الفصول

تيه بني إسرائيل

التيه أو الطريق إلى الله · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

تاه بنو إسرائيل في سيناء أربعين سنة بعد خروجهم من مصر مع موسى وهارون عليهما السلام، وهذا التيه كان عقوبة لهم لتمردهم على موسى ( وعلى الأمر الإلهي بدخول الأرض المقدسة (فلسطين)، كما كان لإصلاحهم وتخليصهم من المفاسد التي ترسخت في نفوسهم نتيجة لتسلط فرعون وحزبه عليهم في مصر، وقد جاء ذكر التيه في القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ۞ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ۞ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ۞ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۞ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ۞ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ۞ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾([٥]). قبل التيه كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر، وأول من استوطن مصر منهم هو يوسف ابن يعقوب عليهما السلام ثم دعا أبويه وإخوته إلى مصر عندما كان وزيراً بالإجبار لأحد الفراعنة على بيت المال، ومنذ ذاك الحين انتقل إسرائيل أو نبي الله يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ( وبنيه من حياة البادية - حيث كانوا يرعون بعض المواشي - إلى مصر وحياة المدينة والاستقرار. واستمر بعد ذلك ذرية نبي الله يعقوب يعيشون في مصر ويدعون إلى التوحيد ودين الحق وترك عبادة الأصنام وتأليه الفرعون، وربما كانت هذه الدعوة علناً حيناً وسرّاً حيناً آخر، وكثر عدد بني إسرائيل في مصر. والدعوة إلى الحق تصطدم بمصالح حكّام الجور من الفراعنة فخشي هؤلاء الظلمة ذهاب ملكهم وانتقال الملك الدنيوي إلى الأنبياء العظام من بني إسرائيل؛ ولذلك مارسوا أشد أنواع البطش والإرهاب مع بني إسرائيل فأذلوهم واستضعفوهم وقتلوا أبناءهم ومنعوهم من ممارسة عباداتهم وشعائر الله، وحاولوا بكل طريق طمس تعاليم دين التوحيد وجبر المصريين وبني إسرائيل على الشرك والكفر بالله وبدينه وإطاعة الفرعون وكل ما يأمرهم به من عبادة التماثيل والصور وقتل المؤمنين، ولولا عقيدة الانتظار التي كانت موجودة عند بني إسرائيل التي أوجدتها في نفوسهم بشارة الأنبياء / بالخلف المنتظر الذي سيقضي على فرعون وهامان وجنودهم لما بقي فيهم مؤمن ولما اجتمعوا حول هذا المنقذ عندما جاء، ولكن للأسف كان اجتماع مستضعفين حول قائد سيخلصهم من ظلم طاغوت فحسب، ولم يدركوا أنّ هذا القائد هو نبي عظيم أرسل ليزكيهم ويطهر نفوسهم ويعيد دين التوحيد وتعاليمه التي كادت تندرس. وأُرسل موسى ( بالآيات والبيّنات، ولكن فرعون وهامان وجنودهما المترفين في بني إسرائيل أمثال قارون استكبروا واستمروا في غيهم وإيذاء كل من آمن لموسى (، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۞ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ۞ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ۞ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ۞ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾([٦]). وبعد هذه المرحلة كان لابد من الهجرة في أرض الله الواسعة، وخرج موسى ( وبنو إسرائيل من مصر مهاجرين في سبيل الله، لكن فرعون لم يرق له أن يرى هؤلاء المستضعفين أحراراً وخارجين عن قبضته وبطشه فتبعهم هو وجنوده، وكان ذلك الموقف والامتحان العظيم، وقف بنو إسرائيل أمامهم البحر وخلفهم بدأ يتراءى جيش فرعون فخافوا وقالوا إنا لمدركون ولم يلتفتوا إلى أنّ الذي قادهم إلى هذا المكان هو نبي عظيم مرسل من الله سبحانه فنبههم ( إنهم مهاجرون إلى الله بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾([٧]). فأوحى الله له أن يضرب بعصاه البحر فانشق له البحر؛ لأنّ البحر عبد من عباد الله ولا يملك البحر أن يقف عائقاً أمام هذا العبد المخلص والمتوكل على الله، ولا يملك البحر أن يقف عائقاً أمام هذا السيل الجارف من الإيمان، ولا يملك البحر أن يقف عائقاً إمام موسى (؛ لأنّ موسى إنسان وكل شيء في الأرض خلق لخدمة الإنسان الذي هو أوسع المخلوقات قدرة على معرفة الله، لكنه إذا أطاع الشيطان كان أجهل وأقسى من الحجر، وإن من الحجارة لما يتفجّر منها الأنهار، وإن منها لما يهبط من خشية الله. وكانت هذه المعجزة آخر آية رآها فرعون وجنوده من موسى (، ولكن قلوبهم كانت أقسى من الحجارة، فلم يقفوا مبهوتين بل ساروا بين جبلين من الماء ونفوسهم مليئة عناداً وتكبراً فاغرقوا فبعداً لهم. ونجا بنو إسرائيل وعبروا البحر ووجدوا أنفسهم في صحراء مقفرة بعد أن كانوا يعيشون في وادي النيل الخصب، لكن موسى ( جاءهم بالبشارة والأمر الإلهي بالدخول إلى الأرض المقدّسة ووعدهم بالنصر من الله، وكان المفروض بعد كل تلك الآيات والمعجزات التي رأوها في مصر، وبعد أن انشق البحر وأغرق فرعون وجنوده أن لا يتردّدوا بالطاعة، وكان المفروض أن يوقنوا بالنصر، لكنّهم تمرّدوا ورفضوا الدخول إلى الأرض المقدّسة!!

الهوامش

  1. ↩[٥] - المائدة: ٢٠ - ٢٦.
  2. ↩[٦] - غافر: ٢٣ - ٢٧.
  3. ↩[٧] - الشعراء: ٦٢.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
تيه بني إسرائيل - التيه أو الطريق إلى الله - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.