الفصول

الله في الخلق

كتاب التوحيد · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-الله في الخلق

لما خلق الخلق سبحانه وتعالى واجههم بالأسماء والصفات، وهذه هي مدينة الكمالات الإلهية أو الذات أو الله، وهذا الاسم أطلق على تجلي وظهور الحقيقة للخلق فهو ليس الحقيقة بل حجاب الحقيقة، فالحقيقة: هي الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، وهذا الاسم قريب من الاسم الأعظم كقرب سواد العين من بياضها كما ورد عن الإمام ( في الحديث. وهذا الاسم (الله)، هو الاسم الجامع لكل صفات الكمال، فالتوجه إليه هو توجه إلى كل صفات وأسماء الكمال وهذا التوجه لا يخلو من الشرك في مرتبة ما؛ لأن تمام الإخلاص في التوحيد هو نفي الأسماء والصفات كما قال أمير المؤمنين (: (..... أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) ([١٠٥]). وقال الكاظم (: (أول الديانة به معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) ([١٠٦]). وقال الرضا (: (أول الديانة معرفته، وكمال المعرفة توحيده، وكمال التوحيد نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) ([١٠٧]). فهذا الاسم (الله) الجامع لصفات الكمال والمشير إلى الذات هو حجاب يجب أن يسعى العبد إلى رفعه بالتحلي بصفات الكمال الإلهية، وعندها يكشف الغطاء للعبد ليعرف الحقيقة، وتمام معرفة الحقيقة هو العجز عن المعرفة، فضمير الغائب المعبر عن الحقيقة أو الإسم الأعظم الأعظم الأعظم (هو) فالهاء لإثبات الوجود والواو لبيان غيبته فهو الشاهد الغائب سبحانه وتعالى. أما في مرتبة ما دون الذات الإلهية أو الله أي في مراتب الخلق والتنـزل فإن مراتب التجلي أو المقامات عشرة هي: سرادق العرش الأعظم، والعرش الأعظم، والكرسي، ثم العرش العظيم، وفيه سبع مراتب أو مقامات هي السماوات السبعة تنـزلاً من السابعة إلى السماء الأولى أو الدنيا. وخير خلق الله محمد / يمتد بصفحة وجوده من سرادق العرش الأعظم إلى السماء الدنيا، فأول مراحل التجلي هي: النقطة الأولى (البرزخ) أو سرادق العرش الأعظم، ثم مرحلة التجلي الثانية هي وعاء النون أو العرش الأعظم، ثم مرحلة التجلي الثالثة وهي وعاء الباء أو الكرسي، ثم مرحلة التجلي الرابعة وهي النقطة الثانية في الخلق، وجميع هذه المراحل الأربعة هي محمد / فهو نقطة النون والنون، وهو الباء ونقطة الباء، أو قل هو الفيض النازل من الحق إلى الخلق، وهو أي محمداً / في المراحل الثلاث الأولى (سرادق, العرش, الكرسي) برزخ بين الحق والخلق فهو يخفق فساعة لا يبقى إلا الله الواحد القهار وساعة يعود إلى الأنا والشخصية، أما في مرتبة العرش العظيم فهو مستقر في الخلق وهو عبد الله. ويجب الالتفات إلى أن النقطة الأولى هي القرآن وهي الحجاب الذي بين محمد / وبين الله (كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق) وعند الفتح (فنظر في مثل سم الإبرة) ([١٠٨])، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾([١٠٩])، رفع هذا الحجاب بأن احتواه محمد / فأصبح القرآن ومحمد / واحداً، وهو يخفق بين فناء فلا يبقى إلا الله الواحد القهار وبين عودة الأنا والشخصية الإنسية. فإن عرفنا ما تقدم تبين لنا أن محمداً / هو مرتبة البرزخ بين الحق والخلق، ولذلك توهم به لما رآه ابراهيم ( والملائكة وظنوا أنه الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه / صورة تحاكي الذات الإلهية وتظهر اللاهوت المطلق للخلق ليعرفوا (..... وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران .....) ([١١٠])، وقال /: (الله خلق آدم على صورته) ([١١١]). فهو / الله في الخلق وكذلك أهل بيته / في مرتبة دون مرتبة الرسول الأعظم صلوات الله عليه، فهم أيضاً وجه الله وأسماء الله الحسنى، فهم يمثلون الله في الخلق وكل منهم يؤله إليه ويقصد في قضاء الحاجات وسد النقص وبلوغ الكمال، فهم على درجة عالية من الكمالات الإلهية ولكنها مقيدة بالحاجة والفقر لله سبحانه وتعالى، أما ألوهيته سبحانه وتعالى فهي ألوهية مطلقة وهي كمال وغنى مطلق وعطاء وفيض غير مقيد إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا المعنى، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾([١١٢])، أي أن هناك خالقين وهو سبحانه وتعالى أحسنهم وأفضلهم، وهؤلاء هم محمد وآل محمد /، وفي الدعاء: (..... يارب الأرباب وإله الآلهة .....) ([١١٣]). وكذلك ورد: (..... الإله الأكبر .....) ([١١٤])، وهذا من أدعية السر وهي واحد وثلاثون دعاء لحوائج الدنيا والآخرة مسندة متصلة وصحيحة السند، مذكورة في مصباح المتهجد، ومصباح الكفعمي، والبحار، وذكرها الحر العاملي في الجواهر السنية. وفي الحديث القدسي في فضلها: (يا محمد، قل للذين يريدون التقرب إلي إعلموا علم اليقين أن هذا الكلام أفضل ما أنتم متقربون به إلي بعد الفرائض) ([١١٥]). ولا شك أن ورود الإله الأكبر في الدعاء القدسي وهو من الله سبحانه وتعالى ونظير القرآن الكريم يدل بشكل يقيني قاطع لمن أراد النص على ما قدمت، حيث أن مخاطبة الله سبحانه وتعالى بالإله الأكبر دال على أن خلقه سبحانه يتصفون بصفة اللاهوت؛ وذلك لأن الأكبر صفة تفضيل دالة على وجود الأقل عند ذكرها وإلا فلا معنى لورودها في الكلام، فأفعل التفضيل أو صفات التفضيل دالة على المشاركة وزيادة كما هو بين وواضح، وقد ذكره علماء اللغة العربية بل هو بين لكل من قرأ الدعاء وتمعن فيه.

الهوامش

  1. ↩[١٠٥] - نهج البلاغة : ج ١ ص٣٩.
  2. ↩[١٠٦] - الكافي : ج ١ ص١٤٠.
  3. ↩[١٠٧] - توحيد الصدوق : ص٥٦.
  4. ↩[١٠٨] - الكافي : ج ١ ص٤٤٢.
  5. ↩[١٠٩] - الفتح : ١.
  6. ↩[١١٠] - دعاء السمات.
  7. ↩[١١١] - الكافي : ج ١ ص١٣٤، توحيد الصدوق : ص١٠٣.
  8. ↩[١١٢] - المؤمنون : ١٤.
  9. ↩[١١٣] - الكافي : ج ٢ ص٥٦٦.
  10. ↩[١١٤] - الباقيات الصالحات : دعاء السفر ص٨١٥.
  11. ↩[١١٥] - الجواهر السنية – الحر العاملي : ص١٨٨ ، بحار الانوار : ج ٨٣ ص٢٧٩.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الله في الخلق - كتاب التوحيد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.