الملاحق ٤
الملحق (٤)
رحلة موسى إلى مجمع البحرين · السيد أحمد الحسن
-الملحق (٤)
محمد ظهور الله في فاران : وردت هذه العبارة في دعاء السمات الوارد عن الأئمة : (...... وأسألك اللهم ..... وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء، فكلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران (، وبطلعتك في ساعير، وظهورك في فاران ...)([٩٩]). وطلعة الله في ساعير بعيسى( ، وظهور الله في فاران بمحمد . ولابد من الالتفات إلى أن عبارات الدعاء مرتبة تصاعدياً فمن نبي كلّمه الله هو موسى (، إلى نبي مثّل طلعة الله وهو عيسى (، إلى نبي مثّل ظهور الله هو محمد . والفرق بين الطلعة والظهور هو أن الطلعة هي الإطلالة والظهور الجزئي أي إن الطلعة هي تجلي بمرتبة أدنى من الظهور، فكلاهما - أي عيسى ( ومحمد - مثّلا الله سبحانه في الخلق، ولكن عيسى ( بمرتبة أدنى من محمد ، وبعث عيسى( كان ضرورياً للتمهيد لظهور وبعث محمد الذي مثَّل الله في الخلق فكان محمد خليفة الله حقاً، وإذا رجعنا إلى أصل وبداية الخلق وجدنا الله سبحانه وتعالى يخاطب الملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([١٠٠]). فإنه وإن كان آدم خليفة الله وباقي الأنبياء والأوصياء كذلك، ولكن الهدف الذي يراد الوصول إليه هو خليفة الله حقاً ، أي الشخص الذي يكون خليفة كاملاً لله سبحانه وتعالى، فيعكس اللاهوت في مرآة وجوده بشكل أكمل وأتم من كل الأنبياء والأوصياء فالمراد الوصول إليه هو شخص يخفق بين (الأنا والإنسانية) وبين (اللاهوت والذات الإلهية): سأل أبو بصير أبا عبد الله ( فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله ؟ فقال (: (مرتين فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي، فقال: يا جبرائيل وكيف يصلي؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة و الروح، سبقت رحمتي غضبي، فقال: اللهم عفوك عفوك، قال : وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾. فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال( : ما بين إسّتها إلى رأسها، فقال (: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك؟ قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين. ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي عليه السلام من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة)([١٠١]). فمحمد في الآن الذي يفنى في الذات الإلهية لا يبقى إلا الله الواحد القهار، ولا يبقى إلا نور لا ظلمة معه، وهو الله سبحانه وتعالى، فيكون هذا العبد قد كشف عنه الغطاء حتى عرف الله حق معرفته. فهو فقط الذي يمكن أن يُعرّف الخلق بالله بشكل كامل وتام، وكذلك هو فقط خليفة الله الكامل، أي الذي تجلى فيه اللاهوت، أو الذات الإلهية بأكمل ما هو ممكن للإنسان. ولتبيين هذا أكثر أضرب هذا المثل: إذا كان إنسان لديه مصنع وفيه آلات وعمال فإذا كان هو بنفسه يدير هذا المعمل تكون نسبة الإنتاج في المصنع هي مائة بالمائة (١٠٠ %)، ثم بدا لهذا الإنسان أن يجعل شخصاً يخلفه في إدارة هذا المصنع فوجد إنساناً آخر يستطيع إدارة هذا المصنع، ولكنه إذا لم يشرف هو بنفسه على هذا الشخص تكون نسبة الإنتاج ثمانيين بالمائة (٨٠ %)، فلابد له من الإشراف عليه لتبقى نسبة الإنتاج تامة (مائة بالمائة)، ثم إنه وجد إنساناً آخر أكثر كفاءة من السابق ، ولكنه أيضا يحتاج إلى الإشراف عليه وإلا ستكون النسبة (٩٠ %)، فجعله خليفته في هذا المصنع واشرف عليه وعلى عمله لتبقى النسبة مائة بالمائة (١٠٠%)، ثم أخيراً وجد إنساناً مثله وكأنه صورة له يستطيع إدارة المصنع وبدون الإشراف عليه وتكون نسبة الإنتاج مائة بالمائة (١٠٠%)، فجعله خليفته على المصنع وأطلق يده يفعل ما يشاء فيه لأنه لا يشاء إلا مشيئة صاحب المصنع، فالآن الإشراف على هذا الخليفة الكامل من صاحب المصنع سيكون عبثاً. فالذي يسمع بالنار يعرفها بقدر ما سمع عنها، وكذا من رآها يعرفها على قدر رؤيته لها. أما من احترق منه شيئاً بالنار فهو يعرفها يقيناً، لكن بقدر ما احترق منه بها، أما من احترق كله بالنار حتى أصبح هو النار فانه يعرفها بشكل كامل وتام، حتى إنك لا تستطيع أن تميزه من النار لأنه أصبح منها: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾([١٠٢]). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾([١٠٣]). * * * والآن نعود إلى كون محمد خاتِـم النبيين وخاتـَمهم. فهو صلوات ربي عليه آخر الأنبياء والمرسلين من الله سبحانه وتعالى ورسالته وكتابه القرآن وشريعته باقية إلى يوم القيامة فلا يوجد بعد الإسلام دين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([١٠٤]). ولكن بقي مقام النبوة مفتوحاً لبني آدم، فمن أخلص من المؤمنين لله سبحانه وتعالى في عبادته وعمله يمكن أن يصل إلى مقام النبوة، كما بقي طريق وحي الله سبحانه وتعالى لبني آدم بـ (الرؤيا الصادقة) مفتوحاً، وموجوداً وملموساً في الواقع المعاش. أما إرسال أنبياء (ممن وصلوا إلى مقام النبوة) من الله سبحانه وتعالى سواء كانوا يحافظون على شريعة محمد الإسلام، أم أنهم يجددون ديناً جديداً فهو غير موجود وهو الذي ختمه الله سبحانه وتعالى ببعثه محمداً . ولكن تجدد بعد بعث النبي محمد (الإنسان الكامل وخليفة الله حقاً ، وظهور الله في فاران وصورة اللاهوت) أمر الإرسال من محمد ، فجميع الأئمة هم مرسلون إلى هذه الأمة، ولكن من محمد (الله في الخلق) قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾([١٠٥]). عن جابر عن أبي جعفر ( قال سألته عن تفسير هذه الآية: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، قال(: (تفسيرها بالباطن إن لكل قرن من هذه الأمة رسولاً من آل محمد يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء وهم الرسل، وأما قوله: ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ قال: معناه إن الرسل يقضون بالقسط وهم لا يظلمون كما قال الله)([١٠٦]). وقال تعالى : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾([١٠٧]). عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فَقَالَ (: (كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِلْقَرْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِمْ)([١٠٨]). عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (: فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد﴾، فَقَالَ: (رَسُولُ اللَّهِ الْمُنْذِرُ وَلِكُلِّ زَمَانٍ مِنَّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ، ثُمَّ الْهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيٌّ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ)([١٠٩]). عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، فَقَالَ: (رَسُولُ اللَّهِ الْمُنْذِرُ وَعَلِيٌّ الْهَادِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ هَلْ مِنْ هَادٍ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا زَالَ مِنْكُمْ هَادٍ بَعْدَ هَادٍ حَتَّى دُفِعَتْ إِلَيْكَ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَاتَتِ الْآيَةُ مَاتَ الْكِتَابُ وَلَكِنَّهُ حَيٌّ يَجْرِي فِيمَنْ بَقِيَ كَمَا جَرَى فِيمَنْ مَضَى). عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فَقَالَ: (رَسُولُ اللَّهِ الْمُنْذِرُ وَعَلِيٌّ الْهَادِي أَمَا وَاللَّهِ مَا ذَهَبَتْ مِنَّا وَمَا زَالَتْ فِينَا إِلَى السَّاعَةِ). فهم رسل هداة من محمد وإلى محمد ، وأيضاً هم جميعاً عليهم صلوات ربي لهم مقام النبوة، بل إن شرط الإرسال الذي لا يتبدل هو: (تمام العقل) فلابد من الوصول إلى مقام السماء السابعة الكلية (سماء العقل). وهذا الأمر الذي تجدد يقرؤه سواء كان يفقهه أم لا يفقهه كل من يزور أول رسول من محمد وهو علي بن أبي طالب( ، بل لا يدخل إلى الحرم المطهر لأمير المؤمنين( إلا بعد قراءته ، وهو بمثابة زيارة للنبي محمد . في زيارة أمير المؤمنين علي ( عن الصادق (: (... وتقول: السلام من الله على محمد أمين الله على رسالته وعزايم أمره ومعدن الوحي والتنزيل، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كله الشاهد على الخلق، السراج المنير، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته)([١١٠]). ووردت نفس العبارة في زيارة الحسين ( عن أبي عبد الله (، قال: (... فإذا استقبلت قبر الحسين ( فقل: السلام على رسول الله أمين الله على رسله وعزائم أمره، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كله، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته)([١١١]). وقال أمير المؤمنين علي (: (... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يؤدي الإسلام ذاكرها ويؤمن من العذاب يوم الحساب ذاخرها، وأشهد أن محمدا عبده الخاتم لما سبق من الرسالة وفاخرها، ورسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة وناشرها ....)([١١٢]). فمحمد ختم الإرسال من الله سبحانه وتعالى ، وفتح الإرسال منه (الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل). وبهذا تبين كونه (الخاتـَم) أي الوسط بين أمرين، وكذا كونه (الخاتـِم) أي الأخير. وتبين أيضاً انه (خاتَم النبيين) بمعنى انه ما تختم به رسالاتهم أي إن رسالاتهم موقعة ومختومة باسمه ، وذلك لأن إرسال الأنبياء السابقين وإن كان من الله سبحانه وتعالى ولكن أيضاً محمد هو الحجاب بين الله سبحانه وبين الأنبياء، فالرسالات منه تترشح، ومن خلاله تتنزل إلى الأنبياء. فمحمد هو صاحب رسالات الأنبياء السابقين، كونها تنزلت من خلاله ، وهو الحجاب الأقرب إلى الله سبحانه، فالإرسال السابق من الله ومن خلال محمد الحجاب الأقرب لكونه لم يُبعث ، والإرسال اللاحق من محمد وبأمر الله كونه بُعث . واسم من أسماء علي ابن أبي طالب هو (رسول رسول الله )، عن جميل بن صالح، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله ( يعوذ بعض ولده ويقول: (عزمت عليك يا ريح ويا وجع، كائنا ما كنت بالعزيمة التي عزم بها علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ( رسول رسول الله على جن وادي الصبرة فأجابوا وأطاعوا لما أجبت وأطعت وخرجت عن ابني فلان ابن ابنتي فلانة، الساعة الساعة)([١١٣]). * * * الرسل من الرسل: القرآن الكريم بين هذه القضية المهمة ، لكون الرسول محمد فاتح بابها الواسع، فهي حصلت فيما سبق وتحديداً مع عيسى( (طلعة الله في ساعير)، والممهد لمحمد ودعوته الكبرى، التي سيكون فيها تحول كبير في منهج الإرسال الإلهي لأهل الأرض، واستخلاف خليفته سبحانه وتعالى في أرضه ، فقد أرسل عيسى ( رسلاً منه إلى أنطاكية، وهم أيضا رسل من الله؛ لأن عيسى ( يعمل بأمر الله سبحانه وتعالى. ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾([١١٤]). وهذا الإرسال من رسول الله عيسى ( ذُكِرَ في القرآن في سورة يس([١١٥])، قال تعالى: ﴿وَاضرِِب لَهُم مَّثَلاً أَصحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا المُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾([١١٦]). فالله يقول (أرسلنا)، مع أن المُرسِل عيسى ( فأصبحت الرسالة من عيسى ( هي رسالة من الله سبحانه وتعالى، لأن عيسى( (مثَّل الله في الخلق) فهو (طلعة الله في ساعير). ويبقى أمر لابد من معرفته في قضية الإرسال من الرُسُل، وهو كون المُرسِل لابد أن يكون بمقام اللاهوت للمُرسَل، ولذا فان المرُسِلين من المرُسَلين من الله سبحانه وتعالى لابد أن يكونوا بمقام الله في الخلق. ولتتوضح هذه المسألة أكثر أقول: في الإرسال من الله سبحانه وتعالى كان الله مع المُرسَلين يسمع ويرى فهو محيط بالمرُسَل وبأعدائه فلا يحصل خطأ في إيصال الرسالة ، كما لا يستطيع أعداء الله مهما حاولوا منع تبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾([١١٧]). ومن الضروري أن يكون الحال كذلك في الإرسال من الرُسُل ، فلابد أن يكون المُرسِل الذي مثَّل الله محيطاً بالمُرسَل وبأعدائه، ويسمع ويرى وقادرا عالما بقدرة الله وعلمه، وإلا فلا يكون هذا الإرسال من الله حقيقة. وتماماً كما عبر عنه سبحانه ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾. وإذا كان الأمر كذلك أصبح المُرسِل لاهوتاً بالنسبة للمُرسَل، ثم إن هذا المُرسِل أرسل رسوله بإذن الله سبحانه وتعالى فكيف يأذن له الله دون أن يجهزه بالقدرة الكاملة لهذا الإرسال الذي هو أيضاً إرسال منه سبحانه؛ لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك، وكان هناك نقص فان هذا النقص ينسب إلى ساحة الله سبحانه وتعالى. ثم إنّ الهدف من خلق بني آدم هو الوصول إلى هذه النتيجة، لأنها تمثل خلافة الله الحقيقية الكاملة التامة، وقد ذكرها سبحانه في محضر من الملائكة عندما أراد خلق آدم (: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾([١١٨]). والخليفة الكامل لابد أن يكون صورة كاملة لمن استخلفه، فلابد أن يكون هذا الخليفة الكامل هو: (الله في الخلق) أو (أسماء الله الحسنى) أو (وجه الله)، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾([١١٩]). وأكيد أن النظر لا يوجه إليه سبحانه وتعالى، بل إن وجوه أوليائه الناضرة ناظرة إلى مربيها محمد الذي هو وجه الله سبحانه الذي واجه به خلقه، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾([١٢٠]). وتعالى الله عن الإتيان والذهاب والحركة، وهي من صفات المخلوق ، فالمراد بهذه الآية محمد خليفة الله الكامل ، الذي يمثل اللاهوت (الله في الخلق)، وبدون أن يمارس الخليفة دور اللاهوت في إرسال المرُسَلين عمليا لا يكون خليفة الله الكامل حقاً وتماماً، بل ولا يتحقق الهدف من الخلق. فانه بممارسة هذا الخليفة لدور اللاهوت يكون صورة كاملة يعرف بها الله سبحانه وتعالى فيتحقق الهدف من الخلق وهو المعرفة أي معرفة اللاهوت والتوحيد الحقيقي ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([١٢١])، أي إلا ليعرفون) من كتاب (النبوة الخاتمة). * * *الهوامش
- ↩[٩٩] - مصباح المتهجد - الشيخ الطوسي : ص٤١٩.
- ↩[١٠٠] - البقرة:٣٠
- ↩[١٠١] - الكافي: ج ١ ص٤٤٢.
- ↩[١٠٢] - النمل: ٨.
- ↩[١٠٣] - العنكبوت: ٤٣.
- ↩[١٠٤] - آل عمران: ٨٥.
- ↩[١٠٥] - يونس: ٤٧.
- ↩[١٠٦] - تفسير العياشي: ج ٢ ص١٢٣.
- ↩[١٠٧] - الرعد: ٧.
- ↩[١٠٨] - الكافي: ج ١ ص١٩١.
- ↩[١٠٩] - الكافي: ج ١ ص١٩١.
- ↩[١١٠] - منتهى المطلب (ط.ق) - العلامة الحلي: ج ٢ ص٨٩٠، وفي تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي: ج ٦ ص٢٥ وفي من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق: ج ٢ ص٥٨٨ نفس العبارة: (الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل).
- ↩[١١١] - كامل الزيارات- جعفر بن محمد بن قولويه : ص٣٦٧.
- ↩[١١٢] - إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج ٢ ص١٥٧.
- ↩[١١٣] - الكافي - الشيخ الكليني: ج ٨ ص٨٥.
- ↩[١١٤] - الأنبياء: ٢٧.
- ↩[١١٥] - ورد عنهم في فضل سورة يس أنها تعدل اثنا عشر ختمة للقرآن ، ومن قرأها في الليل انزل الله ألف ملكاً يحرسونه حتى يصبح ، وهو آمن من شر السلطان والشيطان حتى يصبح . وفتحت سورة يس بحرف الإمام المهدي ( وهو حرف (س) ، وأما الياء فهي تعني النهاية أي إن النهاية والعاقبة للقائم ( . وكذا يس من أسماء النبي محمد فهو الخاتم لما سبق ونهاية ما سبق ، وكذا القائم يبعث كما بعث محمد وعلى سنته ، ويواجه الجاهلية كما واجهها رسول الله محمد ، فهو اسم مشترك بينهما عليهما السلام.
- ↩[١١٦] - يـس: ١٣- ١٤.
- ↩[١١٧] - طـه: ٤٦.
- ↩[١١٨] - البقرة: ٣٠.
- ↩[١١٩] - القيامة: ٢٢ - ٢٣.
- ↩[١٢٠] - البقرة: ٢١٠.
- ↩[١٢١] - الذريات: ٥٦.