الفصول
(أُمة القائم أحمد) الأمة العاملة بأثمار الملكوت:
أحمد الموعود: ملتقى رسالات السماء وسفينة نجاة المختارين · علاء السالم
-١٥. (أُمة القائم أحمد) الأمة العاملة بأثمار الملكوت:
تقدم في النقطة (٥) أنّ الأمة العاملة بأثمار الملكوت ليست أمة عيسى ولا أمة إيليا، قال عيسى: (٤٣ لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ) ([١٨١]).
بل تحدث ع بمثَلٍ عن الأمة العاملة به، والتي ينتقل إليها الملكوت، فقال:
(٢ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لابْنِهِ، ٣ وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. ٤ فَأَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ قَائِلاً: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ! ٥ وَلكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ، ٦ وَالْبَاقُونَ أَمْسَكُوا عَبِيدَهُ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. ٧ فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ. ٨ ثُمَّ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَمَّا الْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا الْمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ. ٩ فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ فَادْعُوهُ إِلَى الْعُرْسِ. ١٠ فَخَرَجَ أُولئِكَ الْعَبِيدُ إِلَى الطُّرُقِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الَّذِينَ وَجَدُوهُمْ أَشْرَارًا وَصَالِحِينَ. فَامْتَلأَ الْعُرْسُ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ. ١١ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْمُتَّكِئِينَ، رَأَى هُنَاكَ إِنْسَانًا لَمْ يَكُنْ لاَبِسًا لِبَاسَ الْعُرْسِ. ١٢ فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ. ١٣ حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. ١٤ لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ) ([١٨٢]).
وما ورد في هذا النص هو ذاته الذي قاله آل محمد ص في أنصار القائم وأمته، ولو أردتُ نقل ما يقابله حرفياً من رواياتهم لطال البحث الذي بنيته على الاختصار، ولكن هذا نموذج منها يوضح لباس العرس والشهادة للحق:
عن الصادق ع قال: (إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا وأومأ بيده إلى موضع ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثنى عشر ألف درع واثنا عشر ألف سيف واثنا عشر ألف بيضة لكل بيضة وجهين، ثم يدعو اثنى عشر ألف رجل من الموالي من العرب والعجم فيلبسهم ذلك، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه) ([١٨٣]).
وأما صرير الأسنان والخوف الذي يكون بعد طرح الدخيل الذي كان بين المدعوين ومن أصحابه ظاهراً، فهو نفسه ما ورد عن الإمام الصادق ع، قال: (بينا الرجل على رأس القائم ع يأمره وينهاه إذ قال: أديروه .. فلا يبقى في الخافقين شيء إلا خافه) ([١٨٤]).
وقد وصف الله سبحانه أنصار القائم، فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾([١٨٥]). وأكدت روايات المسلمين على أنهم مساكين ومشردون ومستضعفون ومجهولون عند أهل الأرض ولا يُعبأ بهم.
وهي ذاتها صفات الأمة التي أُعطيت الملكوت ونظرت فيه بعد أن قدم لها العبد الحكيم الأمين الطعام الإلهي كما تقدم توضيحه، وقال عيسى أيضاً: (٣ طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ ٤ طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. ٥ طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ ...١٠ طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ) ([١٨٦]).
إنهم أنصار القائم ع إذن، وقد أكدت الروايات طرق تعرّفهم على سيدهم، فكان الملكوت رائدهم في ذلك عبر الرؤى والكشف وما سواها من الطرق الملكوتية. ولم يرد في نصوص الأديان كلها أمة هذه صفتها عند اقتراب الساعة والقيامة الصغرى والخلاص غير أنصار القائم ع.
يقول ابن عربي السني: (يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلده الله ينزل عليه عيسى ابن مريم) ([١٨٧]). كما تقدم في البحث السابق ذكر مصادر سنية أيضاً في التعرف على القائم الموعود بالرؤى والنداء السماوي.
ولأنّ الرؤيا لها علاقة بالتعرف على القائم والمصلح المنتظر، قال الإمام الرضا ع لابن أبي نصر لما سأله عن الرؤيا: (لو أنّا أعطيناكم ما تريدون كان شراً لكم وأُخذ برقبة صاحب هذا الأمر) ([١٨٨]).
وعن الإمام الصادق ع قال: (اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح) ([١٨٩])، واجتماعهم بعد موتهم لا يكون إلا بالرؤيا التي يراها المؤمنون.
وهو ما يحصل اليوم من خلال آلاف الرؤى الصادقة بهم وبالأنبياء والمرسلين وكلها ترشد إلى الالتحاق بالمنقذ والمخلص والقائم (أحمد الحسن)، ولمن أراد التأكد فليدخل إلى الموقع الرسمي للدعوة المباركة ويستمع إلى شهادات أناس من بلدان متعددة وبلغات مختلفة ومن أديان وملل متفاوتة.
ثم إنّ رسالات السماء أولت الرؤى غاية الاهتمام، وفي القرآن نجد أنّ سورة كاملة (يوسف ع) تدور آياتها على رؤياه هو ورؤيا عزيز مصر والسجينين معه، قال تعالى لنبيه المصطفى محمد ص:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ﴾، ومباشرة بعدها قال: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([١٩٠]). فقد جعل الله سبحانه تعبيرها دليلاً على نبوة أنبيائه وصدق ادعائهم، كما أوضح أنها مصداق لتشخيص خليفة الله في أرضه، أي منقذهم وسفينة نجاتهم من صحراء التيه والضياع، فلولا أنّ قص يوسف لرؤياه كان سيؤدي إلى معرفة إخوته بأنه خليفة أبيه لما كانت هناك حكمة في نهي يعقوب عن قصها.
ولذا قال النبي محمد ص في وصف الرؤى وقدرها وخصوصاً في آخر الزمان: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة ..) ([١٩١]).
وعن الإمام الرضا ع: (إن رسول الله ص كان إذا أصبح قال لأصحابه: هل من مبشرات، يعني به الرؤيا) ([١٩٢]).
ونفس الاهتمام هذا نجده في التوراة والإنجيل المتضمنين للاهتمام بالملكوت وشهادته الحقة، أما في الإنجيل فيكفينا تضمنه لرؤيا يوحنا اللاهوتي، وقد تقدمت وظهر ارتباطها بالمخلِّص والمنقذ.
وعن ارتباط الرؤيا بالمخلِّص أيضاً نجد ما نقله بطرس عن يوئيل النبي بقوله: (١٧ يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا. ١٨ وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. ١٩ وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَمًا وَنَارًا وَبُخَارَ دُخَانٍ. ٢٠ تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ، قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الشَّهِيرُ) ([١٩٣]).
ومثله في التوراة، حيث ورد: (٢٨ وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. ٢٩ وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضًا وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، ٣٠ وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. ٣١ تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ) ([١٩٤]).
وضمَّ سفر دانيال ما عبَّره دانيال النبي ع العليم بتأويل الرؤى: (٢٧ .. وَكَانَ دَانِيآلُ فَهِيمًا بِكُلِّ الرُّؤَى وَالأَحْلاَمِ) ([١٩٥])، وهو الدليل على نبوته، وقد فسَّر لنبوخذ نصر "ملك بابل" رؤياه التي حيرته، (٢٦ أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ .. هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ عَلَى أَنْ تُعَرِّفَنِي بِالْحُلْمِ الَّذِي رَأَيْتُ، وَبِتَعْبِيرِهِ؟ ٢٧ أَجَابَ دَانِيآلُ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالَ: السِّرُّ الَّذِي طَلَبَهُ الْمَلِكُ لاَ تَقْدِرُ الْحُكَمَاءُ وَلاَ السَّحَرَةُ وَلاَ الْمَجُوسُ وَلاَ الْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ. ٢٨ لكِنْ يُوجَدُ إِلهٌ فِي السَّمَاوَاتِ كَاشِفُ الأَسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ) ([١٩٦]).
أما أنّ الملهم في تعبير الرسل للرؤى هو الله سبحانه، فهو ذاته قوله تعالى عن يوسف: ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾. وأما أنّ غيرهم لا يستطيع التأويل والتبيين، فلأنّ التعبير - كما تقدم في القرآن- أحد طرق التعرّف على صدق خلفاء الله ورسله دون ما سواهم.
وإضافة إلى كل ما أوضحناه في البحوث المتقدمة من أدلة تثبت أحقية المنقذ والقائم أحمد الحسن، نرى أنّ الرؤى الصادقة وتعبيرها أيضاً من بين تلك الأدلة التي أيّد الله بها القائم اليوم كما أيّد بها خلفاءه السابقين، بنص القرآن والإنجيل والتوراة.
ولأنّ تعبير دانيال لرؤيا الملك كان له علاقة بآخر الزمان ويوم الخلاص (وَقَدْ عَرَّفَ "أي دانيال" الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ)، فبكل تأكيد سيكون للرسول الموعود والقائم المحمود (أحمد) فيها ذكرٌ، بل هو قطب رحاها جزماً، وهذا ما سنسمعه الآن.
* * *
الهوامش
- ↩إنجيل متى - الأصحاح ٢١.
- ↩متى - الأصحاح ٢٢.
- ↩بحار الأنوار: ج ٥٢ ص٣٧٧.
- ↩غيبة النعماني: ص٢٤٥.
- ↩القصص: ٥.
- ↩إنجيل متى - الأصحاح ٥.
- ↩الفتوحات المكية: ج ٣ ص٣٢٧.
- ↩بحار الأنوار: ج ٥٢ ص١١٠.
- ↩غيبة النعماني: ص٢٠٣.
- ↩يوسف: ٣ - ٦.
- ↩صحيح مسلم: ج ٧ ص٥٢.
- ↩الكافي: ج ٨ ص٩٠.
- ↩أعمال الرسل - الأصحاح ٢.
- ↩يوئيل - الأصحاح ٢.
- ↩الأصحاح ١
- ↩الأصحاح ٢.