ومن هنا كلما كان شكر العبد عظيماً كان توفيق الله الذي توجّه به هذا العبد لهذا الشكر أعظم، فأصبحت النعمة على عباد الله المقربين أعظم، وأصبح عملهم وشكرهم نعمة جديدة تحتاج إلى شكر، وهذا الشكر بتوفيق الله وحوله وقوّته فهو نعمة جديدة أعظم من سابقتها تحتاج إلى شكر أعظم، وهكذا حتى ألجمهم الكريم بكرمه، فخرست ألسنتهم، وفاضت أعينهم من الدمع لمّا عرفوا أنّهم قاصرون عن شكره سبحانه، بل إنّهم في مقاماتهم المحمودة - لمّا عرفوا أنّهم لا يزالون مشوبين بالعدم وظلمته والنقص وحقيقـته - عدّوا وجودهم وبقاءهم ذنباً، فاستغفروا الله منه وتابوا إليه وطلبوا عفوه ورحمته. هذا مع أنّ وجودهم رهن بقاء هذا الحجاب، وبقاءهم رهن تشوبهم بالظلمة والعدم، وهذا أمير المؤمنين علي ( يقول: (إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها، فلها الويل إن لم تغفر لها)([٩٥]).
فعدَّ التفاته إلى وجوده ذنباَ، بل لعلّي أقول: عدَّ وجوده ذنباً لِـمَا فيه من شائبة العدم التي بدونها لا يبقى له اسم ولا رسم ، بل يفنى ولا يبقى إلاّ الله الواحد القهار.
وفي الحديث عن الصادق (: (فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له : مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك ، فجبرائيل لا يستطيع الوصول إلى مقام النبي فأشار له بالعروج إلى مقامه - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إنّ ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي؟ قال: يقول سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي. فقال: اللهم عفوك، عفوك.
قال (: وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾. قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال (: ما بين أسّتها إلى رأسها. قال (: وكان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ([٩٦])، ولا أعلمه إلا وقد قال (: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة([٩٧]) إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى .....)([٩٨]).
أمّا طلب النبي للعفو فقد تبيّن، وأمّا خفق الحجاب فهو: استجابة منه جلَّ شأنه لطلب النبي للعفو، وإماطة حجاب العدم والظلمة عن صفحة وجوده المباركة، ولكنّها استجابة جزئيّة ، بما هو أهله سبحانه، فلو رفع الحجاب لما عاد للنبي اسم ولا رسم ولا حقيقة.
ومن هنا تعرف مقام هذا الكريم ، فقد أعطى كلّه لله ، فأعطاه الله ما لم يعط أحداً من العالمين (فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة).
وهذا يفي بالمقام لتعلم أنّ الجميع يجب أن يحثوا الخطى إليه سبحانه ناكسي رؤوسهم، تائبين إليه، راجين عفوه ورحمته، متقلبين بين ركوع وسجود وخضوع وتذلل) من كتاب: (شيء من تفسير سورة الفاتحة).
* * *
( س/ في كتاب الآداب المعنوية للصلاة للسيد الخميني (قدس سره) ص٣٢٠، قال: (أما عظمة متكلمه ومنشأه وصاحبه فهو العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب والشهادة رشحة من تجليات عظمة فعل تلك الذات المقدسة ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب والسرادقات كما في الحديث: أن له تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجه دونه ...).
س أ - هل هذه الحجب الظلمانية والنورانية مختلطة.
س ب - ما معنى حجب الظلمة وحجب النور.
س ج - كيف ترفع بعض حجب الظلمة وحجب النور.
س د - هل أن هذه الحجب لا ترفع أبداً كما قال السيد (قدس سره): (ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد)، ولو رفعت ماذا يحصل وما معنى الحرق.
ج/ الحجب الظلمانية هي جنود الجهل التي ذكرها الإمام الصادق( والأخلاق الذميمة والأنا المغروسة في فطرة الإنسان فكلما زادت الأنا عند الإنسان زادت هذه الحجب، وكلما قلت الأنا عند الإنسان قلت هذه الحجب فهذه الحجب منشؤها الظلمة والعدم والمادة وهي ليست إلا سلب لكل خير.
أما الحجب النورانية فهي كلمات الله سبحانه وتعالى والفيض النازل منه سبحانه إلى خلقه ولها حال في كل مقام، ولكل إنسان سالك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى فهي بالنسبة لخير الخلق محمد القرآن أو الحجاب الذي يخفق كما ورد في الرواية عن الصادق ( قال: (فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك فجبرائيل لا يستطيع الوصول إلى مقام النبي فأشار له بالعروج إلى مقامه - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي إن ربك يصلي، فقال: يا جبرائيل وكيف يصلي؟ قال: يقول سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي فقال : اللهم عفوك عفوك. قال(: وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾، قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال(: ما بين أستها إلى رأسها، قال (: وكأن بينهما حجاب يتلألأ ويخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة فقال الله تبارك وتعالى …) تفسير الصافي : سورة النجم .
وهذا الحجاب الزبرجد الأخضر الذي يخفق هو إشارة إلى حجب الظلمة وحجب النور وارتفاع حجب الظلمة بالفتح في مثل سم الإبرة وارتفاع حجب النور بالخفق الحاصل للحجاب، فحجب الظلمة تخرق بالتخلي عن جنود الجهل والأنا، وحجب النور يحتويها الإنسان ويفنى فيها عندما يتحلى بجنود العقل والأخلاق الكريمة، وهكذا الإنسان في مسيرته التكاملية يسعى إلى أن يصل إلى رفع الأنا عن صفحة وجوده والتحلي بجميع جنود العقل وهذا هو الفتح المبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الفتح :١، وهذا هو المقام المحمود الذي وصل إليه الرسول الكريم محمد وقد تجلى في هذا المقام الله سبحانه وتعالى لمحمد في آنات: (وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق) أي إن الحجاب يرتفع في آن ويعود في آن آخر، وحال ارتفاعه لا يبقى محمد بل يفنى ويحترق ولا يبقى وجه الله محمد ، بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار.
والحديث أعلاه المروي عنهم لا ينفي الكشف لحجب الظلمة والنور مطلقاً، بل ينفي الكشف التام الدائم، أما الكشف التام في آنات فهو حاصل لمحمد وهو يخفق مع خفق الحجاب والكون كله يخفق مع محمد ولو قرأت القرآن لخفقت مع خفقه ذهاباً ومجيئاً دون قصد منك لهذا الفعل ، بل كأنك مضطر إليه.
ج س : أ - ب / النور أو الحجب النورانية هي من الله سبحانه وتعالى وحجب الظلمة من المادة أو العدم والمخلوقات وجدت بإشراق النور في الظلمة، أو قل تجلي النور في الظلمة والاختلاط الحاصل بين النور والظلمة ليس بمعنى اختلاط مجانسة بل هو اختلاط تجلٍ وظهور، كما قال أمير المؤمنين ( ما معناه: (داخل في الأشياء بلا مجانسة وخارج منها بلا مزايلة).
ج س: ج/ ترفع حجب الظلمة والنور بالسعي إلى الله سبحانه وتعالى وتحصيل رضاه، وترفع حجب الظلمة خاصة بالتخلي عن جنود الجهل والأخلاق الذميمة وبالابتعاد عن الأنا وتركها، وترفع حجب النور بالعلم والمعرفة والتحلي بجنود العقل والأخلاق الكريمة وتسلق سلم الصعود إلى المقامات القدسية في الملأ الأعلى.
ج س: د/ اتضح مما سبق أنها رفعت بشكل تام لمحمد ولكن ليس على الدوام بل في آنات، كما اتضح أن العلة في عدم رفعها بشكل دائم هي أنها لو رفعت بشكل دائم لا يبقى للعبد هوية بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار بعد احتراق العبد وفناءه في الذات الإلهية، ولم ترفع هذه الحجب بشكل تام لغير محمد وهو صاحب المقام المحمود، وقال سيد العارفين علي (: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) وهذا الغطاء والحجاب الذي رفع لمحمد ، وإلا فعلي ( كشف له الغطاء بالمراتب الأدنى من هذه المرتبة التي ذكرها( ، وقد كان ( يسير في جبانة الكوفة ويكلم الموتى كما روى حبة العرني) من كتاب المتشابهات:ج ٢.
الهوامش
↩[٩٥] - إقبال الأعمال: ج ٣ ص٦٢٩، الفصل:١٠، مناجاة شهر شعبان، بحار الأنوار: ج ٩١ ص٩٧.