين من الله للحكم فيها؛ لأنهم في الحقيقة متمردون
عليها. فنصيب علي (عليه السلام) كان خمس سنواٍت مرٍة، هاجت فيها كل شياطين الأرض
لمحاربته (عليه السلام) في الجمل وصفين والنهروان، وما قروا حتى قتلوه في الكوفة، ونصيب
الحسين (عليه السلام) الملك المنصب للحكم في الدنيا مذبحة لم يسلم منها حتى الرضيع.

وهذه بعض النصوص التي وصلت في الرقم الطينية السومرية عن مأساة دموزي وأخته
وسنرى كم هي قريبة من وصف ما جرى على الحسين (عليه السلام)، رغم أنها نصوص آثارية
تناقلها السومريون - الاكاديون قبل ولادة الحسين (عليه السلام) بآلاف السنين:

«صار قلبه وعاءً للحزن والدموع،

مضى حيث السهول تمتد بعيدا،

قلب الراعي يفيض بالحزن والدموع،

مضى الى السهول الممتدة بعيدا،

قلب دوموزي يسبح بالحزن والدموع،

مضى الى السهول الممتدة الواسعة،

علَق الناي في عنقه وصاح يندب حظه،

ايتها السهول الواسعة الممتدة بعيدا رددي بكائي،

رددي بكائي،

ايتها السهول يجب ان تعرفي الحزن وذرف الدموع،

رددي بكائي،

نوحي معي،

أيتها السرطانات في النهر، تفجعي علي

أيتها الضفادع في النهر، نقي من أجلي

لتطلق امي صرخة عويل،

لتطلق امي (سرتور) صرخة عويل،

لتطلق امي التي لا تملك خمسة ارغفة،صرخة عويل،

لتطلق امي التي ليس عندها عشرة ارغفة، صرخة عويل،

عندما تفقدني لن تجد من يهتم بها،

وانت يا عيني التائهة في السهول، ادمُعي مثل عينِ امي،

وانت يا عيني التائهة في السهول، ادمُعي مثل عينِ اختي،

بين البراعم والزهور اضطجع،

بين البراعم والزهور في السهل استلقى،

الراعي دوموزي استلقى في السهل،

بينما كان الراعي دوموزي مضطجعا رأى حلماً،

كل جزء في جسده اضطرب،

استيقظ بعد ان رأى الرؤيا،

فرك عينيه،

انتابه دوار شديد،

دوموزي استفاق وقال:

أحضروها لي، أحضروها، أجلبوا اختي،

أحضروا جشتي نانا اختي الصغيرة،

أحضروا الكاتبة العالمة بسر الارواح،

أختي التي تعرف معنى الكلمات،

المرأة الحكيمة التي تعرف معنى الاحلام،

يجب ان اتحدث لها،

يجب أن أخبرها بالحلم الذي رايته،

دوموزي تحدث الى اخته (جشتي نانا) قال:

عن الحلم، اختي، استمعي الى الحلم الذي رأيته

الاسل يطلع في كل ما حولي،

الاسل يندفع من باطن الارض كثيفاً،

واحدة منذ ذاك النبات وقفت وحيدة وحنت رأسها امامي،

كل الاسل وقف في ازواج ِالاواحدة أزيلت من مكانها،

في البستان انتصبت في محيط الارض حولي اشجار طويلة مرعبة،

فوق ارض منامي لا ماء ينسكب،

محفظة متاعي خالية وقد أخذ منها ما بها،

وكوبي المقدس قد سقط من الوتد المعلق به،

عصا الراعي اختفت،

النسر يحمل حملاً بين مخالبه،

والصقر اختطف العصفور من سياج القصب،

أختي: جدائي الصغار تجرجرفي التراب يغطيها الغبار،

اغنامُ حظيرتي تتحرك فوق الارض بقوائم ملتوية،

مخضة اللبن محطمة خاوية فارغة،

كوبي قد تهشم،

دوموزي لم يعد بين الاحياء،

حظيرة اغنامه صارت في مهب الريح،

قالت جشتي نانا:

أواه يا اخي، لا تحِك حلمك لي،

ليس مريحا،

الاسل يطلع في كل ما حولك،

الاسل يندفع من باطن الارض كثيفا،

عصبة من السفاحين ستنقض عليك،

هو حلمك،

واحدة من ذاك النبات وقفت وحيدة وحنت راسها أمامك،

هي اُمك،

ستحني راسها من اجلك،

كل الاسل وقف في ازواج إلا واحدة ازيلت من مكانها،

أنا وأنت،

أحدنا سوف يتوارى ويزول،

في البستان انتصبت في محيط الارض حولك اشجار طويلة مرعبة،

الاشرار سوف يرعبونك،

فوق ارض منامك لا ماء ينسكب،

حظيرة الغنم سوف تغدو خراباً،

الاشرار سوف يُضيِقون الخناق عليك،

محفظة متاعك خالية وقد أخذ منها ما بها،

وكوبك المقدس قد سقط من الوتد المعلق به،

سوف تقع من ركبة امك التي حملتك،

متاع الراعي،

مخضة الراعي، كل شيء يختفي،

الاشرار سوف يفعلون كل شيء يضعفك،

تجمعوا،

البومة،

النسر،

الصقر،

العفريت الكبير،

كلهم يريدون ان يطردوك،

سيقضون عليك في حظيرة الغنم،

جداؤك الصغار تجرجر في التراب يغطيها الغبار،

الغضب سوف يدوم في السماء مثل الاعصار،

انت ستسقط الى الارض،

عندما اغنام حظيرتك تتحرك فوق الارض بقوائم ملتوية،

عندما مخضة اللبن محطمة خاوية فارغة،

الشياطين ستجعل كل شيء ذابلاً،

حينما ياخذ النسر الخروف الصغير،

الجالا سيخدش خدودك،

عندما يمسك الصقرُ العصفورَ من سياج القصب،

الجالا سوف يتسلق السور لياخذك بعيداً،

دوموزي،

شعري سيدور في السماء لاجلك،

الخراف ستحفر الارض بحوافرها،

أوه دوموزي أنا سوف اشقق خدودي بأسف عليك،

تحطم إناء الكذب،

.............................

......................

دوموزي هرب من الشياطين،

هرب الى حظيرة أغنام اخته جشتي نانا،

عندما وجدت جشتي نانا دوموزي في حظيرة الاغنام بكت،

رفعت فمها بجانب السماء،

أحضرت فمها بجانب الارض،

مثل الثوب غطى حزنها الافق،

مزقت عينيها، مزقت فمها، مزقت افخاذها،

صعد ال (جلا) سياج القصب،

ضرب ال (جلا) الاول دوموزي على الخد ونشب اظافره،

ضرب ال (جلا) الثاني دوموزي على الخد الاخر،

ال (جلا) الثالث حطم عجيزة المزبدة،

ال (جلا) الرابع انزل الكوب من وتده وحطمه،

ال (جلا) الخامس حطم المزبدة،

ال (جلا) السادس حطم الكوب،

ال (الجلا) السابع بكى،

انهض دوموزي زوج إنانا،

ابن (سيرتور) شقيق جشتي نانا،

انهض من نومك الزائف،

نعاجك صودرت،

حملانك صودرت،

عنزاتك صودرت،

نمسك أطفالكم (جديانك صودرت)

اخلع تاجك المقدس من رأسك،

انزع ملابسك الملكية من جسدك،

دع صولجانك الملكي يسقط على الارض،

اخلع نعليك المقدسة من اقدامك،

عريانا، تمضي معنا

أمسك ال (جلا) دوموزي،

أحاطوه،

أوثقوا يديه،

ربطوا رقبته،

سكتت المزبدة،

لا حليب ينزل منها،

الكوب محطم،

لا دوموزي بعد الان،

اصبحت حظيرة الغنم في مهب الريح»(١).

«كما نقرأ في التقاويم البابلية أن الحزن والبكاء على الاله (دموزي) كان يبدأ في اليوم
الثاني من شهر uzi()Du اي تموز وانه كانت تقام مواكب للعزاء تحمل فيها المشاعل
وذلك في اليوم التاسع والسادس عشر والسابع عشر. وكان يقام في الايام الثلاثة الاخيرة
من هذا الشهر احتفال اسمه بالاكدية)Talkimtu(يجري خلاله عرض ودفن طقسي
لدمية تمثل الاله تموز ولكن على الرغم من الاثر الذي تركته عقيدة موت الاله دموزي في
المجتمع القديم في وادي الرافدين وخارجه فإن الحزن عليه لم يصبح في يوم ما من طقوس
المعبد بل ظل يقام سنويا في نطاق الممارسات الشعبية...... لقد وصلنا عدد من المناحات
التي الفها الشعراء السومريون والبابليون للبكاء على الاله الشاب دموزي والتي كانت تقرأ
في مواكب العزاء في المدن المختلفة»(٢).

«لقد سقط القدح مهشما

ولم يعد دموزي على قيد الحياة

وذهبت الحظيرة ادراج الرياح»(١).

وفي قصيدة أخرى يرثي بها الشاعر السومري دموزي (الابن الصالح) فيقول:

«راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

اني انا سيدة أي - انا التي تحطم بلاد الاعداء،

اني انا ننسونا ام السيد العظيم

اني انا كشتن - انا اخت الفتى المقدس

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

راح الى مكان الفتى،

راح الى مكان دموزي،

الى العالم الاسفل، مستوطن الراعي

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

الى المكان الذي ربط فيه الفتى،

الى المكان الذي احتجز فيه دموزي...

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا»(١).

حقيقة إنّ ظلماً كبيراً يطال السومريين الذين علّموا الإنسانية الكتابة ووضعوا القوانين
وأسس العلوم وهم أول من صنع العجلة ووضع نظم الحساب والجبر والهندسة عندما
يصورهم د.كريمر ويتبعه بعض المتخصصين بالحضارة السومرية:

إنهم ينوحون على شيء أسطوري أو قصة أسطورية هم من ألّفها وهي مجرد تعبير عن
الخصب والجدب اللذين يتعاقبان على السنة، وكأنهم شعب تعاطى كل أفراده مادة مخدرة
أفقدتهم عقولهم بحيث إنهم وورثتهم البابليون ينوحون ويقيمون مجالس العزاء آلاف السنين
على رمز في قصة هم ألّفوها من ألفها إلى يائها.

آلاف السنين وسكان بلاد ما بين النهرين جيل بعد جيل وكل سنة يصورون جثة دموزي،
وكل سنة يبكون على دموزي، وكل سنة يقرؤون قصائد رثاء دموزي.

كل هذا مجرد أوهام؟! ومجرد قصة هم ألّفوها!!

ولأجل ماذا؟!

لأجل التعبير عن خصب يأتي في الربيع وجدب يتبعه في فصل آخر من السنة!!!

المفروض أن يكون هناك جواب معقول لنواح أول حضارة عرفتها الإنسانية وطيلة آلاف
السنين على دموزي (الابن الصالح) أو تموز.

وفيما يخص التراث الديني، فإنّ الروايات عن الأئمة (عليهم السلام) تخبرنا بوضوح تام
أنّ السومريين قد ناحوا وبكوا على الحسين (عليه السلام) من خلال نقل بكاء وحزن الأنبياء
السومريين؛ نوح (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام) على الحسين (عليه السلام):

عن الفضل بن شاذان، قال: [سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: لما أمر الله عز وجل إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه، تمنى إبراهيم
(عليه السلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع
إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده فيستحق بذلك أرفع درجات
أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال:
يا رب ما خلقت خلقاً هو أحب إلي من حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله)، فأوحى الله تعالى
إليه أفهو أحب إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم
ولدك؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك
في طاعتي؟ قال: يا رب، بل ذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم، فإنّ
طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش،
ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم (عليه السلام) لذلك، وتوجع قلبه، وأقبل يبكي،
فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم، قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك
بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول
الله عز وجل "وفديناه بذبح عظيم". شيئان قائمان وشيئان جاريان وشيئان مختلفان وشيئان
متباغضان] (١).

عن عَلي بْنُ مُحَمٍَّد رَفَعَهُ عَنْ أَبي عَبْد اللَّه (عليه السلام): [في سقم ابراهيم (عليَه السلام)
فيْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: "فَنَظَرَ نَظْرَةً في النجُوم فَقالَ إنّي سَقيمٌ"، قَالَ: حَسَبَ فَرَأى مَا يَحُل
بالحُسَيْن (عليه السلام) فَقَالَ: إنّي سَقيمٌ لماَ يَحُل بالْحُسَيْن (عليه السلام)] (٢).

وروى العلامة المجلسي في البحار: [أن آدم لما هبط إلى الأرض لم ير حواء فصار يطوف
الأرض في طلبها فمر بكربلاء فاغتم وضاق صدره من غير سبب وعثر في الموضع الذي قتل فيه
الحسين حتى سال الدم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي، هل حدث مني ذنب آخر
فعاقبتني به فإني طفت جميع الأرض وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض، فأوحى
الله إليه: يا آدم، ما حدث منك ذنب ولكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال
دمك موافقة لدمه، فقال آدم: يا رب أيكون الحسين نبياً؟ قال: لا ولكنه سبط النبي محمد،
فقال: ومن القاتل له؟قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض، فقال آدم: فأي شيء أصنع يا جبرئيل فقال: العنه يا آدم، فلعنه أربع مرات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حواء
هناك.

وروي أن نوحاً لما ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا، فلما مرت بكربلاء أخذته الأرض
وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال: إلهي، طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في
هذه الأرض، فنزل جبرئيل وقال: يا نوح، في هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمد خاتم
الأنبياء وابن خاتم الأوصياء، فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل؟ قال: قاتله لعين أهل سبع
سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت
عليه.

وروي أن إبراهيم (عليه السلام) مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً فعثرت به وسقط
إبراهيم وشج رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أي شيء حدث مني؟ فنزل إليه
جبرئيل وقال: يا إبراهيم، ما حدث منك ذنب ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم
الأوصياء فسال دمك موافقة لدمه، قال: يا جبرئيل، ومن يكون قاتله؟قال: لعين أهل
السماوات والأرضين والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربه، فأوحى الله تعالى إلى القلم: أنك
استحققت الثناء بهذا اللعن، فرفع إبراهيم (عليه السلام) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً وأمن
فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أي شيء عرفت حتى تؤمن على دعائي؟فقال: يا
إبراهيم أنا أفتخر بركوبك علي فلما عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك
من يزيد لعنه الله تعالى] (١).

ما تقدم يجعل القارئ المتدبر يلتفت بقوة إلى أنّ ملاحم سومر واكاد هي اخبارات دينية
وبعضها غيبي مستقبلي بالنسبة للزمن الذي دونت فيه. ويجعلنا لا نشك أن الدين يشكل جزءاً
كبيراً من محتوى الملاحم والقصص السومرية - الاكادية (البابلية والاشورية).

وما دمنا قد وصلنا إلى هنا، فأرى من المناسب جداً أن نمر على ملحمة أوروك الخالدة أو
ملحمة جلجامش وسنحاول معاً قراءتها بصورة أخرى ربما ليست معهودة، سنحاول قراءتها
على أنها قصة قصها آدم لأبنائه، وقصها نوح لأبنائه، وقصها إبراهيم لأبنائه، وانتشرت بين السومريين وبين شعوب العالم القديم وخصوصاً في الشرق الأدنى، وأصبحت القصة المفضلة
لسكان بلاد ما بين النهرين)mesopotamia(وتناقلتها الأجيال حتى وصلتنا عبر آلاف السنين
ولكنها ربما شوهت وحرفت - كما تبين لنا سابقاً - عندما تداولها الناس.

قصة جلجامش الذي سيأتي يوماً ليحقق العدالة وينقذ النوع الإنساني من حيوانيته وفي
الآثار المصرية القديمة:

«رجل قائم ممسك بكل وقار ثورين قائمين واحد عن يمينه والاخر عن يساره»(١).

جلجامش الذي تنتظره بلاد ما بين النهرين (سومر) أو جنوب العراق ليظهر فيها يوماً ما
منذ آلاف السنين.

دموزي:

«راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

اني انا سيدة أي - انا التي تحطم بلاد الاعداء،

اني انا ننسونا ام السيد العظيم

اني انا كشتن - انا اخت الفتى المقدس

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

راح الى مكان الفتى،

راح الى مكان دموزي،

الى العالم الاسفل، مستوطن الراعي

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا

الى المكان الذي ربط فيه الفتى،

الى المكان الذي احتجز فيه دموزي...

راح قلبي الى السهل نائحا نائحا»(١).

جلجامش:

خطاب انكيدو لجلجامش:

«انك الرجل الاوحد،

انت الذي حملتك امك،

ولدتك امك ننسون.....

ورفع أنليل رأسك عالياً على الناس،

وقدر اليك الملوكية على البشر»(٢).

ملحمة جلجامش يمكن أن نقرأ فيها تاريخ الإنسانية الآتي وليس الماضي كما يتصور بعض
شراحها، ويمكن أن نقرأ فيها قصة المنقذ للنوع الإنساني من حيوانيته التي كانت - وللأسف -
حاضرة على الدوام وبقوة خصوصاً في المواجهات الكبرى:

﴿كَمَثَل الْحمَار يَحْملُ أَسْفَاراً بئْسَ مَثَلُ الْقَوْم.........﴾(١).

﴿كَمَثَل الْكَلْب إن تَحْملْ عَلَيْه يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلكَ مَثَلُ الْقَوْم...........﴾(٢).

﴿وَجَعَلَ منْهُمُ الْقرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئكَ شَرٌّ مَّكَاناً...........﴾(٣).

المنقذ الذي ذاع صيته منذ آلاف السنين وانتقل خبره عبر القارات، فوصل من بلاد ما
بين النهرين إلى شمال أفريقيا، فنجد صور رمزية له في الآثار المصرية:

«صورة رجل قائم ممسك بكل وقار ثورين قائمين واحد عن يمينه والاخر عن يساره.
وهذا منظر نشاهده على عدد كبير من الاثار البابلية ويمثل عادة (جلجامش) في صراعه
مع الحيوانات المتوحشة»(٤).

جلجامش في الملحمة (ثلثاه إله) ونجد قصته - وهو صاحب الطوفان الثاني - مرتبطة
بقصة جده السومري زيو سو درا (نوح) والبابلي اوتو - نبشتم (نوح) صاحب الطوفان الأول،
بل ربما أهم أسفار جلجامش في الملحمة هو سفره ليلتقي بجده نوح - اوتو نبشتم الخالد مع
الآلهة ويسأله عن السر الذي يمكنه أن يتخلّص من ثلثه الإنساني ليخلد مع الآلهة كجده نوح
(عليه السلام)، أو بعبارة أخرى: ليكتب اسمه في سجل الحياة الأبدية بجدارة ويكون من
الخالدين روحياً، فالمسألة متعلقة بروحه فثلثاه إله وأراد أن يجعل ثلثه الباقي كذلك، ولا
علاقة للأمر بالخلود الجسماني كما توهم شراح الملحمة.

نجد جلجامش - في بعض النصوص - واضحاً أنه منقذ ورمز للعدالة ينتظره الجميع
ويتداولون قصته:

«لازم أبطال اوروك حجراتهم متذمرين شاكين

لم يترك جلجامش ابنا لأبيه

ولم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار

ولكن جلجامش هو راعي أوروك،

السور والحمى

إنه راعينا: قوي وجميل وحكيم

لم يترك جلجامش عذراء لحبيبها

ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل.....»(١).

من غير المعقول - كما فهم بعض المختصين بالحضارة السومرية - أن يكون المقصود بهذه
المقاطع اعتداء جلجامش على أعراض الناس أو ظلمهم وإلا لكانت الملحمة متناقضة تماماً،
فجلجامش وُصف في بدايتها بأرقى ما يمكن أن يوصف به حاكم عادل، بل في نفس هذه الأسطر
وصف بأنه حكيم، فكيف يعتدي ملك حكيم على أعراض رعيته ويظلمهم؟!

ثم إنّ الجزء الآتي من الملحمة سيصف جلجامش بوصف مثالي، مثل: الايثار والشجاعة
والإخلاص، ولهذا فهكذا نصوص إما أن تكون تحريفاً مقصوداً حشر في النص أو أنها رمزية
وبالتالي تحتاج إلى تأويل وبيان.

وإذا قرأنا النص بتدبر سنجد أنّ المراد هو منقذ النوع الإنساني من حيوانيته، منقذ النوع
الإنساني الذي رافقت قصته كل الأمم؛ لأن الذين يسبقون زمن بعثه إذا لم تكن أممهم مهيأة
لاستقباله فعلى الأقل هناك أفراد في تلك الأمم يمكن أن تنقذهم قصته التي يتداولونها، إنه
الشخص الذي سيربطهم بالله وسيفتح باب السماء ليسمع كل من يريد أن يسمع وحياً عظيماً
يُعَرّفُه بالحقيقة فيشغف بها، الحقيقة التي أظهرتنا من العدم، الحقيقة التي خُلقنا لنعرفها،
ولهذا فهو سيشغل الجميع بالله وليس بشخصه هو؛ لأنه لو شغلهم بنفسه أو تركهم ينشغلون به دون أن ينبههم فلن يكون هناك فرق بينه وبين أي طاغية ظالم يريد الشهرة والسمعة.

الآن يمكننا أن نفهم جيداً لماذا (لازم أبطال اوروك حجراتهم متذمرين شاكين)، ولماذا (لم
يترك جلجامش ابنا لأبيه... ولم يترك جلجامش عذراء لحبيبها ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة
البطل)؛ لأنهم جميعاً شغفوا بالله وتعلقوا به سبحانه، جاء جلجامش المـُخَلّص وفتح لهؤلاء
المـُخَلَصين الذين سيكونون في زمن معين باب وحي عظيم وعلمهم كيف يتعلقون بالله وكيف
يحبون الله وكيف يسمعون الله في كل شيء.

ولو رجعت للسومريين لوجدتهم يتشوقون لهذه الأمور:

«هو جلجامش الذي معناه: المحارب الذي في المقدمة، والرجل الذي سيكون نواة
لشجرة جديدة».

جلجامش الشخصية المقدسة عند السومريين أو الاكاديين (البابليين - الاشوريين) وكثير
من شعوب العالم القديم، يوصف بدقة في ملحمة جلجامش (ثلثان منه إله وثلثه الباقي بشر)
أي أن النور في وجوده غالب على الجانب المظلم أو الأنا، ولكنه يبحث في النهاية عن سرّ
الخلاص النهائي من هذه الظلمة، وحتى معنى اسم جلجامش دال على مهمته، فهو المحارب
الذي في المقدمة.

وفي الملحمة:

هو: المحارب الذي قتل الشيطان خمبابا،

وهو: المحارب الذي أهان عشتار (الدنيا)،

وهو: المحارب الذي سحق نفسه،

وهو أيضاً: الشخص الذي سيكون نواة لشجرة إنسانية جديدة تنتصر على حيوانيتها.

«هذا ولا يعلم معنى اسم جلجامش بالضبط. وقد ذكرت بعض النصوص الاكادية
معناها "المحارب الذي في المقدمة". كما أن هناك احتمالاً لاسمه السومري معناه "الرجل الذي سيكون نواة لشجرة جديدة"، أي "الرجل الذي سيولد أسرة"»(١).

لعل أعظم تشويه تتعرض له هذه الملاحم هو إسقاط الشخصيات الملحمية على مصاديق
خاطئة نتيجة الاشتباه كإسقاطها على ملوك وردت أسماؤهم في سجل الملوك، مثلاً: عندما
يتم إسقاط شخصية جلجامش الملحمية على الملك جلجامش رغم اختلاف أسماء الآباء
والنسب فهذا تماماً كمن يقول اليوم وهو يقرأ قصة المهدي الملحمية التي ذكرها النبي محمد
(صلى الله عليه وآله) في روايات كثيرة: إنّ هناك ملكاً في دولة بني العباس قبل أكثر من ألف
عام اسمه المهدي، وهو يعتقد أنّ المقصود بقصة المهدي الإسلامي الملحمية هو ذلك الملك
العباسي.

وهذا للأسف حصل كثيراً مع جلجامش مع أنّ بعض الباحثين المتخصصين في الآثار
السومرية صرحوا بأنه لا يصح اعتبار جلجامش الملحمة هو نفسه جلجامش التاريخ بناء على
تشابه الأسماء فقط.

يقول شارل فيروللو:

«إذن توجد أسباب تجعلنا نؤمن بأنه كان يوجد في زمن قديم جدا ملك اسمه
(جلجامش). وهذا الاسم مندرج في لائحة ملوك أوروك - كشفت حديثا- ولكنه ليس في
اول القائمة - كما ينتظر - فجلجامش التاريخ لم يؤسس دولة بل كان في عداد ملوك - لا
نعرف عنهم شيئا من الوجهة التاريخية إلا أسماءهم......... وعلى أية حال، ليس
(جلجامش) الذي كتب عنه التاريخ سطرين يسترعي انتباهنا، ولكن (جلجامش) الذي
وصلتنا اسطورته الشعرية»(٢).

ملحمة جلجامش التي كان ملوك سومر واكاد وأيضاً بابل وحتى آشور يضعونها في مكتباتهم
ويهتمون بها، وكانت عندهم وعند الناس كأنها تعويذة أو كتاب مقدس أعتقد أنها جديرة
بالتأمل والبحث في:

هل أنها كانت تمثل قصة الشخص الآتي الذي ينتظره السومريون أو الأكاديون والبابليون
والاشوريون كمنقذ ومخلص؟

يقول طه باقر:

«والبطل جلجامش نفسه انتقل اسمه إلى معظم اداب الأمم القديمة أو ان أعماله
نسبت إلى أبطال الأمم الأخرى مثل هرقل والاسكندر وذي القرنين والبطل أوديسوس في
الاوديسة»(١).

وقال أيضاً:

«عجبا من كان جلجامش هذا الذي اصبح مثالا يحتذى به لدى ابطال الامم
الاخرى؟!».

ويقول الدكتور شارل فيروللو:

«ولقد عرف المصريون - في الزمن القديم - الشخصية التي نحن بصددها إذ عثر في
وادي النيل في جبل الاراك على مدية شفرتها من صوان لا من معدن ومقبضها من عاج
تحمل على أحد وجهيها صورة رجل قائم ممسك بكل وقار ثورين قائمين واحد عن يمينه
والاخر عن يساره. وهذا منظر نشاهده على عدد كبير من الاثار البابلية ويمثل عادة
(جلجامش) في صراعه مع الحيوانات المتوحشة»(٢).

إذن، جلجامش ليس مجرد شخص عادل أو صالح، وليس مجرد ملك أو سيكون ملكاً في
يوم ما، بل جلجامش شخصية أممية وهو مثال يقتدي به أبطال الأمم كما نقلت لنا الآثار،
وكون جلجامش شخصية أممية فهذا هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يفسر وجود نسخ من
ملحمة جلجامش في دول مختلفة وحتى بغير لغاتها:

«ولعل خير ما يكشف عن اثرها العظيم في عقول أبناء الحضارات القديمة، المدى
الواسع الذي انتشرت فيه في العالم القديم. فبالنسبة لسكان العراق الأقدمين لم يقتصر تداولها على سكان القسم الجنوبي والوسطي من العراق، وهو القسم الذي عرف باسم بلاد
سومر وأكد، بل تسربت أيضاً إلى القسم الشمالي أي إلى بلاد اشور. فقد وجدت نسخ كثيرة
لها في حواضر العراق القديم من عهد ازدهار الحضارة البابلية في العهد البابلي القديم
(الألف الثاني ق. م) أما بالنسبة لبلاد اشور فإن اخر نشرة كاملة وصلت إلينا قد وجدت
نصوصها في خزانة كتب الملك الاشوري اشور بانيبال الشهيرة......... وبالنسبة لمراكز
الحضارات القديمة سبق لنا أن نوهنا بعثور الباحثين على نسخ كثيرة من أجزائها في أقاليم
نائية مثل الأناضول، موطن الحضارة الحثية، وقد دون بعض هذه النصوص باللغة
البابلية القديمة، كما وجدت أيضاً ترجمات إلى اللغتين الحثية والحورية. وحديثا تم
اكتشاف مثير لنسخة من بعض فصولها في احدى مدن فلسطين القديمة وهي (مجدو)
الشهيرة في التوراة، ويرجع زمن هذه النسخة الصغيرة الى حدود القرن الرابع عشر
ق.م.....»(١).

هكذا تصف القصة الملحمية جلجامش في مطلعها وتلخص كل شيء عن جلجامش في
أسطر قليلة هي بمثابة تعريف لشخصية جلجامش ومهمته:

«اللوح الاول:

هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي،

وهو الذي خبر جميع الاشياء وافاد من عبرها،

وهو الحكيم العارف بكل شيء،

لقد ابصر الاسرار وعرف الخفايا المكتومة،

وجاء بانباء الايام مما قبل الطوفان،

لقد أوغل في الاسفار البعيدة حتى حل به الضنى والتعب،

فنقش في نصب الحجر كل ما عاناه وما خبره».

«رأى كل شيء..... الذي خبر جميع الاشياء....... الحكيم

واضح أنّ النص يصف شخصاً عالماً

العارف...... ابصر الاسرار وعرف الخفايا المكتومة»

، ومُعَلّماً مهمّاً جاء بعلوم مهمة وسينقشها بحيث

«فنقش في نصب الحجر كل ما عاناه وما خبره»

إنها ستبقى بين الناس.

ولو رجعنا للنص الديني الوارد في المهدي نجد الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: [العلم
سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير
الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين
حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً] (١).

ملحمة جلجامش مليئة بالرموز.

فيها رؤى مرمزة مع بيان معنى بعض رموزها.

فيها كلام وأحداث مرمّزة، فمثلاً: في خضم معركة دائرة بين جلجامش وأنكيدو نجد كل
شيء يهدأ ومباشرة يقف أنكيدو قائلاً لجلجامش بكل احترام:

«انك الرجل الاوحد،

انت الذي حملتك امك،

ولدتك امك ننسون.....

ورفع أنليل رأسك عاليا على الناس،

وقدر اليك الملوكية على البشر»(٢).

والسؤال هنا: إذا كان أنكيدو يعرف هذا منذ البداية فلماذا قاتله؟!!!

إذن، فمن غير المعقول أن يكون المقصود بتلك المعركة هو صراع بدني بين جلجامش
وانكيدو. نعم، يمكن أن نقول إنه صراع عقائدي أدّى بأنكيدو أن يعترف في النهاية بأنّ
جلجامش هو ابن ننسون وابن أنليل الذي أوصى أن يكون جلجامش ملكاً.

ونُطْقُ أنكيدو - بعد الصراع - بهذه الكلمات يبين بوضوح أنّ أنكيدو يقدس ننسون وأنليل،
ولكنه لم يكن يقر أن جلجامش من سلالتهم، والآن هو يقر:

«انك الرجل الاوحد، انت الذي حملتك امك، ولدتك امك ننسون..... ورفع أنليل
رأسك عاليا على الناس وقدر اليك الملوكية على البشر».

ولهذا أيضاً لابد أن نحسب لرمزية النصوص حساباً ولا نعتبرها نصوصاً صريحة المقصود
بها هو المعنى اللفظي تماماً، وهذه في الحقيقة تكاد تكون طبيعة للنصوص الدينية عموماً؛
لأنها نصوص آتية من عوالم أخرى وتحوي حكمة، والهدف منها بعض الأحيان ايصال رسالة
إلى أهلها، وربما في كثير من الأحيان يُراد حمايتها من المنتحلين بهذه الرموز التي لا يعرفها سوى
أصحابها، فالرؤى مثلاً هي نص ديني ولا شك، ومن منا يشك بأن الرؤى مرمزة في كثير من
الأحيان؟!

رحلة جلجامش الأولى لقتل الشيطان خمبابا وإزالة الجور والظلم والشر من الأرض:

«فخاطب جلجامش انكيدو وقال له: يسكن في الغابة خمبابا الرهيب فلنقتله كلانا
ونزيل الشر من الارض».

وقبل أن يقتل جلجامش الشيطان يرى رؤى كثيرة تبشره بنجاح مهمته الأولى:

«...ورأيت في حلمي الثاني الجبل يسقط ايضا فصدمني ومسك قدمي ثم انبثق نور
وهاج طغى لمعانه وسناه على هذه الارض فإنتشلني من تحت الجبل وسقاني الماء فسر قلبي»(١).

كل ما يُأله له عند السومريين فهو إله، فالدنيا إله، والأنا إله، والجماعة إله، والصالحون
المقدسون آلهة، لهذا فيمكننا أن نبدل كلمة (إله) بالأنبياء أو الصالحين أو الدنيا أو الأنا ونتدبر
النص ونرى الحكمة التي يزخر بها النص:

«وفتح جلجامش فاه وقال لانكيدو:

يا صديقي، من الذي يستطيع ان يرقى اسباب السماء؟

والالهة وحدهم هم الذين يعيشون الى الابد مع شمش،

(الصالحون)

أما ابناء البشر فأيامهم معدودات،

وكل ما عملوا هواء عبث».

وفي القرآن: ﴿وَقَدمْنَا إلَى مَا عَملُوا منْ عَمٍَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾(٢).

وجلجامش الذي ثلثاه إله في النهاية أراد التخلص من ثلثه المظلم فذهب إلى من تخلص
من الظلمة وخلد مع الآلهة وهو جده اوتو نبشتم - نوح، فرحلة جلجامش إلى نوح لم تكن رحلة
لطلب خلود جسماني كما توهم بعض قرائها بل هي رحلة لطلب خلود روحي.

بعد كل ما تقدم، هل من الانصاف أن يعترض علينا شخص إن قلنا: إنّ ملحمة جلجامش
دينية بجدارة وجلجامش شخصية دينية.

انتصر جلجامش في رحلته الأولى وقتل الشيطان خمبابا، وعاد إلى اوروك ولبس تاجه لتبدأ معركته الثانية مع الدنيا (الالهة عشتار أو أنانا):

«ولما لبس جلجامش تاجه رفعت عشتار الجليلة عينيها ورمقت جمال جلجامش
فنادته: تعال يا جلجامش وكن عريسي،

وهبني ثمرتك اتمتع بها،

كن زوجي واكون زوجك،

سأعد لك مركبة من حجر اللازورد والذهب،

وعجلاتها من الذهب وقرونها من البرونز،

وستربط لجرها شياطين الصاعقة بدلا من البغال الضخمة،

وعندما تدخل بيتنا ستجد شذى الارز يعبق فيه،

اذا دخلت بيتنا فستقبل قدميك العتبة والدكة،

سينحني لك الملوك والحكام والامراء......

ففتح جلجامش فاه واجاب عشتار الجليلة وقال:.......

اي خير سأناله لو تزوجتك؟

انِت!

ما انِت الاالموقد الذي تخمد ناره في البرد،

انِت كالباب الناقص لا يصد عاصفة ولا ريحا،

انِت قصر يتحطم في داخله الابطال،

انِت فيل يمزق رحله،

انِت قير يلوث من يحمله وقربة تبلل حاملها،

انِت حجر مرمر ينهار جداره،

انِت حجر يشب يستقدم العدو ويغريه،

وانِت نعل يقرص قدم منتعله،

اي من عشاقك من بقيت على حبه ابدا؟

واي من رعاتك من رضيت عنه دائما؟.................

ولما سمعت عشتار هذا استشاطت غيظا وعرجت الى السماء،

صعدت عشتار ومثلت في حضرة ابيها انو وامها انتم فجرت دموعها وقالت:

يا ابي ان جلجامش قد عزرني واهانني،

لقد سبني وعيرني بهناتي وشروري،

ففتح انو فاه وقال لعشتار الجليلة:

انت التي تحرشت فاهانك جلجامش،

وعدد مثالبك وهناتك،

ففتحت عشتار فاها وقالت ل (انو) اخلق لي يا ابت ثورا سماويا ليهلك جلجامش،

واذا لم تخلق لي الثور السماوي فلاحطمن باب العالم الاسفل،

وافتحه على مصراعيه واجعل الموتى يقومون فياكلون كالاحياء،

ويصبح الاموات اكثر عددا من الاحياء،

ففتح انو فاه واجاب عشتار الجليلة وقال:

لو لبيت طلبك لحلت سبع سنين عجاف لا غلة فيها،

فهل جمعِت غلة تكفي الناس؟

وهل خزنت العلف للماشية؟

فتحت عشتار فاها واجابت انو اباها قائلة لقد كدست بيادر الحبوب للناس وخزنت
العلف للماشية،

فلو حلت سبع سنين عجاف فقد خزنت غلالا وعلفا تكفي الناس والحيوان»(١).

وفي القرآن: ﴿َوَرَاوَدَتْهُ الَّتي هُوَ في بَيْتهَا عَن نَّفْسه وَغَلَّقَت الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ
مَعَاذَ اللّه إنَّهُ رَبّي أحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لاَ يُفْلحُ الظَّالموُنَ﴾(٢).

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنْينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ في سُنبُله إلاَّ قَليلاً مّمَّاْ تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتي
من بَعْد ذَلكَ سَبْعٌ شدَادٌ يَأكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَليلاً مّمَّا تُحْصنُونَ* ثُمَّ يَأتي من بَعْد ذَلكَ
عَامٌ فيه يُغَاثُ النَّاسُ وَفيه يَعْصرُونَ﴾(٣).

بينت أنّ رحلة جلجامش تتكلم عن الخلود الروحي والحياة الأخروية الخالدة، وليس عن
خلود جسد فا ٍن، يعلم السفهاء بفنائه، فكيف بجلجامش الذي يوصف في الملحمة بأنه حكيم
وعارف بحقائق الأمور.

وبما أنّ الخلود والموت المذكور في القصة يراد منه خلود وموت الروح، فيكون موت أنكيدو
كذلك، فلم يتمكن أنكيدو من اتمام رحلة الخلود دون أن يسقط أو يتعثر في الطريق ويرتكب
المحرمات ويخالف وصايا جلجامش له، فتكون النتيجة أنه سقط في براثن العالم الأسفل ويحاول جلجامش انقاذه من براثن العالم الأسفل واقامته من عثرته:

«هبط أنكيدو إلى العالم السفلي،

إلا انه لم يلتزم بكلمات سيده-

ولبس ثيابا نظيفة،

فهجم أصحاب السلطة عليه كانهم أعداء،

ومسح جسمه بزيت الكأس العذب،

فتجمعوا من حوله من جراء رائحته،

ورمى عصا الرماية في العالم السفلي،

فأحدق به أولئك الذين أصيبوا بها،

وحمل عصا بيده،

فأضطربت أشباح الموتى من حوله

ولبس نعلا في قدميه،

واحدث صوتا في العالم السفلي،

وقبل الزوجة التي احبها،

وصفع الزوجة التي كرهها،

وقبل الإبن الذي احبه،

وصفع الإبن الذي كرهه،

فأمسكت به صيحة العالم السفلي بقوة-

............

.............

إنه لم يسقط في المعركة مكان الرجولة

إن العالم السفلي هو الذي يمسك به بقوة»(١).

«ان قصة موت انكيدو ودفنه هي على ارجح الاحتمالات من اصل بابلي غير سومري.
فبموجب القصيدة المعنونة "جلجامش وانكيدو والعالم الاسفل" لم يمت انكيدو موتا
بالمعنى المألوف للموت وانما احتجزه في العالم الاسفل (كور)، وهو ذلك الشيطان
الموكل بالعالم الاسفل والشبيه بالتنين، لأنه ارتكب المحرمات الخاصة بالعالم الاسفل،
وهو عارف بها. ولقد اخترع مؤلفوا "ملحمة جلجامش" البابليون حادث موت "انكيدو"
ليهيئوا الباعث القصصي الدراماتيكي على سعي جلجامش ونشدانه الخلود وهو ما يؤلف
الذروة الدرامتيكية في القصيدة.............. ولكن مهما كان الحال، فان الشعراء البابليين
لم يكونوا باية حال من الاحوال مجرد مستنسخين ومقلدين تقليدا اعمى للمادة السومرية.
بل الواقع انهم بدلوا وغيروا في مضمونها وكيفوا تركيبها وهيئتها الى درجة جسيمة لتلائم
مزاجهم وتراثهم، بحيث لم يبق ما يميز منها الاالنواة السومرية الاصلية»(٢).

وتبدأ رحلة جلجامش إلى جده نوح (اوتو - نبشتم) والتي يطلب فيها الخلود،

خلود الروح وليس خلود الجسم، فجلجامش منذ البداية يعرف أن لا خلود للجسم، فقد
مر قوله:

«والالهة وحدهم هم الذين يعيشون الى الابد مع شمش أما ابناء البشر

(الصالحون)

فأيامهم معدودات وكل ما عملوا هواء عبث».

وجده نوح ميت منذ زمن بعيد، وهو يعلم هذا جيداً.

إذن، هي رحلة إلى العالم الآخر.

وفي هذه الرحلة يسحق جلجامش نفسه، فيحقق الخلود الذي سافر في طلبه. يحقق مراده
في نفس الرحلة وحتى قبل أن يصل إلى جده نوح (اوتو - نبشتم):

«سأطلق شعري وسألبس جلد الاسد واهيم على وجهي في البراري »(١).

ويدخل جلجامش عالم الحقيقة ويرى الأمور على ما هي في رحلته إلى جده اوتو - نبشتم
"نوح (عليه السلام)":

«لقد بلغ جبل "ماشو"

الذي يحرس كل يوم مشرق الشمس ومغربها،

والذي يبلغ علوه سمك السماء

وفي الاسفل ينحدر صدره الى العالم الاسفل،

ويحرس بابه "البشر العقارب"

الذين يبعثون الرعب والهلع ونظراتهم الموت

ويطغى جلالهم المرعب على الجبال،

الذين يحرسون الشمس في شروقها وغروبها،

ولما ابصرهم جلجامش اصفر وجهه خوفا ورعبا،

ولكنه تشجع واقترب امامهم

فنادى "الرجل العقرب" زوجته وقال لها:

ان الذي جاء الينا جسمه من مادة الالهة،

فأجابت زوجة "الرجل العقرب" زوجها وقالت:

اجل ان ثلثيه اله وثلثه الاخر بشر،

ثم نادى "الرجل العقرب" جلجامش

وخاطب نسل الالهة بهذه الكلمات:

ما الذي حملك على هذا السفر البعيد؟

وعلام قطعت الطريق وجئت الي عابرا البحار الصعبة العبور،

فأبن لي القصد من المجيء الي

فاجابه جلجامش قائلا:

اتيت قاصدا ابي (اوتو - نبشتم) (نوح)

الذي دخل في مجمع الالهة *

جئت لأسأله عن لغز الحياة والموت *

ففتح الرجل العقرب فاه وقال مخاطبا جلجامش:

لم يستطع احد من قبل ان يفعل ذلك ياجلجامش

لم يعبر احد من البشر مسالك الجبال

حيث يعم الظلام الحالك في داخلها مسافة اثنتي عشرة ساعة مضاعفة ولا يوجد نور........جزء مخروم من الملحمة.......

فاجاب جلجامش: عزمت على ان اذهب ولو بالحزن والالام *

وفي القر والحر وفي الحسرات والبكاء *

فأفتح لي الان باب الجبال،

ففتح الرجل العقرب فاه واجاب جلجامش:

مر ياجلجامش ولاتخف،

فقد اذنت لك ان تعبر جبال "ماشو"،

وعساك ان تقطع الجبال وسلاسلها،

وعسى ان تعود بك قدماك سالما،

وها هو باب الجبل مفتوح امامك»(١).

تستمر رحلة جلجامش ويمر بصاحبة الحانة وكأنها رمز لسكر الناس بحب الدنيا والأنا
فتدعوه صاحبة الحانة إلى الدنيا والاهتمام بنفسه وترك هذا السفر المتعب في طلب الخلود:

«فأجابت صاحبة الحانة جلجامش قائلة له:

ان الحياة التي تبغي لن تجد

اذ لما خلقت الالهة البشر قدرت الموت على البشرية

واستاثرت هي بالحياة*

اما انت يا جلجامش فاجعل كرشك مملوءا *

وكن فرحا مبتهجا ليل نهار*

واقم الافراح في كل يوم من ايامك

وارقص والعب ليل نهار*

واجعل ثيابك نظيفة زاهية *

واغسل رأسك واستحم في الماء *

ودلل الطفل الذي يمسك بيدك *

وافرح الزوجة التي بين احضانك*

وهذا هو نصيب البشر،

ولكن جلجامش اردف مخاطبا صاحبة الحانة:

يا صاحبة الحانة اين الطريق الى اوتو - نبشتم

دليني كيف اتجه اليه؟

فاذا امكنني الوصول اليه فانني حتى البحار ساعبرها،

واذا تعذر الوصول اليه فسأهيم على وجهي في البراري »(١).

هذه الكلمات اَلأخيرة كأنَ موسى (عليه السلامَ)َ في القرآن قد اقتبس معناها من جلجامش
فقال: ﴿..لفَتَاهُ لاَ أبْرَحُ حَتَّى أبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْن أوْ أمْضيَ حُقُباً﴾(٢).

وتستمر رحلة جلجامش حتى يصل إلى جده اوتو - نبشتم "نوح (عليه السلام)"، ويروي له
جده قصة الطوفان، ويعرف جلجامش من جده سر الحياة:

«قال اوتو - نبشتم لجلجامش:

ان الموت قاس لا يرحم

متى بنينا بيتا يقوم الى الابد؟

متى ختمنا عقدا يدوم الى الابد؟

وهل يقتسم الاخوة ميراثهم ليبقى الى اخر الدهر؟

وهل تبقى البغضاء في الارض الى الابد؟

وهل يرتفع النهر وياتي بالفيضان على الدوام؟

والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل اجلها

ولم يكن دوام وخلود منذ القدم

وياما اعظم الشبه بين النائم والميت!

الاتبدو عليهما هيئة الموت؟

من ذا الذي يستطيع ان يميز بين العبد والسيد اذا جاء اجلهما؟»(١).

الملاحم والقصص السومرية والقصائد تثبت أنّ قصة الدين الإلهي موجودة ومكتملة عند
السومريين بكل جزئياتها وشخصياتها ورموزها قبل الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية،
فنجد في الرقم الطينية السومرية الإله الحقيقي الواحد المهيمن على كل شيء، ونجد عندهم
العقائد، والقيم الأخلاقية، والنواميس المقدسة، والعبادة وطرقها، وسبل الانتصار على الشيطان وعلى الدنيا وعلى الأنا وحب الذات.

إذن، فهو الدين كله من ألفه إلى يائه عند السومريين.

فمن أين أتوا به؟

من أين جاءوا بهذه المنظومة المعقدة التي ظهرت مكتملة فجأة في تاريخ بلاد ما بين النهرين؟

الحقيقة التي يراها كل عاقل ظاهرة كالشمس إنّ هناك قفزة ثقافية وحضارية أظهرتها
لنا الثقافة والحضارة السومرية، فمن يريد أن ينكر - بعد كل ما تقدم - فهذا شأنه، وعموماً
فقد وضعت أطروحات ونظريات لتفسير هذه القفزة الثقافية كما تقدم، ولو كان الأمر ليس
كذلك لما وصل الأمر إلى أن توضع نظرية قدوم كائنات من الفضاء!!

والعجب كل العجب ممن يقبل أنّ سبب تطور الإنسانية هو قدوم كائنات فضائية
بمركباتهم وقدراتهم الكونية التي لا نرى لها أثراً على الأرض لكي يعلل هذه القفزة الثقافية، ولا
يقبل أنّ نفس آدم نفخت في جسم أو اتصلت به فتطور وانتقل إلى مستوى أرقى في الخلق
والتنظيم والقدرة على التفكير والادراك.

يقول د. كريمر في الحكومة:

«الحكومة - أول برلمان ذي مجلسين - ان نمو الانسان الاجتماعي والروحي لهو في
الغالب بطئ، منحرف، ويصعب تتبعه وتقصيه. وقد تكون الشجرة المتكاملة النمو
منفصلة بعيدة عن بذرتها الاصلية بألوف الاميال والسنين. خذ مثلا أسلوب الحياة
المعروف باسم الديمقراطية ومؤسساتها أو نظامها الاساسي وهو المجلس السياسي. ففي
ظاهر الحال يبدو هذا النظام وكانه قاصر على حضارتنا الغربية أو احتكار لها، وأنه ثمرة
من ثمرات القرون الحديثة، اذ من ذا الذي يتصور ان برلمانات سياسية كانت في الوجود
قبل الوف كثيرة من السنين وفي جهات من العالم ليست لها صلة بالمؤسسات
الديمقراطية الافيما ندر ولكن الاثري الصبور ينقب ويتعمق في الحفر ويوسع فيه، ولا
يعلم مطلقا ماذا سيجده ويعثر عليه وبفضل جهود فرقة المعول اصبح في وسعنا الان ان نقرأ سجل مجلس سياسي انعقد قبل نحو خمسة الاف عام - في الشرق الادنى قبل اي
مكان اخر.

اجل ان اول برلمان سياسي معروف في تاريخ الانسان المدون قد التام في جلسة
خطيرة في حدود ٣٠٠٠ ق.م ولقد كان مثل برلماننا مؤلفا من مجلسين: من مجلس الاعيان
اي مجلس الشيوخ ومن مجلس العموم (النواب) المؤلف من المواطنين الذكور القادرين
على حمل السلاح وكان برلمان حرب دعى للانعقاد ليتخذ قرارا في امر خطير يخص الحرب
والسلم. لقد كان عليه ان يختار بين السلم بأي ثمن كان وبين الحرب والاستقلال. فأما
مجلس الاعيان الذي كان مؤلفا من الشيوخ المحافظين فانه اعلن قراره انه بجانب السلم
مهما كان الثمن. ولكن الملك اعترض على هذا القرار ثم عرض الامر بعد ذلك على مجلس
العموم فأعلن هذا المجلس الحرب من اجل الحرية وصادق الملك على قراره.

ففي اي جزء من العالم أول برلمان معروف لدى الانسان؟

لم يكن موضع انعقاده في الغرب في قارة اوربا كما قد تظن (فأن المجالس السياسية
في بلاد الاغريق الديمقراطية وفي رومة الجمهورية جاءت بعد ذلك بزمن طويل) بل ان
مما يثير الغرابة والدهشة ان يكون ذلك البرلمان العتيق قد عقد جلساته في ذلك الجزء
من اسيا الذي اصطلح الناس عليه تسميته باسم الشرق الادنى موطن الطغاة والمستبدين
المأثور وهو جزء من العالم كان يظن عنه ان المجالس السياسية لم تكن معروفة فيه.

اجل انه في تلك البلاد المعروفة قديما باسم سومر الواقعة شمال خليج فارس بين
نهري دجلة والفرات تم انعقاد اقدم مجلس سياسي معروف فمتى اجتمع هذا البرلمان؟ انه
اجتمع في الالف الثالث ق. م فلقد كان يقطن بلاد سومر وهي تطابق القسم الجنوبي من
العراق الحديث شعب أنشأ ونمى (كذا) ما يرجح ان تكون أرقى حضارة في العالم المعروف
انذاك»(١).

العلاقة بين السومريين وحاكمية الله أمر لم يكن لكريمر ولا لكثيرين من علماء الآثار غيره
أن يدركوه؛ لأنهم إما لا يعتقدون بحاكمية الله، أو ملحدون يعتقدون أنّ الدين ابتدعه
السومريون، والتوراة والقرآن مجرد عملية استنساخ للقصص السومرية الخيالية - بنظرهم
- كقصة الطوفان، ولهذا فهم عندما وجدوا أنّ الملك السومري يعرض أمر الحرب على مجلسين للشورى حكموا وجزموا أن ما يمارسه السومريون ديمقراطية تشبه الديمقراطية الغربية
اليوم، في حين أنّ ما كان يمارسه السومريون ليس الديمقراطية الغربية أبداً ولا علاقة
لممارستهم بالديمقراطية الغربية حيث إنّ هناك نصوصاً سومرية كثيرة تؤكد على أنّ الحاكم
يأخذ شرعيته من التنصيب الإلهي.

إنّ نظام الحكم السومري هو نظام ورثوه عن نوح (عليه السلام) وعن الأنبياء كما ورثوا
الدين الإلهي، فقد كان لديهم نظام حكم إلهي محرّف كما كانوا أصحاب دين إلهي محرف،
فنظام الحكم السومري لم يكن نظاماً دكتاتورياً ولا نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الديمقراطي
الغربي المعروف اليوم.

في نظام الحكم السومري كان هناك ملك تعينه الآلهة، كما أنّ في نظام الحكم الإلهي ملك
أو حاكم يعيّنه الله، ومهمة هذا الحاكم هي تحقيق إرادة الله وتطبيق قانون الله وانصاف
المظلومين، فهناك هدف من تعيين الحاكم الإلهي هو ليس الحكم بحد ذاته، ولهذا فنظام
الحكم الإلهي يمكن أن يتحقق حتى بإشراف الحاكم المعين من الله على التطبيق ومراقبة
التطبيق والتدخل للتصحيح عند وجود توجّه للخطأ، وليس من الضروري أن يقوم بالحكم
بنفسه ليتحقق الهدف من تعيينه.

وهذا ما نجده أو قريباً منه في المثال السومري الذي أورده الدكتور صاموئيل كريمر، حيث
كان هناك نزاع بين كيش واوروك على السلطة ودعوى التنصيب الإلهي، وقام حاكم اوروك
بطلب رأي الشعب باختيار الحرب أو السلم، ولكنه لم يكن رأياً ملزماً له كما هو واضح في ما
تقدم:

«أما الاوضاع السياسية التي استوجبت انعقاد اقدم برلمان في التاريخ مدونة أخباره
فيمكن وصفها على الوجه الاتي: كانت بلاد سومر في غضون الالف الثالث ق.م مثل بلاد
الاغريق في زمن متاخر جدا مؤلفة من عدد من دول - المدن المتنافسة المتنازعة فيما
بينها على كسب السلطة والسيطرة على جميع البلاد. وكانت دولة كيش من اهم هذه
الدويلات وهي المدينة التي تسلمت الملوكية كما جاء في الاساطير السومرية من السماء
بعد الطوفان فورا. ولكن كان هناك من هذه الدويلات دولة - مدينة اخرى هي دولة ارك
(اوروك) الواقعة بمسافة بعيدة الى الجنوب من كيش وكانت تتعاظم في السلطان والنفوذ
السياسي حتى بلغ بها الحال ان أخذت تهدد سلطان دولة كيش على بلاد سومر. فأدرك ملك كيش عندئذ مبلغ الخطر وهدد اهل ارك بشن الحرب عليهم اذا ابوا الاعتراف به سيدا
عليهم. وفي هذه الازمة العصيبة التام مجلسا ارك اي مجلس الشيوخ ومجلس الذكور
القادرين على حمل السلاح ليبتا في اي السبيلين يختاران: الخضوع والاذعان الى سلطان
كيش والتمتع بالسلم أو اشهار السلاح والحرب من اجل المحافظة على الاستقلال»(١).

وصحيح أنّ بعض ملوك سومر هم مجرد ملوك مدّعين للتنصيب الإلهي، ولكن ما يهمنا
هو أنّ السومريين عموماً كانوا يؤمنون بالتنصيب الإلهي، ويؤكد هذا الأمر ما وصلنا مكرراً في
الألواح الطينية من أنّ الملوك هم من سلالة الآلهة وأنّ الآلهة تعينهم، وهناك قصة نقلها
القرآن تمثل منازعة حدثت في سومر أو بلاد ما بين النهرين بين أحد الملوك(٢) المدعين الـمُلك
مع إبراهيم الخليل (عليه السلام) المَلك المنصب من الله:

﴿أَلَمْ تَرََ إلَىُ الَّذي حَآجَّ إبْرَاهيمَ في ربّه أَنْ آتَاهُ اللّهُ المُْلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهيمَُْ رَبّيَ الَّذي يُحْيـي
وََيُميتُ قَالَ أنَا أحْيـي وَأُميتُ قَالَ إبْرَاهيمُ فَإنَّ اللّهَ يَأْتي بالشَّمْس منَ المْشَْرق فأت بهَا منَ المْغَْرب
فبُ هتَ الَّذي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالمينَ﴾(٣).

وعموماً، يمكن مراجعة النصوص السومرية والاكادية والبابلية لنجد أنّ هذا الأمر واضح في كثير من النصوص، وأنهم كانوا يعتقدون أن الـمُلك تنصيب إلهي، أي كما في عقيدة الدين
الإلهي الصحيحة التي في التوارة والانجيل والقرآن، وهذا يبين بوضوح أنّ السومريين قد ورثوا
الدين الإلهي القديم وكانوا ملتزمين بتعاليمه وأهمها النواميس المقدسة ومنفذها، ولكن لما
تقادم عليهم الزمن حصل الشيء الذي يحصل دائماً وهو التحريف للدين الإلهي واغتصاب
الـمُلك الإلهي واضطهاد المَلك المنصب من الله كما في حادثة إبراهيم (عليه السلام) الذي
اضطر أخيراً إلى مغادرة أرض آبائه حتى شاء الله أن يعود أبناؤه فيما بعد بعودة ابنه علي بن
أبي طالب (عليه السلام) إلى أرض سومر وأكاد أو شومر أو شنعار أو بلاد ما بين النهرين (العراق).

وهذا أحد النصوص نقله د. كريمر عن الألواح السومرية، ويبين اعتقاد السومريين بالدين
الإلهي وبالتنصيب الإلهي للمَلك أو الحاكم:

«يا سومر يا أيها البلد العظيم بين جميع بلدان العالم، انت مغمور بالنور الثابت
الراسخ، الذي ينشر من مطلع الشمس الى مغرب الشمس النواميس الالهية بين جميع
الناس، ان نواميسك المقدسة نواميس سامية لا يمكن ادراكها، قلبك عميق لا يسبر
غوره، المعرفة الصحيحة تأتي بها..... كالسماء لا يمكن ان تُمس، والمَلك الذي تلده متوج
بالتاج الابدي، والسيد الذي تنجبه يضع التاج على رأسه الى الابد. سيدك سيد مبجل
وملكك يجلس مع الاله ان على المنصة السماوية، ان ملكك هو الجبل العظيم.....»(١).

طوفان نوح قضية ذكرت في الأديان، وبسبب عرضها المحرَّف من بعض فقهاء الأديان أو
صورتها المحرفة في بعض الكتب السماوية المحرفة تعرض الدين الإلهي للطعن من خلالها
على أنّ الدين مجرد أساطير؛ لأن طوفاناً بالحجم وبالتاريخ الذي تصفه الصورة المحرفة
المتعارفة دينياً لا يمكن حصوله بالمقاييس العلمية ولا يوجد أي أثر يدل على حصوله بل
العكس هو الصحيح، فلا يمكن أن يحصل ولا يترك عشرات الآثار بعد أن ينحسر الماء عن
الأرض، والعلم الآن لا يؤشر أي وجود لهذه الآثار.

وقبل أن نعرج على قصة الطوفان وتحليلها سنعرض بعض الإشكالات العلمية على قصة
الطوفان الدينية؛ لأن بعضها يستغله الملحدون لنقض الدين الإلهي على أنه مجرد عملية
اجترار مضخم لأساطير قديمة كقصة الطوفان السومرية، وسنعرف حل هذه الإشكالات من
خلال عرض قصة الطوفان التي جاءت في القرآن وبفهم صحيح، وأنها لا تعارض الحقائق
العلمية ولا التاريخية الآثارية أو الجيولوجية.

الإشكال الأول: كل كميات الماء الموجودة في الأرض وعليها غير كافية لتغطية الأرض كلياً
حتى ارتفاع أعلى الجبال أي ارتفاع عدة كيلومترات، بل إنها غير كافية لتغطية الأرض بمستوى
أقل من هذا بكثير.

الإشكال الثاني: حيوانات الجزر والقارات المعزولة كيف وصلت إلى نوح، وأيضاً كيف
عادت إلى جزرها المعزولة مرة أخرى دون أن تترك أثراً في طريق عودتها، وأبسط مثال جرابيات
استراليا والفوسا في مدغشقر، فهي موجودة هناك فقط ولم يسجّل لها وجود أو أثر في أي
مكان آخر.

الإشكال الثالث: لا توجد آثار لفيضان شمل كل بقعة على الأرض ضمن الحدود الزمنية
التي تضعها قصة الفيضان التقليدية.

هذا ملخص بعض اعتراضات الكاتب المعروف كريستوفر هيتشنز(١)على قصة الطوفان الدينية كما وردت في التوراة أو العهد القديم:

«طُلب من نوح أن ياخذ معه في السفينة زوجين من كل نوع حيواني. بعض الخبراء
في علم الحيوان يقدرون وجود نحو عشرة ملايين نوع من الحشرات، هل يمكن للسفينة
احتواءها كلها؟صحيح، هي لن تحتل مكانا كبيرا، لهذا فلنركز فقط على الحيوانات
الكبيرة، الزواحف: ٥٠٠٠ نوع، الطيور: ٩٠٠٠ نوع، و٤٥٠٠ نوع من الثديات... وغيرها
الكثير... المجموع الكلي يصل الى ٤٥ الف نوع... أي سفينة ستتسع ل ٤٥ الف نوع؟
وزوجين منها يعني ٩٠ الف حيوان من الافاعي الى الفيلة، ومن الطيور الى الخيل، ومن
افراس النهر الى وحيدي القرن.. كيف تمكن نوح من جمعهم بتلك السرعة؟ كم من الوقت
انتظر كي يصل حيوان الكسلان من الامازون؟ كيف خرج الكنغر من استراليا وهي
جزيرة؟ كيف عرف الدب القطبي أين سيجد مكان نوح؟.... إما ان نستنتج ان هذه القصة
لابد ألاتؤخذ حرفيا، او سيتوجب علينا اللجوء إلى إجابة ضعيفة من نوع: كل شيء ممكن
بالنسبة للرب.. وفي هذه الحالة يكون السؤال لماذا اذن اتبع الرب هذا الاجراء المعقد
الذي استغرق وقتا طويلا على الاقل بالنسبة لنوح؟ لماذا لم يتم إنقاذ نوح والصالحين
الاخرين بمعجزة سريعة بدلا من واحدة طال أمدها؟».

أيضا هذا ملخص بعض اعتراضات عالم الأحياء د. دوكنز على القصة التقليدية لطوفان
نوح وسفينة نوح:

«فكر كيف يمكن ان يبدو التوزيع الجغرافي للحيوانات إذا ما تم توزيع جميع
الحيوانات التي كانت في سفينة نوح على الارض،

الاينبغي أن يكون هناك قانون لانخفاض تنوع الأنواع ونحن نتحرك بعيدا عن مركز
رسو السفينة بعد الطوفان - جبل أرارات ربما؟

ولست بحاجة لأقول لكم ان هذا ليس ما نراه

لنأخذ جرابيات أستراليا، على سبيل المثال

لماذا هاجرت كل هذه الجرابيات من جبل ارارات الى استراليا ولم تهاجر الحيوانات
ذات المشيمة؟

اي طريق سلكت لتصل الى استراليا؟

لماذا لم تقف مجموعة صغيرة من قافلة الجرابيات المتجهة الى استراليا في الطريق
ربمافي الهند او الصين او في طريق الحرير؟»(١).

عندما يقص رجل دين - سواء كان يهودياً أم مسيحيا أم مسلماً - قصة نوح بالصورة
التقليدية والتي تعني أنّ الجرابيات - كما بقية الحيوانات - بعد طوفان نوح نزلت من سفينة
نوح في منطقة ما في العراق أو محيطه، فإنّ هذه القصة ستجعل علماء الأحياء بل وحتى
متوسطي الثقافة ينظرون إلى هذه القصة على أنها أسطورة مكذوبة مئة بالمئة، وأنّ من
يصدقها بهذه الصورة متخلف فكرياً بشكل كبير، فالجرابيات موجودة في استراليا دون بقية
قارات العالم منذ ملايين السنين والسبب أنها تطورت منفردة في هذه الجزيرة المعزولة.

يقول كريمر تحت عنوان:

«أول نوح

صرنا متاكدين الان من ان قصة الطوفان التي وردت في التوراة، لم تكن في الأصل
من وضع مدوني أسفار التوراة، وذلك منذ ان اكتشف "جورج سمث" الذي كان يشتغل
في المتحف البريطاني، اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش، وحل رموزه. ولكن
قصة الطوفان البابلية بدورها سومرية الاصل. فقد ارنوبوبل في عام ١٩١٤ قطعة هي الثلث
الأسفل من لوح سومري ذي ستة حقول وجده من بين مجموعة ألواح نفر المحفوظة في
متحف الجامعة. وكانت محتوياتها تتعلق على الاغلب بقصة الطوفان وظلت هذه القطعة حتى الان وحيدة فريدة لم يعثر على ما يطابقها أو يضاهيها»(١).

إذن، قصة الطوفان موجودة ومدونة قبل أي من الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية
والإسلام، وهي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد وقد تناقلها شعب ما بين النهرين على اعتبار
أنها حدثت مع أسلافهم.

وينقل كريمر في ألواح سومر قصة الخلق والطوفان السومرية ولكنها ناقصة بسبب كسر
الألواح وتلفها، وسأنقل هنا بعض المقاطع منها:

«وبعد ان خلق ان وانليل وانكي وننخرساج،

القوم ذوي الرءوس السود

خرجت المزروعات بوفرة من الارض،

وجاءت الى الوجود حيوانات السهل من ذوات الاربع وهي محكمة الصنع والخلق

ويعقب العبارات المتقدمة نقص في النص مقداره نحو ٣٧ سطرا وبعد ذلك تخبرنا
الاسطورة ان الملكية نزلت من السماء وأسست خمس مدن:

بعد أن أنزلت الملكية من السماء،

وبعد أن أنزل التاج والعرش الخاصان بالملكية من السماء،

أكمل رسوم العبادات والنواميس الالهية المقدسة....،

وأسس المدن الخمس في مواضع مطهرة...،

وسماها بأسمائها وخصصها كمراكز للطقوس والعبادات...........................

هكذا حل ب....،

ثم انتحبت ننتو وبكت مثل....،

انانا الطاهرة ناحت من أجل أناسها،

فتدبر انكي الامر بنفسه،

والالهة ان وأنليل وننخرساج

الهة السماء والارض نطقت بأسم ان وانليل،

ثم عمد زيوسودرا الملك الذي هو باشيشو ال.....،

وصنع.... ضخما،

وبكل خضوع وطاعة وتبجيل صار يتردد دوما الى ال...،

حاملا معه أخبار جميع اصناف الأحلام، وأخذ ينطق باسم السماء والأرض....،

.... الالهة... حائط..،

كان زيوسودرا قائما بجانبه وهو يصغي،

قف عند الحائط الى جانبي الأيسر..،

وعند الحائط سأبلغك بكلمة فخذ بكلمتي،

واستمع لارشادي ووصاياي:

في مجمعنا.... ان طوفانا سيدمر مراكز العبادة،

وتهلك ذرية البشر...،

ان هذا هو القرار الذي أصدره الالهة في مجمعهم.

وبالكلمة التي امر بها ان وانليل،

سيؤتى على ملوكيتها ونظام حكمها.

ويلزم أن يكون النص في اصله الكامل قد استمر ببيان الارشادات المفصلة التي بلغها
الاله الى زيوسدرا وبان يبني فلكا عظيما لينقذ نفسه من الهلاك ولكن ذلك ناقص من
النص لوجود كسر اخر يتضمن زهاء ٤٠ سطرا. ولما أن يصبح النص واضحا من بعد ذلك
نقرا أن الطوفان العنيف المدمر قد حل في البلاد وظل ثائرا محتدما طوال سبعة ايام
وسبع ليال ثم يشرق الاله الشمس مرة ثانية ناشرا ضوءه النير في كل مكان فيسجد
زيوسدرا له ويقدم الاضاحي والقرابين، على ما جاء في الاسطر الباقية من النص:

وكانت جميع الزوابع تهجم بعنف وضراوة وهي مجتمعة،

وفي الوقت نفسه جرف الطوفان مراكز العبادة،

وبعد ان استمر الطوفان سبعة أيام وسبع ليال،

واكتسح الطوفان البلاد،

وكانت السفينة الضخمة تتقاذفها الاعاصير في المياه الجارفة،

ظهر أوتو الذي نشر ضوءه على السماء والارض،

وفتح زيوسدرا شباكا في الفلك العظيم،

وأنفذ البطل اوتو اشعته في الفلك العظيم

زيو سدرا الملك،

سجد أمام أوتو

وقتل الملك ثورا وذبح كبشا

ويعقب هذا الموطن أيضا نقص في النص قوامه نحو ٣٩ سطرا. ثم تصف لنا الاسطر
الاخيرة من النص كيف الهوا زيوسودرا فانه بعد ان سجد للاله ان وانليل وهبت له الحياة الخالدة مثل اله، وزود بالنفس الخالد ونقل الى دلمون حيث مطلع الشمس:

فاه ان وانليل ب نفس السماء ونفس الارض فانتشر ب...

وظهر النبات والزرع وارتفع،

الملك زيوسودرا،

سجد امام ان وانليل،

واصطفى ان وانليل زيوسودرا

ووهباه الحياة مثل اله.

ولقد ادخلا فيه النفس الخالد مثل اله،

زيوسودرا،

الملك الذي حافظ على الزرع والذي صان ذرية البشر،

وفي ارض العبور في أرض دلمون الموضع الذي تشرق منه الشمس أسكناه هناك»(١).

توضيح:

البداية كانت لما اكتمل خلق الإنسان العاقل أو الهومو سابينس وهو كان أسود البشرة
وجاء من أفريقيا إلى الوادي الخصب وهو يمثل بداية قصة آدم والاستخلاف، والذي يمثل
الأصل الذي يرجع له السومريون، ولهذا فمن الطبيعي أن يعبر السومريون عن أسلافهم بعبارة

«وبعد ان خلق ان وانليل وانكي وننخرساج، القوم ذوي الرءوس السود».

ذوي الرؤوس السود:

وهذه العبارة التي تتكرر دائماً في النصوص السومرية كانت غير واضحة لمنقبي الآثار،
وكانت تمثل لغزاً غير مفسَّر؛ فلماذا يطلق السومريون على أسلافهم هذا الاسم "ذوي الرؤوس السوداء"؟ والآن قد تبينت بوضوح، فالسبب هو أنّ الأسلاف جاءوا من أفريقيا ولون بشرة
رؤوسهم أسود.

الخطوة الثانية في قصة الخلق السومرية هي الاستخلاف الإلهي لخليفة إنساني في الأرض:

«بعد أن أنزلت الملكية من السماء،

وبعد أن أنزل التاج والعرش الخاصان بالملكية من السماء،

أكمل رسوم العبادات والنواميس الالهية المقدسة».

وهي - كما هو واضح في النص السومري - تمثل قصة استخلاف آدم (عليه السلام) أو
خليفة الله - الإنساني - الأول في الأرض التي وردت في الأديان الإلهية، فالملكية نزلت من السماء
أي تم تنصيب خليفة لله في الأرض فالملك بالأصل لله، ونزول الملك للأرض يعني انتداب إنسان
كخليفة لله في الأرض، وبعد أن تم الاستخلاف نزلت له الشريعة والنواميس الإلهية المقدسة
أي أن الله أوحى لآدم (عليه السلام) وعرّفه الدين والشريعة والنواميس الإلهية المقدسة.

النص المتقدم كما هو واضح فيه نقص كبير وخصوصاً عندما يتعرض لقصة الطوفان،
ولكن يمكن أن نلخص منه فيما يخص الطوفان أن:

صانع السفينة شخص سومري واسمه زيوسودرا.

إن الله أوحى لزيوسودرا وبعض الوحي الإلهي كان يصل له عن طريق الرؤى.

إن زيوسودرا (أو نوح) علم بالطوفان قبل أن يحدث عن طريق الوحي الإلهي.

«ان طوفانا سيدمر مراكز

وهناك تركيز على ذكر أنّ الطوفان جرف أماكن العبادة:

العبادة................ وفي الوقت نفسه جرف الطوفان مراكز العبادة»،

وهذه إشارة إلى انحراف رجال
الدين وتحريفهم للدين في زمن زيوسودرا (نوح).

وهناك تركيز على أنّ الطوفان كان عقاباً إلهياً للناس لتمردهم على أوامر الله، وأن الطوفان

«سيؤتى على ملوكيتها

سيهدم نظام حكمهم الذي كان مضاداً لزيوسودرا (نوح) المنصب من الله:

ونظام حكمها».

إنّ مهمة زيوسودرا كانت صنع سفينة تحافظ على ذرية خاصة من البشر ونبات خاص
وحيوانات خاصة، وربما هناك إشارة واضحة في النص السومري لهذا وهي كلمة "حافظ على
الزرع"، فأكيد المقصود نبات خاص وإلا فالفيضان مهما كان عظيماً على الأرض فالنتيجة أنّ
النباتات لا تحتاج سفينة تنقلها لتحافظ عليها فعلى الأقل أنّ بذورها تبقى وتنبت بعد
الفيضان دون حاجة لمساعدة، ولهذا فواضح أنّ المقصود هو نباتات الزراعة التي يتغذى عليها
الإنسان، وربما المقصود بالخصوص هو أنّ زيوسودرا نقل كمية كافية من بذورها لتتم إعادة
العملية الزراعية الإنتاجية دون الحاجة للبداية من الصفر عندما لا تكون بذور الحنطة
والمحاصيل الزراعية متوفرة لدى الإنسان (ابن آدم)، ولهذا فالنص ربما واضح بأنّ المنقولين
بالسفينة هم مجموعة من الناس المؤمنين بقول نوح، وأيضاً بذور زرع انتاجي اقتصادي مهم
للإنسان، وأيضاً يمكننا أن نستنتج تبعاً لهذا أنّ الحيوانات المنقولة هي الحيوانات المدجنة
النافعة للإنسان، وأخيراً نجح زيوسودرا أو نوح وتمت مكافئته؛ لأنه قبل كلام الله ووحي الله
وارتقى في ملكوت السماوات بعد أن تمت عملية النقل والإنقاذ بالسفينة، وسكن زيوسودرا في
أرض دلمون أو أرض العبور كما في النص السومري.

«الملك زيوسودرا،

سجد امام ان وانليل،

واصطفى ان وانليل زيوسودرا

ووهباه الحياة مثل اله.

ولقد ادخلا فيه النفس الخالد مثل اله،

زيوسودرا،

الملك الذي حافظ على الزرع والذي صان ذرية البشر،

وفي ارض العبور في أرض دلمون الموضع الذي تشرق منه الشمس أسكناه هناك».

دلمون:

وصف دلمون لدى السومريين هو:

«في دلمون لا ينعق الغراب الأسود،

ولا يصيح طير ال اتدو ولا يصرخ،

ولا يفترس الاسد،

والذئب لا يفترس الحمل،

ولم يعرفوا الكلب المتوحش الذي يفترس الجدي،

ولم يعرفوا... الذي يفترس الغلة،

ولم توجد الأرملة،

والطير في الأعالي..،

والحمامة لا تحنى رأسها،

وما من أرمد يشتكي ويقول عيني مريضة،

ولا مصدوع يقول في رأسي مرض الصداع،

وعجوز دلمون لا تقول أنا عجوز،

ولا يقول الشيخ أنا شيخ طاعن في السن،

والعذراء لا تستحم. ولا يصيب الماء الرائق في المدينة،

ومن عبر نهر الموت لا يتفوه ويقول....،

والكهنة النائحون لا يحومون حوله.

والمنشد لا يعول بالرثاء،

وفي طرف المدينة لا ينوح او يندب»(١).

توضيح:

الوصف أعلاه لا يمكن حمله على الحقيقة إذا كان يقصد به أرضاً أو بلداً معيناً سكنه
زيوسودرا أو نوح بعد الطوفان فواضح أنه وصف رمزي، وأيضاً هو وصف يذكر القارئ المطَّلع
على روايات المهدي بدولة المهدي وأوصافها حيث الذئب لا يأكل الحمل أو في الحقيقة يمكن
القول إنّ المقصود الدولة المثالية التي يرفع فيها الظلم وتطبق فيها عدالة السماء، ولهذا
فيمكن أن نفهم أنّ دلمون أو مكان سكن زيوسودرا بعد الطوفان دولة المهدي العادلة المرتقبة
منذ زمن زيوسودرا (نوح) بل ومرتقبة قبله، وعاصمتها ومبدؤها من العراق أي يمكن أن نقول:
إن دلمون في هذا النص السومري هي العراق.

«الفصل الرابع

قصة الطوفان

كما يرويها أوتونبشتم الخالد لجلجامش

ركب جلجامش و " اور -شنابي" السفينة

انزلا السفينة في الامواج وهما على ظهرها

وفي اليوم الثالث قطعا في سفرهما ما يعادل شهرا وخمسة عشر يوم من السفر العادي

وهكذا بلغ "اور -شنابي" مياه الموت

وعندئٍذ نادى "اور -شنابي" جلجامش وقال له:

هيا يا جلجامش خذ مرديا وادفع به

وحذار ان تمس يدك مياه الموت

اسرع يا جلجامش وتناول مرديا ثانيا وثالثا ورابعا

يا جلجامش خذ مرديا خامسا وسادسا وسابعاً

خذ يا جلجامش مرديا ثامناً وتاسعاً وعاشراً

خذ مرديا حادي عشر وثاني عشر

وبمائة وعشرين دفعة مردي استنفذ جلجامش كل المرادي

ثم شمر جلجامش عن يديه ونزع ثيابه ونشر يديه القلوع

وكان "اوتونبشتم" قد شاهد السفينة من بعيد فناجا نفسه بهذه الكلمات

علام دمرت "صور الحجر" الخاصة بالسفينة؟

ولم يركب بالسفينة شخص غريب غير صاحبها؟

فان الرجل الاخر الاتي ليس من اتباعي

اجاب جلجامش اوتونبشتم وقال له:

يا اوتونبشتم كيف لا تذبل وجناتي ويمتقع وجهي

ويغمر الحزن قلبي وتتبدل هيئتي ويصير وجهي اشعث

كم انهكه السفر الطويل ويلفح وجه الحر والقر

واهيم على وجهي في البراري، وان خلي واخي الاصغر الذي طارده حمار الوحش في

البرية واصطاد النمور في البوادي

انه انكيدو الذي تغلب على جميع الصعاب وارتقى اعالي الجبال.

الذي امسك ثور السماء وقتله، والذي غلب "خمبابا"

الذي يسكن في غابة الارز

صديقي وخلي الذي احببته حبا جما والذي صاحبني

في جميع الصعاب قد ادركه مصير البشرية

فبكيته ستة ايام وسبع ليال ولم اسلمه للقبر

حتى وقع الدود على وجهه

لقد افزعني الموت حتى همت على وجهي في البراري

فالنازلة التي حلت بصديقي قد جثمت بثقلها على صدري

واقضت مضجعي حتى همت مطوفا في البراري

إذ كيف أهدأ ويقر لي قرار، وان صديقي الذي احببت صار تراباً

وأنا ألاساكون مثله فاهجع هجعة لا انهض من بعدها

أبد الدهر؟

ثم اردف جلجامش وخاطب "اوتونبشتم" قائلا:

ولذا تراني قد جئت لارى "اوتونبشتم" الذي يدعونه "القاصي"

لقد طفت في كل البلاد واجتزت الجبال الوعرة وعبرت كل البحار

لم يغمض لي جفن ولم اذق طعم النوم

لقد انهكني السير والترحال وحل بجسمي الضنى التعب

ولم اكد ابلغ بيت "صاحبة الحانة" حتى خلقت ثيابي وتمزقت

لقد قتلت الدب والضبع والاسد والفهد والنمر والضبي والايل والوعل وجميع حيوان
البر

أكلت لحومها واكتسيت بفروها

........

قال "أوتونبشتم" لجلجامش:

ان الموت قاس لا يرحم

متى بنينا بيتا يقوم للابد؟

متى ختمنا عقدا يدوم الى الابد؟

وهل يقتسم الاخوة ميراثهم ليبقى الى اخر الدهر؟

وهل تبقى البغضاء في الارض الى الابد؟

وهل يرتفع النهر وياتي الفيضان على الدوام

والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها

ولم يكن دوام وخلود منذ القدم

وياما اعظم الشبه بين النائم والميت!

الاتبدو عليه هيئة الموت؟

ومن ذا الذي يستطيع ان يميز بين العبد والسيد إذا جاء أجلهما؟

إن "الانوناكي"، الالهة العظام تجتمع مسبقاً

ومعهم "مامتم" صانعة الاقدار تقدر معهم المصائر

قسموا الحياة والموت

ولكن الموت لم يكشفوا عن يومه

وقال جلجامش ل اوتونبشتم القاصي:

ها انني انظر اليك يا أوتونبشتم

فلا ارى هيئتك مختلفة، فانت مثلي لا تختلف عني

أجل! فأنت لم تتبدل بل انك تشبهني

لقد كنتُ احسبك كاملاً كالبطل على اهبة القتال

فاذا بي اشهادك خاملاً مضطجعا على ظهرك

فقل لي كيف دخلت في مجمع الالهة ونلت الحياة الخالدة؟

فاجاب اوتونبشتم جلجامش وقال له:

يا جلجامش سافتح لك عن سر محجوب

ساطلعك على سر من اسرار الالهة:

"شرباك" المدينة التي تعرفها انتَ

والراكبة على شاطيء نهر الفرات

إن تلك المدينة قد تقادم العهد عليها وكان الالهة فيها

فرأى الالهة العظام أن يحدثوا طوفاناً وقد زينت لهم قلوبهم ذلك

لقد اجتمعوا وكان معهم "أنو" ابوهم

و"أنليل" البطل مشيرهم

و"ننورتا" مساعدهم (ووزيرهم)

و"أنوكي" حاجبهم

وكان حاضرا معهم "نن - ايكي - كو "اي" ايا"

فنقل هذا كلامهم الى كوخ القصب، يا جدار، يا جدار!

اسمع يا كوخ القصب وافهم با حائط

يا رجل "شروباك"، يا ابن "اوبارا - توتو"!

قوض البيت وابن لك فلكاً (سفينة)

تخل عن مالك وانج بنفسك

أنبذ الملك وخلص حياتك

واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة

والسفينة التي ستبني عليك ان تضبط مقاسها (قياسها):

ليكن عرضها مثل طولها

واختمها جاعلاً اياها مثل مياه "العمق"

ولما وعيت ذلك قلت لربي "ايا":

سمعاً ياربي ساصدع بما امرتني به

ولكن ما عساي ان اقول للمدينة؟ بم سأجيب الناس والشيوخ "

ففتح "ايا" فاه وقال مخاطباً إياي، أنا عبده:

قل لهم هكذا: إني علمت أن "أنليل" يبغضني

فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الان

ولن اوجه وجهي الى أرض أنليل واسكن فيها

بل سأرد إالى ال "ابسو" واعيش مع "أيا" ربي

وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً

ومن مجامع الطير وعجائب الاسماك

وسيغدق عليك الغلال والخيرات

وفي المساء سيمطركم الموكل بالزوابع بمطر من قمح

ولما نورت بشائر الصباح

تجمع البلد حولي

جلبوا إلي قرابين الغنم النفيسة

واحضروا إلي قرابين من ماشية مراعي السهوب

وحمل الكبار كل الحاجات الاخرى

جلب إلي الصغار منهم القير

وفي اليوم الخامس أقمت هيكلها (بنيتها)

وكان سطح ارضها "ايكو" واحدا وعلو جدرانها مائة وعشرون ذراعاً

وطول كل جانب من جوانب سطحها الاربعة مائة وعشرون ذراعاً

عينت شكلها الخارجي هكذا وبنيته

وجعلت فيها ستة طوابق تحتانية

وبهذا قسمتها الى سبعة اقسام (طوابق)

وقسمت ارضيتها الى تسعة اقسام

وحشوتها وغرزت فيها "اوتاد الماء"

ووضعت فيها "المرادي" وجهزتها بالمؤن

لقد سكبت ستة شارات من القير في الكورة

وسكبت أيضاً ثلاث شارات من القطران (الاسفلت)

وجلب حاملو السلاسل ثلاث (شارات) من السمن

بالاضافة الى "شار" واحد من السمن استنفذه نقع "اوتاد الماء"

وشارين من السمن اختزنها الملاح

ثم ذبحت البقر وطبختها للناس

نحرتُ الاغنام في كل يوم

قدمت الى الصناع عصير الكرم والخمر الاحمر والزيت والخمر الابيض

سقيت الصناع بكثرة كماء النهر

سيعيدون ويفرحوا كما في يوم راس السنة ومسحت يدي بالزيت

وتم بناء السفينة في اليوم السابع عند مغرب الشمس

وكان انزالها (الى الماء) امراً صعبا

فكان عليهم ان يبدلوا ألواح القاع في الاعلى والاسفل

الى ان غطس في الماء ثلثاه

ثم حملت فيها كل ما املك من ذهب

وحملت فيها كل ما كان عندي من المخلوقات الحية

أركبتُ في السفينة جميع اهلي وذوي قرباي

واركبتُ فيها حيوان الحقل وحيوان البر وجميع الصناع

وحدد لي الاله شمش موعدا معينا بقوله:

حينما ينزل الموكل بالعاصفة في المساء مطر الهلاك

فادخل في السفينة واغلق بابك

وحل أجل الموعد المعين

وفي المساء انزل الى الموكل بالعاصفة مطرا مهلكا

وتطلعت الى الجو فكان مكفهرا مخيفا

فولجتُ في السفينة واغلقتُ بابي

وأسلمت دفة السفينة الى الملاح "بوزر - اموري"

اعطيتهُ "البناء العظيم" وما يحويه من متاع

ولما ظهرت انوار السحر

ظهرت من الافق البعيد (من أسس السماء) غمامة سوداء

وفي داخلها أرعد الاله "ادد"

وكان يسير امامه "شلات" و "خانيش"

وهمل ينذران أمامه في الجبال والسهول

وقلع الاله "ايراكال" الدعائم

ثم اعقبه الاله "ننورتا" وفتق السدود

ورفع "الانوناكي" المشاعل

واضاؤا بانوارها الارض

ولكن بلغت رعود الاله "أدد" عنان السماء

فاحالت كل نور الى ظلمة

وتحطمت الارض الفسيحة كالكوز (الجرة)

وظلت زوابع الريح الجنوبية تهب يوما كاملا

وازدادت شدة في مهبها حتى غمرت الجبال

وفتكت بالناس كانها الحرب العوان

وصار الاخ لا يبصر أخاه

ولا البشر يميزون من السماء

وحتى الالهة ذعروا وخافوا من عباب الطوفان

فانهزموا وعرجوا الى سماء "انو"

لقد استكان الالهة وربضوا كالكلاب إزاء الجدار الخارجي

وصرخت عشتار كالمرأة في ساعة مخاضها

انتحبت سيدة الالهة وناحت بصوتها الشجي نادبة:

واحسرتاه لقد عادت الايام القديمة الى طين

لانني أنا نطقتُ بالشر في مجمع الالهة

فكيف نطقتُ بالشر في مجمع الالهة؟

لقد سلطتُ الدماء على خلقي

وأنا التي ولدتُ خلقي هولاء

لقد ملأوا اليم كصغار السمك وبكى الهة الأنوناكي وهم منكسو الرؤوس

وندبوا وقد يبست شفاهم

ومضت ستة ايام وسبع ليال

ولم تزل الزوابع تعصف وقد غطى عباب الطوفان الارض

ولما حل اليوم السابع خفت وطأة زوابع الطوفان في شدة وقعها

وقد كانت كالجيش في الحرب العوان

وهدأ اليم وسكنت العاصفة وغيض عباب الطوفان

وتطلعت الى الجو، فرايت السكون عاما

فتحت كوة فسقط النور على وجهي

ورايت البشر وقد عادوا جميعا الى طين

فركعتُ وجلستُ ابكي فانهمرت الدموع على وجهي

وتطلعت الى حدود (معالم) سواحل اليم

فرأيت بقاع الارض العالية تظهر من مسافة اربعة عشرة ساعة مضاعفة واستقر الفلك
على جبل نصير

لقد مسك جبل "نصير" السفينة ولم يدعها تجري

ومضى يوم ويوم ثاني وجبل "نصير" ممسك بالسفينة فلم تجر

ومضى يوم ثالث ورابع وجبل نصير ممسك بالسفينة ولم يدعها تجري

وكان يوم خامس وسادس وجبل نصير ممسك بالسفينة

ولما اتى اليوم السابع اخرجت حمامة واطلقتها تطير

طارت الحمامة ثم عادت

رجعت لأنها لم تجد موضعا تحط فيه

واخرجت السنونو واطلقتهُ

ذهب السنونو وعاد لأنه لم يجد موضعا يحط فيه

ثم اخرجتُ غراباً وأطلقته

فذهب الغراب ولما رأى المياه قد انحسرت

أكل وحام وحط ولم يعد

وعند ذلك أطلقتُ كل شيء إلى الجهات الأربع وقربت قربانا

وسكبت الماء المقدس على قمة (زقورة) الجبل

ونصبت سبعة قدور للقربان

وكدستُ تحتها القصب الحلو وخشب الارز والاس

فتنسم الالهة عرفها (شذاها)

أجل تشمم الالهة عرفها الطيب

فتجمع الألهة على صاحب القربان كانهم ذباب

ولما حضرت الالهة العظيمة (عشتار)

رفعت عقد الجواهر الذي صنعه لها "انو" وفق هواها وقالت:

ايها الالهة الحاضرون كما انني لن انسى عقد اللازورد هذا الذي على جيدي

ساتذكر هذه الايام ولن انساها

ليتقدم الالهة الى القرابين

أما أنليل فحذار ان يقترب من القرابين

لأنه لم يترو فأحدث الطوفان وأسلم خلقي إلى الهلاك

ولمل جاء "انليل" وشاهد الفلك (السفينة) استشاط غيظاً

حنق على الهة ال " أيكيكي" وقال:

عجباً كيف نجت نفس واحدة، وقد كان المقدر أن لا ينجو بشر من الهلاك؟

ففتح الاله: ننورتا فمه وقال مخاطبا البطل أنليل:

من ذا الذي يستطيع أن يدبر مثل هذا الامر غير"ايا"؟

فإن ايا وحده هو الذي يعرف خفايا الامور

وعند ذاك فتح ايا فاه وقال مخاطبا انليل البطل:

أيها البطل أمن احكم الالهة

فكيف، كيف أحدثت عباب الطوفان بدون ان تتروى؟

حمل صاحب الخطيئة وزر خطيئته

وحمل المتعدي إثم اعتدائه

ولكن كن رحيما في العقاب لئلا يهلك ولا تهمله فيمعن في الشر

ولو انك بدلاً من إحداثك الطوفان سلطت السباع على الناس فقللت من عددهم

ولو انك بدلاً من إحداثك الطوفان سلطت الذئاب فقللت من عدد الناس

وبدلاً من الطوفان لو انك احدثت القحط في البلاد

وبدلا من الطوفان لو أن "ايرا" (اله الطاعون) فتك بالناس

أما انا فلم افش سر الالهة العظام

ولكنني جعلت " اتراحاسس" يرى رؤيا فادرك سر الالهة

والان قرر مصيره

ثم صعد انليل الى السفينة

ومسكني من يدي واركبني معه في السفينة

واركب معي أيضا زوجي وجعلها تسجد جانبي

ثم وقف ما بيننا ولمس ناصيتينا وباركنا قائلاً

لم يكن اوتونبشتم قبل الان سوى بشر

ولكن منذ الان سيكون اوتونبشتم وزوجه مثلنا نحن الالهة

وسيعيش اوتونبشتم بعيدا عن فم الانهار

ثم أخذوني بعيدا عن فم الانهار»(١).

قصة الطوفان في نص ملحمة جلجامش لا تختلف عن النص السومري المتقدم، فهنا
أيضاً الطوفان بسبب غضب إلهي، وسفينة تبنى لينجو فيها اوتونبشتم (نوح) والمؤمنون، ولكن
في هذا النص أمور مهمة هي:

هناك إشارات واضحة للمنطقة التي كان يقطنها نوح، فهي منطقة قريبة من الماء أو منطقة
قصب بالتحديد فبيت اوتونبشتم من قصب كما هو واضح، بل سيأتي نص واضح أنّ سفينة
نوح أيضاً بنيت من القصب.

«فنقل هذا كلامهم الى كوخ القصب، يا جدار، يا جدار!

اسمع يا كوخ القصب وافهم يا حائط

...................

قوض البيت وابن لك فلكاً (سفينة)».

أيضاً: ذكر في نص ملحمة جلجامش أنّ سبب الفيضان هو انهيار سد أو سدود:

«ثم اعقبه الاله "ننورتا" وفتق السدود».

أيضاً: ذكر في نص ملحمة جلجامش أنّ اتجاه الفيضان أو موج الفيضان ورياح وزوابع
الفيضان كانت متجهة من الجنوب إلى الشمال، والمياه غمرت الجبال أي إنّ المنطقة كانت
محاطة بالمرتفعات بحيث إنّ المياه غمرت تلك الجبال:

«وظلت زوابع الريح الجنوبية تهب يوما كاملا

وازدادت شدة في مهبها حتى غمرت الجبال».

والآن، لو أردنا أن نجمع الصفات المتقدمة للفيضان في منطقة تقع في العراق أو محيط
العراق فلن نجد غير الوادي الخصب قبل أن تغمره المياه ويصبح الخليج الحالي.

فبانهيار سد مضيق هرمز الحالي يصبح اتجاه زوابع الفيضان من البحر إلى الوادي أي
بالنسبة لمن في الوادي تكون آتية من الجنوب.

وباعتبار أنّ المنطقة منخفضة وفيها مناطق مرتفعة كالجبال وهي تمثل محيطها والجزر
التي يبرز بعضها في الخليج حالياً ومنها مثلاً البحرين.

ولكون المنطقة قبل الفيضان عبارة عن واٍد مليء بالبحيرات العذبة حيث كانت تصب فيه
المياه العذبة التي تأتيه من الشمال، فمن الطبيعي أن يتوفر فيه القصب ويكون بيت نوح من
قصب وسفينته من قصب كما سيأتي في النص التالي بوضوح.

شكل٢٠: اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش: قصة الطوفان المعروف باسم لوح الطوفان.
المتحف البريطاني (١).

Epic of Gilgamesh, Tablet ١١: Story of the Flood. Known as the "Flood
.Tablet".British Museum

..............«

الكسرة الثانية:

البداية مفقودة

فتح اتراحيس فمه وقال لمولاه:

هلا اعطيتني شرحا لأحلامي

)........(

حشنا فلتصغ إلي

اسمع يا جدار

وتأمل كلماتي يا كوخ القصب

قوض بيتك وابن سفينة

اهجر ممتلكاتك

وخلص حياتك والسفينة التي انت بانيها

(تشوه في اللوح)

الكسرة الثالثة وفي الوقت المحدد الذي سأعينه لك

ادخل الفلك واغلق عليك بابك

احمل اليها الحبوب والمتاع والمواشي

وزوجك وعائلتك واقرباءك وأصحاب الحرف

وطرائد البرية ووحوشها وما استطعت من اكلة الأعشاب

سأدفع بها اليك وتقبع عند ابوابك تحرسها لك

ففتح اتراحيس فمه وقال

محدثا أيا مولاه:

لم يسبق لي ان بنيت سفينة

فهلا رسمت لي شكلا لها على الأرض

استعين به على بنائها

)........(على الارض).......(

ثم اني ساعمل على تنفيذ كل ما أمرتني به

(البقية مكسورة)»(١).

أيضا هذا النص نفسه مع اختلاف في ترجمة النص:

«وذات ليلة كان أتراحاسس نائما وظهر له

إيا في حلمه وخاطبه وقال له: حذار يا اتراحاسس

المياه... المياه ستحطم كل شيء

فأنتبه لذلك وخلص الإنسان بسلطان

حذار حذار.

وفزع أتراحاسس.

نهض اتراحاسس من حلمه خائفا وذهب في اليوم التالي الى معبد أيا

وسأله عن حلم البارحة

فقال أيا ذو العين اللامعة:

قد قلت ماذا علي أن افعل فعليك الانتباه

الى الخبر الذي سأقوله لك يا جدار

استمع الي يا جدار القصب

انتبه انتبه الى كلماتي

هدم بيتا وابن سفينة

انبذ المال وانقذ النفس

واحمل في السفينة بذرة كل المخلوقات الحية

ابن سفينة كبيرة وليكن بناؤوها كليا من القصب واجعلها

واجعلها سفينة ماكور اوكر واسمها منقذة الحياة

اضبط مقاييسها واجعل عرضها مساويا لطولها

واحكم غلقها مثل غلق الابسو

لقد فهمت قصدك يا سيدي

ان ما امرت به الان ساتشرف بانجازه

ولكني يا سيدي لم ابن سفينة من قبل ابدا

فارسم لي صورة على الأرض

حتى أرى الصورة وابني السفينة

فرسم الاله الصورة على الأرض

وبعد سبعة أيام من العمل المتواصل استطاع اتراحاسس ان يبني السفينة

فكانت مساحة قاعدتها اريكو واحدا

وكان ارتفاع كل جدار فيها مائة وعشرون ذراعا

وهكذا حددت ابعادها وهيكلها

وجعل فيها ستة فواصل وبهذا انقسمت الى سبعة طوابق

ثم قسمت ارضيتها الى سبعة طوابق وتسعة اقسام

وغرزت فيها مسامير الخشب لمنع الماء

.)١(»....

واضح في النص المتقدم أنّ اترحاسس (زيوسودرا - اوتونبشتم - نوح) بنى سفينته من
قصب ولعله قصب متين كقصب البامبو وليس قصباً عادياً ضعيفاً، وبيئة الوادي الخصب
(الخليج الحالي) قبل أن تغمرها المياه كانت بيئة ملائمة لنمو أنواع القصب والأشجار؛ لأنها
مساحات كبيرة تجري فيها الأنهار والبحيرات.

«ابن سفينة كبيرة وليكن بناؤها كليا من القصب واجعلها

واجعلها سفينة ماكور اوكر واسمها منقذة الحياة».

اوتو نبشتم أو زيوسودرا أو اترحاسيس أو نوح قصته غير متطابقة في كل المرويات التاريخية
الواردة من العراق أو الموقع الذي سكنه ورثة نوح وقومه أو بالخصوص الناجين معه في
السفينة، ولكن النصوص تجمع على أنّ هناك طوفاناً حصل وسبب الطوفان ديني وهو غضب
إلهي.

أيضاً: المنطقة التي كان فيها الطوفان هي بلاد ما بين النهرين ومحيطها وغطتها المياه بصورة
كلية وبكميات كبيرة جداً بحيث لم ينجُ منها أحد غير من ركبوا السفينة مع نوح، وكانت السفينة
تجري في بحر.

أيضاً: من النصوص نجد أنّ السفينة صنعت من القصب وصنعت في فترة قصيرة ربما
أيام، وكانت كبيرة الحجم على الأقل بالنسبة للحقبة التي صنعت فيها، وكانت المنطقة تحوي
مرتفعات ومحاطة بالمرتفعات، والفيضان بسبب انهيار سد، والماء جاء من الجنوب باتجاه
الشمال.

وكل ما تقدم إذا أردنا جمعه مع الحقائق العلمية والتاريخية ستحصر منطقة الفيضان
بالخليج الحالي قبل أن تغمره المياه إبّان انتهاء العصر الجليدي الأخير وذوبان الثلوج وارتفاع
مستوى سطح البحر.

«الأصحاح السادس

١ وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات ٢ أن أبناء الله رأوا بنات
الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا. ٣ فقال الرب لا يدين روحي
في الانسان إلى الأبد. لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة. ٤ كان في الأرض
طغاة في تلك الأيام. وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا.
هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم ٥ ورأى الرب أن شر الانسان قد كثر في الأرض.

وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. ٦ فحزن الرب أنه عمل الانسان في الأرض.
وتأسف في قلبه. ٧ فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الانسان الذي خلقته. الانسان مع
بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم. ٨ وأما نوح فوجد نعمة في عيني
الرب ٩ هذه مواليد نوح. كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله. وسار نوح مع الله. ١٠ وولد
نوح ثلثة بنين ساما وحاما ويافث. ١١ وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلما. ١٢
ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت. إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض ١٣ فقال
الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت أمامي. لأن الأرض امتلأت ظلما منهم. فها أنا مهلكهم مع
الأرض. ١٤ اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر. تجعل الفلك مساكن. وتطليه من داخل
ومن خارج بالقار. ١٥ وهكذا تصنعه. ثلث مئة ذراع يكون طول الفلك وخمسين ذراعا
عرضه وثلثين ذراعا ارتفاعه. ١٦ وتصنع كوا للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق. وتضع
باب الفلك في جانبه. مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجعله. ١٧ فها أنا ات بطوفان الماء
على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حيوة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت. ١٨
ولكن أقيم عهدي معك. فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأ تك ونساء بنيك معك. ١٩ ومن
كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا
وأنثى. ٢٠ من الطيور كأجناسها ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها.
اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها. ٢١ وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه
عندك. فيكون لك ولها طعاما. ٢٢ ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل

الأصحاح السابع

١ وقال الرب لنوح ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك. لأني إياك رأيت بارا. لدي في
هذا الجيل. ٢ من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم
التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى. ٣ ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا وأنثى.
لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض. ٤ لأني بعد سبعة أيام أيضا أمطر على الأرض أربعين
يوما وأربعين ليلة. وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته. ٥ ففعل نوح حسب كل ما أمره
به الرب ٦ ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الأرض. ٧ فدخل نوح
وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان. ٨ ومن البهائم الطاهرة
والبهائم التي ليست بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض ٩ دخل اثنان اثنان إلى
نوح إلى الفلك ذكرا وأنثى. كما أمر الله نوحا ١٠ وحدث بعد السبعة الأيام أن مياه الطوفان
صارت على الأرض. ١١ في سنة ست مئة من حيوة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع
عشر من الشهر في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء.
١٢ وكان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة. ١٣ في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح وثلث نساء بنيه معهم إلى الفلك. ١٤ هم وكل
الوحوش كأجناسها وكل البهائم كأجناسها وكل الدبابات التي تدب على الأرض كأجناسها
وكل الطيور كأجناسها كل عصفور كل ذي جناح. ١٥ ودخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين
اثنين من كل جسد فيه روح حيوة. ١٦ والداخلات دخلت ذكرا وأنثى من كل ذي جسد
كما أمره الله. وأغلق الرب عليه ١٧ وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض. وتكاثرت المياه
ورفعت الفلك. فارتفع عن الأرض. ١٨ وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا على الأرض. فكان
الفلك يسير على وجه المياه. ١٩ وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض. فتغطت جميع
الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. ٢٠ خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه.
فتغطت الجبال. ٢١ فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض. من الطيور والبهائم
والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. ٢٢ كل ما في انفه
نسمة روح حيوة من كل ما في اليابسة مات. ٢٣ فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض.
الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء. فانمحت من الأرض وتبقى نوح والذين معه في
الفلك فقط. ٢٤ وتعاظمت المياه على الأرض مئة وخمسين يوما

الأصحاح الثامن

١ ثم ذكر الله نوحا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك. وأجاز الله ريحا
على الأرض فهدأت المياه. ٢ وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء. فامتنع المطر من
السماء. ٣ ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا. وبعد مئة وخمسين يوما نقصت المياه.
٤ واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. ٥
كانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت
رؤوس الجبال. ٦ وحدث من بعد أربعين يوما أن نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها
٧ وأرسل الغراب. فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض. ٨ ثم أرسل الحمامة من
عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض. ٩ فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها. فرجعت إليه
إلى الفلك. لأن مياها كانت على وجه كل الأرض. فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك.
١٠ فلبث أيضا سبعة أيام أخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك. ١١ فأتت إليه الحمامة عند
المساء وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض. ١٢ فلبث
أيضا سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا ١٣ وكان في السنة الواحدة
والست مئة في الشهر الأول في أول الشهر أن المياه نشفت عن الأرض. فكشف نوح
الغطاء عن الفلك ونظر فإذا وجه الأرض قد نشف. ١٤ وفي الشهر الثاني في اليوم السابع
والعشرين من الشهر جفت الأرض ١٥ وكلم الله نوحا قائلا. ١٦ أخرج من الفلك أنت
وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك. ١٧ وكل الحيوانات التي معك من كل ذي جسد الطيور والبهائم وكل الدبابات التي تدب على الأرض أخرجها معك. ولتتوالد في الأرض وتثمر وتكثر
على الأرض. ١٨ فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه. ١٩ وكل الحيوانات كل الدبابات
وكل الطيور كل ما يدب على الأرض كأنواعها خرجت من الفلك ٢٠ وبنى نوح مذبحا للرب.
وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح. ٢١
فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الانسان
لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته. ولا أعود أيضا أميت كل حي كما فعلت. ٢٢
مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل لا تزال

الاصحاح التاسع

١ وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا واكثروا واملأوا الأرض. ٢ ولتكن خشيتكم
ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء. مع كل ما يدب على الأرض وكل
أسماك البحر قد دفعت إلى أيديكم....»(١).

وفي قصة التوراة أمور واضحة البطلان؛ لأنها متناقضة مع ثوابت علمية منها:

- إنّ سفينة نوح حملت زوجاً من كل حيوان يعيش على الأرض:

«وكل الوحوش كأجناسها وكل البهائم كأجناسها وكل الدبابات التي تدب على الأرض
كأجناسها وكل الطيور كأجناسها كل عصفور كل ذي جناح. ١٥ ودخلت إلى نوح إلى الفلك
اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حيوة. ١٦ والداخلات دخلت ذكرا وأنثى من كل ذي
جسد كما أمره الله. وأغلق الرب عليه».

- إنّ الأرض كلها غطتها المياه وبارتفاع يعلو أعلى جبل على الأرض بخمسة عشر ذراعاً:

«وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت
كل السماء. ٢٠ خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال. ٢١ فمات
كل ذي جسد كان يدب على الأرض. من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. ٢٢ كل ما في نفه نسمة روح حيوة من كل ما في
اليابسة مات. ٢٣ فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض. الناس والبهائم والدبابات وطيور
السماء. فانمحت من الأرض وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط».

- إنّ نوحاً بقي مع ذلك الكم الهائل من الحيوانات وما تحتاجه من غذاء في السفينة أكثر
من سنة:

«٦ ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الأرض. ٧ فدخل نوح
وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان.................... ١١ في سنة
ست مئة من حيوة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر في ذلك اليوم
انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء»(١).

«١٤ وفي الشهر الثاني في اليوم السابع والعشرين من الشهر جفت الأرض ١٥ وكلم
الله نوحا قائلا. ١٦ أخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك»(٢).

والأمور المتقدمة واضحة البطلان، فلا يوجد لديهم أي تفسير علمي لكميات المياه التي
تغطي كل الجبال على الأرض حيث إنّ الأرض لا تتوفر على هذه الكمية من المياه.

ولا يوجد تفسير منطقي لبقاء هذا الكم الهائل من الحيوانات حية على متن السفينة لمدة
تزيد عن السنة، فكيف حملتها السفينة مع كميات غذاء تكفيها لمدة تزيد عن سنة كما في
القصة التوراتية؟من أين جاء نوح بلحم يكفي الوحوش التي حملها بحسب القصة التوراتية
لمدة تزيد عن السنة؟

«في سنة ست مئة من حيوة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر
في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء. ١٢ وكان المطر
على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة. ١٣ في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث
بنو نوح وامرأة نوح وثلث نساء بنيه معهم إلى الفلك........................... وكان في السنة
الواحدة والست مئة في الشهر الأول في أول الشهر أن المياه نشفت عن الأرض. فكشف نوح الغطاء عن الفلك ونظر فإذا وجه الأرض قد نشف. ١٤ وفي الشهر الثاني في اليوم
السابع والعشرين من الشهر جفت الأرض ١٥ وكلم الله نوحا قائلا. ١٦ أخرج من الفلك
أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك. ١٧ وكل الحيوانات التي معك من كل ذي جسد
الطيور والبهائم وكل الدبابات التي تدب على الأرض أخرجها معك. ولتتوالد في الأرض
وتثمر وتكثر على الأرض. ١٨ فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه. ١٩ وكل الحيوانات
كل الدبابات وكل الطيور كل ما يدب على الأرض كأنواعها خرجت من الفلك ٢٠».

أيضاً: أين آثار هذه الكميات الكبيرة من المياه والحال أنّ آثار الأحداث الأرضية موجودة
ويمكن قراءتها لمليارات السنين فكيف بحدث لم يمر عليه سوى بضعة آلاف من السنين، كيف
اندرست آثاره؟!

ربما سيقولون: أُخفيت بالمعجزة!

ولكن هكذا سيكون الأمر عبارة عن قصة خيالية وكلما دخلت في نفق مظلم وتبين أنها
تناقض الثوابت العلمية ولا وجود تاريخي لها علل ذلك بالمعجزة في حين أنّ إتيان الله بالمعجزة
لابد أن يكون لحكمة ولسبب حكيم وليس للعبث أو لتضليل الناس وإخفاء الحقائق والأحداث
كطوفان نوح (عليه السلام).

فيجب الانتباه إلى أنّ قصة الطوفان قصة تاريخية وبالتالي فكل ما يحيط بها يمكن التأكد
منه علمياً، فوجود أي شيء غير صحيح في قصتها يمكن كشفه الآن بسهولة من خلال العلم،
ولهذا فلن تبقى إلا القصة الصحيحة التي لا تتناقض مع الحقائق العلمية التي تقدمها
الجيولوجيا التاريخية ونتائج الفحوصات العلمية الدقيقة.

في الحقيقة إنّ القصة الواردة في التوراة لا يمكن ترقيعها بحال، فهي واضحة البطلان
حتى وإن قالوا: إنّ الطوفان محلي ووقع على بقعة محددة من الأرض، تبقى أمور في القصة
التوراتية لا يمكن أن تتوافق مع العلم والحقائق بحال كقضية بقاء الدواب والوحوش حية
مع نوح (عليه السلام) على سفينة بالمقاسات المذكورة ولمدة تزيد عن سنة، فمن أين جاء لها
نوح (عليه السلام) بكميات ماء وغذاء تكفيهم لهذه المدة الطويلة، ولو جاء لها بهذه الكميات
الكبيرة فكيف حملتها سفينة بهذه المقاسات.

وهذه الحقيقة دليل قاطع على أحد أمرين:

إما أنّ التوراة محرفة، وهذا يلزم منه أنّ الدين اليهودي الحالي منحرف عن دين الله
سبحانه والدين المسيحي كذلك؛ لأنه يقر بصحة ما في كتاب العهد القديم أو التوراة.

وإما أنّ الدين اليهودي وكذا المسيحي باطلان ومن تأليف الإنسان، وأنّ التوراة تأليف
إنساني محض.

بالنسبة لنا نختارأنّ التوراة محرفة، وأنّ الدين المسيحي الذي أقر صحة ما ورد فيها دين
محرف وباطل.

﴿وَأُوحيَ إلَىَ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمنَ من قَوْمكَ إلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئسْ بمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ *
وَاصْنَع الْفُلْكَ بأعْيُننَا وَوَحْينَا وَلاَ تُخَاطبْني في الَّذينَ ظَلَمُواْ إنَّهُم مغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا
مَرَّعَلَيْه مَلأٌ مّنْ قَوْمه سَخرُواْ منْهُ قَالَ إن تَسْخَرُواْ منَّا فَإنَّا نَسْخَرُمنكُمْ كَمََا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ مَن يَأتيه عَذَابٌ يُخْزيه وَيَحَل عَلَيْه عَذَابٌ مقيمٌ * حَتَّى إذَا جَاء أمْرُنَا وَفَارَ التَّنورُ قُلْنَا
احَْملْ فيهَا من كٍُلّ زَْوْجَيْن اثْنَيْن وَأهْلَكَ إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْه الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلاَّ
قليلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فيهَا بسْم اللّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رَّحيمٌ * وَهيَ تَجْري بهمْ في
مَوْجٍ كَالْجبَال وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ في مَعْزٍل يَا بُنَيَّ ارَْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافرينَ * قَالَ سَآوي
إلَى جَبٍَُْل يَعْصمُني منَ المْاََء قَالَ لاَ عَاصمَ الْيَوْمَ منْ أمْرَاللّه إلاَّ مَن رَّحمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المْوَْجُ فَكَانَ
منَ المغْرَقينَ * وَقيلَ يَا أرْضُ ابْلَعي مَاءك وَيَا سَمَاء أقْلعي وَغيضَ المْاَء وَقُضيََ الأمَْرُ وَاسْتَوَتْ
عَلَى الْجَُوديَّ وَقيلَ بُعْداً لّلْقَوْم اَلظَّالمينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهَُ فَقَالَ رَبّ إنَّ ابُني منْ أهْليَ وَإنَّ وََعْدَكَ
الْحَق وَأنتَ أحْكَمُ الْحََاكمُينَ *َ قالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ منْ أهْلكَ إنَّهُ عََمَلٌ غَيْرُ صََالحٍَ فَلاَ تَسْألْن مَا
لَيْسَ لَكَ به علْمٌ إنّي أعظكَ أن تََكُونَ منَ الْجَاهلينَ * قَالَ رَبّ إنّي أعُوذُ بكَ أنْ أسْألَكَ مَا لَيْسَ
لي به عُلْمٌ وَإلاَّ تَغْفرْلي وَُتَرْحَمْني أكُن مّنَُ الْخَاسرينَ * قيلَ يَا نَُوحُ اهْبطْ بسَلاٍَمَ مّنَّا وَبَركَاٍت عَلَيْكَ
وَعَلَى أمٍَم مّمَّن مَّعَكَ وََأمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثمَّ يَمَسهُم مّنَّاَ عَذَابٌ أليمٌ * تلْكَ منْ أنبَاء الْغَيْب نُوحيهَا
إلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أنتَ وَلاَ قَوْمُكَ من قَبْل هَـذَا فاصْ برْ إنَّ الْعَاقبَةَ للْمُتَّقينَ﴾(١).

القصة القرآنية تشترك مع القصص التاريخية في أنّ الطوفان عقوبة إلهية، وأنّ نوحاً
عرف بالطوفان عن طريق الوحي، وفي القصص التاريخية السومرية حدد نوح الوحي على أنه
رؤى أو أحلام رآها نوح (عليه السلام).

وفي القصة القرآنية تحديد مسألة مهمة ذكرت سابقاً وهي أنّ الطوفانَ حصل في منطقة
فيها جبال ﴿قَالَ سَآوي إلَى جَبٍَل يَعْصمُني منَ المْاَء قَالَ لاَ عَاصمَ الْيَوْمَ منْ أمْراللّه إلاَّ مَن رَّحمَ
وَحَالَ بَيْنَهُمَا المْوَْجُ فَكَانَ منَ المْغُْرَقينَ﴾، وهذا يطرح سؤالاً مهماً وهو:

كيف أنّ الطوفان حصل في منطقة جنوب العراق كما هو مؤكد من خلال الذكر التاريخي
لها عند السومريين والبابليين، ومنطقة جنوب العراق سهل رسوبي، فمن أين أتت الجبال
لهذه المنطقة المنبسطة؟!

إذن، لابد أن نبحث عن منطقة ملاصقة لوادي الرافدين أو في الحقيقة تمثل امتداده
وفيها جبال والمكان الملائم الوحيد الذي يجمع كل الأوصاف هو الوادي الخصب الذي ذكرناه
سابقاً قبل أن تغمره المياه ويصبح الخليج الحالي وهذه المنطقة يصح أن تعد جنوباً للعراق.

أيضاً: مسألة أخرى في القصة القرآنية وهي أنها تصف موج الفيضان بأنه كالجبال ﴿وَهيَ
تَجْري بهمْ في مَوْجٍ كَالْجبَال﴾، وهذا الوصف لا يناسب فيضاناً يحدث بسبب الأمطار؛ لأنه في
أي حال فيضان كهذا وفي منطقة سهل مفتوحة لن يحدث موجاً كالجبال. نعم، يناسب
التصريح القرآني فيضاناً يحدث نتيجة ظاهرة تسونامي عظيمة أو انهيار سد طبيعي يفصل
منخفضاً عن بحر فيه كميات مياه هائلة يمكن أن تملئ المنخفض بسرعة كبيرة مما يتسبب
بإنشاء قفزة هيدروليكية كبيرة وبالتالي موج كالجبال، وهذا يناسب تماماً انهيار سد مضيق
هرمز الحالي وامتلاء الوادي بالمياه ليتكوّن الخليج الحالي.

في الحقيقة إنّ قصة طوفان نوح في بعض الروايات تفارق الواقع العلمي كثيراً؛ حيث نجد
الروايات تصف حجم الماء بنفس الوصف التوراتي المحرف أي إنّ الماء غطى كل الجبال
بخمسة عشر ذراعاً، وهذا أمر لا يمكن أن يكون قد حدث؛ لأنه كما بينت سابقاً هكذا أمر يترك آثاراً لا يمكن أن تندرس خلال بضعة آلاف من السنين في حين أننا لا نجد له أي أثر
تاريخي في جيولوجيا الأرض.

أما مسألة أنّ نوحاً (عليه السلام) كان يعيش قبل الطوفان على شاطئ الفرات أو قرية
من قرى الفرات لا يتعارض مع كون تلك القرية كانت في الوادي الخصب أو الخليج الحالي
حيث كان الفرات يمتد ليصب في بحيرات الوادي قبل الطوفان.

أيضاً: لا إشكال في كون المطر وارتفاع منسوب الأنهار قد شاركت في فيضان الوادي إضافة
إلى انهيار السد وارتفاع منسوب مياه البحر نتيجة نهاية العصر الجليدي الأخير.

وتوجد بعض الروايات تصف بعض أحداث طوفان نوح بالصورة الصحيحة التي جرت
بها والتي لا تتعارض مع العلم (١)، مثلاً: معنى حمل نوح للحيوانات في السفينة وأنّ المقصود
هو الحيوانات المدجنة التي يقتات عليها الإنسان نجده في رواية:

عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: [صنعها في ثلاثين سنة ثم
أمر أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين الأزواج الثمانية التي خرج بها آدم (عليه السلام) من
الجنة ليكون معيشة لعقب نوح (عليه السلام) في الأرض كما عاش عقب آدم (عليه السلام)
فإن الأرض تغرق بما فيها إلا ما كان معه في السفينة] (٢).

في التاريخ الأثري، فإنّ نوحاً كان يعيش في وادي الرافدين أو جنوبه حيث الوادي الخصب
(الخليج الحالي) وكذا بحسب التاريخ الديني، وسفينته بنيت في هذه المنطقة أو محيطها وهذا
أكدته الرقم الطينية التي نقلت قصة الطوفان والتوارة، أما ما شمله طوفان نوح فبحسب
الرواية التوراتية شمل كل الأرض حتى قمم الجبال بل وغطى قمم الجبال بخمسة عشر ذراعاً من الماء:

«وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت
كل السماء. ٢٠ خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال».

وهذه الرواية الموجودة في التوراة المتداولة لا تصمد أمام النقد العلمي، فلا يوجد ماء في
الأرض وعليها يكفي لتغطية كل قمم الجبال، ولا يوجد هلاك جماعي كبيرللأحياء على كل الأرض
منذ ملايين السنين، وآخر عصر حصل فيه هلاك كبير للحياة على كل الأرض هو العصر
الطباشيري المتأخر قبل ٦٥ مليون سنة تقريباً، في حين أنّ الإنسان الحديث الهومو سابينس
وجد قبل ٢٠٠ ألف عام فقط، بل ولم يكتمل للحال الحديث التي هو عليها الآن إلا بحدود
١٠٠ ألف عام فقط، وفي حين لا يتجاوز زمن طوفان نوح عدة آلاف من السنين وبحسب نفس
القصة التوراتية.

وأضف إشكال حيوانات الجزر المعزولة.

إذن، فالرواية التوراتية التي يتبناها أكثر فقهاء المسلمين لا تصمد أمام النقد العلمي ولا
يمكن أن تجتمع مع العلم بحال، فإما أن نرفض العلم ونرضى بالجهل أو نقول إنّ طوفان نوح
محدود وشمل بقعة معينة على الأرض.

والآن، نستعرض احتمالات هذا الطوفان المتوافقة مع المعطيات الآثارية والعلمية:

- أن يكون الطوفان حصل في جنوب العراق نتيجة أمطار وسيول، وهذا الفرض متوافق
تماماً مع حال المنطقة؛ حيث إنها تقع بين نهرين وأسفل مناطق جبلية تقع شمالها. ولكن هكذا
فيضان يبقى محدوداً ومن الصعب تصور أن تتسبب فيضانات الأنهار أو الأمطار بفناء كل
الأحياء في منطقٍة ما، فهناك فرصة لهرب بعضها لا أقل التي تقطن في أطرافها، فهكذا
فيضانات تكون تدريجية وليست دفعة واحدة مثل انكسار السدود أو التسونامي، كما أنها لا
تنطبق عليها أنها موج كالجبال كما في النص القرآني.

وربما يفترض أن أحد أسباب الفيضان هو ما في بعض الأبحاث (١)؛ إنّ البحر الأسود قد
امتلأ بالماء قبل بضعة آلاف من السنين وأنه من المحتمل أن تكون قد حصلت قفزة
هيدروليكية نتيجة امتلائه تسببت بانسياب كميات كبيرة من المياه على سطح الأرض وإحداثها
فيضاناً يمكن أن يتسبب بإهلاك الأحياء في المنطقة التي يمر عليها. ولكن الإشكال في هذا
الفرض أنه لا توجد آثار لهكذا فيضان في طريق مروره حتى وصل إلى وادي الرافدين، كما أنّ
هناك موانع طبيعية كثيرة ربما تسبب منع وصول كميات كبيرة من الماء إلى وادي الرافدين،
أضف أنه سيدفع سفينة نوح باتجاه الجنوب والخليج وليس إلى منابع الأنهار كما في الأسطورة
السومرية وسيكون من جهة الشمال وليس من جهة الجنوب كما في النصوص السومرية.

- أن يكون الطوفان قد حصل في الوادي الواقع جنوب العراق والذي يمثل الخليج الحالي
قبل أن تملأه المياه نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحار في نهاية العصر الجليدي الأخير وانهيار
سد مضيق هرمز الطبيعي، وإذا أردنا أن نطبق النص القرآني على الفيضان الذي حصل في
هذا الوادي قبل بضعة آلاف من السنين فسنجده ينطبق تماماً، فكميات الماء التي ستدخل
من البحر إلى الوادي بسبب انهيار سد مضيق هرمز الطبيعي ستكون كبيرة جداً، ويمكن أن
نقول: إنها كانت موجاً كالجبال كما ورد في القرآن، كما أنّ الجزر الحالية في الخليج الحالي ما
هي إلا قمم مرتفعات كانت منتصبة في هذا الوادي الخصب قبل انهيار السد وامتلائه بالمياه
المالحة، وبهذا يصدق النص الديني من أنّ ابن نوح أراد أن يلجأ إلى جبل يعصمه من الماء،
لأنه اعتقد أنه فيضان من الفيضانات العادية التي يمكن أن تأتيهم نتيجة ارتفاع منسوب
الأنهار التي كانت تصب في الوادي كدجلة والفرات، وهكذا فيضانات يمكن التخلص من
ضررها باللجوء إلى أماكن مرتفعة كالجبال التي كانت متربعة في الوادي الخصب، ولكنهم لم
يخطر ببالهم أن هذه المرة الأمر مختلف وأن الفيضان الذي أنذرهم منه نوح - اوتونبشتم -
زيوسدرا - سيكون مدمراً وسيغطي الجبال ويملأ هذا الوادي الذي تضاهي مساحته مساحة
بلد كالعراق.

بحسب التاريخ التوراتي لطوفان نوح فإنه حدث قبل الميلاد بأربعة آلاف عام تقريباً -
وهذا يعتمده حتى بعض من تعرضوا لتفسير القرآن- وفي هذا الوقت كان الوادي الخصب
ممتلئاً بالمياه المالحة وقد تكون الخليج الحالي، وهذا يعني أنّ مكان الطوفان هو بلاد ما بين
النهرين، وبما أنّ المنطقة منبسطة فكميات المياه التي يمكن أن تعمل طوفاناً بحجم طوفان
نوح لابد أن تأتي من خزان كبير للماء، ولهذا صوّرت التوراة على أنه طوفان شمل كل الكرة
الأرضية وبارتفاع هائل وقد تبين أنّ هذا الفرض المذكور في التوراة الحالية يتعارض مع
الحقائق العلمية والتاريخية والجيولوجية.

يبقى الاحتمال الآخر وهو أنّ نوحاً وقومه الذين يمكن أن نقول إنهم أسلاف السومريين أو
السومريون الأوائل كانوا يعيشون في الوادي الخصب، وأنّ الطوفان حصل في الوادي الخصب
(الخليج الحالي) وإذا كان الأمر كذلك فما يحدد زمن الطوفان هو تاريخ امتلاء الوادي بالمياه
وحصول قفزة هيدروليكية للمياه المالحة ربما اكتسحت مناطق شاسعة من جنوب العراق
الحالي وامتلاء الوادي بالماء تماماً يقدر بين (٨٠٠٠–١٥٠٠٠) عاماً قبل الميلاد تقريباً.

فيكون ما حصل عبارة عن فيضان للوادي سببته كميات المياه الكبيرة التي وفرها ذوبان
الجليد في نهاية العصر الجليدي والتي شكّلت عيون ماء تصب في البحار، ويضاف لها عيون
الماء التي كانت تصب في البحر والتي أدت إلى ارتفاع منسوب مياه البحر حتى انكسر السد
الطبيعي ودخلت مياه البحر للوادي، ويمكن أن تكون قد رافقتها مياه أمطار وارتفاع منسوب
مياه الأنهار التي كانت تدخل للوادي من الجهة الأخرى، وبهذا التقى الماء في الوادي وحصل
الفيضان والقفزة الهيدروليكية للمياه حتى غطت مناطق من جنوب العراق ثم انحسرت المياه
باتجاه الوادي أو - الخليج الحالي - مرة أخرى ورست السفينةَ لتبدأ رحلة الإنسانية الأولى التي
وصلتنا بصورة مسجلة ومكتوبَة في جنوب العراق ﴿فَفَتَحْنَا أبْوَابَ السَّمَاء بمَاء منْهَمرٍ * وَفَجَّرْنَا
الأْرَْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المْاَء عَلَى أمْرٍ قَدْ قُدرَ﴾(١).

مكان رسو سفينة نوح تحدده معرفتنا بأنّ نوحاً وقومه والأجيال التي أتت بعدهم قد
سكنوا بعد الطوفان بلاد ما بين النهرين، وهذا أمر لا يمكن أن ينكره إلا مكابر فقصة الطوفان
أصلها سومري أي أنّ ناقليها هم شعب ما بين النهرين على أنها إرث آبائهم وأسلافهم، فمحاولة
نقل استقرار نوح وقومه بعد الطوفان إلى منطقة أخرى خارج وادي الرافدين أعتقد أنها
محاولة بائسة تعترضها عقبات كثيرة لا يمكن تخطيها.

ووصف دلمون السومري قد بيّنت أنه مطابق لوصف دولة المهدي التي ستقام في العراق
ويكون العراق عاصمتها.

أما فرضية أنّ مكان رسو سفينة نوح في بعض جبال تركيا أو أرمينيا، فقد تبين أنه يتعارض
مع ثوابت علمية كثيرة، ومصدر هذا الاعتقاد هو تفسير بعض اليهود للنص التوراتي الذي ذكر
اسم جبال ارارات أو اراراط.

وقد عرفنا في مواضع أخرى أنّ النص التوراتي لقصة طوفان نوح كقضية أن الماء غطى
كل جبال الأرض يتعارض مع الثوابت العلمية، ولهذا فلا يمكن تصور أن ترسو سفينة نوح
على جبل ارتفاعه عدة كيلومترات عن مستوى سطح البحر ثم يكون الذي يدفعها لهذا الرسو
هو فيضان مائي وارتفاع لمنسوب الماء، فقد بينا أنّ الأرض لا تتوفر على هذه الكميات الهائلة
من الماء وحتى لو قيل إنه فيضان بسبب امتلاء البحر الأسود بالمياه - مع أنه فرض لا يصمد
أمام النقد كما تبين - فلا يمكن أن تحدث قفزة هيدروليكية للمياه ارتفاعها عدة كيلومترات
وتستمر في التحرك أفقياً بنفس هذا الارتفاع آلاف الكيلومترات حتى جبال ارارات المفترضة بين
تركيا وأرمينيا، وفي الحقيقة هذه الفرضية أقرب للخيال ولا يمكن أن تحدث علمياً.

إذن، لا يمكن أن يعتمد هذا التفسير للنص التوراتي رغم تعارضه مع العلم إضافة
لمعارضته النص السومري في عدة مواضع.

أما اسم الجودي المذكور في القرآن فهو اسم لمكان استواء السفينة، ولا يوجد شيء حول
هذا الاسم يرجح أنه مكان آخر غير العراق، ومن فرض من مفسري القرآن أنه أحد جبال تركيا
فهو في الحقيقة تبع تفسير أحبار اليهود للنص التوراتي من دون أن يدرسه أو يتفحصه.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الفصل الخامس: صفة الأثر دالة على صفة المؤثر في الإنسان - وهم الإلحاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.