الفصول
﴿ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... صبراً ﴾
رحلة موسى إلى مجمع البحرين · السيد أحمد الحسن
-﴿ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... صبراً ﴾
لولا أن موسى( ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ لاستمر العبد الصالح مع موسى( ، وإن اعترض موسى ينبهه فقط كما في المرتين الأولى والثانية. ولكن في النهاية كان لابد للعبد الصالح الذي لم يكن من هذا العالم ولم يكن يأكل الطعام([٤٧]) أن يغادر موسى( ويوشعاً ( اللذين أخذ منهما الجوع مأخذه ليأخذا قسطهما من الراحة والطعام ، فهما قد بدءا رحلتهما مع العبد الصالح وهما في غاية التعب والجوع ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ أي إنّ غدائهما ذهب في البحر ولم يأكلا منه شيئاً واستمرا في الرحلة من دون طعام؛ لأن العبد الصالح لم يكن يأكل الطعام فلم يكن أمام موسى ( إلا الجوع وفي الجوع خير كثير؛ قال الصادق (: (إن البطن ليطغى من الملة ، وأقرب ما يكون العبد من الله تعالى إذا خف بطنه ، وأبغض ما يكون العبد من الله تعالى إذا امتلأ بطنه)([٤٨]). وقال الصادق(: (أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا ما خف بطنه)([٤٩]). ففي كون زاد موسى ويوشع في هذه الرحلة هو الجوع حكمة إلهية، وفي نهاية الرحلة وحلقتها الثالثة والأخيرة لم يجد موسى ( ويوشع ( إلا طلب الطعام من أهل القرية ليتمكنا من الاستمرار مع العالم ويقويا على التحرك معه ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾، وحتى إن موسى ( ولأن الجوع قد أرهقه لم يستطع أن يسكت وأعاد طلبه للطعام مرة أخرى عندما بنى العبد الصالح الجدار فقال له لو أنك طلبت منهم مقابلاً لهذا البناء طعاماً لي وليوشع ( ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾، عندها لم يكن أمام العالم (العبد الصالح) إلا مغادرة موسى( ويوشع ( لأنهما أرهقا من الجوع والتعب. عن أبي عبد الله ( في قول موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾، وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، فقال: (إنما عنى الطعام). وقال أبو عبد الله (: (إن موسى ( لذو جوعات)([٥٠]). * * *الهوامش
- ↩[٤٧] - قد تبين أن العبد الصالح لم يكن قد حان وقته ولم يكن من أهل هذا العالم الجسماني، وفي المتشابهات يوجد توضيح أكثر وتجده أيضاً في الملحق (٢).
- ↩[٤٨] - بحار الأنوار: ج ٦٣ ص٣٣٦ ، وسائل الشيعة: ج ١ ص٢٤٢.
- ↩[٤٩] - بحار الأنوار: ج ٦٣ ص٣٣١.
- ↩[٥٠] - البرهان: ج ١٦ مج ٥ ص٥٤ ، العياشي: ج ٢ ص٣٣٠ ، بحار الأنوار: ج ١٣ ص٣٠٣.