موسى(ع) مهتم جداً بهذه الرحلة.
أهمية هذا اللقاء بالنسبة لموسى(ع) كبيرة حيث قرر أنه إما أن يجد العبد الصالح، أو يبقى هائماً على وجهه حتى يهلك.
اهتمام موسى (ع) الكبير بهذه الرحلة يكشف لنا أهمية لقاء العبد الصالح وأهمية العلم والمعرفة التي سيتلقاها موسى( في هذا اللقاء بالنسبة لموسى (ع).
أمر مهم جداً في هذه الكلمات لكل إنسان سائر إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أنّ موسـى ( ردّد بين أمرين هما:
الأول: أن يبلغ مجمع البحرين.
والثاني: هو أن يمضي حقباً.
ولو لم يكن الاحتمال الثاني ممكن الوقوع لما كان من الحكمة أن يورده موسى ( كاحتمالٍ ممكن الوقوع ومساوق للاحتمال الأول، أي إن موسى ( خرج ليبلغ مجمع البحرين، ولكن هناك احتمالاً أن لا يبلغ مجمع البحرين، فلا يوجد أمر مقطوع لموسى( أنه سيبلغ مجمع البحرين، وكان بلوغ موسى ( إلى مجمع البحرين يعتمد على إخلاص موسى ( ، أي إنّ امتحان موسى( لم يبدأ عندما التقى العبد الصالح، بل هو بدأ منذ أن وجّهه الله إلى أن يجد العبد الصالح ويتبعه ليتعلم منه، وهذا يفسر لنا بوضوح الحدث الأول في الرحلة وهو: إن موسى( مر بالعبد الصالح أو بمجمع البحرين وتجاوزه ثم عاد إليه، ومع أنّ العبد الصالح كان يعرف موسى ( وينتظره في هذا المكان ولكنه لم يصرح له بأنه هو عندما مرّ بقربه، بل تركه يتجاوزه دون أن يتكلم معه؛ لأن موسى( ممتحن بمسألة الوصول إلى العبد الصالح ( ومعرفته، ولهذا كان قول موسى( عندما حصلت الآية: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ التي دلته على العبد الصالح( ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، فكان الذي دل موسى ( على العبد الصالح ( هو إخلاصه الذي أهّله لسماع كلمات الله حتى في فقد سمكة، إخلاصه الذي ظهر جلياً قبل ذلك بقوله (: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾:
موسى( هدفه مجمع البحرين.
وموسى ( يسير ويصل مجمع البحرين، ولكن مع هذا لا يلتفت إلى أنه وصل، ويتجاوزه ثم يرجع إليه .
إنّ كون هدف موسى هو (مجمع البحرين) وتضييعه ( لهذا الهدف يحتاج إلى تدبر؛ لأنك لا تضيَّع ملتقى دجلة والفرات مثلاً إن تتبعت أحدهما نزولاً فكيف ضيَّع موسى ويوشع بن نون عليهما السلام مجمع البحرين إن كان هو مجرد مكان وملتقى نهرين؟! وكيف غفلا عن أنهما وصلا إلى مجمع البحرين مع أن كليهما معصوم؟!
إذن، لابد أن يكون مراد موسى من مجمع البحرين أمراً يمكن أن يضيَّع وليس مجرد ملتقى نهرين، بل ولابد أن تكون الغفلة عنه أمراً لا يوصف صاحبه بضعف الإدراك أو السفه، والحقيقة أنه عادة أقل ما يقال في إنسان يغفل ويتجاوز ملتقى نهرين معين جاء في طلبه بأنه ضعيف الإدراك.
إذن، فلا يمكن أن يكون مجمع البحرين مكاناً معيناً؛ وإلا لكانت غفلة موسى ( عنه تقدح في إدراكه فضلاً عن عصمته. ولابد أن يكون الالتفات إلى مجمع البحرين وتذكره ومعرفته ابتداءً يحتاج إلى درجة عالية من الإخلاص والعصمة المترتبة عليه يفوق درجة إخلاص موسى ( وعصمته المترتبة على إخلاصه لكي لا تكون غفلة موسى( ويوشع ( عن هذا الأمر الذي كلّف الله موسى( الوصول إليه منافية لعصمتهما عليهما السلام.
بل إن موسى بيّن منذ البداية بقوله: ﴿أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أنّ مجمع البحرين أمر يمكن أن يضيع ويحتاج إلى درجة عالية من الإخلاص لمعرفته، فلم يكن مراد موسى( من مجمع البحرين المكان بل العبد الصالح الذي كان امتحان موسى ( الأول هو الوصول إليه ومعرفته، ومع أن موسى ( لم ينجح في الوصول إلى العبد الصالح ( ومعرفته ابتداءً، ولكنه أيضاً لم يفشل مطلقاً في الوصول إلى العبد الصالح بل هو وصل إليه في النهاية، وهذا هو التعليم الأول الذي حصل عليه موسى ( في هذه الرحلة.
وليتبين أكثر مراد موسى ( بمجمع البحرين في هذا الموضع من القرآن الكريم لابد أن نرجع إلى موضع آخر في القرآن ذُكر فيه البحران ومجمعهما ولكن بصورة أخرى ربما تكون أكثر وضوحاً وجلاءً للمتدبر، هذا الموضع موجود في مطلع سورة الرحمن، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾([١٧]).
هذه الآيات لا أريد تفسيرها وتأويلها فالروايات التي جاءت عنهم في تفسيرها وتأويلها تكفي لبيانها وبيان معناها بجلاء ووضوح ، ولكن فقط أوجّه من يريد أن يتدبرها ليعرف المراد منها وبها إلى أن يقرأ قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ليتبين له أن كل ما سبق هاتين الآيتين هو تفصيل لوجه الله الباقي وذكرٌ لوجه الله الباقي بالصفة الملائمة لكونه وجه الله الباقي، وهي: العلم، ولا أظن أن كون الماء والبحر في الملكوت هو العلم أمراً خفياً. وأيضاً لا أظن أن بقاء علم العلماء في هذه الحياة الدنيا حتى بعد رحيلهم أمراً خفياً بل هو باق بعد فنائها، وهذا ما جاءت الآية لتبينه وتؤكده وتعرف الناس به ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، هذا الوجه الذي واجه به الله الخلق وهو العلم والمعرفة والعقل الكامل، وهو الماء وهو البحران ، وهو ما يخرج منهما وما يجري فيهما ، وهو محمد وآل محمد ، والأنبياء والأوصياء ، وأولياء الله سبحانه وتعالى.
أما الروايات التي بينت أن البحرين هما علي وفاطمة، وإن ما يخرج منهما وما يجري فيهما هم الأئمة والمهديون فهي كثيرة، وهذه منها:
عن أبي عبد الله ( قال في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾، قال: (علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([١٨]).
قال علي بن إبراهيم في قوله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾: أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام، وقوله: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ قال: كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا)([١٩]).
ومن طريق المخالفين لآل محمد : ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ﴾ يرفعه إلى سفيان الثوري، في هذه الآية، قال: ( فاطمة وعلي عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام).
قال الثعلبي : وروي هذا عن سعيد بن جبير، وقال: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ محمد )([٢٠]).
وعن جابر عن أبي عبد الله قال ( في قوله عز وجل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾، قال: علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾، قال: لا يبغي علي على فاطمة ولا تبغي فاطمة على علي، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين ()([٢١]).
وكان رسول الله يرحب بهما فيقول : (مرحباً ببحرين يلتقيان ونجمين يقترنان).
ويوجد غيرها ([٢٢]).
وضح جلياً الآن من تدبر الآيات ومن الروايات عن محمد وآل محمد أن البحرين هما: علي وفاطمة عليهما السلام، وإنّ الناتج من لقائهما هم الأئمة والمهديون .
إذن، فالناتج من لقائهما عليهما السلام أو مجمع البحرين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ إنسان، وهو من آل محمد ومن ذرية علي وفاطمة عليهما السلام، وهذا لا يمنع من وجود مجمع بحرين (نهرين) يجد موسى عنده مجمع البحرين الحقيقي الذي جاء في طلبه، وفي المكان آية أيضاً يعرفها أهلها.
* * *