الأسئلة ٩
من هو الشبيه المصلوب؟
الحَوَاريُّ الثالث عشر · السيد أحمد الحسن
-من هو الشبيه المصلوب ؟
س٩/ من يطالع قضية الصلب والفداء في أقوال علماء الأديان يرى التخبط فيها واضحاً، فهل يمكن بيان القول الفصل فيها من خلال ما يعتقدون به من نصوص ؟ وما هو تفسير هذه الرواية: (.. قلت لأبي عبد الله (: لأي شيء سمي القائم ؟ قال: لأنه يقوم بعدما يموت، إنه يقوم بأمر عظيم يقوم بأمر الله سبحانه) ؟ الجواب: قال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة: (وأما ما روي من الأخبار التي تتضمن أنّ صاحب الزمان يموت ثم يعيش أو يقتل ثم يعيش، نحو ما رواه: الفضل بن شاذان، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن قاسم الحضرمي، عن أبي سعيد الخراساني، قال: قلت لأبي عبد الله (: لأي شيء سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد ما يموت، إنه يقوم بأمر عظيم يقوم بأمر الله سبحانه. وروى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن يعقوب بن يزيد، عن علي بن الحكم، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر ( يقول: مثل أمرنا في كتاب الله مثل صاحب الحمار أماته الله مائة عام ثم بعثه. وعنه، عن أبيه، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن إسحاق بن محمد، عن القاسم بن الربيع، عن علي بن خطاب، عن مؤذن مسجد الأحمر، قال: سألت أبا عبد الله ( هل في كتاب الله مثل للقائم ( ؟ فقال: نعم، آية صاحب الحمار أماته الله (مائة عام) ثم بعثه. وروى الفضل بن شاذان، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن الفضيل، عن حماد بن عبد الكريم، قال: قال أبو عبد الله (: إنّ القائم ( إذا قام قال الناس: أنى يكون هذا وقد بليت عظامه منذ دهر طويل). ثم علّق الشيخ الطوسي رحمه الله عليها، فقال: (فالوجه في هذه الأخبار وما شاكلها أن نقول: بموت ذكره، ويعتقد أكثر الناس أنه بلي عظامه، ثم يظهره الله كما أظهر صاحب الحمار بعد موته الحقيقي. وهذا وجه قريب في تأويل هذا الأخبار، على أنه لا يرجع بأخبار آحاد لا توجب علماً عما دلّت العقول عليه، وساق الاعتبار الصحيح إليه، وعضده الأخبار المتواترة التي قدمناها، بل الواجب التوقف في هذه والتمسك بما هو معلوم، وإنما تأوّلناها بعد تسليم صحتها على ما يفعل في نظائرها ويعارض هذه الأخبار ما ينافيها) كتاب الغيبة للطوسي: ص٤٢٣. الشيخ الطوسي فهم من ظاهر هذه الأحاديث ونظائرها التي كانت تُروى في عصره بأنها تعني أنّ هناك شخصاً يدخل للدنيا ويخرج منها مقتولاً، ثم يعود إليها بأن يحييه الله في الدنيا مرة أخرى فيكون هو القائم من آل محمد (المهدي، المنقذ، المخلِّص). قال الشيخ الطوسي رحمه الله في تقديم الروايات: (وأما ما روي من الأخبار التي تتضمن أنّ صاحب الزمان يموت ثم يعيش أو يقتل ثم يعيش). وبما أنّ الشيخ الطوسي فهم أنّ القائم المقصود بهذه الأخبار هو الإمام المهدي محمد بن الحسن (، وبما أنه ليس لديه فهم يوفّق بين هذا الظاهر وبقية الأحاديث، فقد لجأ إلى التأويل تارة، وإلى كونها آحاد لا يحصل منها اليقين تارة أخرى، وإلى التوقّف في معناها أخيراً. وهو في كل الأحوال جزاه الله خيراً، مع أنّ تأويله لم يكن موفقاً ولا يمكن أن تقبله النصوص المتقدمة بحال، فكيف يكون قيام القائم من الموت مجرد ظهوره بعد موت ذكره مع أنّ المثل الذي ضُرِب له هو صاحب الحمار الذي ذكر الله موته وإحياءه بعد موته صريحاً في القرآن: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ثم مَنْ هم الذين يعتقدون بأنّ الإمام المهدي محمد بن الحسن ميت في زمن الظهور كما صرّح الشيخ الطوسي: (ويعتقد أكثر الناس أنه بلي عظامه) ؟!! فالشيعة يعتقدون بحياته، والسنة لا يعتقدون بوجوده أصلاً فكيف يعتقدون بموته ؟!!! إنّ الفهم الصحيح للأحاديث المتقدمة الذي لا يتعارض مع ما روي عنهم / هو أنّ المهدي القائم الذي يظهر يقول للناس إنه هو نفسه الشبيه الذي صُلب فلا يتعقّل بعض الناس هذا الأمر، وبالتالي يقولون له: إنّ الشبيه قد صُلب ومات على الصليب وانتهى أمره منذ دهر طويل (إنّ القائم ( إذا قام قال الناس: أنى يكون هذا وقد بليت عظامه منذ دهر طويل). انتبه إلى وقت قولهم (إذا قام) وليس قبل هذا، أي أنه إذا قام يقول لهم شيئاً، فيقولون رداً عليه: (أنى يكون هذا وقد بليت عظامه منذ دهر طويل). الآن، نقول: لماذا يصار إلى التأويل أو رد الأحاديث طالما أمكن جمع ظاهرها مع ما روي عنهم / ؟! خصوصاً إذا وجدنا أنّ هناك روايات ونصوصاً أخرى تنص على هذا الفهم للظاهر وتؤيده كما سيأتي. الحقيقة، إنه لا يوجد داعٍ وسبب راجح لصرف هذه الأحاديث عن ظاهرها وما أشارت إليه وهو أنّ هناك صفة للقائم، هي أنه نزل إلى الدنيا وقُتل قبل أن يولد ويدخل فيها مرة أخرى ويكون هو القائم (المهدي أو المنقذ أو المخلص). وهذا الأمر وبيانه يشبه الرمز السري أو كلمة السر، فهو دليل على دعوى القائم نفسه، فالنصوص موجودة كوجود الأرقام والحروف وبمتناول الجميع ولكن من يمكنه أن يستخرج منها كلمة السر الصحيحة غير صاحبها ؟! كل من عداه لن يصلوا إلى الرمز؛ لأنّ أقوالهم لن تتعدى الاحتمالات والتخرصات المليئة بالمتناقضات لا أكثر ولا أقل، أما القائم فيأتي بهذا الرمز أو كلمة السر ويفتح بها السر ليتعرف عليه من يريد المعرفة ببساطة وجلاء ووضوح. ولقد بيَّنت مسألة المصلوب والشبيه في (المتشابهات - الجزء الرابع) ([٥٨])، ولكن لا بأس أن أبيّنها هنا بصورة أخرى. أولاً: في القرآن: قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النساء: ١٥٧]. إذن، بحسب القرآن فإنّ عيسى ( لم يقتل ولم يصلب، بل هناك شخص شُبِّه به وصُلب مكانه. وأيضاً: الآية أعلاه تجيب بجواب واضح على سؤال مهم هو: هل هناك من لديه علم بسر قضية الصلب وما جرى فيها ؟ حيث إنّ جواب هذا السؤال يجعل تخرصات الناس - وخصوصاً من يدعون الإسلام - بلا قيمة، فالجواب من القرآن:﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. إذن، هي قضية محصور علمها بالله سبحانه ومن اتصلوا بالله وهم حججه على خلقه، باعتبار أنه يُعرِّفهم ويُعلِّمهم بالحقائق المخفية والغيب إذا شاء سبحانه كما بيَّن تعالى في القرآن، قال تعالى: ﴿َعالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ( إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨]. والآية واضحة أنّ الغيب الذي يعلمه الله يُعلم بعضه لرسله، وجميع خلفاء الله في أرضه هم رسل الله سبحانه إلى خلقه سواء الأنبياء والمرسلون قبل محمد /، أو محمد / والأئمة / من بعده، فكلهم إذن مشمولون بأنّ الله يُطلعهم على ما يشاء من الغيب. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾، و(ما بين أيديهم) ليس ما يقبضون عليه بأيديهم، ولا (ما خلفهم) هو الواقع خلف ظهورهم، وإلا لما امتاز بعلمه سبحانه، بل المراد (بين أيديهم) أي المستقبل، و (ما خلفهم) أي أحداث الماضي، فالمراد بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم علم الغيب الذي لا يعرفه الناس من أحداث المستقبل والماضي، وبتكملة الآية يتضح المراد أكثر بقوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ أي من علم الغيب الذي بين أيديهم وخلفهم، ثم بيَّن تعالى أنه يُعلم بعض علم الغيب من يُريد من خلقه بما يُريد سبحانه ﴿إِلاَّ بِمَا شَاء﴾. النتيجة مما تقدم: القرآن يقرر أنّ الذي قتل وصلب ليس عيسى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. إنّ تحديد الشخص المصلوب وما يحيط بتشبيهه بعيسى وكيف حدثت الحادثة، لا يعلمها الناس يهوداً ونصارى ومسلمين ([٥٩]) وغيرهم، وإنّ من يخوضون فيها سيتخبطون بجهل لا أكثر ولا أقل ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. إنّ الله يعلم الغيب وأحداث المستقبل والماضي ويُطلع على بعضها خلفاءه في أرضه. إذن، حادثة الصلب وما يحيط بها سر - ليس عند المسلمين فقط بل حتى عند المسيحيين وسيأتي الكلام بهذا الأمر - ولا يتيسر الوصول إلى حقيقته إلا لمن يطلعه الله عليه وهذا أمر يخص حجج الله، وبالتالي فالمرور إلى هذا السر بسلاسة ويسر دال على حجية من مر إليه لأنه قد جاء بكلمة السر أو كلمة المرور التي لا يأتي بها إلا من كان متصلاً بالله سبحانه. ثانياً: في الإنجيل: ١- عيسى يطلب أن لا يصلب ولا يكون هو المصلوب. «... ٣٩ ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ ...» متى - الأصحاح ٢٦. «... ٣٥ ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ. ٣٦ وَقَالَ:"يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ ..» مرقس - الأصحاح ١٤. «... ٤١ وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى ٤٢ قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ ...» لوقا - الأصحاح ٢٢. فكيف يرد الله طلب عيسى ودعاءه وتوسله أن لا يصلب ويدفع عنه الصلب ؟ وهل أنّ عيسى لا يستحق أن يجاب دعاؤه، أم لا يوجد عند الله بديل عن عيسى ( يصلب مثلاً ؟! إضافة إلى أنّ المسيحيين يعتقدون أنّ عيسى ( هو اللاهوت المطلق نفسه، وبالتالي فهم يحتاجون تعليل طلب عيسى ( المتقدم تعليلاً لا يوقعهم في تناقض ينفي لاهوته المطلق كما يعتقدون هم فيه، وهذا بعيد المنال. فهم لو قالوا: إنه طلب أن يُدفع عنه الصلب لجهله بحتمية الحدث، فقد نقضوا لاهوته المطلق؛ لأنهم وصفوه بالجهل وهو ظلمة، فتبيَّن أنه نور وظلمة وليس نوراً لا ظلمة فيه، وبالتالي انتقض لاهوته المطلق. وإن قالوا: إنه طلب أن يدفع عنه الصلب مع علمه بحتمية الحدث، فقد اتهموه بالسفه، وإلا فما معنى طلبه هذا مع علمه بحتمية الحدث ؟! وقولهم هذا ينفي لاهوته المطلق بل وينفي عنه ما دون ذلك وهو حكمة الأنبياء /. ٢- المصلوب لا يقبل أن يقول إنه ملك بني إسرائيل. فلماذا لا يقبل لو كان هو نفسه عيسى ( الذي جاء يبلغ الناس بأنه ملك بني إسرائيل؟! أليس هذا يدل بوضوح على أنّ الذي أُلقي عليه القبض وصُلب شخص آخر غير عيسى ( ملك بني إسرائيل، لهذا هو لم يقبل أن يقول إنه ملك بني إسرائيل. «... فوقف يسوع أمام الوالي فسأله الوالي قائلاً أأنت مَلِك اليهود فقال له يسوع: أنت تقول ...» إنجيل متى - الأصحاح ٢٧. «.. فسأله بيلاطس أنت ملك اليهود فأجاب وقال له أنت تقول..» إنجيل مرقس- الأصحاح ١٥. «.. ٣٣ ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع، وقال له أنت ملك اليهود. ٣٤ أجابه يسوع أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني. ٣٥ أجابه بيلاطس ألعلي أنا يهودي. أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي. ماذا فعلت. ٣٦ أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسَلَّم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا. ٣٧ فقال له بيلاطس أفأنت إذا مَلِك. أجاب يسوع أنت تقول إني ملك. لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق ..» إنجيل يوحنا - الأصحاح ١٨. ٣- مخاطبة المصلوب لمريم أم عيسى (. يدل على أنه ليس ابنها، وإلا فهل يليق بابن أن يخاطب أمه (يا امرأة). نعم، يصح أن يخاطبها المصلوب بهذه الكلمة إذا لم يكن هو نفسه عيسى (، ومخاطبته لها بهذه الكلمة ليوضح أنها ليست أمه وأنه ليس عيسى ( ([٦٠]). «٢٥ وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية. ٢٦ فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفاً قال لأمه يا امرأة هو ذا ابنك. ٢٧ ثم قال للتلميذ هو ذا أمك» إنجيل يوحنا - الأصحاح ١٩. ٤- بطرس يعرض أن يضع نفسه مكان عيسى للصلب وعيسى يُبيِّن له عجزه عن هذا الأمر. «وقال الرب لسمعان سمعان هو ذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ٣٢ ولكني طلبت من أجلك لكيلا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت ثبت إخوتك. ٣٣ فقال له يا رب إني مستعد أن أمضي معك حتى إلى السجن وإلى الموت. ٣٤ فقال أقول لك يا بطرس لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني» إنجيل لوقا - الأصحاح ٢٢. «قال له سمعان بطرس يا سيد إلى أين تذهب. أجابه يسوع حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ولكنك ستتبعني أخيرا. ٣٧ قال له بطرس يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن. إني أضع نفسي عنك. ٣٨ أجابه يسوع أتضع نفسك عني. الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات» إنجيل يوحنا - الأصحاح ١٣. في النصين المتقدمين من الإنجيل نفهم أنّ عيسى عرض بصورة أو بأخرى على الحواريين أن يفدوه، أو على الأقل نجد في النصوص أنّ عيسى ( يُبيِّن لبطرس وهو أفضل الحواريين أنه غير قادر أن يفدي عيسى (: «قال له بطرس يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن. إني أضع نفسي عنك. ٣٨ أجابه يسوع أتضع نفسك عني ؟ الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات». إذن، هذا النص من إنجيل يوحنا يُبيِّن بوضوح أنّ عيسى ( طلب من بطرس أن يفديه، أو أنه ناقش عرض بطرس «أتضع نفسك عني؟»، ونجد أنّ عيسى أجاب على هذا السؤال بأنّ بطرس غير قادر على هذا الأمر: «الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات». وهذه المناقشة لم تأتِ من فراغ، فما الذي جعل بطرس يعرض هذا العرض لو لم يكن عيسى ( قد طرح هذا الأمر لهم ؟! وأيضاً: كلام بطرس «إني أضع نفسي عنك»، كيف يمكن فهمه بغير مسألة التشبيه، وإلا فكيف يضع بطرس نفسه مكان عيسى ( ليصلب إذا لم يُشبَّه به قبل هذا لكي يأخذه اليهود ويصلبوه على أنه عيسى ( نفسه، فالقوم يطلبون عيسى ( وليس بطرس، ولن يأخذوا بطرس ما لم يُشبه به. وأيضاً: رد عيسى ( لم يكن أنه لا يصح أن تفديني يا بطرس، أو لابد أن أُصلب أنا، أو أي جواب آخر غير أنك يا بطرس غير قادر على هذا الأمر، وهذا ينقلنا إلى التساؤل: إذا كان بطرس والحواريون عاجزين عن أن يضعوا أنفسهم مكان عيسى ( ويتحمّلوا الصلب، فهل لا يوجد عند الله أحد يؤدي هذه المهمة بعد أن طلب عيسى ( بوضوح أن يُدفَع عنه الصلب كما تقدم ؟! ٥- «١١ فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟"» يوحنا - الأصحاح ١٨. هذا الكلام صدر من المصلوب أثناء القبض عليه، وهو كلام شخص قابل بمسألة الصلب ولا إشكال عنده معها، بل ويعتبر أنّ التردد في شرب كأس الصلب أمرٌ غير مقبول وغير وارد ولا مطروح بالنسبة له، ولا يمكن أن يفكر فيه «الكاس التي أعطاني الآب ألا أشربها ؟!!!»، لا يسأل فقط بل يتساءل بتعجب «ألا أشربها»، فكيف يمكن تصوّر أن يصدر هذا الكلام من نفس الشخص الذي كان قبل إلقاء القبض على المصلوب يقول: «يا أبا الآب كل شئ مستطاع لك فاجز عني هذه الكأس» مرقس - الأصحاح ١٤ ؟! إذن، فهما شخصان مختلفان تماماً، فالشخص الذي أُلقي عليه القبض وصُلب شخص آخر غير عيسى ( الذي طلب أن لا يُصلَب. ٦- ما موجود في إنجيل يهوذا. وهو إنجيل أثري عُثر عليه ويعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، فلا يمكن القدح به على أنه ملفّق من مسلمين، وبالتالي فهو إنجيل مسيحي وكان متداولاً بين المسيحيين الأوائل، واستنساخ وتداول إنجيل يهوذا بين بعض المسيحيين الأوائل دال على اختلافهم في هوية المصلوب في تلك الفترة. وهذا نص من إنجيل يهوذا يُبيِّن أنّ المصلوب ليس عيسى (، بل ويحدد اسم المصلوب وصفاته وصفة ذريته. إنجيل يهوذا - المشهد الثالث: «وقال يهوذا: يا سيد، أيمكن أن يكون نسلي تحت سيطرة الحكام ؟ أجاب يسوع وقال له: "تعالَ، أنه أنا [... سطرين مفقودين..] لكنك ستحزن كثيراً عندما تري الملكوت وكل أجياله". وعندما سمع ذلك قال له يهوذا: "ما الخير الذي تسلمته أنا ؟ لأنك أنت الذي أبعدتني عن ذلك الجيل. أجاب يسوع وقال: "ستكون أنت الثالث عشر وستكون ملعوناً من الأجيال الأخرى - ولكنك ستأتي لتسود عليهم. وفي الأيام الأخيرة سيلعنون صعودك [٤٧] إلى الجيل المقدس» »But you will exceed all of them. For you will sacrifice the man that clothes me«. «ولكنك ستفوقهم جميعاً لأنك ستضحي بالإنسان الذي يرتديني. ويرتفع قرنك حالاً. ويضرم عقابك الإلهي. ويظهر نجمك ساطعاً. وقلبك [...] [٥٧]». وإضافة إلى أنّ النص يُبيِّن بوضوح أنّ المصلوب ليس عيسى «ولكنك ستفوقهم جميعاً لأنك ستضحي بالإنسان الذي يرتديني»، فإنه يطرح اسم المصلوب على أنه يهوذا. وأكيد أنّ يهوذا في هذا النص ليس يهوذا الاسخريوطي الخائن الذي ذهب لعلماء اليهود وجاء بالشرطة الدينية للقبض على المصلوب، فيهوذا الذي يُصلب بدل عيسى كما في نص إنجيل يهوذا هو إنسان صالح ويضحي بنفسه لأجل عيسى، بل ويصفه عيسى في إنجيل يهوذا بصفة لا يمكن أن يتصف بها يهوذا الاسخريوطي وهي أنه سيكون الثالث عشر؛ حيث أنّ الحواريين - كما اتفق الجميع - اثنا عشر فقط، وبعد خيانة يهوذا الاسخريوطي جاءوا ببديل عنه ليكمل العدد اثنا عشر، ولم يكونوا أبداً ثلاثة عشر، وهذا يجعل يهوذا المخاطب هنا غير يهوذا الاسخريوطي حتماً. هذا إضافة إلى عبارات جاءت في إنجيل يهوذا هي: «ولكنك ستأتي لتسود عليهم»: وهذه العبارة تجعل الأمر منحصراً بالمنقذ الذي يأتي في آخر الزمان ليملأ الأرض بالعدل، فيهوذا الاسخريوطي لا يأتي في آخر الزمان؛ لأنه باختصار شخص طالح ولد ومات في ذلك الزمان. «وقال يهوذا: يا سيد، أيمكن أن يكون نسلي تحت سيطرة الحكام ؟ أجاب يسوع وقال له: "تعالَ، أنه أنا [... سطرين مفقودين..] لكنك ستحزن كثيراً عندما تري الملكوت وكل أجياله". وعندما سمع ذلك قال له يهوذا: "ما الخير الذي تسلمته أنا ؟ لأنك أنت الذي أبعدتني عن ذلك الجيل». «أيمكن أن يكون نسلي تحت سيطرة الحكام»: الحكام يحكمون الجميع، فهل هناك معنى وحكمة في أن يسأل شخص عن نسله إذا كانوا تحت سيطرة الحكام ؟! إنّ هذا الكلام لن يكون له معنى إلا في حالة واحدة، وهي أنّ هؤلاء النسل الذين يسأل عنهم هم خلفاء الله في أرضه، وبالتالي فهو يسأل إن كانوا سيكونون تحت سيطرة الحكام الطواغيت، أم سيمكّنهم الناس من الحكم. إذن، (يهوذا) ليس المتوقع أن يسود هو فقط، بل نسله أيضاً خلفاء الله في أرضه، وهو يسأل عن خلفاء الله في أرضه من نسله، هل يمكن رغم تنصيبهم الإلهي أن يكونوا تحت سلطة وسيطرة الحكام الطواغيت كما كان حال كثير من خلفاء الله الذين سبقوهم كإبراهيم( وموسى وعيسى نفسه، أم أنّ الناس ستمكنهم من إجراء حاكمية الله على الأرض ؟ وفي هذا السؤال وجواب عيسى عليه عدة أمور تحتّم أنّ يهوذا هنا ليس هو الاسخريوطي، فيهوذا الاسخريوطي أصلاً ليس من خلفاء الله في أرضه، فلا معنى للسؤال لو كان السائل يهوذا الاسخريوطي. ويهوذا الاسخريوطي ليس له نسل بل مات بعد حادثة الصلب، فلا معنى للسؤال لو كان هو. «لكنك ستحزن كثيراً عندما تري الملكوت وكل أجياله»: كيف ليهوذا الاسخريوطي الطالح أن يرى الملكوت ؟ نعم، يمكن أن يرى الملكوت لو كان يهوذا هنا شخصاً إلهياً جاء من الملكوت وهو عائد إلى الملكوت بعد انتهاء مهمته في الصلب بدلاً عن عيسى (، فهو إذن ليس يهوذا الاسخريوطي. «وعندما سمع ذلك قال له يهوذا: "ما الخير الذي تسلمته أنا ؟ لأنك أنت الذي أبعدتني عن ذلك الجيل»: أي جيل أُبعد عنه يهوذا الاسخريوطي ؟!!! الحقيقة أنّ هذا الكلام لا يستقيم إلا في حالة واحدة، أن يكون يهوذا هنا ليس يهوذا الاسخريوطي بل هو شخص إلهي ملكوتي جاء في زمن وجيل عيسى وهو ليس زمانه وجيله، بل جاء لأداء مهمة ويعود من حيث جاء. وأيضاً: جاء بسبب دعاء عيسى ( أن يدفع عنه الصلب، لهذا صح أن يقول لعيسى ( «لأنك أنت الذي أبعدتني عن ذلك الجيل». إذن، يهوذا المذكور في بعض نصوص إنجيل يهوذا كالنص المتقدم ليس يهوذا الاسخريوطي الذي خان عيسى وسلّمه لعلماء اليهود كما في نهاية إنجيل يهوذا: «واقتربوا من يهوذا وقالوا له: ماذا تفعل هنا ؟ أنت تلميذ يسوع، فأجابهم يهوذا كما أرادوا منه واستلم بعض المال وأسلمه لهم» إنجيل يهوذا - المشهد الثالث. بل يهوذا هذا كما وصفه إنجيل يهوذا إنسان صالح ومن خلفاء الله في أرضه، بل ويكون بعض ذريته خلفاء الله في أرضه. وأيضاً: هو لم يكن من جيل عيسى ولا من زمانه، أي أنه نزل من الملكوت في وقت عيسى. وإضافة إلى كل هذا، فإنّ النص يقول إنّ يهوذا هذا هو الذي سيملأ الأرض عدلاً ويسود في آخر الزمان. الآن، كل هذه الصفات التي جاءت ليهوذا الذي صُلب بدلاً من عيسى تنطبق على المنقذ الذي يأتي في آخر الزمان، فإذا سألنا أخيراً عن معنى كلمة (يهوذا) لنرى مَنْ يكون هذا الشخص؟ نجد أنّ كلمة يهوذا بالعربية تعني الحمد أو أحمد، وهذا المعنى تؤكده التوراة حيث جاء في التوراة: سفر التكوين - الأصحاح التاسع والعشرون «٣٥ وحبلت أيضاً وولدت ابناً وقالت هذه المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا. ثم توقفت عن الولادة». إذن، يهوذا تعني أحمد وهو اسم المهدي أو المنقذ أو المعزي الموعود به في آخر الزمان، المذكور في التوراة والإنجيل والقرآن ووصية رسول الله محمد /. وأيضاً، في التوراة والإنجيل: المصلوب وصفت مواقفه وروي عنه كلام بعد إلقاء القبض عليه تدل على أنه شخص حكيم وراضٍ تمام الرضا بما يجري له، وأنه غير يهوذا الاسخريوطي حيث إنّ يهوذا الاسخريوطي شخص استحوذ عليه الشيطان فلا تصدر منه الحكمة، ولا يمكن أن يكون هادئاً ورابط الجأش وهو يساق ليصلب بدلاً عن عيسى ( الذي كفر به. في التوراة - سفر إشعيا، وفي أعمال الرسل - الأصحاح الثامن هذا النص: «... مثل شاة سيق إلى الذبح، ومثل خروف صامت أمام الذي يجزره هكذا لم يفتح فاه ...». وإضافة إلى أنّ النص كما هو الواقع الذي حصل يدل على أنه ذهب بكل هدوء ورباطة جأش إلى العذاب والصلب، فهناك أمر آخر يدل عليه النص وهو أنه لم يتكلّم ولم يتظلّم ولم يُبيِّن حقه وأنه رسول، في حين أنّ عيسى ( بَكَّتَ العلماء والناس، ووعظهم وبيَّن حقه فلا يَصدِقُ عليه أنه ذهب إلى الذبح صامتاً. وفي الإنجيل: المصلوب يُبشِّر أحد اللذين صُلبا معه بأنه سيذهب للفردوس لأنه دافع عنه، فهل يمكن مع هذه الحكمة وهذا التبشير من المصلوب أن يكون هو يهوذا الاسخريويطي؟! وبما يُبشِّر يهوذا الاسخريوطي لو كان قد بدل الله شكله وسيق إلى الصلب بدلاً عن عيسى الذي كفر به، أليس لو كانت هذه حاله فهو يعلم يقيناً أنه ظالم وسيعاقب، فأي فردوس يُبشِّر بها من يدافع عنه ؟! «وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. ٤٠ فأجاب الآخر وانتهره قائلا أولا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. ٤١ أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس في محله. ٤٢ ثم قال ليسوع اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك. ٤٣ فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس» إنجيل لوقا: ٢٣. وفي إنجيل لوقا أيضاً: «٣٣ وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى جُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. ٣٤ فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» إنجيل لوقا: ٢٣. لا يمكن أن يصدر ما تقدم وما روي من الحكمة والمواقف الرصينة الثابتة للمصلوب وفي أصعب الظروف من سفيه أو شيطاني كافر والعياذ بالله كيهوذا الاسخريوطي كما يحلو لبعضهم تصوير الشبيه على أنه يهوذا الاسخريوطي، هكذا بدون أي دليل فقط ليضعوا شبيهاً لعيسى صُلب مكانه ([٦١]). وإضافة إلى كل ما تقدم، يجب الالتفات إلى أنّ يهوذا الاسخريوطي جاء ودلَّ الشرطة الدينية على المصلوب وألقوا القبض على الشبيه المصلوب، فكيف يكون يهوذا الاسخريوطي جاء مع الشرطة ودلَّهم على الشبيه وهو نفسه الشبيه، هل يهوذا الاسخريوطي شخصان مثلاً ؟ المفروض أن تكون الأطروحات أكثر تعقلاً، ولا تكون بهذا المستوى من السذاجة والتناقض، فكيف لشخص أن يعقل موقفاً يقف فيه يهوذا الاسخريوطي وهو مع الشرطة ويدلهم على الشبيه، وهو نفسه الشبيه ؟ فهو موجود في نفس المكان بشخصين وصورتين، وبحالتين متناقضتين تماماً !! ما هذا المستوى من الطرح، وأعجب كيف يقبله بعضهم وهو بهذا المستوى من التناقض!! إضافة إلى أنّ ما تقدم ينفي ما يقوله بعض المسلمين (بدون دليل) من أنّ المصلوب يهوذا الاسخريوطي، فإنه يوجد روايات بيَّنت أنّ الشبيه المصلوب شاب صالح شُبِّه بصورة عيسى، بل وروي عن النبي أنه من ذرية علي ( بالخصوص ([٦٢]). النتيجة مما تقدم: إنّ في التوراة والأناجيل التي يعترف بها المسيحيون نصوصاً تدل على أنّ عيسى لم يصلب، وإن لم يكن كل من هذه النصوص كافٍ بمفرده فهي بمجموعها تمثّل دليلاً على أنّ المصلوب غير عيسى (. فعيسى يطلب من الله أن لا يصلب. والمصلوب يرفض أن يقول بلسانه إنه ملك بني إسرائيل مع أنّ عيسى ملك بني إسرائيل. والمصلوب يخاطب مريم أم عيسى ( (يا امرأة). وبطرس يعرض أن يضع نفسه مكان عيسى، أي يطلب أن يكون هو الشبيه «قال له بطرس يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن. إني أضع نفسي عنك»، وعيسى يرفض؛ لأنه يعلم أنّ بطرس عاجز عن هذا الأمر ويعطيه أمارة عجزه أنه سيتبرأ من المصلوب ثلاث مرات، وهي أكيد براءة من عيسى (. وبمقارنة كلام عيسى ( قبل أن يأتي الجنود ويلقوا القبض على المصلوب مع كلام المصلوب أثناء إلقاء القبض عليه، نعرف أنهما شخصان مختلفان تماماً، فهما يقفان موقفان مختلفان أزاء القبول بالصلب، فالشخص الذي يقول «الكاس التي أعطاني الآب ألا اشربها» لا يمكن أن يكون هو نفسه من قال قبل ساعات «يا أبا الآب كل شئ مستطاع لك فاجز عني هذه الكأس». ومن إنجيل يهوذا: المصلوب ليس عيسى نفسه بل شبيه شُبِّه بعيسى (. المصلوب وُصِف بأنه الثالث عشر. المصلوب وُصِف بأنه سيأتي في آخر الزمان ليسود. المصلوب اسمه يهوذا (أحمد كما تبيَّن)، ولكن ليس يهوذا الاسخريوطي. المصلوب نزل من الملكوت وليس من جيل عيسى (. المصلوب له ذرية وهم خلفاء لله في أرضه. أيضاً: في التوراة والإنجيل وإنجيل يهوذا نصوص واضحة تبيِّن أنّ المصلوب لا يمكن أن يكون يهوذا الاسخريوطي، وفيها رد على من يقول إنّ المصلوب يهوذا الاسخريوطي. ثالثاً: في الروايات: ١- في كتب الشيعة: في تفسير علي بن إبراهيم عن أبي جعفر (، قال: (إنّ عيسى ( وعد أصحابه ليلة رفعه الله إليه فاجتمعوا عند المساء، وهم اثنا عشر رجلاً فأدخلهم بيتاً ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض رأسه من الماء، فقال: إن الله رافعي إليه الساعة ومطهري من اليهود فأيكم يلقى عليه شبحي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي ؟ قال شاب منهم: أنا يا روح الله قال: فأنت هُوَ ذا ... ثم قال (: إن اليهود جاءت في طلب عيسى ( من ليلتهم … وأخذوا الشاب الذي ألقي عليه شبح عيسى ( فقتل وصلب) تفسير القمي: ج ١ ص١٠٣. وهذه الرواية تُبيِّن أنّ هناك آخر غير يهوذا الاسخريوطي هو من أُلقي عليه الشبه وصُلب، وهو بدرجة عيسى، وعيسى خليفة من خلفاء الله في أرضه ونبي وإمام ومن أُولي العزم من الرسل، فهذا الشبيه المصلوب إذن على الأقل خليفة من خلفاء الله في أرضه (فأيكم يلقي عليه شبحي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي). وفيها أيضاً: إنّ هناك اثنا عشر حضروا مع عيسى في الوقت الذي كان فيه يهوذا عند علماء اليهود لتسليم عيسى لهم، فمن يكون الثاني عشر غير المصلوب الذي دخل وخرج دون أن يلفت انتباهاً، أو حتى يراه أحد في البداية غير عيسى (: «مثل شاة سيق إلى الذبح، ومثل خروف صامت أمام الذي يجزره هكذا لم يفتح فاه». وهذا الأمر موجود وإن لم يكن بهذا الوضوح في الإنجيل الموجود الآن وقد تبيَّن فيما تقدم: «وقال الرب لسمعان سمعان هو ذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ٣٢ ولكني طلبت من أجلك لكيلا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت ثبت إخوتك. ٣٣ فقال له يا رب إني مستعد أن أمضي معك حتى إلى السجن وإلى الموت. ٣٤ فقال أقول لك يا بطرس لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني» إنجيل لوقا - أصحاح ٢٢. «قال له سمعان بطرس يا سيد إلى أين تذهب. أجابه يسوع حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ولكنك ستتبعني أخيرا. ٣٧ قال له بطرس يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن. إني أضع نفسي عنك. ٣٨ أجابه يسوع أتضع نفسك عني. الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات» إنجيل يوحنا - أصحاح ١٣. وروي ما يُبيِّن بأنّ الشبيه خليفة من خلفاء الله، وأنّ الذين رفضوه وقتلوه كفار والذين سيقبلونه عند عودته ويدافعون عنه مؤمنون أخيار: عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (: (في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فقالوا: لو نعلم ما هي لبذلنا فيها الأموال والأنفس والأولاد، فقال الله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يعني في الدنيا بفتح القائم. وأيضاً قال: فتح مكة. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ قال: التي كفرت هي التي قتلت شبيه عيسى( وصلبته، والتي آمنت هي التي [قبلت] ([٦٣]) شبيه عيسى حتى لا يقتل، فقتلت الطائفة التي قتلته وصلبته وهو قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾) تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي: ج ٢ ص٣٦٥ - ٣٦٦. مَنْ هم الذين يجب على الناس الإيمان بهم غير خلفاء الله في أرضه (والتي آمنت هي التي قبلت شبيه عيسى حتى لا يقتل) ؟! إذن، فالرواية تُبيِّن بوضوح أنّ المصلوب خليفة من خلفاء الله في أرضه، ويجب على الناس الإيمان به ونصرته عند مجيئه إلى هذا العالم. وهذا موجود في الإنجيل، وقاله الشبيه المصلوب بوضوح تام: «أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسَلَّم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا» إنجيل يوحنا - الأصحاح ١٨. أي إنه يُبيِّن أنه عند مجيئه إلى هذا العالم الجسماني في جيله وزمانه سيكون هناك من يدافعون عنه لكي لا يُسلَّم إلى يهود زمانه ويُصلب «لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسَلَّم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا»، (والتي آمنت هي التي قبلت شبيه عيسى حتى لا يقتل). وروي أنّ الشبيه المصلوب من ذرية رسول الله /: قال رسول الله محمد / وهو يدعو لعلي بن أبي طالب (: (اللهم أعطه جلادة موسى، واجعل في نسله شبيه عيسى (، اللهم إنك خليفتي عليه وعلى عترته وذريته الطيبة المطهرة التي أذهبت عنها الرجس والنجس) الغيبة للنعماني: ص١٤٤. ٢- في كتب السنة: روى السنة في تفاسيرهم أنّ الذي صُلب ليس يهوذا الاسخريوطي، بل هو شاب كان مع الحواريين: [روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه. وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي] زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي. [حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إنَّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ ... إلى قوله: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أولئك أعداء الله اليهود اشتهروا بقتل عيسى بن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذُكر لنا أن نبيّ الله عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيكم يُقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبيّ الله. فقُتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ قال: أُلِقي شبهه على رجل من الحواريين فقُتل، وكان عيسى بن مريم عَرَض ذلك عليهم، فقال: أيكم ألِقي شبهِي عليه وله الجنة ؟ فقال رجل: عليّ. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزّة: أن عيسى ابن مريم قال: أيكم يُلقي عليه شبهِي فيُقتل مكاني ؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا رسول الله. فأُلقي عليه شبهه، فقتلوه، فذلك قوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: بلغنا أن عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيكم يَنتدب فيلقى عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبيّ لله. فألقي عليه شبه فقُتل، ورفع لله نبيه إليه. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ قال: صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فذكر مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: صلبوا رجلاً شبهوه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى ( حياً] جامع البيان في تفسير القرآن - ابن جرير الطبري. [ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسَىٰ، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسَىٰ ( كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه الجَعَائِلَ، وكان عيسَىٰ قد ٱنضوَىٰ إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه؛ حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسَىٰ، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه؛ حتى دلَّ علَىٰ مكانه، فلما أحَسَّ عيسَىٰ وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسَىٰ فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسَىٰ، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ] الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي. [فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب] تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل- النسفي. [...... امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ( وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقال سبعة عشر نفراً وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخلوهم عليه أو خروجه إليهم قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة ؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو وفتحت روزنه من سقف البيت وأخذت عيسى ( سنة من النوم فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله تعالى: ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ الآية، فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه ..... وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم أي رأوا شبهه فظنوه إياه] تفسير ابن كثير. إذن، النتيجة من التوراة والإنجيل والقرآن والعقل والروايات أنّ المصلوب ليس عيسى ولا يهوذا الاسخريوطي، ووجدنا روايات تقول إنه من ذرية رسول الله / وعلي (، وتشير إلى أنه خليفة من خلفاء الله، فماذا نفعل ؟ هل نبقى نجادل ونرد هذه الروايات ونمرر أوهامنا المبنية على الهوى لا غير والتي تعارض ما نقل في التوراة والإنجيل والروايات، وتعارض العقل أيضاً، ونقول إنّ المصلوب يهوذا الاسخريوطي، وأنها عنزة وإن طارت ؟!!! أم نقول: القول منا ما اتفقت عليه الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن ونص عليه رسول الله وآل محمد / وهو أنّ المصلوب ليس عيسى (، والمصلوب إنسان صالح، والمصلوب خليفة من خلفاء الله في أرضه، والمصلوب من آل محمد / ومن ذرية علي (. وكل هذه الحقائق من النصوص من التوراة والإنجيل والقرآن وأقوال محمد وآل محمد /، ولا معارض معتبر لها. الآن، بعد أن أثبتنا أنّ عيسى لم يصلب ولم يقتل، وأنّ هناك شبيهاً صُلب وشخصّناه من التوراة والإنجيل والقرآن وأقوال محمد وآل محمد /، نعود إلى ما رواه الطوسي وهو أنّ الناس لا يتعقّلون مسألة التشبيه والصلب، أو لا يتقبّلون الشخص الذي يواجههم وأنه هو، فيبدؤون بالإشكال كما روى الطوسي رحمه الله عن أبي عبد الله (: (إنّ القائم ( إذا قام قال الناس: أنّى يكون هذا وقد بُليت عظامه منذ دهر طويل). أو لنكتب إشكالهم بصورة أخرى: كيف أنّ الشبيه المصلوب شخص نزل إلى الأرض بصورة معجزة وقُتل، وبعد ذلك يولد كطفل ويكبر حتى يكون هو القائم أو المهدي ؟!! والحقيقة، إنّ أصحاب هذا الاعتراض يطرحونه نتيجة عدم معرفتهم أو التفاتهم إلى أنّ الأرواح خُلقت قبل هذا العالم الجسماني، وهذا الأمر يثبته العقل والنقل: فالعقل: لا يقبل أنّ الروح الأدنى مقاماً خُلقت قبل الروح الأعلى مقاماً؛ لأنها متقوّمة بوجود الأعلى، وليس هذا موضع مناقشة وبيان كيفية صدور الخلق من الحقيقة المطلقة، ولكن لا بأس ببيان بسيط: فالصادر من الحقيقة المطلقة أو المخلوق الأقرب للحقيقة المطلقة لا يمكن تكراره، وإلا لكان هو نفسه الأول لا غير، ولهذا فالمخلوق الذي بعده يكون أبعد عن الحقيقة المطلقة من الأول أي دونه مقاماً، وبالتالي يتوسّط المخلوق الأول في خلق الثاني، أي كما قال تعالى (بيدي): ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]. وهكذا يكون المخلوق الأول بالنسبة للثاني يد الله، وأيضاً المخلوق الثاني بالنسبة للثالث يكون يد الله، أي أنها ليست يداً واحدة ولا اثنتين بل أيد كثيرة كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. فالعقل يقول إنّ روح محمد / الأعلى مقاماً خُلق قبل روح آدم ( الأدنى مقاماً، ولا يوجد دليل عقلي يرد هذه الحقيقة. أما كون آدم خلق قبل محمد في هذا العالم الجسماني فلا يعني سبق روح آدم (؛ حيث إنه لا تلازم بين خلق الجسد وخلق الروح وهما في عالمين مختلفين. والقرآن يؤيد هذا الدليل الموافق للحكمة والعقل، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]. وتعالى الله أن تكون له يد، وإنما (خلقت بيدي): أي بيد مخلوقة مثّلتْ قوته وإرادته وقدرته على الخلق في هذا المقام، وهذه اليد أو الروح المخلوق خلقت آدم أو توسّطت في خلق آدم (. إذن، هذا الروح سبق آدم (، وهذه اليد أو الروح المخلوق هو محمد / ومن شاء الله له أن يكون يداً له سبحانه لتنفيذ ما يريد من الخلق وفي الخلق ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. فهؤلاء هم أيدي الله التي يخلق بها، وهم خلق الله الأوائل المقربون ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. وهم أصحاب المقام العالي غير المكلفين بالسجود لآدم (؛ لأنهم أعلى مقاماً منه ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]. العالون: أي الأرواح الذين خلقوا آدم، ولهذا فهم غير مكلَّفين بالسجود لآدم؛ لأنهم فوقه وأعلى مقاماً منه. أما النقل: ففيه بيان واضح أنّ روح محمد / وآل محمد / خُلقت قبل خلق آدم والخلق جميعاً، وقبل الأجسام أو هذا العالم الجسماني بأمد بعيد: من القرآن: وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. الآية في مقام الرد على من يقولون إنّ عيسى ( ابن الله، وملخص الرد هو: أنها تنفي هذه البنوّة باعتبار أنّ محمداً / المخلوق الأول وسَبَق عيسى وجوداً، وتسوق لهذا السبق بياناً هو السبق بالعبادة ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، والنتيجة: فالآية واضحة في إثبات أنّ روح محمد / خُلقت قبل روح عيسى ( وآدم ( بل وقبل أرواح كل الخلق، وإلا لما صحَّ أن يوصف بأنه أول العابدين في مقام السبق الزمني أو الحدثي. ومن الروايات من طرق السنة والشيعة: عن المفضل قال: قال أبو عبد الله (: (إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم صلوات الله عليهم، فعرضها على السموات والأرض والجبال فغشيها نورهم ...) مجمع النورين للمرندي: ص٢٧٢. قال الصادق (: (إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورَّث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة، ولم يورث الأخ من الولادة) بحار الأنوار: ج ٦ ص٢٤٩. (حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن إبراهيم بن يحيى بن عجلان المروزي المقرئ قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الجرجاني، قال: حدثنا أبو بكر عبد الصمد بن يحيى الواسطي، قال: حدثنا الحسن بن علي المدني، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب /، قال: (إنّ الله تبارك وتعالى خلق نور محمد / قبل أن خلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل أن خلق آدم ونوحاً وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان، وكل من قال الله عز وجل في قوله: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب – إلى قوله – وهديناهم إلى صراط مستقيم"، وقبل أن خلق الأنبياء كلهم بأربعمائة ألف وأربع وعشرين ألف سنة وخلق الله عز وجل معه اثني عشر حجاباً .......) الخصال للصدوق: ص٤٨٢. عن أبي سعيد الخدري، قال: (كنا جلوساً مع رسول الله / إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، فمن هم يا رسول الله الذين هم أعلى من الملائكة ؟ فقال رسول الله: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، كنا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بألفي عام، فلما خلق الله عز وجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يأمرنا بالسجود، فسجدت الملائكة كلهم إلا إبليس فإنه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، أي من هؤلاء الخمس المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش، فنحن باب الله الذي يؤتى منه، بنا يهتدي المهتدون، فمن أحبنا أحبه الله وأسكنه جنته، ومن أبغضنا أبغضه الله وأسكنه ناره، ولا يحبنا إلا من طاب مولده) بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٢. روى الصدوق رحمه الله في كتاب المعراج عن رجاله إلى ابن عباس، قال: (سمعت رسول الله / وهو يخاطب علياً ( ويقول: يا علي، إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء معه، فخلقني وخلقك روحين من نور جلاله، فكنا أمام عرش رب العالمين نسبح الله ونقدسه ونحمده ونهلّله، وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرضين، فلما أراد أن يخلق آدم خلقني وإياك من طينة واحدة من طينة عليين وعجننا بذلك النور وغمسنا في جميع الأنوار وأنهار الجنة، ثم خلق آدم واستودع صلبه تلك الطينة والنور، فلما خلقه استخرج ذريته من ظهره فاستنطقهم وقررهم بالربوبية، فأول خلق إقرارا بالربوبية أنا وأنت والنبيون على قدر منازلهم وقربهم من الله عز وجل، فقال الله تبارك وتعال: صدقتما و أقررتما يا محمد ويا علي وسبقتما خلقي إلى طاعتي، وكذلك كنتما في سابق علمي فيكما، فأنتما صفوتي من خلقي، والأئمة من ذريتكما وشيعتكما وكذلك خلقتكم .......) بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٣. (أخبرنا الحسين بن عبيد الله، قال: أخبرنا أبو محمد، قال: حدثنا محمد بن همام، قال: حدثنا علي بن الحسين الهمداني، قال: حدثني محمد بن خالد البرقي، قال: حدثنا محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (، عن آبائه /، عن أمير المؤمنين (، قال: كان ذات يوم جالساً بالرحبة والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك بالمكان الذي أنزلك الله به، وأبوك يعذب بالنار ! فقال له: مه فض الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله تعالى فيهم، أبي يعذب بالنار وابنه قسيم النار ! ثم قال: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار: نور محمد / ونوري ونور فاطمة ونورَي الحسن والحسين ومن ولده من الأئمة، لأن نوره من نورنا الذي خلقه الله عز وجل من قبل خلق آدم بألفي عام) أمالي الطوسي: ص٣٠٥، مائة منقبة لابن شاذان القمي: ص١٧٤، كنز الفوائد للكراجكي: ص٨٠. عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (، قال: (كان الله ولا شيء معه، فأول ما خلق نور حبيبه محمد / قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام، فلما خلق الله تعالى نور نبينا محمد / بقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفاً يسبحه ويحمده، والحق تبارك وتعالى ينظر إليه .........، فلما تكاملت الأنوار سكن نور محمد تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة، ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الثانية، ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد الله تعالى أن يخلق آدم( ........) بحار الأنوار: ج ١٥ ص٢٧ - ٣١. روى جابر بن عبد الله، قال: (قلت لرسول الله /: أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر خلقه الله، ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله أقساماً، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله، ثم جعله أقساماً فخلق القلم من قسم، واللوح من قسم والجنة من قسم. وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله ثم جعله أجراء فخلق الملائكة من جزء والشمس من جزء والقمر والكواكب من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله، ثم جعله أجزاء فخلق العقل من جزء والعلم والحلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين) بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٢٢. عن محمد بن سنان عن ابن عباس، قال: (كنا عند رسول الله / فأقبل علي بن أبي طالب ( فقال له النبي /: مرحباً بمن خلقه الله قبل أبيه بأربعين ألف سنة، قال: فقلنا: يا رسول الله أكان الابن قبل الأب ؟ فقال: نعم، إنّ الله خلقني وعلياً من نور واحد قبل خلق آدم بهذه المدة ثم قسمه نصفين، ثم خلق الأشياء من نوري ونور علي( ، ثم جعلنا عن يمين العرش فسبّحنا فسبّحت الملائكة، فهلّلنا فهلّلوا، وكبّرنا فكبّروا، فكل من سبّح الله وكبّره فإن ذلك من تعليم علي () بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٢٤. عبد الله بن المبارك عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين (أنه قال: (إنّ الله خلق نور محمد / قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة، وخلق معه اثني عشر حجاباً والمراد بالحجب الأئمة /) بحار الأنوار: ج ٢٥ ص٢١. أخرج أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي الشافعي في كتابه "المناقب" بسنده عن سلمان الفارسي، قال: (سمعت حبيبي محمد / يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل يُسبِّح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم أودع ذلك النور في صلبه فلم يزل أنا وعلي شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الإمامة) ينابيع المودة: ج ١ ص٤٧،والحديث عن سلمان انظره أيضاً في: تاريخ مدينة دمشق: ج ٤٢ ص٦٧، مناقب ابن المغازلي: ص٨٧، فضائل الصحابة لابن حنبل:ج ٢ ص٦٦٢، مناقب الخوارزمي: ص١٤٥. أخرج ابن المغازلي أيضاً، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي ذر، قال: (سمعت رسول الله / يقول: كنت أنا وعلي نوراً عن يمين العرش بين يدي الله عز وجل يسبح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام، فلم يزل أنا وعلي شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزء أنا وجزء علي) ينابيع المودة: ج ١ ص٤٧. وروى ابن عباس، قال: (سمعت رسول الله / يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه ولم يزل الله ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره في صلب عبد المطلب، ثم أخرجه من عبد المطلب فقسّمه قسمين؛ قسماً في صلب عبد الله، وقسماً في صلب أبي طالب، فعلي مني وأنا منه لحمه لحمي ودمه دمي، فمن أحبه بحق أحبه ومن أبغضه فيبغضني أبغضه) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: ص٧٩، وأخرجه أيضاً في كتابه معارج الوصول إلى معرفة آل الرسول: ص٣٣. (أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال وأخبرنا عمر بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث) الطبقات الكبرى: ج ١ ص١٤٩. (حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. هذا حديث حسن صحيح) سنن الترمذي: ج ٥ ص٢٤٥. (حدثنا أبو النضر الفقيه وأحمد بن محمد بن سلمة العنزي، قالا: ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن سنان العوفي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفخر، قال: قلت لرسول الله متى كنت نبياً ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) المستدرك للحاكم: ج ٢ ص٦٠٨. الآن، تبيَّن من القرآن والروايات أنّ محمداً وآل محمد / أرواحهم موجودة في زمن بعث عيسى بل قبل أن يولد عيسى، فهل هناك مانع أن يخلق لروح أحدهم بدناً جسمانياً، أو في الحقيقة هو يظهر في العالم الجسماني بصورة تشبه عيسى ( ويكون هذا الأمر بإرادة الله وبحوله وقوته على الأقل كما روي ظهور جبرائيل - وهو روح - لمحمد / في هذا العالم الجسماني بصورة دحية الكلبي ([٦٤])، أقول: هل هناك مانع عقلي الآن بعد أن دلَّ النقل والعقل على هذا الأمر ؟ ثم من يرفض ويقول: هذا لا يعقل، هل لديه بديل تؤيده النصوص والعقل والحكمة كما هو الحال فيما تقدم ؟ أم مجرد عناد وجدل واتباع هوى لرفض الحق لا غير !! إنّ تقبّل الحقيقة كما هي ربما يكون فيه شيء من الصعوبة، خصوصاً مع وجود الجهل والشيطان وجنودهم الذين يعملون جاهدين لمنع الناس من الإنصات للحق ولسماع كلام الله والخضوع للدليل والتعرف على الحقيقة، ولكن عندما يُقام الدليل لإظهار الحقيقة على الناس العقلاء أن يقولوا نعم هذه هي الحقيقة لقد رأيناها بوضوح، وإلا فلن يكونوا أُناساً ولا عقلاء. * * * الملاحقالهوامش
- ↩[٥٨] . كتاب المتشابهات بأجزاء أربعة للسيد أحمد الحسن (، أوضح فيه ما تشابه في مسائل العقيدة، وفي الجزء الرابع تعرض إلى مسألة الشبيه المصلوب، انظر: الملحق رقم (٥).
- ↩[٥٩] . بالنسبة إلى المسيحيين، فيكفي في بيان اختلافهم وعدم اتضاح الحقيقة لهم وجود فرق منهم تؤمن بما في إنجيل يهوذا، وهم مسيحيون ولا تستطيع الكنيسة الحالية سلبهم هويتهم، للمزيد انظر ملحق رقم (٣). وأما بالنسبة إلى المسلمين، فأكتفي بنقل قول عالمين من علماء المسلمين: الأول: للطبري السني (ت: ٣١٠ هـ) إذ يقول: (.. واختلف أهل التأويل فـي صفة التشبيه الذي شُبِّه لليهود فـي أمر عيسى، فقال بعضهم: لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعاً حُوّلوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى.. وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيت أن يُلْقَـى على بعضهم شبهه، فانتدب لذلك رجل فأُلقي عليه شبه، فَقُتل ذلك الرجل ورُفع عيسى ابن مريم () جامع البيان. والثاني: للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) حيث يقول: (واختلفوا في كيفية التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى فقال وهب بن منبه ...)، ثم نقل أقوال المفسرين في ذلك، انظر: التبيان: ج٣ ص٣٨٢ - ٣٨٥. فشخصية المصلوب ومجريات ما حصل إذن مجهولة لدى علماء المسلمين، تماماً كمجهوليتها لدى علماء الكنيسة، فهم وإن كانوا اليوم يتبنى أغلبهم القول بأنّ عيسى هو من صلب، إلا أنّ المسيحين الأوائل كان لديهم قول آخر، كما أنهم عاجزون في نفس الوقت عن التوفيق بين ذلك وبين نصوص إنجيلية توضح أنّ المصلوب شخص آخر كما بينها السيد أحمد الحسن في كتابه هذا بأروع بيان.
- ↩[٦٠] . بالرغم من وضوح هذا، لكن علماء الكنيسة مرة أخرى يلجأون الى مسألة الاقانيم ليبرروا مخاطبة عيسى لأمه بيا امرأة، يقول القمص تادرس يعقوب في تفسيره: (لم يقل "يا أماه" بل "يا امرأة"، لأن ما يمارسه بخصوص تحويل الماء خمرًا لا يصدر بكونه إنسانًا أخذ جسدًا منها، وإنما بعمل لاهوته)، وكأنّ هذه العقيدة الباطلة شماعة يعلقون عليها أوهامهم متى ما شاءوا !!
- ↩[٤٧] . وهذا أمر تقره فطرة الإنسان وجميع الكتب السماوية، وقد نقلنا بعض نصوص العهد القديم الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون، وأيضاً هو أمر تقره جميع المجتمعات البشرية دينية كانت أو لا دينية.
- ↩[٥٧] . للمزيد راجع كتاب وصي ورسول الإمام المهدي في التوراة والإنجيل والقرآن، ورسالة الهداية، للسيد أحمد الحسن، وكذا باقي كتبه التي كشفت الكثير من الحقائق الإلهية المجهولة لدى علماء الأديان. وهذا رابط تحميلها: http://vb.al-mehdyoon.org/t4451.html
- ↩[٦١] . وللمثال أنقل نصين، الأول: لبدر الدين العيني إذ يقول في بيان "وما قتلوه وما صلبوه لكن شبه لهم": (.. وذلك أنهم لما نصبوا له خشبة ليصلبوا عليها، ألقى الله تعالى شبه عيسى على الذي دلهم عليه، واسمه: يهوذا، وصلبوه مكانه، وهم يظنون أنه عيسى، ورفع الله عيسى إلى السماء ..) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: ج١٢ ص٣٥. الثاني: للمفسر الشيعي ناصر مكارم الشيرازي، إذ يقول: (يستنتج من نصوص جميع الأناجيل أن المقبوض عليه قد اختار الصمت أمام "بيلاطيس" الحاكم الرومي لبيت المقدس - آنذاك - ولم يتفوه إلا بالقليل دفاعا عن نفسه ويستبعد كثيرا أن يقع عيسى المسيح في خطر كهذا ولا يدافع عن نفسه بما يستحقه الدفاع عن النفس، وهو المعروف بالفصاحة والبلاغة والشجاعة والشهامة. ألا يحتمل في هذا المجال أن يكون شخص آخر - ك "يهوذا الأسخربوطي" الذي خان ووشى بعيسى المسيح وكان يشبهه كثيراً - قد وقع هو بدل المسيح في الأسر وأنه لهول الموقف قد استولى عليه الخوف والرعب، فعجز عن الدفاع عن نفسه أو التحدث أمام الجلادين بشئ..) تفسير الأمثل: ج٣ ص٥٢٩. ويجيب مركز الأبحاث العقائدية التابع للسيستاني عن الشبيه فيقول: (.. من المسلَّم به أن إلقاء القبض على المسيح حصل نتيجة خيانة أحد الحواريين وهو يهوذا الاسخريوطي والقرآن الكريم يثبت أن المسيح الذي ألقي القبض عليه ثم صلب شُبِّه لهم، أي أن الله تعالى عاقب يهوذا الخائن وشبهه بالمسيح وصلب هو بدلاً عن المسيح: "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم" النساء: ١٥٧. وبذلك يتضح الغموض الإنجيلي والتناقض العجيب في بيان كيفية نهاية يهوذا حيث اختلفت الأناجيل في توبته وندمه وعدم ذلك، وكذلك اختلفوا في كيفية موته بل حتى في موته أصلاً، فلنا الحق أن نقول خائن مثل يهوذا كيف تغافل عنه المسيحيون آنئذٍ ولو بعد حين كيف تركوه وتركوا أخباره وتركوا معرفة مصيره الذي ينبغي الاهتمام به وجزائه وخزيه في الدنيا ليزداد الناس إيماناً واطمئناناً؟). مركز الابحاث العقائدية التابع للسيستاني http://www.aqaed.com/faq/2052/
- ↩[٦٢] .سيأتي بعد قليل بيان الروايات من كتب الشيعة والسنة.
- ↩[٦٣] . في المصدر: (قلبت) والصحيح ما أثبتناه. وفي طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان، ط١ لسنة ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م، ص٧٠٠ – ٧٠١، بلفظ (قبلت)، كما اثبتناه.
- ↩[٦٤] .ظهور الروح أو الملاك في جسد أمر ثابت في العهدين القديم والجديد كظهوره لهاجر (انظر: تكوين - ١٦: ٧)، ومريم ويعقوب، يقول انطونيوس فكري عند تفسير ظهور الملاك ليعقوب: (المخلوقات الروحية كالملائكة لا يمكننا أن نراها إلا إذا أخذت شكلاً محسوساً نراه بها، وذلك حين يريد الله ويسمح بذلك) تفسير لوقا - أصحاح١. وأما مسألة ظهور جبرئيل ( بصورة دحية الكلبي فهو أمر معروف جداً عند جميع المسلمين، وسأكتفي بأمثلة مختصرة: عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله (، قال: (إن أبا ذر أتى رسول الله / ومعه جبرئيل ( في صورة دحية الكلبي وقد استخلاه رسول الله، فلما رآهما انصرف عنهما ولم يقطع كلامهما ..) الكافي - الشيخ الكليني: ج٢ ص٥٨٧. قال الشيخ المفيد: (وأما الروايات في رؤية الملائكة بصورة إنسان في الأمم السابقة وفي هذه الأمة فلا تعد ولا تحصى فقد روى رؤية بعض الصحابة جبرئيل بصورة دحية الكلبي ..) أوائل المقالات: ص٢٨٨. وروى النسائي في سننه: (أخبرنا محمد بن قدامة، عن جرير، عن أبي فروة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة وأبي ذر ... وإنا لجلوس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً .... وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي) سنن النسائي: ج٨ ص١٠١ – ١٠٣. وأخرج الألباني في السلسلة الصحيحة، عن ابن عمر قال: (كان جبريل يأتي النبي / في صورة دحية الكلبي) ج٣ ص١٠٤ تحت رقم ١١١، وقال عنه: "وإسناده صحيح على شرط مسلم. قال ابن حجر: (هل من الملائكة صحابة ؟ الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكيل والظهور بأشكال مختلفة، وهي تتشكل بأشكال حسنة، شأنها الطاعة وأحوال جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم حين تبليغه الوحي وظهوره في صورة دحية الكلبي تؤيد رجحان هذا التعريف للملائكة على غيره) الإصابة: ج١ ص٩.