الفصول

بعد وفاة النبي (ص)

العجل - الجزء الأول · أحمد الحسن

المصدر ↗

-بعد وفاة النبي (ص)

قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾([١٥١]).

خير من يصف ما حدث بعد وفاة النبي  هي الزهراء ، أقرب الخلق إلى رسول الله ، حيث قالت في خطبتها في مسجد النبي  بعد وفاته: (… فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى اصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الاقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحشمكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) ([١٥٢]).

ولما جاءت نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها، قلن لها: كيف أصبحت عن علتك؟ فقالت: (أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم، لفظتهم قبل أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد، وخور القناة، وخطل الرأي، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم، أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم عارها فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين، ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين. وما نقموا من أبي الحسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عز وجل.

والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله  إليه لاعتلقه، ولسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفتاه. ولأصدرهم بطاناً قد تحير بهم الري غير متحل منه بطائل، إلا بغمر الماء وردعة شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

ألا هلم فاسمع، وما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث. إلى أي سناد استندوا وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابي والله بالقوادم، والعجز بالكاهل. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

أما لعمر الهك لقد لقحت، فنظره ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما سن الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وزرعكم حصيداً. فيا حسرتي لكم، وأنى بكم وقد عميت قلوبكم عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) ([١٥٣]).

وهكذا قُدم المؤخر، وأُخر المقدّم بعد وفاة النبي ، واستولى أبو بكر وعمر وأشياعهم على السلطة، ونُحي وصي رسول الله  علي بن أبي طالب (، وأوذي هو والزهراء (عليهما السلام)، وماتت  أثر اقتحام عمر وجماعة من المنافقين دارها لإجبار الإمام علي ( على مبايعة أبي بكر، وضربها بالسوط وضغطها بين الحائط والباب حتى كسر ضلعها ونبت المسمار في صدرها وأسقط جنينها. ووردت على أبيها مظلومة، مقهورة من قوم كانوا يسمعون النبي  يقول ما معناه: (إنّ الله يغضب لغضب فاطمة) ([١٥٤]).

فتعساً للقوم لما انتهكوا من حرم الله، واستخفوا بخيرة خلقه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾([١٥٥]).

هذا والنبي لم يترك المسلمين في حياته دون أن يوجههم إلى القيادة من بعده، وإلى الأوصياء من ولده ، حيث أمره الله سبحانه بذلك. ولكن لابد من الفتـنة للتمحيص، ولابد من السامري، ولابد من العجل، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾([١٥٦]).

وإنّي لما أردت أن أختار بعض الروايات عن النبي  الدالة على أنه أرشد المسلمين إلى الصراط المستقيم، وإلى الأوصياء من بعده وخلفاء الله في أرضه، احترت أيّها أختار لكثرتها سواء في كتب الشيعة أو السنة. وإنّي وإن اقتصرت على القليل منها، ولكني أسأل الله أن يجعل فيها نصراً للدين، ونفعاً للمسلمين وتأييداً للمؤمنين:

روى الحافظ محب الدين أحمد الطبري، وهو من علماء السنة ومحدثيهم في كتاب ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: عن أنس قال: (كان عند النبي  طير فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير، فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه) ([١٥٧]).

وعن معاذة الغفارية قالت: دخلت على النبي  في بيت عائشة وعلي خارج من عنده فسمعته يقول: (يا عائشة، إنّ هذا أحب الرجال إليَّ وأكرمهم عليّ، فاعرفي له حقه وأكرمي مثواه) ([١٥٨]).

وعن البراء بن عازب قال: قال النبي : (علي مني بمنزلة رأسي من جسدي) ([١٥٩]).

وعن المطلب بن عبد الله ابن حنطب قال: قال رسول الله  لوفد ثقيف حين جاءوا: (لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلاً مني - أو قال مثل نفسي - ليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم. قال عمر: فوالله ما تمنيت الأمارة إلاّ يومئذٍ، إذ فجعلت انصب صدري رجاء أن يقول هو هذا. قال: فالتفتَ إلى علي فاخذَ بيدهِ، وقال: هو هذا، هو هذا) ([١٦٠]).

وعن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله : (ما من نبي إلاّ وله نظير في أمته وعلي نظيري) ([١٦١]).

وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله : (لقد صلت الملائكة عليَّ وعلى علي؛ لأنّا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا) ([١٦٢]).

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله : (لما اسري بي مررت بملك جالس على سرير من نور، وإحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب، وبين يديه لوح ينظر فيه والدنيا كلها بين عينيه والخلق بين ركبتيه ويده تبلغ المشرق والمغرب، فقلت: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا عزرائيل تقدم فسلم عليه، فتقدمت فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام يا أحمد ما فعل ابن عمك علي. فقلت: هل تعرف ابن عمي علياً؟ قال: وكيف لا أعرفه، وقد وكلني الله بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمك علي بن أبي طالب فإنّ الله يتوفاكما بمشيئته)([١٦٣]).

وعن أم سلمه، عن رسول الله  قال: (من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل) ([١٦٤]).

وعن ابن عباس، قال: (كنت أنا والعباس جالسين عند رسول الله  إذ دخل علي بن أبي طالب ( فسلم، رد عليه رسول الله السلام وقام إليه وعانقه وقبله بين عينيه وأجلسه عن يمينه. قال العباس: يا رسول الله أتحب هذا؟ فقال رسول الله: يا عم والله، الله أشدّ حباً له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا) ([١٦٥]).

وعن عمران ابن حصين عن النبي ، قال: (إنّ علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي) ([١٦٦]).

وعن أبي رافع قال: لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد، قال جبريل (: (يا رسول الله إنّ هذه لهي المواساة، فقال النبي : إنّه مني وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما يا رسول الله)([١٦٧]).

وعن أبي الخميس، قال: قال رسول الله : (أُسري بي إلى السماء فنظرت إلى ساقي العرش الأيمن، فرأيت كتاباً فهمته محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به) ([١٦٨]).

وعن بريده، عنه : (لكل نبي وصي ووارث وإنّ علياً وصيي ووارثي) ([١٦٩]).

وعلق عليه الطبري واستدل بروايات أنّ المقصود بالوصاية هي أنّ النبي أوصى أن يلي غسله علي ( ([١٧٠]).

وإن تعجب فمن هؤلاء القوم، يروون كل هذه الروايات ثم يميلون يميناً وشمالاً!!

وروي عن أنس، قال: كنت عند النبي  فرأى علياً مقبلاً، فقال: (يا أنس، قلت: لبيك، قال: هذا المقبل حجتي على أمتي يوم القيامة) ([١٧١]).

وعن البراء ابن عازب، قال: كنّا عند النبي  في سفر فنزلنا في غدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله  تحت شجرة فصلى الظهر وأخذ بيد علي، وقال: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، فأخذ بيد علي وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعادي من عاداه)، قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنه ([١٧٢]).

وفي المناقب زاد عليه: (وانصر من نصره وأحب من أحبه) ([١٧٣]).

وهذا هو حديث الغدير أشهر من نار على علم، ومتواتر عن الفريقين، ولكن القوم يؤولون الولاية مع أنّ رسول الله  قرن ولاية علي ( بولايته ، وولايته  بولاية الله سبحانه.

وروى الطبري عن عمر أنّه: (قال لرجل ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن) ([١٧٤]).

وليت شعري إذا كنت تعترف أنّه سيدك ومولاك فلماذا غصبتم حقه أنت وصاحبك وأردت إحراق داره، بل تآمرتم على قتله، أحسداً كحسد السامري لهارون (، وتكبراً كتكبر إبليس على آدم (؟! وليت شعري من علّم إبليس التكبر، ومن أغواه؟!

وروى الطبري عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي  قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي) ([١٧٥]). وهذا الحديث أشهر من نار على علم.

أقول: إذا كنتم ترون أنّه كهارون من موسى فهل عميت عليكم مكانة هارون من موسى؟! أليس القرآن يهتف بكم أن هارون خليفة موسى، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾([١٧٦]).

فوالله إنّ وصايته ووصاية ولده من بعده وخلافتهم لرسول الله  أبين من الشمس في ما يروي السنة عن رسول الله  فضلاً عما يروي الشيعة، وما يصرح به القرآن في آيات كثيرة، بل إنّ ذكرهم موجود حتى في التوراة والإنجيل الموجودة حالياً، وإن حاول اليهود والنصارى طمس ذكرهم في ما مضى، كما حاول ويحاول اليوم بعض المسلمين مع الأسف الشديد مع أنّ القرآن أوصى بهم ورسول الله  أوصى بهم. ولكن يا قومي أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، فانتظروا إنّا منتظرون.

ومن أراد المزيد في كتب السنة فعليه مراجعة ذخائر العقبى للطبري، وينابيع المودة، وفرائد السمطين، وسنن الترمذي، ومسند أحمد، والمناقب، ومطالب السؤول للشافعي، ومسند البخاري، ومسند مسلم أو ما يسمونهما بالصحيحين، وسنن أبي داوود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم النيسابوري، وكفاية الطالب، وغيرها.

وروى العلامة الفقيه محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (رحمه الله) وهو من صدور علماء الشيعة الإمامية ومن معاصري الشيخ المحقق الطوسي (رحمه الله)، وهو عند علماء الشيعة في الطبقة العليا من الاعتبار، واختياراته من الطراز الأول كما قيل عنه وفي كتابه الاستنصار، قال: أخبرني الشيخ المفيد وذكر السند إلى أبي جعفر الثاني ( عن آبائه عن أمير المؤمنين، قال: قال رسول الله : (آمنوا بليلة القدر، فإنه ينزل فيها أمر السنة، وإن لذلك الأمر ولاة من بعدي علي ابن أبي طالب وأحد عشر من ولده ) ([١٧٧]).

وبإسناد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال رسول الله : (تمسكوا بليلة القدر، فإنها تكون بعدي لعلي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده بعده) ([١٧٨]).

وعن أبي جعفر الأول - أي الباقر ( - عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله : (إني واثنا عشر من أهل بيتي، أولهم علي بن أبي طالب أوتاد الأرض التي أمسكها الله بها أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهبت الاثنا عشر من أهلي ساخت الأرض بأهلها ولم تنظروا) ([١٧٩]).

وعن أبي جعفر (، قال قال رسول الله : (من أهل بيتي أثنا عشر نقيباً محدَّثون مفهّمون، منهم القائم بالحق يملأها عدلاً كما ملئت جوراً) ([١٨٠]).

وعن أبي عبد الله (، عن آبائه، قال: قال رسول الله : (إنّ الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر.

واختار من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار مني علياً، واختار من علي الحسن والحسين (عليهما السلام)، واختار من الحسين الأوصياء، وهم تسعه من ولد الحسين ينفون من هذا الدين تحريف الغالّيين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، تاسعهم ظاهرهم ناطقهم قائمهم، وهو أفضلهم) ([١٨١]).

وما رواه الصادق ( عن آبائه، عن رسول الله ، قال: (ابشروا ثم ابشروا ثم ابشروا - ثلاث مرّات - إنما مثل أمتي كمثل غيث لا يدرى أوله خير أم آخره، إنما مثل أمتي كمثل حديقة أطعم منها فوجاً ما لعل آخرها فوجاً يكون أعرضها بحراً وأعمقها طولاً وأطولها فرعاً وأحسنها جنى، وكيف تهلك أمه أنا فيها أولها، وإثنا عشر من ولدي من السعداء أولي الألباب، والمسيح ابن مريم آخرها، ولكن يهلك بين ذلك نتج الهرج ليس مني ولست منه)([١٨٢]).

وروى العلامة ابن عياش (رحمه الله) في كتابه مقتضب الأثر بإسناده إلى سلمان الفارسي، قال: كنا مع رسول الله  والحسين بن علي ( على فخذه، إذ تفرس في وجهه، وقال له: (يا أبا عبد الله أنت سيد من السادة، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعه، تاسعهم قائمهم إمامهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم) ([١٨٣]).

والأدلة على إمامة علي وولده الأحد عشر  وخلافتهم لرسول الله  كثيرة جداً، ولعل أعظمها هو سورة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.

فهذه السورة دالة على أنّ الملائكة والروح تتـنزل بالأمر بعد النبي  على خلفائه المعصومين، وإلاّ لقيل بمضيها مع النبي ، مع أنّ المسلمين مجمعون على بقائها، وهاهم يطلبونها في العشر الأواخر من شهر رمضان كل عام، ومن أبى إلاّ العناد فليقل: عنـزه ولو طارت!!

قال الإمام الباقر (: (يا معشر الشيعة خاصموا بسورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ تفلحوا، فوالله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله ، وإنها لسيدة دينكم، وإنها لغاية علمنا يا معشر الشيعة. يا معشر الشيعة خاصموا بـ ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ فإنّها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله  …) ([١٨٤]).

وعن الصادق (، عن آبائه، عن النبي ، قال: (لما اسري بي أوحى إلي ربي جل جلاله ..... وساق الحديث إلى أن قال: فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة ابن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب درّي، قلت: يا رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يحل حلالي ويحرم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى - أي الأول والثاني - طريّين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري) ([١٨٥]).

وروى الصدوق في إكمال الدين وعيون أخبار الرضا ( معاً، قال: عن أبي وابن الوليد معاً، وأسند الحديث إلى الأمام الصادق، عن الإمام الباقر (، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه رأى في يد فاطمة  لوحاً أهداه الله عز وجل إلى الرسول ، وأعطاه الرسول  لفاطمة، مكتوب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره وحجابه ووليه، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين.

عظّم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي. إني أنا الله لا إله إلاّ أنا قاصم الجبارين، ومبير الظالمين، ومذل الظالمين وديان يوم الدين ([١٨٦])، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذاباً لا أعذبه ([١٨٧]) أحداً من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلاّ جعلت له وصياً، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك ([١٨٨]) بعده وسبطيك الحسن والحسين ([١٨٩])، فجعلت حسناً معدن علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه، والحجة البالغة عنده ([١٩٠])، بعترته أثيب وأعاقب. أولهم علي سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين ([١٩١])، وابنه سمي جدّه ([١٩٢]) المحمود محمد الباقر لعلمي، والمعدن لحكمي. سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرّنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه. انتجبت بعده موسى، وانتجبت ([١٩٣]) بعده فتنة عمياء حندس؛ لأنّ خيط فرضي لا ينقطع ([١٩٤])، وحجتي لا تخفى، وإنّ أوليائي لا يشقون، ألا ومن جحد واحد منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجاحدين. عند انقضاء مدة عبدي موسى، وحبيبي وخيرتي، (ألا) ([١٩٥]) إن المكذّب بالثامن مكذّب بكل أوليائي، وعلي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه ([١٩٦]) بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي. حق القول مني لأقرّن عينه بمحمد إبنه ([١٩٧])، وخليفته من بعده، فهو وارث علمي، ومعدن حكمي، وموضع سرّي، وحجتي على خلقي (لا يؤمن عبد به إلاّ) ([١٩٨]) جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين (ألفاً) ([١٩٩]) من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لإبنه علي ولييّ وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن، ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب ([٢٠٠]).

سيذلّ أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين ([٢٠١]) في نسائهم، أولئك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الآصار([٢٠٢])والأغلال﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾([٢٠٣])) ([٢٠٤]).

قال عبد الرحمن ابن سالم، قال أبو بصير: (لو لم تسمع في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك فَصنهُ إلاّ عن أهله) ([٢٠٥]).

وروي مثله عن رسول الله  بخط أمير المؤمنين في البحار ([٢٠٦]).

ومع كل ما سمع الصحابة، وما رووا عن النبي  ومواقفه مع علي ( وتأكيده  على اتباعه، واتباع ولده الأحد عشر الأوصياء من بعده، فإنّ معظم المسلمين اختاروا اتباع أئمة الضلال، ووقعوا في فتنة العجل واتبعوا السامري!! وفعلوا مع علي ( عند وفاة النبي كما فعل بنو إسرائيل مع هارون ( عند غيبة موسى، وهكذا حدثت الردّة التي حذرهم الله من الوقوع فيها، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾([٢٠٧])، وانقلب القوم على أعقابهم إلاّ نفراً قليلاً من أصحاب النبي هم عمار وأبو ذر والمقداد وسلمان. ثم أخذ كثير من الصحابة بالرجوع إلى الحق وإلى موالاة علي ( بعد أن خذلوه ولم ينصروا حقه في البداية، وبعد أنّ رأوا الظلم الذي أخذ يتزايد يوماً بعد يوم نتيجة لتسلط الجبت والطاغوت على دفة القيادة وخلافة النبي ، وبدأت دواوين التميز في العطاء من بيت المال حتى وصل الأمر إلى أن يعطي عثمان خمس أفريقيا لمروان ابن الحكم ([٢٠٨])، ومعاوية الطليق عدو الإسلام يصبح والي بلاد الشام في عهد عمر، ويتحكم بأبي ذر (رحمه الله) ويهينه ويؤذيه ويطرده من بلاد الشام، بعد أن فضح أبو ذر ترف معاوية واستيلاءه على أموال المسلمين، وأخيراً يجهز عثمان على أبي ذر (رحمه الله) بنفيه إلى الربذة، وتركه يموت فيها وحيداً مقهوراً يعاني الفقر والجوع، في حين أن تركة عبد الرحمن بن عوف من الذهب تكسر بالفؤوس، وطلحة وعثمان وسعد وغيرهم يملكون الكثير الكثير، وإن لم أقل جميعه فمعظمه من بيت مال المسلمين.

ومن أراد المزيد فليراجع تاريخ القوم في كتب التاريخ ([٢٠٩]).

ولو سألنا أبا ذر (رحمه الله) لماذا كل هذه الآلام والمصائب في حياتك يا أبا ذر؟

لقال ما معناه: قال لي حبيبي رسول الله : قل الحق يا أبا ذر، وقد قلت الحق وما أبقى لي الحق من خليل ([٢١٠]).

طوبى لك يا أبا ذر فقد ذل سجّانك، وما قتلوك ولكن قتلتهم، وهم ماتوا في حياتهم وأنت إلى اليوم حي في قلوب المؤمنين، بل أنت معنا ومثل أعلى في قلب كل إنسان حر شريف يطالب بحقوق الفقراء والمساكين والمستضعفين أينما كان.

ويكفيك قول سيد الموحدين بعد رسول الله  علي بن أبي طالب (: (يا أبا ذر، أنك غضبت لله فارج من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حسداً. ولو إنّ السماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثم أتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، لا يؤنسنك إلاّ الحق ولا يوحشنك إلاّ الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك ولو قرضت منها لأمنوك) ([٢١١]).

وقبل هذه الحادثة حوادث ومصائب نالت من الإسلام والمسلمين، فأبو بكر يرسل خالد ابن العتل الزنيم ليقتل مالك بن نويرة (رضي الله عنه) ويعتدي على زوجته في نفس الليلة التي قتله فيها، لماذا؟ لأنّ مالكاً رفض أن يدفع زكاة أموال بني تميم البطاح لأبي بكر؛ لأنّه مغتصب لخلافة رسول الله من صاحبها الذي يعرفه المسلمون، ورأوا وسمعوا رسول الله  نصبه خليفة له في غدير خم وفي غيره من المناسبات، وهو علي بن أبي طالب. والعجيب أنّ عباس محمود العقاد يمر على قول مالك بن نويرة:

فقلت خذوا أموالكم غير ناظر ولا خائف فيما يجيء من الغد

فان قام بالأمر المخوف قائـم منعنا وقلنا الدين دين محمد ([٢١٢]).

فيقول: (أغلب الظن أنّه بدد ما جمع من الصدقات في حياته وملاهيه، ثم ليم في ذلك؟ فأجاب لائميه بهذه الأبيات)!!

وليت شعري كيف قرأت هذه الأبيات، وفهمت هذا المعنى ؟‍‍! والحال أنّ الرجل يقول خذوا أموالكم، أي: إنّه أعادها لهم. ثم بعد ذلك يحاول العقاد أن يجعل جريمة قتل مالك بن نويرة، والاعتداء على زوجته غامضة لا يتضح فيها جرم أبي بكر وخالد ابن العتل الزنيم، ليجعل بعد ذلك خالد بن الوليد عبقرياً فذّاً، شغله الجهاد عن حفظ سورة واحدة من القرآن يقرأها في صلاته عندما يؤم المسلمين، ما هكذا الأنصاف يا عقاد، (وما هكذا يا سعد تورد الإبل).

فحسبنا الله ونعم الوكيل، وسيعلم الذين يحملون الناس على أكتاف آل محمد أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

وعلى كل حال فالخطب جليل بعد وفاة النبي  والممارسات غير المشروعة والظالمة كثيرة جداً، ويكفي حادثة مالك بن نويرة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وقد انتهكت فيها دماء وأموال وأعراض المسلمين فهل بقي شيء؟!

ولسائل أن يسأل: لماذا لم يرفع علي بن أبي طالب سيفه؟ ولماذا طلب منه رسول الله  أن يصبر على الظلم من بعده؟!

ومع أنّ الإجابة فيما قدمت من البحث وفي قول أمير المؤمنين (: (فإن أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل أندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة) ([٢١٣]).

ولكن لا بأس من التوضيح قليلاً، وأذكر هنا سببين:

الأول: إنّ الإسلام لم يترسخ في نفوس الناس، فإسلامهم ظاهري وليس إيماناً حقيقياً راسخاً لا يخشى على أهله من الارتداد، فحالهم كحال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، إلاّ القليل منهم، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾([٢١٤]).

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾([٢١٥]).

وفي القرآن آيات كثيرة دالة على أنّ حال كثير من المسلمين متزلزل ومع وجود المنافقين، لك أن تعرف النتيجة، وعلى هذا فعلى الوصي أن يرضى بالظاهر، ويصبر كما رضي رسول الله  بالظاهر وصبر على المنافقين، ومن يستمع لكلامهم. وإلاّ فسيهدم هذا البناء الذي أجهد رسول الله ووصيه ( أكثر من عشرين سنة لتشييده. فالفائدة العظيمة المرجوة من هذا الدين وهي تمام نور الله في أرضه، وعبادة أهل الأرض لله ونشر كلمة لا إله إلاّ الله.

ورفع راية الله أكبر على كل بقعة في الأرض لن تحقق في زمن النبي  أو الوصي، بل في زمن خاتم الأوصياء المهدي (، وهذه سنة إلهية في الأمم السابقة، فقد أُرسل موسى إلى قوم من بني إسرائيل وعبروا معه البحر، ولكن في صحراء سيناء تمردوا عليه ورفضوا قتال الجبابرة.

قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾([٢١٦])، وبالتالي رفضوا حمل كلمة لا إله إلاّ الله إلى الناس، وعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.

وكان نتيجة هذا التيه العقوبة الإصلاحية خروج أمة ربانية صالحة، وهم أبناء هؤلاء الفاسقين وأحفادهم، وقد حملوا كلمة لا إله إلاّ الله مع يوشع بن نون وصي موسى (، وقاتلوا الجبابرة والطواغيت ونصروا دين الله في أرضه.

إذن فالنتيجة المرجوة من هذه الأمة هي في آخر الزمان، أي في زمن ظهور المهدي (، ونرجوا من الله أن يكون زماننا كما يدل عليه كثير من الروايات، والله أعلم.

وقد مر فيما سبق عن رسول الله ، قال: (.. إنما مثل أمتي كمثل حديقة أطعم منها فوجاً ما لعل آخرها فوجاً يكون أعرضها بحراً وأعمقها طولاً وأطولها فرعاً وأحسنها جناً ...) ([٢١٧]).

إذن فالرسول يرجو أن يكون آخر فوج من أمته هو أفضلها، بل لعل هذه الأمة أي أصحاب المهدي وأنصاره لا يقرنون بمن سبقهم، سواء من هذه الأمة أو من سواها على طول مسيرة الإنسانية على الأرض، وقد مر وصفهم بالحديث القدسي: (وانتجبت لذلك الوقت عباداً لي امتحنت قلوبهم للأيمان، وحشوتها بالورع والإخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والتقى والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر، واستخلفهم في الأرض … أولئك أوليائي، اخترت لهم نبياً مصطفى، وأميناً مرتضى، فجعلته لهم نبياً ورسول، وجعلتهم له أولياء وأنصار، تلك أمة اخترتها …) ([٢١٨]).

والروايات عن أهل بيت العصمة في فضل أصحاب المهدي ( وأنصاره كثيرة، ولو لم يكن من فضلهم إلاّ إعلاء كلمة الله ونشر التوحيد في كل بقعة من بقاع الأرض لكفى.

ثانياً: إنّ صبر أمير المؤمنين ( كان حجة بالغة له، فهو قد بين حقه ثم أعرض عن منازعة القوم الإمارة والحكم، ليبين أنّه ( زاهد بهذه الإمارة وإنّما طلبه لها لإقامة الحق ونشر العدل ونصرة الدين، وقد أبصر أمير المؤمنين ( عبر القرون بقية هذه الأمة وذراريهم، وعلم أنهم سيعلمون ما جرّه عليهم تنحية الوصي عن الإمارة واغتصاب حقه من قبل الجبت والطاغوت، حتى وصل الأمر إلى تسلط أولاد البغايا والزانيات على هذه الأمة، وقد مر عليك هذا المعنى في خطبة الزهراء ( حيث قالت: (أما لعمر الهك لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وزعاقاً مرّاً هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما سن الأولون) ([٢١٩]).

وفي النهاية رجعت الخلافة إلى الإمام علي ( بعد هن وهن، وحمل الناس على الحق واستقبل بهم القبلة والصراط المستقيم، ولكنهم لم يحتملوا مرارة الحق، وبعد أن قضوا وطراً في الانحراف عن صراط الله المستقيم لم يحتملوا عدالة علي ( ومساواته لهم بالعطاء، بعد أن اعتادوا التميّز والأثرة من الماضين فبعد أن اعتادوا عبادة العجل وطاعة السامري، لم يرق لهم طاعة علي وعبادة الله الواحد الأحد، وقبول شريعته التي أراد علي ( العمل بها في مجتمع مزّقه فساد الماضين، ومع هذا فقد رفع علي ( للحق راية وأرشد الناس إلى أتباعها، ولكنهم خذلوه وخذلوا ولده المعصومين من بعده الذين لم يدخّروا جهداً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سبيل إرشاد المسلمين إلى الصراط المستقيم حتى قضوا بين مسموم ومقطع بالسيوف.

فعن أبي الهيثم ابن التيهان، إنّ أمير المؤمنين ( خطب الناس في المدينة فقال: (الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو، أيها الأمة التي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت، واتبعت أهوائها وضربت في عشواء غوائها، وقد استبان لها الحق فصدت عنه والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادخرتم الخير من موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلكتم من الحق نهجه، لنهجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً، وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلّام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسدت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه؟ رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم، وما اجتلبتم.

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد علمتم إني صاحبكم، والذي به أُمرتم، وإني عالمكم والذي به نجاتكم ووصي نبيكم، وخيرة ربكم ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وعدتم، وما نزل بالأمم قبلكم، وسيسألكم الله عز وجل عن أئمتكم، معهم تحشرون وإلى الله عز وجل غداً تصيرون، أمّا والله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعدادكم، لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق، وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للعتق، وأخذوا بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين) ([٢٢٠]).

* * *

الهوامش

  1. ↩[١٥١] - آل عمران : ١٤٤.
  2. ↩[١٥٢] - الاحتجاج : ج ١ ص١٣٦.
  3. ↩[١٥٣] - معاني الأخبار: ص٣٥٥، دلائل الإمامة للطبري: ص١٢٨، أمالي الطوسي: ص٣٧٦، الاحتجاج: ج ١ ص١٤٩، بحار الأنوار: ج ٤٣ ص١٥٩.
  4. ↩[١٥٤] - ينابيع المودة للقندوزي: ج ٢ ص٥٦، ذخائر العقبى: ص٣٩، أمالي الشيخ الصدوق: ص٤٦٧.
  5. ↩[١٥٥] - البقرة : ١٧.
  6. ↩[١٥٦] - العنكبوت : ٢ - ٤.
  7. ↩[١٥٧] - ذخائر العقبى: ص٦١، سنن الترمذي: ج ٥ ص٣٠٠، تحفة الأحوذي: ج ١٠ ص١٥٣.
  8. ↩[١٥٨] - ذخائر العقبى: ص٦٢، ينابيع المودة : ج ١ ص٢٤٥، أسد الغابة: ج ٥ ص٥٤٨.
  9. ↩[١٥٩] - ذخائر العقبى: ص٦٣، ينابيع المودة: ج ٢ ص١٥٢.
  10. ↩[١٦٠] - ذخائر العقبى: ص٦٤، المصنف لعبد الرزاق الصنعاني: ج ١١ ص٢٢٦، بحار الأنوار: ج ٣٨ ص٣٠٨، أعيان الشيعة: ج ١ ص٣٥٤، وغيرها.
  11. ↩[١٦١] - ذخائر العقبى: ص٦٤، الغدير: ج ٣ ص٢٣، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( : ج ١ ص٦١.
  12. ↩[١٦٢] - ذخائر العقبى: ص٦٤، الغدير: ج ٣ ص٢٢٠، تاريخ دمشق: ج ٤٢ ص٣٩.
  13. ↩[١٦٣] - مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٧٥، ذخائر العقبى: ص٦٥.
  14. ↩[١٦٤] - مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٢١٧، وراجع المستدرك للحاكم: ج ٣ ص١٣٠، وغيره.
  15. ↩[١٦٥] - نيل الأوطار للشوكاني: ج ٦ ص١٣٩، تاريخ بغداد: ج ١ ص٣٣٣، تاريخ دمشق: ج ٤٢ ص٢٥٩، ميزان الاعتدال: ج ٢ ص٥٨٦.
  16. ↩[١٦٦] - مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٥٩، ذخائر العقبى: ص٦٨.
  17. ↩[١٦٧] - مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٣١٦، ذخائر العقبى: ص٨٦.
  18. ↩[١٦٨] - ذخائر العقبى: ص٦٩، مناقب أبن شهر أشوب: ج ١ ص٢٥٤،مجمع الزوائد: ج ٩ ص١٢١، المعجم الكبير للطبراني: ج ٢٢ ص٢٠٠.
  19. ↩[١٦٩] - ذخائر العقبى: ص٧١، مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٣٥، ينابيع المودة: ج ٢ ص١٦٣.
  20. ↩[١٧٠] - قال أحمد بن عبدالله الطبري في ذخائر العقبى بعد أن أورد الحديث المتقدم: وإن صح هذا الحديث فالتوريث محمول على ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال علي: (يا رسول الله ما أرث منك؟ قال: ما يرث النبيون بعضهم من بعض كتاب الله وسنة نبيه). والوصية محمولة على ما رواه أنس: أن النبي  قال: (وصيي ووارثي يقضى ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه). أخرجه أحمد في المناقب .... أخرجه أحمد في المناقب وخرجه ابن السراج، أو على ما رواه حسين بن علي عن أبيه عن جده قال: أوصى النبي  عليا أن يغسله، فقال علي: (يا رسول الله أخشى أن لا أطيق ذلك، قال : إنك ستعان عليّ، فقال علي رضي الله عنه : والله ما أردت أن أقلب من رسول الله  عضواً إلاّ قلب لي). ويعضد هذا التأويل بما ورد من الأحاديث الصحيحة في نفى التوريث والايصاء، وإنه لم يعهد إليهم عهداً غير ما في كتاب الله وما في صحيفة فيها شئ من أسنان الإبل ومن العقل على ما قررناه في كتاب الرياض النضرة في فضائل العشرة رضي الله عنهم . ذخائر العقبى: ص٧١.
  21. ↩[١٧١] - ذخائر العقبى: ص٧٧، ينابيع المودة: ج ٢ ص١٧٠، جواهر الإمام علي بن أبي طالب( : ج ١ ص١٩٣.
  22. ↩[١٧٢] - مسند أحمد: ج ٤ ص٢٨١، ذخائر العقبى: ص٧٦.
  23. ↩[١٧٣] - مناقب آل أبي طالب: ج ٢ ص٢٣٦.
  24. ↩[١٧٤] - بشارة المصطفى للطبري: ص٣٦٢، ذخائر العقبى: ص٦٨، شواهد التنـزيل للحاكم: ج ١ ص٣٤٩، وفيه : ويلك بدل ويحك.
  25. ↩[١٧٥] - ذخائر العقبى: ص٦٣، صحيح ابن حبان: ج ١٥ ص٣٧١، المعجم الأوسط للطبراني: ج ٥ ص٢٨٧، المعجم الصغير: ج ٢ ص٢٢.
  26. ↩[١٧٦] - الأعراف : ١٤٢.
  27. ↩[١٧٧] - الاستنصار: ص٨، الارشاد للمفيد: ج ٢ ص٣٤٦، الكافي: ج ١ ص٥٣٣، مناقب آل أبي طالب: ج ١ ص٢٥٧
  28. ↩[١٧٨] - الاستنصار: ص٨.
  29. ↩[١٧٩] - الاستنصار: ص٨، تقريب المعارف للحلبي: ص٤١٩.
  30. ↩[١٨٠] - الكافي: ج ١ ص٥٣٤، الاستنصار: ص٨.
  31. ↩[١٨١] - كمال الدين: ص٢٨١، مقتضب الأثر: ص١٠، الاستنصار: ص٨.
  32. ↩[١٨٢] - الخصال: ص٤٧٦، عيون أخبار الرضا ( : ج ٢ ص٥٦، كمال الدين: ص٢٦٩.
  33. ↩[١٨٣] - مقتضب الأثر: ص١١، بحار الأنوار: ج ٣٦ ص٣٧٢، وجاء في الخصال باختلاف يسير: ص٤٧٥، ولاحظ عيون أخبار الرضا( : ج ٢ ص٥٦.
  34. ↩[١٨٤] - الكافي: ج ١ ص٢٩٤، بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٧٢.
  35. ↩[١٨٥] - كمال الدين: ص٢٥٣، غيبة الطوسي : ص١٧٣، بحار الأنوار: ج ٥٢ ص٣٧٩، إلزام الناصب: ج ١ ص١٦٩.
  36. ↩[١٨٦] - في الكافي: ومديل المظلومين وديان الدين.
  37. ↩[١٨٧] - في بعض نسخ الكافي: لا أعذب به.
  38. ↩[١٨٨] - في بعض نسخ الكافي: بسليلك .
  39. ↩[١٨٩] - في الكافي: حسن وحسين.
  40. ↩[١٩٠] - في غيبة النعماني: فهو أفضل من استشهد في، وأرفع الشهداء درجة عندي، ... ، وحجتي البالغة عنده.
  41. ↩[١٩١] - في بعض نسخ الكافي: وزين أولياء الله الماضين.
  42. ↩[١٩٢] - في بعض نسخ كمال الدين: شبيه جدّه.
  43. ↩[١٩٣] - في الكافي : أبيحت. كما أنه في بعض نسخه: أتيحت. وهذا هو الموجود في غيبة النعماني.
  44. ↩[١٩٤] - في بعض نسخ كمال الدين: لأن خيط وصيتي. وفي بعض نسخ غيبة النعماني: ألا إن خيط فرضي.
  45. ↩[١٩٥] - جاءت في كمال الدين.
  46. ↩[١٩٦] - في غيبة الطوسي: وأمتعه، وفي العوالم: وأمنحنه.
  47. ↩[١٩٧] - بابنه : (م ح م د).
  48. ↩[١٩٨] - جاءت هذه العبارة في شرح اصول الكافي للمازندراني: ج ٧ ص٣٦٣.
  49. ↩[١٩٩] - جاء ت هذه الكلمة في غيبة الطوسي: ص١٤٦. وفي غيبة النعماني: ص٧١.
  50. ↩[٢٠٠] - في الهداية الكبرى للخصيبي: عليه إكمال صفوة آدم ورفعة إدريس وسكينة نوح وحلم إبراهيم وشدة موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب.
  51. ↩[٢٠١] - في الكافي: الرنا. والرنة : هي الصياح في المصيبة.
  52. ↩[٢٠٢] - في بعض نسخ كمال الدين: القيود .
  53. ↩[٢٠٣] - البقرة : ١٥٧.
  54. ↩[٢٠٤] - إكمال الدين: ص٣٠٨، عيون أخبار الرضا ( : ج ٢ ص٤٨، الكافي: ج ١ ص٥٢٧، الاختصاص للمفيد: ص٢١١، الاحتجاج: ج ١ ص٨٤، غيبة الطوسي: ص١٤٥، غيبة النعماني: ص٧١، مناقب آل أبي طالب: ج ١ ص٢٥٥.
  55. ↩[٢٠٥] - عيون أخبار الرضا: ج ٢ ص٥٠، كمال الدين: ص٣١١، الكافي: ج ١ ص٥٢٩.
  56. ↩[٢٠٦] - بحار الأنوار: ج ٣٦ ص٢٠٠.
  57. ↩[٢٠٧] - آل عمران: ١٤٤.
  58. ↩[٢٠٨] - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: (وثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كنيته أبو عمرو، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه فراسة عمر، فإنه أوطأ بنى أمية رقاب الناس، وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع، وافتتحت إفريقية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي : ...... وأعطيت مروان خمس البلاد . . . فهيهات سعيك ممن سعى !) شرح نهج البلاغة: ج ١ ص١٩٨.
  59. ↩[٢٠٩] - راجع كتاب الغدير للشيخ الأميني: ج ٨ ص٢٩٢ وما بعدها، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٣ ص٥٤، وغيرهما.
  60. ↩[٢١٠] - روي في وصايا الرسول محمد  لأبي ذر (: (... قلت: يا رسول الله، زدني. قال: قل الحق وإن كان مراً. قلت: يا رسول الله، زدني . قال: لا تخف في الله لومة لائم ...) الأمالي للطوسي: ص٥٣٩ - ٥٤١.
  61. ↩[٢١١] - نهج البلاغة : ج ٢ ص١٧.
  62. ↩[٢١٢] - راجع ترجمة مالك بن نويرة في الإصابة: ج ٥ ص٥٦٠، ووفيات الأعيان لابن خلكان: ج ٦ ص١٤، معالم المدرستين: ج ٢ ص٨٢.
  63. ↩[٢١٣] - نهج البلاغة: ج ١ ص٣٦.
  64. ↩[٢١٤] - الحجرات : ١٤.
  65. ↩[٢١٥] - الأحزاب : ١٤.
  66. ↩[٢١٦] - المائدة : ٢٤.
  67. ↩[٢١٧] - الخصال: ص٤٧٦، عيون أخبار الرضا(: ج ٢ ص٥٦، كمال الدين: ٢٦٩.
  68. ↩[٢١٨] - سعد السعود لابن طاووس: ص٣٤، بحار الأنوار: ج ٥٢ ص٣٨٤، إلزام الناصب: ج ٢ ص٢٥٩.
  69. ↩[٢١٩] - معاني الأخبار: ص٣٥٥، دلائل الإمامة للطبري: ص١٢٨، أمالي الطوسي: ص٣٧٦، الاحتجاج: ج ١ ص١٤٩.
  70. ↩[٢٢٠] - الكافي: ج ٨ ص٣٢.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
بعد وفاة النبي (ص) - العجل - الجزء الأول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.