الفصول

قبل العذاب رسالة ورسول

أحمد الموعود: ملتقى رسالات السماء وسفينة نجاة المختارين · علاء السالم

المصدر ↗

صفحات PDF الأصلية: ٥–٨

-٢. قبل العذاب رسالة ورسول

:

وهو أمر أكدته الرسالات السماوية جميعها، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ*يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾([١١]).

وهذا الدخان عذاب، والعذاب يسبق برسالة، قال تعالى: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾([١٢]). وأيضاً هذا الدخان أو العذاب هو عقوبة على تكذيب رسول أرسل للمعذبين، وهو بين أظهرهم كما هو واضح من الآيات: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. وأيضاً هذا الدخان أو العذاب يكشف لإيمان أهل الأرض بهذا الرسول بعد أن أظلهم كما أظل العذاب قوم يونس ع أو يونان. وأيضاً هذا الدخان أو العذاب مقارن للقيامة الصغرى، بل هو البطشة الصغرى كما هو واضح في الآية، فليس بعده إلا البطشة الكبرى والانتقام من الظالمين.

جاء في التوراة عن يوم الانتقام الإلهي الذي يكون نتيجة لتكذيب الرسول المخلِّص، ما يلي: (١ مَنْ ذَا الآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟ هذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ، الْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ. أَنَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ، الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ. ٢ مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ، وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ الْمِعْصَرَةِ؟ ٣ قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. ٤ لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ. ٥ فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، وَغَيْظِي عَضَدَنِي. ٦ فَدُسْتُ شُعُوبًا بِغَضَبِي وَأَسْكَرْتُهُمْ بِغَيْظِي، وَأَجْرَيْتُ عَلَى الأَرْضِ عَصِيرَهُمْ) ([١٣]).

وفي الإنجيل نسمع ذات الحقيقة (أي أنّ العذاب يُسبق برسول)، إذ جاء فيه: (٧ بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ) ([١٤]).

بمعنى: أنّ قوم نوح ع عُذِّبوا بسبب عدم إيمانهم به، فقبل تعذيبهم كان هناك رسول الهي بينهم وكان العذاب نتيجة تكذيبهم بذلك الرسول ولو كانوا قد تابوا وآمنوا بمن أُرسل لهم لرفع عنهم العذاب.

وجاء في التوراة عن رفع العذاب عن قوم يونس ع بسبب إيمانهم: (٤ فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى. ٥ فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ ..) ([١٥]).

واليوم، لا يشك أحد في نذر العذاب القريبة من أهل الأرض، بل وقوعها في مناطق متفرقة منها، حتى بدت علائم الطوفان الثاني أو الساعة أو القيامة الصغرى واضحة ومحسوسة لأغلب سكان الأرض ولا ينكرها إلا مكابر، والعذاب كما عرفنا لا يكون إلا بعد بعثة رسول وتكذيبه، فالسؤال الهام إذن: مَن هو هذا الرسول ؟ ومَن مرسل هذا الرسول ؟

ثم إنّ الرسول بكل تأكيد صاحب دعوة إلهية ويهم أمره العالم أجمع، ذلك أنّ نذر العذاب اليوم تشمل الجميع، ولهذا كانت نصوص الأديان عند ذكر المصلح والمنقذ العالمي تشمل (الأرض برمتها) أو (الشعوب والأمم جميعها) أو (العالم كله):

فعند المسلمين: (مهدي أمة محمد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).

وفي التوراة: (وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ) ([١٦]).

وفي الإنجيل: (وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ) ([١٧]).

وسنقف إن شاء الله على أنه رجل واحد لا غير.

ثم لا نغفل أنّ الدخان الوارد ذكره في القرآن (الآية المتقدمة) من علامات (الساعة = قيام القائم) عند المسلمين، فلما سئل النبي ص عن قيام القائم أجاب: (مثله مثل الساعة "لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض" لا يأتيكم إلا بغتة) ([١٨]).

وعند المسلمين السنة، ذكر النبي ص الساعة، فقال: (إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ..) ([١٩])، وليس الدخان عندهم عذاب يوم القيامة (فلو كان يوم القيامة ما كشف عنهم) ([٢٠]).

وأما عند غير المسلمين، فالدخان علامة على مجيء المنقذ والمخلِّص، ففي الإنجيل وتحديداً في رؤيا يوحنا المتضمنة ذكر المصلح المنتظر ورد عن الدخان ما يلي: (٢ فَفَتَحَ بِئْرَ الْهَاوِيَةِ، فَصَعِدَ دُخَانٌ مِنَ الْبِئْرِ كَدُخَانِ أَتُونٍ عَظِيمٍ، فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَالْجَوُّ مِنْ دُخَانِ الْبِئْرِ) ([٢١]).

وفي التوراة: (٣٠ وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. ٣١ تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ) ([٢٢]).

وإذا كان الدخان عذاب كما هو معلوم، فالعذاب مقترن برسول، بل هو - أي العذاب - بسبب تكذيب أهل الأرض لهذا الرسول، فهو عقوبة لهم ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾، فمن هو الرسول يا ترى ؟! وهذه صفاته.

* * *

الهوامش

  1. ↩الدخان: ١٠ - ١٦.
  2. ↩الإسراء: ١٥.
  3. ↩سفر إشعيا - الأصحاح ٦٣.
  4. ↩الرسالة إلى العبرانيين - الأصحاح ١١.
  5. ↩يونان - الأصحاح ٣.
  6. ↩سفر إشعيا - الأصحاح ١١.
  7. ↩يوحنا - الأصحاح ١٦.
  8. ↩عيون أخبار الرضا: ج ١ ص٢٩٧.
  9. ↩صحيح مسلم: ج ٨ ص١٧٩.
  10. ↩انظر: مسند أحمد: ج ١ ص٤٣١، صحيح البخاري: ج ٥ ص٢١٧.
  11. ↩رؤيا يوحنا - الأصحاح ٩.
  12. ↩يوئيل - الأصحاح ٢.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
قبل العذاب رسالة ورسول - أحمد الموعود: ملتقى رسالات السماء وسفينة نجاة المختارين - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.