الفصول
أهم أسباب الرفض
التيه أو الطريق إلى الله · السيد أحمد الحسن
ولعل أهم أسباب هذا الرفض هي:
١- ضعف إيمانهم بنبوة موسى ( ورسالته؛ فكان الكثير منهم يرونه كقائد لا كنبي عظيم، بل إنّ بعضهم تمرّد حتى على قيادته (.
٢- ضعف التقوى والخوف من الله؛ حيث أدّى بهم إلى التمرّد والمعصية دون اكتراث.
٣- ضعف النفوس والخوف من الطواغيت والخضوع والاستسلام لهم والأنس بالظلم، وبالتالي ترك الجهاد في سبيل الله.
٤- الاهتمام بالحياة الدنيا أكثر من الآخرة؛ وبالتالي ترسخ حب الدنيا في نفوسهم والتمسك بالحياة بشكل غير طبيعي كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم.
٥- انتشار حب الذات بينهم؛ حتى إنّ بعضهم كان يرى نفسه أفضل من موسى وهارون عليهما السلام ولا يقبل قيادتهما له!! كما جاء في التوراة سفر العدد الإصحاح السادس عشر: (وأخذ قورح ابن يصهار ابن قهات ابن لاوي وادثان وابيرام أبناء الباب واون ابن قالت ابن داوبين ٢ يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل مئتين وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم ٣ فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما كفاكما أن كل الجماعة بأسرها مقدّسة وفي وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب ٤ فلما سمع موسى سقط على وجهه ….. ١٢ فأرسل موسى ليدعوا داثان وابرام ابني الياب فقالا لا نصعد ١٣ قليل إنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً لتميتنا في البرية حتى تترأس علينا أيضاً ترأساً ...).
وجاء في القرآن قريب من هذا المعنى.
وجدير بنا أن نتذكر أنّ حب الذات والتكبر آفة أخلاقية أهلكت بني آدم وأردت الكثير منهم في هاوية جهنم وكم حقق الشيطان وعده بغواية بني آدم من خلال التكبر، وكم كان التكبر العائق الرئيسي الذي يمنع الناس من طاعة الأنبياء / وتصديقهم، وأكثر الناس تكبراً على الأنبياء والأوصياء / هم الأغنياء والمترفون ورؤساء القوم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾([٨]).
حيث يرون أنفسهم أفضل من الأنبياء والأوصياء /، وكل قائد معين من الله دينياً أو دنيوياً، ويحسدونهم على ما أتاهم الله، قال تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾([٩]).
ومما مر نعلم إنّ نفوس بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى ( قد انطوت على مساوئ أخلاقية كثيرة، فكان التيه الذي عاقبهم الله به على رفضهم الدخول إلى الأرض المقدّسة ضرورياً؛ لتطهير نفوسهم وإعادتهم إلى فطرة التوحيد والخير.
كما أنّ في سنين التيه الأربعين تربى جيل من بني إسرائيل في الصحراء، وهم أبناء وأحفاد الذين خرجوا مع موسى (، لم يكن لهم موطن يستقرون فيه ولا الكثير من زخرف الدنيا يشدّهم لها ويربطهم بأهلها، ولم يكونوا تحت سلطة أي طاغوت يسومهم سوء العذاب ويغرس في نفوسهم الضعف والخوف، فتربوا أحراراً ومحبين للحرية. ولعل للمعجزات التي كانوا يرونها في التيه أثراً كبيراً في تربيتهم تربية روحية وإيمانية عالية. فنشأ في التيه جيل مؤمن قوي وشجاع مؤهل لحمل الرسالة الإلهية ونشرها، ومؤهل لقتال الظلمة والجهاد في سبيل الله ودخول الأرض المقدّسة.
ومن هنا يتبيّن سبب الاهتمام الرباني بالآباء وإرسال نبي عظيم من أولي العزم لهم وهو موسى ( مع أنّ أغلبهم كانوا فاسقين ولم يكونوا صالحين لحمل الرسالة الإلهية، بل إنّ هؤلاء الذين خرجوا مع موسى ( ماتوا في التيه بأجمعهم ولم يبق منهم إلاّ كالب ويوشع عليهما السلام ليقود يوشع ( فيما بعد الأبناء والأحفاد لدخول الأرض المقدّسة والانتصار على الجبابرة.
وبالجملة فإنّ المستفاد من التيه أنّه عملية إصلاحية إضافة إلى أنه عقوبة، وكان الهدف الرئيسي منه إصلاح نفوس بني إسرائيل وتربيتهم على رفض الظلم والفساد وحكّام الجور والطاغوت بعد أن كانوا أنسوا به واستسلموا له ولم يحركوا ساكناً لتغيير وضعهم السيء في مصر، وكان لمكان التيه أثر كبير كونه قفراً فيلجأ فيه الإنسان إلى الله ويتوكل عليه ويتحصّن بولاية الله وذكر الله، كما كان لشخصيته ( أثر كبير في إصلاح بني إسرائيل وتأهيلهم لحمل الرسالة الإلهية، فهذا الكيان الرباني الذي اصطنعه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولنصرة دينه كما أخبر في القرآن ([١٠])، جاهد في سبيل الله وحيداً عند ما كان في قصر فرعون فساعد المظلومين ووقف في وجه المتكبرين، وعند ما لم يكن بد من استخدام القوة قتل أحد هؤلاء الظلمة كما جاء في القرآن، قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾([١١]).
أمّا قوله (: (هذا من عمل الشيطان) فربما قالها قاصداً الأمر الذي وقع بسببه القتل أو لعله قصد الشخص المقتول نفسه، فهو من عمل الشيطان باعتبار أنّ من لوث فطرة التوحيد والخير فيه هو الشيطان.
وخرج موسى ( بعد هذه الحادثة من مصر خائفاً على دينه مترقباً رحمة الله معاهداً الله على ما أعطاه من قوة وإيمان وهداية أن لا يكون عوناً لظالم ولو بالسكوت على ظلمه، فهاجر إلى الله تاركاً العالم المادي الخسيس والترف الموجود في قصر فرعون راضياً قانعاً بقسم الله فرزقه الله اللحاق بنبي عظيم، وهو شعيب ( والزواج بإحدى بناته وبقي عنده عشر سنين يرعى الغنم، ولعل هذا من اصطناع الله له.
ثم شاء الله أن يعيده إلى قومه في مصر بعد هذه الغيبة عنهم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى الحرية فأخرج منهم جيلاً صالحاً ربانياً مؤهلاً لحمل الرسالة الإلهية كما مرّ، ولم يكن ليخرج هؤلاء الأبناء الأحرار الخاضعون لله من أولئك الآباء العبيد المتمردين على أمر الله لولا رحمة الله وفضله عليهم ولولا هذا الكيان المقدّس؛ موسى ( الذي اصطنعه الله وزكاه.
* * *