الفصول
صلح الإمام الحسن (ع)، وولاية العهد للإمام الرضا (ع)
العجل - الجزء الأول · أحمد الحسن
-صلح الإمام الحسن (ع)، وولاية العهد للإمام الرضا (ع)
وأخيراً لابد لنا من المرور على حدثين مهمين في حياة أوصياء النبي الخاتم الأئمة الاثنا عشر ، لارتباطهما بهذا البحث:
الأول: هو صلح الإمام الحسن ( مع الطاغية معاوية ابن هند (لعنه الله)
وهو صلح ضروري، بعد أن أخذت دولة المنافقين التي يقودها معاوية بالاتساع والاستيلاء على الأرض الإسلامية، وبعد أن خذل المسلمون الإمام الحسن (. فهو إذاً كصلح النبي للمشركين في الحديبية.
وقد صرح الإمام الحسن ( بأنّ صلحه كان استبقاء للشيعة، وهم أهل الحق وببقائهم يبقى الحق. وإذا نظرنا بعين البصيرة وجدنا أنّ صلح الإمام الحسن ( كان للتهيئة لثورة الإمام الحسين (، التي هي بدورها تهيئة لثورة الإمام المهدي (، فالإمام الحسن ( لما اضطر إلى تنحية السيف بدأ حرباً جديدة مع معاوية، هذه المرّة حرب إعلامية الهدف منها تهيئة الأمة لثورة الحسين (، وعلى أقل تقدير أن تكون الأمة مستعدة لقبول هذه الثورة والتعاطف معها، بل والتفاعل معها ولو بعد قيامها، ومن اطلع على أحوال الأمة في زمن الإمام الحسن ( يعلم أن هذا هدف كبير يرجى من أمة نكس أبناؤها وخذلوا قائدهم المعصوم، حتى أصبحوا يرون المنكر معروفاً، وكاد أن لا يبقى للتشيع اسم ولا رسم لولا الحركة الإعلامية للإمام الحسن (. فلم يكن صلح الإمام الحسن ( صلحاً بهذا المعنى، إنما كان هدنة اضطر لها الإمام الحسن ( ليتبعها أخيه الحسين ( - الذي هو كنفسه - بثورة لا يزال صداها يهز الدنيا إلى اليوم، فكما أنّ الإمام أمير المؤمنين ( كان ينظر إلى المستقبل وإلى دولة لا إله إلاّ الله العالمية، كذلك كان الإمام الحسن (، فجميع المعصومين كانوا ينظرون إلى اليوم الذي يظهر فيه هذا الدين على الدين كله، فمسيرة الإنسانية هي مسيره تكاملية في الجملة وإن تعرّضت لبعض الانتكاسات،
حيث إن نتيجتها هو صلاح معظم أهل الأرض في زمن ظهور الإمام المهدي (.
والأئمة ( كانوا يفعلون كل ما من شأنه توجيه هذه الأمة لحمل الرسالة الإلهية في يوم من الأيام إلى أهل الأرض جميعاً، فكانوا يؤثرون رضا الله ومصلحة الإنسانية على أنفسهم، ويتحملون أشدّ أنواع الأذى النفسي والجسدي في سبيل هذا الهدف العظيم، وهو إيمان أهل الأرض بلا إله إلاّ الله محمد رسول الله.
الثاني: ولاية العهد للإمام الرضا (
والثاني هو ولاية العهد التي قبلها الإمام الرضا ( بعد أن أجبره المأمون العباسي عليها، وهي نظير وزارة يوسف ( لملك مصر التي كانت بالإجبار، وإن كان فيها بعض النفع لعامة الناس، فهي إذن فتنة وامتحان للمؤمنين كما امتحن سبحانه بني إسرائيل عندما جعل موسى ( يتربى ويعيش في قصر فرعون الطاغية (لعنه الله)، فهذه كتلك: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾([٢٢١]).
وفي نهاية المطاف سم المأمون العباسي الإمام الرضا ( بعد أن وجد المأمون نفسه غير قادر على تحجيم عمل الإمام الرضا (، مع أنّه كان في قصره وتحت يده.
وهكذا كانت حياة الأئمة أوصياء النبي الخاتم صورة لحياة الأنبياء السابقين على هذه الأرض، فهم بين طاغوت متسلط مستبيح لدمائهم المقدسة ومن تبعه أو ركن له من علماء السوء غير العاملين، وبين أمة خذلتهم واختارت عبادة العجل واتباع السامري إلاّ القليل ممن وفى بعهد الله، ولما وصل الأمر إلى خاتم الأوصياء بقية الله في أرضه محمد بن الحسن المهدي ( شاء الله له الغيبة عن أنظار الناس والطواغيت، ليحفظ بحفظه القرآن والشريعة حتى يأذن له بالظهور وإظهار الحق عندما تتهيأ الأمة لنصرته، وقد ورد عنه (: (وأمّا علة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ) ([٢٢٢]).
والحر تكفيه الإشارة، والسلام على نور الله في أرضه وبقيته في عباده الذي سماه آباؤه المظلوم، وهو المظلوم حقاً حتى من شيعته الذين لا يكادون يذكرونه مع غيبته وشديد محنته.
والسلام على المؤمنين والمؤمنات ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾([٢٢٣]).