الفصول
سهو ونسيان المعصوم:
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-سهو ونسيان المعصوم:
ما هو السهو وما هو النسيان؟:
السهو: هو عدم التذكر الذي يؤدي إلى فعل أو ترك الشيء عن غفلة وبغير علم.
والنسيان: بالأصل هو عدم التذكر الذي يؤدي إلى ترك شيء ([٢٣٢]) عن غير علم، ويستخدم أيضاً لفظ النسيان في وصف ترك وإهمال الشيء عن علم وعمد، ولكن هذا المعنى يحتاج قرينة تصرف اللفظ إليه؛ لأنّ الأصل في النسيان هو الترك عن غفلة وليس الترك عن علم وإهمال، وهذا المعنى الأخير هو المنسوب إلى الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١].
نَنسَاهُمْ: أي نتركهم ونهملهم.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
فَنَسِيَهُمْ: أي أن الله تركهم وأهملهم.
فهذا النسيان المنسوب إلى الله هنا ليس تركاً فقط كما يتوهم بعضهم، وإلا لقال الله (نتركهم، وفتركهم) بل المراد هو ترك مع الإهمال وعدم الاهتمام عن علم.
فالخلاصة هناك معنيان للنسيان؛ الأول: هو الترك مع الغفلة، وهذا هو النسيان الذي نعرفه ويتبادر معناه إلى ذهن المتلقي العربي مباشرة عندما يسمع لفظ نسي، وهناك معنى ثانٍ يحتاج قرينة تصرف المعنى إليه وهو الترك مع العلم وتَقَصُّد الإهمال.
ولا يصرف عادة لفظ النسيان لمعنى الترك المجرد، بل هذا المعنى له لفظ يستعمل له وهو لفظ ترك. وما نناقشه في هذا الموضوع هو النسيان من النوع الأول، أي الترك مع الغفلة.
السهو والنسيان:
مسألة السهو والنسيان عند الإنسان عموماً، مرتبطة من جهة بالنفس الإنسانية، ومن جهة أخرى بالدماغ الذي هو آلة بايلوجية في جسم أي إنسان مكتمل. وهذه الآلة البايلوجية لديها قدرات محدودة، مثل قدرة الدماغ على التركيز، فالدماغ له قدرة محدودة على التركيز والتذكر، وطبيعي جداً أنْ لا يتمكن الدماغ من التركيز ومتابعة عدة أمور في آن واحد بدقة متناهية، فالنسيان والسهو - وخصوصاً في الأفعال المركبة أو المتراكبة أو المتتالية - حالة طبيعية لا يخلو منها إنسان؛ لأنه لازمة تلازم دماغنا المادي لا يمكن التخلص منها، ولهذا تجد كثيراً من الناس يحاولون أنْ يعصموا أنفسهم من النسيان والسهو بتسجيل ملاحظات في أوراق حول مواعيدهم والأعمال التي يجب أنْ يقوموا بها، بل تجد من لديهم أعمال مهمة يضعون أشخاصاً آخرين لتسجيل مواعيدهم وأعمالهم ومتابعتها وتذكيرهم بها، وتجد مصنعي بعض المعدات التي يستعملها الإنسان يضعون منبهات ضوئية أو صورية؛ لأنّ فيها أكثر من جهة تحتاج مراقبة، وهم يعلمون بالتجربة أنّ الإنسان ينسى ويسهو بمراقبة بعضها عن بعضها الآخر.
الإنسان يذهب لجلب شيء يخصه، ثم عندما يصل للمكان يجد نفسه قد نسي سبب مجيئه لهذا المكان؛ لأنه مرَّ بطريقه بأشياء شغلت دماغه عن التركيز على الأمر الأول الذي جاء بطلبه. الإنسان يتكلم في أمر معين ثم ينتقل إلى فكرة أخرى يركز عليها قليلاً ثم يريد العودة إلى صلب الموضوع الذي كان يتحدث فيه، فيجد نفسه قد نسي عن ماذا كان يتكلم، ويطلب من الذين معه تذكيره في ماذا كان يتكلم. أو أنه يريد التحدث في موضوع فيبادره الشخص المقابل بالحديث بموضوع آخر، فيجد نفسه قد نسي الموضوع الذي أراد طرحه. والنسيان في كل تلك الحالات سببه أنّ قدرة الدماغ الإنساني على التركيز على عدة أمور في وقت معين محدودة، فهو ينشغل بالتركيز على موضوع معين عن الآخر، وهذه مسألة طبيعية في الجسم الإنساني، ولا تتعلق بروحه أو بنفسه حتى يكون لارتقائه وعلو شأنه الروحي دخل فيها، فكون طبيعة الإنسان أنه ينسى ويسهو مسألة تجريبية، الكل يراها ويستطيع أنْ يلمسها بمراقبة حاله وحال بقية الناس وهي مثبتة علمياً، والمعصوم إنسان فالسهو حالة طبيعية تعرض له كغيره من البشر، وبالتالي فافتراض عصمته من السهو سواء مطلقاً أم في العبادة يحتاج إلى دليل قطعي، وهو آية محكمة أو رواية قطعية الصدور وقطعية الدلالة أو دليل عقلي تام، وهذه كلها مفقودة لدى القوم الذين يدّعون الاعتقاد بعصمة المعصوم من السهو والنسيان مطلقاً أو في العبادة.
وتجد إنّ متكلمي ([٢٣٣]) الشيعة وفقهاءهم أنفسهم لم يتفقوا ([٢٣٤]) على قول في مسألة نسيان وسهو المعصوم، فضلاً عن أنْ يتفق عليها متكلمو وفقهاء الإسلام جميعاً، وإنْ شاء الله سيخرج المؤمن وطالب الحق من هذا الموضوع بحقيقة ونتيجة واضحة لا لبس فيها بالنسبة لمسألة السهو والنسيان؛ حقيقة لا تخالف محكم وصريح القرآن الذي نص على أنّ موسى ويوشع (عليه السلام) نسيا حوتهما: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ [الكهف: ٦١]، أي تركا حوتهما؛ لأنهما لم يتذكراه وغفلا عنه، وأيضاً تحفظ مقام خليفة الله كقدوة ومبلغ عن الله سبحانه، فلابد أنْ يعصم بمذكر خارجي في بعض الأمور.
وفي البدء أنقل ما كتبته في كتاب "رحلة موسى (عليه السلام)" في النسيان؛ لأنه مقدمة نافعة قبل الكلام في هذا الموضوع:
[النسـيان:
لابد أن نعرف كيف تكون الذاكرة والمعلومات عند الإنسان لكي نعرف ما يترتب عليها وهو النسيان أو الغفلة عما فيها أو بعضه.
فمعلومات الإنسان يأتي بعضها من هذا العالم الجسماني عن طريق البصر والسمع مثلاً، ويأتي بعضها من الملكوت الأعلى، ومثال ما يأتي من الأعلى هو الوحي للأنبياء (عليهم السلام) والرؤيا الصادقة.
وهذه المعلومات تنطبع في صفحة الإنسان أو يمكنك تسميته موضع الذاكرة أو المعلومات، وهو في النفس الإنسانية (الروح) وليس في الجسد كما يتوهم كثير من الناس أنه في الدماغ، بل الدماغ هو تماماً كجهاز الفاكس أو التلفون، فهو ليس موضع حفظ المعلومات الدائم، بل هو جهاز يوصل المعلومات من وإلى وجود الإنسان في هذا العالم الجسماني.
وهذه المعلومات ما دام الإنسان في هذا العالم فهي في زيادة مستمرة، فمثلاً ما تراه بعينك وتدركه وما تستمعه بأذنك وما تقرأه هي معلومات متراكمة في النفس الإنسانية، والتذكر هو استخراج هذه المعلومات وحضورها عند الإنسان في هذا العالم عند إرادته ذلك.
أما ما يؤثر في هذا التذكر أو تحصيل المعلومة واستخراجها من الذاكرة فهي عدة أمور؛ منها:
أولاً: كم المعلومات، وأثر كم المعلومات على التذكر بيّن من خلال الواقع الذي نعيشه، فقدرة الطفل مثلاً على الحفظ أكبر بكثير من الكبار، والحفظ ما هو إلا تذكر للمعلومة، وسبب قدرة الطفل الفائقة على التذكر هو فراغ ذاكرته من المعلومات تقريباً عند بدء التذكر عنده، وبالتالي فكم المعلومات المتراكم عنده مع مرور الوقت في البداية سيكون تحت السيطرة حيث يكون من السهل فرزه والوصول إلى المعلومة بعكس الكبير الذي تراكم عنده كم هائل من المعلومات يصعب السيطرة عليه. ولتتوضح مسألة الكم أكثر أقول: لو كان عندك شيء تبحث عنه فإن وصولك إليه سيكون أسهل لو بحثت عنه بين عشرة أشياء مما لو بحثت عنه بين مائة.
ثانياً: الكيف أو نوع المعلومات، حيث إنّ المعلومة البسيطة ليست كالمعلومة المركبة والمعقدة، فالأخيرة ربما توضع في الذاكرة بصورة غير منظمة وعشوائية نتيجة عدم الإدراك الكلي والتام لها، وبالتالي يصعب تذكرها أو إخراجها بصورة صحيحة أو بكل جزئياتها ولوازمها بل حتى مع إدراكها ووضعها بشكل منظم ودقيق فإن تذكرها يكون أكثر صعوبة من المعلومة البسيطة؛ لأن تذكرها يحتاج إلى تذكر كل أجزائها.
ثالثاً: الجسد، وهو حجاب يؤثر على تذكر الإنسان ويكون بمثابة غطاء على المعلومات يزداد سماكة كلما زاد الانشغال به لجلب الملائمات له ودفع المنافيات عنه، ويخف كغطاء على المعلومات كلما غُفل عنه لحساب التركيز على المعلومة، ولكنه مهما أُغفل يبقى حجاباً وله أثر حيث إنّ هناك ما لابد منه كالأكل للقوة.
رابعاً: النور والظلمة في نفس الإنسان، فكلما زاد النور زادت القدرة على التذكر، وأيضاً كلما قل النور وزادت الظلمة قلّت القدرة على التذكر، ولهذا فيوشع (عليه السلام) النبي الطاهر (عليه السلام) ماذا نتوقع منه غير أن يتهم نفسه بالقصور والتقصير ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي الظلمة.
خامساً: الدماغ باعتباره جهاز النقل إلى هذا العالم ومنه، فهو يؤثر تأثيراً كبيراً على مسألة التذكر فحركة الدم الصحيحة فيه ووصول الغذاء الملائم له مثلاً تجعله أكثر كفاءة، وحدوث خلل فيه أو مرض قد يؤدي إلى فقدان القدرة على التذكر كلياً أو جزئياً، مؤقتاً أو دائماً.
وهناك أمر أيضاً لابد من الالتفات له وهو أن تكون المعلومة مُحَصَّلَة فعلاً أي أن الإنسان قصد تحصيلها لا أنها مرت على أذنه مثلاً دون أن يستمعها، بل هو سمعها دون التفات منه إليها، كما لو أنه مر بمكان ورآه ولكنه لم يهتم لإدراك تفاصيل ما يرى، فهذه غير واقعة ضمن مسألة التذكر؛ لأنها أصلاً ليست معلومات مُحَصَّلَة ليتم تذكرها أو يوصف من غفل عنها بأنه نسيها.
هذه الأمور التي ذكرتها لها علاقة مباشرة بالتذكر سلباً أو إيجاباً، ولكن عادة - عند إنسان معين - لا تؤثر جميعها بنفس القدر والاتجاه:
فمثلاً يمكن أن يجتمع في إنسان واحد: الانشغال بالجسد الذي يؤثر سلباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة من الملكوت فضلاً عن تذكرها فيما بعد، مع زيادة النور في صفحة وجود الإنسان الذي يوثر إيجاباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة فضلاً عن تذكرها، وأيضاً قدر هذا الانشغال وقدر هذا النور داخل في معادلة التذكر ([٢٣٥]).
ولهذا فمسألة التذكر عبارة عن معادلة وفيها عدد من المتغيرات ومنها الخمسة المذكورة أعلاه، ومن الصعب جداً بل هو مستحيل عادة أن نعرف ناتج هذه المعادلة من خلال معرفة القيمة الحقيقية أو التقريبية لواحد أو اثنين من هذه المتغيرات، بل لابد من معرفة قيمة كل متغير منها لتحصيل النتيجة النهائية، أي أننا لا يمكن أن نحكم على مؤمن صالح فقط لمعرفتنا أنه مؤمن صالح بأنّ درجة تذكره عالية أو أن نحكم على غير مؤمن طالح فقط لأنه غير مؤمن بأنّ درجة تذكره واطئة، فيمكن أن يكون إنسان غير مؤمن وقيمة المتغير المتعلق بالنور له خمسة بالمائة مثلاً ولكن المتغيرات الأخرى قيمتها عنده عالية لصالح التذكر، وبهذا يكون هذا الإنسان غير المؤمن قد حقق قيمة عالية في معادلة التذكر، ويكون صاحب قدرة فائقة على التذكر رغم كونه غير مؤمن.
والأمر المهم الذي لابد أن نلتفت إليه ونعيه بشكل دقيق أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق ويحصل من هذه المعادلة قيمة كاملة وتامة ليوصف بأن درجة تذكره هي مائة بالمائة، والسبب أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق قيمة مائة بالمائة في كل المتغيرات، وعلى سبيل المثال: متغير النور فإنّ فرض تحقيق مائة بالمائة فيه يعني أن هذا المخلوق نور لا ظلمة فيه، وهذا محال لأن النور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه وتعالى ([٢٣٦]).
وبهذا يظهر ويتبين أنه لا يوجد مخلوق يحقق في معادلة التذكر مائة بالمائة ليمكن أن يوصف تذكره بأنه تام وكامل، وبالتالي يكون نسيانه وغفلته مساوية للصفر أي أنه لا ينسى ولا يغفل، والله سبحانه لا يمكن أن يخلق مخلوقاً تذكره مائة بالمائة ونسيانه وغفلته صفر، ليس لأن الله غير قادر ولا يتعلق الأمر بالقدرة، بل لأن هذا أمر محال ومعناه تعدد اللاهوت المطلق، تعالى الله علواً كبيراً] ([٢٣٧]).
خليفة الله والتذكر والسهو والنسيان:
في العلاقة بين خليفة الله والتذكر والنسيان والسهو هناك فروض، وهي:
الفرض الأول: إنّ خليفة الله يتذكر بذاته دائماً - دون الحاجة لمذكر - ولا يغفل عن شيء أبداً، وهذا ظاهر البطلان لكون المعصوم له جسد ودماغ بايلوجي مركب من مواد كيميائية وهو محدود القدرة، وبالتالي يجعله يسهو كغيره. إضافة إلى ذلك، فإنه يلزم من هذا الفرض أن المعصوم نور لا ظلمة فيه وكمال مطلق لا نقص فيه، وبالتالي نسبته إلى اللاهوت المطلق، وهذا غلو واضح البطلان يلزم منه تعدد اللاهوت المطلق.
الفرض الثاني: إنّ خليفة الله يتذكر بذاته أحياناً ويغفل أحياناً أخرى، وهذا أمر يشترك فيه كل الخلق، فإذا أردنا والحال هذه أنْ نقول إنّ خليفة الله لا يسهو ولا ينسى في كل شيء مطلقاً أو في موضوع ما، فعندها لابد من وجود مذكر خارجي له (وحي من الله مباشر يذكره، أو ملك يتوسط يذكره، أو أي سبيل يشاؤه الله لتذكيره)، وهذا المذكر الخارجي يحتمل فرضين؛ فأما أنْ يمنع عنه كل سهو ونسيان مطلقاً، وأما أنْ يمنع عنه بعض السهو والنسيان وفق حكمة.
فينتج لدينا مما تقدم أربعة احتمالات هي:
إنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً بذاته.
إنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً لوجود مذكر خارجي ([٢٣٨]).
إنّ خليفة الله ينسى ويسهو كأي إنسان آخر.
إنّ خليفة الله يمكن أنْ ينسى ويسهو في موارد كأي إنسان آخر، ويُعصم ولا يمكن أنْ ينسى أو يسهو في موارد أخرى لحكمةٍ ما.
القول الأول:
وهو أنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً بذاته، وهذا باطل وغلو؛ حيث يلزم منه أنّ خليفة الله في أرضه نور لا ظلمة فيه (كمال مطلق)، وهذا القول باطل لأنّ النور الذي لا ظلمة فيه إنما هو اللاهوت المطلق سبحانه لا غير، كما أنّ القول بالعصمة الذاتية من السهو والنسيان لا يمكن أنْ يشمل جهة دون أخرى؛ فنقول إنه معصوم ذاتياً عن السهو في تبليغ الدين وغير معصوم عن السهو في العبادة أو أمور الدنيا، حيث إنّ معناها أنّ ذاته عاصمة، فلو انتقضت هذه العصمة من السهو والنسيان من جهة لانتقض كون أنّ ذاته عاصمة، وبالتالي انتقضت أي عصمة ذاتية له من السهو والنسيان، ولهذا لابد من الالتفات إلى أنّ كلمات بعضهم في كون انتقاض العصمة من السهو من جهة يعني انتقاضها من كل جهة؛ لا يصح إلا إنْ كان مبنياً على أنّ عصمة المعصوم ذاتية، وهو أمر باطل؛ لأنّ المعصوم عصمةً مطلقةً بذاته هو كامل مطلق بذاته وهو الله سبحانه لا غير.
القول الثاني:
وهو أنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً لوجود مذكر له يعصمه من السهو والنسيان مطلقاً. ومع أنّ منكري السهو والنسيان لم أجدهم عادة يفرِّقون بين القول الأول والثاني الذين بينتهما هنا، ولكن سأحمل قولهم على الثاني حتى لا نضعهم في دائرة الاتهام بالغلو، فأقول: بالنتيجة هو قول عقائدي وبالتالي يحتاج لإقامة الدليل القطعي اليقيني، في حين أنّ أقوالهم لا نجد فيها دليلاً عقلياً أو نقلياً ([٢٣٩]) تاماً يمكن الاعتماد عليه في العقائد، وكل ما نجده أنهم يستشكلون على قول المخالف لهم لإثبات عقيدتهم هذه، فيقومون عادة باستعراض جملة إشكالات على الآيات التي ذكرت نسيان بعض الأنبياء (عليه السلام)، وإشكالات على الروايات التي ذكرت سهو النبي (صلى الله عليه وآله)، ويردفونها ببعض الإشكالات العقلية على مسألة سهو المعصوم في العبادة. وستاتي مناقشة هذه الإشكالات والتعرف على عدم أهليتها لإثبات عقيدتهم.
القول الثالث:
إنّ خليفة الله ينسى ويسهو كأي إنسان آخر، ومعناه أنه يمكن أنْ ينسى أو يسهو عن تبليغ بعض الدين الإلهي، أو أنْ ينسى ويسهو فيقوم بتبليغ شيء على أنه من الدين وهو ليس منه، أو يطلب تبليغ شيء على أنه من الدين الإلهي وهو ساهٍ دون أنْ يكون هناك مذكر له (وحي مباشر من الله، أو بتوسط ملائكة، أو ما يشاء الله توسطه لنقل الوحي). وهذا القول مناقض للقرآن؛ حيث صرَّح الله في القرآن بوضوح بوجود المذكر الإلهي الذي يضمن وصول الرسالة الإلهية صحيحة وكاملة إلى المكلفين، ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن: ٢٧ - ٢٨].
وهذه العقيدة الفاسدة هي عقيدة بعض الوهابية السلفية، اتخذوها بالخصوص للدفاع عن عمر ومن تابعه في اتهام رسول الله بالهجر، فهم أرادوا التعلل لعمر بالحجة وإنْ كان بمخالفة صريح القرآن، وإنْ كان بالطعن في الدين الإسلامي، وإنْ كان بالطعن في الرسول محمد (صلى الله عليه وآله). فقالوا لا إشكال أن يهجر محمد (صلى الله عليه وآله) أو لا يدري ما يقول، حتى وهو يقول إنه (صلى الله عليه وآله) يريد تبليغ الأمة بوصيته التي تمنع عنها الضلال إلى يوم القيامة؛ لأنّ محمداً (صلى الله عليه وآله) عندهم يجوز عليه السهو والنسيان في كل شيء حتى في تبليغ دين الله، فيمكن أنْ يقول وهو على فراش الموت ائتوني بكتاب لأكتب لكم وصيتي التي تعصمكم من الضلال إلى يوم القيامة، ومع هذا يكون ساهياً ولا يدري ما يقول ويخرف ويهجر وغلب عليه الوجع كما قال عمر وجماعته.
عن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ائتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إن رسول الله يهجر» ([٢٤٠]).
القول الرابع:
إنّ خليفة الله يمكن أنْ ينسى ويسهو في موارد كأي إنسان آخر، ولا يمكن أنْ ينسى أو يسهو في موارد أخرى مطلقاً لوجود مذكّر خارجي ولحكمةٍ ما.
وهذا القول الرابع هو عقيدة آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولكن هناك من أضاف أموراً اعتبرها مما لا يصح أنْ يسهو فيه المعصوم؛ كالسهو في بعض تفاصيل العبادة كعدد الركعات الذي وردت فيه روايات عن طريق السنة والشيعة تذكر سهو النبي فيه.
وممّن لهم تصريح بجواز سهو النبي في العبادة أو عدم وجود دليل على نفيه:
الشيخ الصدوق وشيخه محمد بن الحسن رحمهما الله:
«قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون: لو جاز أن يسهو (عليه السلام) في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لان الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة.
وهذا لا يلزمنا، وذلك لان جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (صلى الله عليه وآله) فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي، وليس كل من سواه بنبي كهو، فالحالة التي اختص بها هي النبوة والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة لأنها عبادة مخصوصة والصلاة عبادة مشتركة، وبها تثبت له العبودية وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عز وجل من غير إرادة له وقصد منه إليه نفي الربوبية عنه، لان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم، وليس سهو النبي (صلى الله عليه وآله) كسهونا لان سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (صلوات الله عليهم) سلطان "إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وعلى من تبعه من الغاوين، ويقول الدافعون لسهو النبي (صلى الله عليه وآله): إنه لم يكن في الصحابة من يقال له: ذو اليدين، وإنه لا أصل للرجل ولا للخبر وكذبوا لان الرجل معروف وهو أبو محمد بن عمير بن عبد عمرو المعروف بذي اليدين وقد نقل عن المخالف والمؤالف، وقد أخرجت عنه أخبار في كتاب وصف القتال القاسطين بصفين.
وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار وفي ردها إبطال الدين والشريعة. وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي (صلى الله عليه وآله) والرد على منكريه إن شاء الله تعالى» ([٢٤١]).
والشيخ الطوسي رحمه الله:
قال الشيخ الطوسي في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]:
«.... واستدل الجبائي أيضا بالآية على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان قال بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنه لا يجوز عليهم شئ من ذلك. وهذا ليس بصحيح أيضا لأنا نقول إنما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ذلك إلى الاخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم، والنوم سهو وينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا وما جرى لهم فيما مضى من الزمان، والذي ظنه فاسد»([٢٤٢]).
ومحمد بن الحسن ابن الشهيد الثاني رحمه الله:
حيث قال في معرض كلامه عن أحد الأحاديث في مبحث الزيادة في الصلاة، قال:
«وأمّا الخامس: فالذي أظن أنّ علامات الوضع فيه لائحة، لا من حيث تضمنه سهو النبي (صلى الله عليه وآله) فإنّ نفي ذلك محل كلام بعد ورود معتبر الأخبار ....» ([٢٤٣]).
والسيد الخوئي رحمه الله حيث صرح بعدم وجود دليل يفيد القطع واليقين بنفي السهو عن المعصوم في الموضوعات الخارجية (كأفعال الصلاة والحج)، أي كعدد الركعات المذكور في الروايات أو عدد أشواط الطواف:
«سؤال ١٢٩٤: ما هي حقيقة الحال في مسألة إسهاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة الصبح، وهل يلزم أن يسهي الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلم أنه ليس بإله، والله تعالى يقول: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)ـ الفرقان ـ ٢٥ ـ ٧ إلى آيات أخرى تدل على أنه بشر علاوة على ولادته ووفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم هل يلزم أن يسهي الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتكون رحمة للامة لكي لا يعير أحد أحدا إذا نام عن صلاته، وقد أجرى الله سبحانه كثيرا من أحكامه على أناس آخرين لا على الرسول نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا إذا لا حظنا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد (أنيم) وليس (نام) والفرق واضح بين الحالتين؟
وهل صحيح أن ذا اليدين الذي تدور عليه روايات الاسهاء أو السهو لا أصل له وأنه رجل مختلق كما يذهب إلى ذلك الشيخ الحر العاملي قدس سره في رسالته التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو النسيان؟
الخوئي: القدر المتيقن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في غير الموضوعات الخارجية، والله العالم» ([٢٤٤]).
ولا شك أنّ الاعتقاد يحتاج لليقين بالمسألة المراد الاعتقاد بها، فتصريح السيد الخوئي بفقدان اليقين في مسألة نفي السهو عن المعصوم في الموضوعات الخارجية، معناه أنّ السيد الخوئي لا يعتقد بهذه العقيدة الباطلة التي يعتقدها غيره. فالسيد الخوئي يقول هنا إنّ نفي السهو عن المعصوم في الموضوعات الخارجية غير متيقن، أي لا يوجد عليه دليل يفيد اليقين.
ويوجد غير هؤلاء من علماء الشيعة ممن لا يعتقدون بعصمة النبي من السهو بالعبادة ولكن فيمن ذكرت كفاية ([٢٤٥]).
هل السهو والنسيان ممتنع بالنسبة للمعصوم ؟
والكلام هنا سواء مع من يعتقدون باستحالة السهو والنسيان على المعصوم في كل أحواله، أم الذين يمنعون السهو في العبادة أو ينفون ما رواه السنة والشيعة من سهو النبي في الصلاة أو ما رواه الشيعة في سهو الأئمة، وسأضع ما وجدت من إشكالات واستحسانات لنفي السهو والنسيان عن خليفة الله - حيث لا يوجد لديهم دليل -، وسنعرض هذه الأقوال أو الإشكالات على الميزان العلمي لنرى إنْ كان لها وزناً علمياً، أم هي مجرد إشكالات مبنية على مغالطات أو مجرد استحسانات، هذا مع أنهم يحتاجون للدليل القطعي لإثبات عقيدتهم في نفي السهو عن المعصوم، سواء مطلقاً أم في العبادة بالخصوص، وهذا مفقود فهم ليس لديهم دليل عقلي تام أو روايات قطعية الصدور والمعنى ولا آية قرآنية قطعية المعنى، بل الموجود عكس ما يعتقدون، فعقلاً المعصوم بشر ولا يخرج عن حدود البشرية إلا بدليل قطعي، والروايات كثيرة وصحيحة في سهو المعصوم، والآيات كذلك بيّنت سهو المعصوم. وسنناقش المطروح قرآنيا وروائياً وعقلياً.
أولاً: الآيات القرآنية
سنناقش النسيان المنسوب لبعض خلفاء الله في بعض الآيات القرآنية، ونبيّن أنه نسيان وترك عن غفلة، ونتعرض أيضاً لمحاولة حرف المعنى عن السهو والنسيان ونبيّن ركاكتها.
لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ:
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ [الكهف: ٦١ - ٦٣].
والناسيان هنا هما خليفتان من خلفاء الله في أرضه، أحدهما موسى بن عمران والآخر يوشع بن نون وصيه، ولا يصح قول بعضهم: إن معنى نسيا حوتهما أي تركاه عن علم ومعرفة؛ حيث لو كان الأمر كذلك لكان الكلام بعدها والسؤال عن الحوت سفه لا معنى له، أو أنه سيكون نفس سبب السؤال عن الحوت نسيان وسهو لما فعلاه سابقاً عن عمد وهو ترك الحوت عند الصخرة. أيضاً: في الآية الأخرى أكد النسيان يوشع بن نون وأنه نسيان وترك عن غفلة وليس تركاً عن علم؛ حيث إنه بيّن أنّ سبب نسيانه الحوت هو الشيطان أي الظلمة أو النقص التي في صفحة وجوده، فهو ليس كمالاً مطلقاً ولهذا فهو ينسى ويترك الحوت عن غفلة وعدم علم بما فعل في وقتها.
وبنفس المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
فالشيطان هنا هو الظلمة والنقص، فالنور الذي لا ظلمة فيه والكامل المطلق هو الله سبحانه وتعالى لا غير.
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف: ٦٧ - ٧٣].
في الآيات طلب العبد ([٢٤٦]) ﴿عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا﴾ من نبي الله موسى (عليه السلام) أن لا يسأله عن شيء حتى يبادر هو بإخباره عنه، وموسى تعهد أن يكون صابراً أي لا يسأل العبد عن الأمور التي سيلاقونها في طريقهم، ولكن الذي حصل عكس ذلك فموسى لم يصبر كما وعد هو بذلك، وفي أول حادثة بادر بسؤال العبد بل والاعتراض عليه وعلى فعله رغم أن موسى قال إنه سيكون مطيعاً للعبد ولا يعصيه ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾.
وهنا يتبادر أمران، وهما:
الأول: إنّ موسى ترك تنفيذ وعده للعبد عن علم وانتباه تام، وهذا يعني أنّ موسى وقع بالمحذور وأخلف - عن عمد - وعده وتعهده للعبد، وخالف الله الذي وجهه للتعلم من العبد الذي وصفه بـ ﴿عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا﴾ وليس الاعتراض عليه ومجادلته ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف: ٦٥ - ٦٦]، وفي نهاية القصة صرّح العبد بكل وضوح: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، فموسى يعلم جيداً أنّ علم العبد من الله، وهو طلب منه أنْ يتبعه ليعلمه ممّا علمه الله.
أي أنّ موسى (عليه السلام) - بحسب هذا الفرض - كان يسأل ويعترض على العبد، وهو يعلم أنه يسأل ويعترض على الله، وأيضاً وهو يعلم أنه يخالف وعده وتعهده.
في الحقيقة هذه هي النتيجة التي يصل لها من يحاولون تنزيه موسى (عليه السلام) أو المعصومين عموماً من السهو والنسيان كما يدّعون، فقد اتهموا موسى (عليه السلام) - وهو إمام ونبي من أولي العزم - بتهم عظيمة لا يمكن اتهام موسى (عليه السلام) بها بأي حال من الأحوال.
الثاني: إنّ موسى ترك وعده وتعهده عن غفلة، أي أنه نسي أو غفل عن وعده وتعهده للعبد، وبالتالي فهو معذور ولم يقع بالمحذور، وهذا هو ما صرح به موسى (عليه السلام) بكل وضوح: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
وموسى كان في عبادة كالصلاة والصيام والحج، فمرافقة موسى للعبد كانت بأمر تعبدي إلهي، وأيضاً الإيفاء بالتعهد والوعد عبادة بالنسبة لموسى (عليه السلام) في هذا الموقف.
سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى:
﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٦ - ٧].
وردت رواية في مختصر بصائر الدرجات في تفسير هذه الآية:
«وعنه ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب وغيرهما عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن هشام بن سالم عن سعد بن طريف الخفاف قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول فيمن اخذ عنكم علما فنسيه، قال: لا حجة عليه إنما الحجة على من سمع منا حديثا فأنكره أو بلغه فلم يؤمن به وكفر، فأما النسيان فهو موضوع عنكم ان أول سورة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) "سبح اسم ربك الأعلى" فنسيها فلا يلزمه حجة في نسيانها ولكن الله تعالى أمضى له ذلك ثم قال: سنقرئك فلا تنسى» ([٢٤٧]).
أيضاً وردت رواية في تفسير الإمام الحسن العسكري في هذه الآية:
«قال الإمام (عليه السلام): قال محمد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام): (ما ننسخ من آية) بأن نرفع حكمها (أو ننسها) بأن نرفع رسمها، ونزيل عن القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد كما قال الله تعالى (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) أن ينسيك فرفع ذكره عن قلبك» ([٢٤٨]).
يفسر بعضهم الآية في أنّ المعصوم لا يسهو في أي شيء مطلقاً، مع أنّ الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه، فالآية واضحة: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾، أي لا تنسى ما نقرؤك، فمن يعدّيها - لغير ما نقرؤك أو الوحي الإلهي - يحتاج دليلاً على ما يقول، فما نقرؤك تشمل القرآن والوحي الإلهي، وبهذا فالآية لا تدل على أكثر من امتناع سهو المعصوم في التبليغ أو في حفظ ما يقرؤه الله سبحانه وتعالى بعد نزول هذه الآية، وهذا لا يشمل العبادة ولا غيرها، وعدم سهو المعصوم في التبليغ عن الله ليس موضع الخلاف.
بل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ﴾ وهو استثناء؛ يدل بلا شك على أنّ المعصوم كغيره من البشر مبتلى بالسهو والنسيان، وإنما يعصمه الله من السهو والنسيان في مواضع للضرورة والحاجة لذلك، فيكون المعنى إلا ما شاء الله أنْ تنساه من أمور أخرى لا توجد حاجة وضرورة ليعصمك الله عن النسيان والسهو فيها، كغيرك من البشر الذين يعرض لهم السهو والنسيان، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.
ثانياً: الروايات
الإشكالات على الروايات التي ذكرت السهو والنسيان بلا قيمة؛ لأنها لا تتعدى الإشكال على بعض الأسانيد، أو التعذر بالتقية في محاولة يائسة لرد الروايات الكثيرة في هذا الباب والتي لا يوجد ما يعارضها، ورغم أنّ الأمر كما تبيّن محسوم قرآنياً ونحن لن نتطرق لتلك الإشكالات هنا بغير أنها لو تمت - وهي غير تامة - فغاية ما يستفاد هو منع الاعتماد على تلك الروايات مستقلة لإثبات عقيدة، وهذا الأمر لن يثبت عقيدتهم بحال؛ لأنهم بالنتيجة يحتاجون الدليل لإثبات عقيدة عدم سهو خليفة الله سواء عموماً أم في العبادة كما يعتقدون، فالأصل في هذا الأمر أنّ المعصوم أو خليفة الله بشر مثل غيره ولا يخرج عنهم بحد إلا بدليل.
هذا مع العلم أنه لا توجد لديهم روايات تقول بمنع سهو المعصوم في العبادة سوى رواية واحدة يتأولونها في ذلك، وسنبين أنّ دلالتها غير تامة ولا قطعية على المعنى الذي يذهبون إليه، بل ولا يمكن أنْ ترجح كفتها عند معارضتها مع عدد كبير من الروايات الصحيحة التي سنأتي على ذكرها.
روايات تقول بسهو ونسيان المعصوم:
-روايات ذكرت سهو النبي (صلى الله عليه وآله):
تهذيب الأحكام: «الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن جميل قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن رجل صلى ركعتين ثم قام قال: يستقبل، قلت: فما يروي الناس؟ فذكر له حديث ذي الشمالين فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبرح» ([٢٤٩]).
تهذيب الأحكام: «عن فضالة عن الحسين بن عثمان عن سماعة عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته قال: يستقبل الصلاة، فقلت: ما بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستقبل حين صلى ركعتين؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ينفتل من موضعه» ([٢٥٠]).
تهذيب الأحكام: «وروى سعد عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن الحرث بن المغيرة النصرى قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا صلينا المغرب فسها الإمام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة فقال: ولم أعدتم؟! أليس قد انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ركعتين فأتم بركعتين ألا أتممتم؟!!» ([٢٥١]).
تهذيب الأحكام: «ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين عن فضالة عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي قال: صليت بأصحابي المغرب فلما أن صليت ركعتين سلمت فقال: بعضهم إنما صليت ركعتين فأعدت فأخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: لعلك أعدت فقلت: نعم فضحك ثم قال: إنما كان يجزيك أن تقوم وتركع ركعة إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سها فسلم في ركعتين ثم ذكر حديث ذي الشمالين فقال: ثم قام فأضاف إليها ركعتين» ([٢٥٢]).
تهذيب الأحكام: «سعد عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو ابن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شئ؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم وكان يقول: هما المرغمتان» ([٢٥٣]).
تهذيب الأحكام: «أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي جميلة عن زيد الشحام أبي أسامة قال: سألته عن الرجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات قال: إن استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد، وإن كان لا يدري أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد، وإن هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف فتكلم فلم يعلم أنه لم يتم الصلاة قائما عليه أن يتم الصلاة ما بقي منها، فان نبي الله (صلى الله عليه وآله) صلى بالناس ركعتين ثم نسي حتى انصرف فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ؟ فقال: أيها الناس أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم لم تصل إلا ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته» ([٢٥٤]).
الكافي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «مَنْ حَفِظَ سَهْوَهُ فَأَتَمَّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) صَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَهَا فَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ نَزَلَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أَتَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ قَالُوا نَعَمْ فَقَامَ (صلى الله عليه وآله) فَأَتَمَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَالَ قُلْتُ أَرَأَيْتَ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَظَنَّ أَنَّهُمَا أَرْبَعٌ فَسَلَّمَ وَانْصَرَفَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ أَنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا قَالَ قُلْتُ فَمَا بَالُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَمْ يَسْتَقْبِلِ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا أَتَمَّ بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَجْلِسِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَجْلِسِهِ فَلْيُتِمَّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا كَانَ قَدْ حَفِظَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ» ([٢٥٥]).
الكافي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ الأَوَّلِ (عليه السلام) أسَلَّمَ رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه وآله) فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَوَّلَتَيْنِ فَقَالَ نَعَمْ قُلْتُ وحَالُه حَالُه قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ أَنْ يُفَقِّهَهُمْ» ([٢٥٦]).
الكافي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدٍ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه وآله) ثُمَّ سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلَه مَنْ خَلْفَه يَا رَسُولَ اللَّه أحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قَالَ ومَا ذَلِكَ قَالُوا إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ أكَذَلِكَ يَا ذَا الْيَدَيْنِ وكَانَ يُدْعَى ذَا الشِّمَالَيْنِ فَقَالَ نَعَمْ فَبَنَى عَلَى صَلَاتِه فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعاً وقَالَ إِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي أَنْسَاه رَحْمَةً لِلأُمَّةِ ألَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً صَنَعَ هَذَا لَعُيِّرَ وقِيلَ مَا تُقْبَلُ صَلَاتُكَ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْه الْيَوْمَ ذَاكَ قَالَ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه وآله) وصَارَتْ أُسْوَةً وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِمَكَانِ الْكَلَامِ» ([٢٥٧]).
عيون أخبار الرضا (عليه السلام): «حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي قال: حدثني أبي عن أحمد بن علي الأنصاري عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام) يا بن رسول الله إن في سواد الكوفة قوما يزعمون أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله أن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو....» ([٢٥٨]).
المحاسن: «عنه، عن جعفر بن محمد الأشعث، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله) صلاة وجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال لأصحابه: هل أسقطت شيئا في القراءة؟ - (قال:) فسكت القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أفيكم أبي بن كعب؟ - فقالوا: نعم، فقال: هل أسقطت فيها بشئ؟ - قال: نعم يا رسول الله. إنه كان كذا وكذا، فغضب (صلى الله عليه وآله) ثم قال: ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يتلى عليهم منه ولا ما يترك! هكذا هلكت بنو إسرائيل، حضرت أبدانهم وغابت قلوبهم، ولا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه» ([٢٥٩]).
من لا يحضره الفقيه: «وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنِ الرِّبَاطِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ ([٢٦٠]) قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَامَ رَسُولَهُ (صلى الله عليه وآله) عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فَبَدَأَ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ وَأَسْهَاهُ فِي صَلَاتِهِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ وَصَفَ مَا قَالَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِئَلَّا يُعَيَّرَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ إِذَا هُوَ نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ أَوْ سَهَا فِيهَا فَيُقَالُ: قَدْ أَصَابَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)» ([٢٦١]).
-روايات ذكرت سهو الأئمة (عليهم السلام):
هناك روايات ذكرت سهو الأئمة (صلوات الله عليهم) في العبادة، ونذكر هنا مجموعة منها مع ذكر من صححها:
الاستبصار: «موسى بن القاسم عن عبد الرحمن عن حماد عن حريز عن زرارة ([٢٦٢]) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن علياً (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد وأضاف إليه ستة ثم صلى الركعتين خلف المقام ثم خرج إلى الصفا والمروة فلما فرغ من السعي بينهما رجع فصلى الركعتين اللتين ترك في المقام الأول» ([٢٦٣]).
تهذيب الأحكام: «موسى بن القاسم عن عبد الرحمن عن معاوية بن وهب([٢٦٤]) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن علياً (عليه السلام) طاف ثمانية فزاد ستة ثم ركع أربع ركعات» ([٢٦٥]).
وسائل الشيعة: «محمد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل ([٢٦٦]) قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) السهو فقال: وينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ علي صلاتي» ([٢٦٧]).
تهذيب الأحكام: «سعد بن عبد الله عن أبي جعفر عن أبيه عن محمد ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله الحلبي ([٢٦٨]) قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام): يقول: في سجدتي السهو (بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وعلى آل محمد) قال: وسمعته مرة أخرى يقول فيهما (بسم الله وبالله والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)» ([٢٦٩]).
أيضاً: هناك رواية في "عيون أخبار الرضا" للصدوق ذكرت أن الإمام ينسى ويسهو دون تفصيل:
روى الصدوق عن الرضا (عليه السلام): «إن الإمام مؤيد بروح القدس وبينه وبين الله عمود من نور يرى فيه أعمال العباد وكلما احتاج إليه لدلالة اطلع عليه ويبسطه فيعلم ويقبض عنه فلا يعلم، والإمام يولد ويلد ويصح ويمرض ويأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينكح وينام وينسى ويسهو ويفرح ويحزن ويضحك ويبكي ويحيى ويموت ويقبر ويزار ويحشر ويوقف ويعرض ويسأل ويثاب ويكرم ويشفع ودلالته في خصلتين في العلم واستجابة الدعوة، وكل ما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) توارثه وعن آبائه عنه (عليه السلام) ويكون ذلك مما عهد إليه جبرائيل (عليه السلام) من علام الغيوب عز وجل....» ([٢٧٠]).
وهناك رواية أيضاً يمكن حسابها على سهو أو نسيان خليفة الله أو المعصوم واستدراكه بعد ذلك، وظاهر الرواية واضح لا يحتاج شرحاً:
«عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن السفياني يملك بعد ظهوره على الكور الخمس حمل امرأة.
ثم قال (عليه السلام): أستغفر الله حمل جمل، وهو من الأمر المحتوم الذي لابد منه ([٢٧١])» ([٢٧٢]).
هل توجد روايات تنفي السهو والنسيان؟
لا توجد روايات تنفي السهو والنسيان عن خليفة الله أو المعصوم لا مطلقاً ولا في العبادة حتى يتم مناقشة هل أنها تفيد اليقين والاعتقاد أم لا، فالأمر أصلاً معدوم. نعم، هناك رواية واحدة تنفي كون رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) سجد سجدتي السهو، ونفيهما لا يلزم بالضرورة نفي السهو في العبادة.
«عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبد الله ابن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام): هل سجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سجدتي السهو قط؟ فقال: لا ولا يسجدهما فقيه» ([٢٧٣]).
ولا شك أنّ كلامنا ليس في هل أنّ رسول الله لم يسجد سجدتي السهو، فلا إشكال إنْ كان رسول الله لم يسجد سجدتي السهو في أمر معيّن مثل السهو في عدد الركعات، فليس كل سهو في الصلاة أو في عدد الركعات يتطلب سجدتي السهو دائماً حتى يقال إن هناك ملازمة بين نفي سجدتي السهو عن النبي في أمرٍ ما وبين نفي السهو عن النبي في العبادة، ونفس الرواية أعلاه تنفي سجدتي السهو عن الفقيه في الدين، وهي كلمة عامة تشمل أي شخص متفقه في دينه وليس رسول الله والأئمة فقط، وهذا يعني أن سجدتي السهو المنفيتان تتعلقان بفعل يمكن أن يعالجه المتفقه في دينه دون حاجة لفعل آخر يوجب سجدتي السهو، وكمثال: (من شك بين الاثنين والأربع بنى على الأربع، وتشهد وسلم، ثم أتى بركعتين من قيام)، فلا حاجة هنا لسجدتي السهو.
أضف أيضاً: إنّ هذه الرواية الواحدة غير كافية لإفادة اليقين اللازم للاعتقاد، فهي رواية آحاد ومن يستدلون بها يستدلون بفهمهم المغلوط لها، وهذا ربما حتى غير كافٍ لإثبات جزئية في الأحكام الفقهية، فما بالك والأمر عقائدي ويحتاج إلى دليل قطعي وهو مفقود عندهم، فليس لديهم دليل عقلي تام، ولا روايات متواترة أو مقطوع بصحتها، ولا دليل قرأني محكم، بل الموجود بالضد من هذا الاعتقاد؟!
ولم أجد رواية غير هذه الرواية لها علاقة بالموضوع المطروح هنا، أي نفي السهو عن المعصوم في العبادة، لكن هناك من يريد أن يثبتها "عنزة ولو طارت"، فذهب لروايات بعيدة عن موضوع نفي السهو عن خليفة الله أو المعصوم في العبادة، ومع أني لم أجد شيئاً ذي قيمة علمية لأرد عليه، وإنما فقط تخبط عشوائي وتحميل الكلام أكثر مما يحمل من معنى. وحقيقة من المخجل أن يصل الأمر بالإنسان في إثبات الاعتقاد إلى هذا المستوى المتدني، فيجعل عصمة روح القدس من السهو دليلاً على عصمة المعصوم من السهو في العبادة لأنّ المعصوم مؤيد بروح القدس. في الحقيقة هذا إسفاف؛ لأنّ المسألة ليست كلاماً في عصمة روح الإمام المجردة أو روح القدس المجردة من السهو، وإنما الكلام في حال الإمام في هذه الحياة الدنيا، والإمام في هذه الحياة الدنيا لديه جسد كثيف ودماغ محدود القدرة - كغيره من البشر -، وهذا الجسد يحجبه عن العوالم الأخرى، وهذا الجسد هو السبب الرئيس لسهو ونسيان أي إنسان، وبالتالي فعصمة الروح المجردة من السهو لأنها غير مشغولة بالشواغل المادية مثلاً، لا يعني بحال عصمة الإنسان المركب من الروح والجسد في هذا العالم المادي.
-ثالثاً: إشكالات عقلية
-أولاً: إشكالات الشيخ المفيد رحمه الله
قال الشيخ رحمه الله:
«ولسنا ننكر بأن يغلب النوم الأنبياء (عليهم السلام) في أوقات الصلوات حتى تخرج، فيقضوها بعد ذلك، وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص، لأنه ليس ينفك بشر من غلبة النوم، ولأن النائم لا عيب عليه وليس كذلك السهو، لأنه نقص عن الكمال في الإنسان، وهو عيب يختص به من اعتراه. وقد يكون من فعل الساهي تارة، كما يكون من فعل غيره، والنوم لا يكون إلا من فعل الله تعالى، وليس من مقدور العباد على حال، ولو كان من مقدورهم لم يتعلق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر، وليس كذلك السهو، لأنه يمكن التحرز منه. ولأنا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم وأسرارهم ذوى السهو والنسيان، ولا يمتنعون من إيداع ذلك من يغلبه النوم أحيانا، كما لا يمتنعون من إيداعه من يعتريه الأمراض والأسقام. ووجدنا الفقهاء يطرحون ما يرويه ذو والسهو من الحديث، إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقظ، والفطنة، والذكاء، والحصافة. فعلم فرق ما بين السهو والنوم بما ذكرناه. ولو جاز أن يسهو النبي (عليه السلام) في صلاته وهو قدوة فيها حتى يسلم قبل تمامها وينصرف عنها قبل كمالها، ويشهد الناس ذلك فيه ويحيطوا به علما من جهته، لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهارا في رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه ويستدركون عليه الغلط، وينبهونه عليه، بالتوقيف على ما جناه ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهارا ولم يؤمن عليه السهو في مثل ذلك حتى يطأ المحرمات عليه من النساء وهو ساه في ذلك ظان انهم أزواجه ويتعدى من ذلك إلى وطي ذوات المحارم ساهيا. ويسهو في الزكاة فيؤخرها عن وقتها ويؤديها إلى غير أهلها ساهيا، ويخرج منها بعض المستحق عليه ناسيا. ويسهو في الحج حتى يجامع في الإحرام، ويسعى قبل الطواف ولا يحيط علما بكيفية رمي الجمار، ويتعدى من ذلك إلى السهو في كل أعمال الشريعة حتى يقلبها عن حدودها، ويضيعها في أوقاتها، ويأتي بها على غير حقائقها، ولم ينكر أن يسهو عن تحريم الخمر فيشربها ناسيا أو يظنها شرابا حلالا، ثم يتيقظ بعد ذلك لما هي عليه من صفتها... الخ» ([٢٧٤]).
-بيان إشكال الشيخ المفيد الأول:
إنّ السهو نقص عن الكمال في الإنسان ،وهو عيب يختص به من اعتراه؛ لأنه يمكن التحرز منه. ومعنى الإشكال: أنّ خليفة الله المفروض أنه أول من يتحرز عن العيوب التي يمكن الإنسان التحرز عنها، فكيف يمكن أنْ ننسب إلى خليفة الله صدور ما يمكن أي إنسان التحرز منه وهو السهو.
رد الإشكال: كلام الشيخ غير صحيح، فالإنسان لا يمكنه التحرز عن السهو مطلقاً، لعلة الدماغ البايلوجي وقدرته المحدودة على التركيز والحفظ، والتي تنخفض كلما زاد عدد الأمور التي يحتاج التركيز عليها، وبالنسبة للصلاة فقد يتسبب التركيز على ذكر الله والخشوع في الصلاة بنسيان عدد الركعات، وبهذا فقد يكون من نسى عدد الركعات التي صلاها أفضل ممّن ضبط عدد ركعات صلاته دون ذكر وخشوع. إذن، فلا يمكن الحكم بأن نسيان عدد الركعات عيب يختص به من اعتراه لأنه يمكن التحرز منه.
وأيضاً: عقلاً لا يمكن للإنسان التحرز من السهو والنسيان مطلقاً، وإلا لكان نوراً لا ظلمة فيه (أي كامل مطلق)، ولكان لاهوتاً مطلقاً تعالى الله علواً كبيراً، ولتعدد اللاهوت المطلق، وبالتالي فكل ما بناه على أن السهو أمر يمكن التحرز منه غير صحيح. أما تمثيله بأنّ ذوي السهو لا يعتد بحديثهم ولا يودعهم الحكماء الأمانات؛ فهو كلام مبني على من خرج عن الحد الطبيعي للسهو والنسيان، وهذا خلط وخبط عشواء، فالكلام ليس فيه إنما في وقوع السهو والنسيان ولو مرة أو مرتين، وهذا أمر يقع من كثير من الناس ويعتمد غيرهم على حديثهم ويودعونهم الأمانات، ولا يعتبر العقلاء أنّ من سهى في صلاته أو سهى في طوافه فدخل في الشوط الثامن أو نسى شيئاً خبأه ثم وجده؛ أنه ليس أهلاً للأمانة أو لا يعتمد على حديثه.
-بيان إشكال المفيد الثاني:
إنّ خليفة الله قدوة يقتدي به المؤمنون، فلو جاز أنْ يسهو خليفة الله في الصلاة أو العبادة لانتفى كونه قدوة، أي: لو جاز على خليفة الله السهو والنسيان لما صح أنْ يأمر الله الناس الاقتداء به في جميع أحواله.
رد الإشكال: هذا الإشكال غير دقيق؛ لأنّ الله لم يأمر الناس الاقتداء بأفعال خليفته دون معرفة عللها، فهو قد يترك الواجب وإنْ حان وقته لعلةٍ ما، كتركه الصلاة الواجبة التي حان وقتها لمروره في أرض نزل بها عذاب من الله فيما مضى، وقد يفعل ما لا يجوز لغيره فعله (محرم في الشريعة) لاختصاصه به كإبقاء رسول الله لأكثر من أربع زوجات في ذمته، وقد يفطر لمرض لا يراه غيره كالقرحة أو التسمم أو أي مرض طارئ مثلاً، فهل على بقية المؤمنين الإفطار بحجة أنّ المعصوم قد أفطر وهو قدوة، أم على المعصوم أنْ يضع لافتة يكتب عليها أنا مريض اليوم واضطررت للإفطار.
النتيجة: المعصوم ليس قدوة مطلقاً في جميع أفعاله وأحواله، دون فهم تلك الأحوال أو سؤاله عن فعله، خصوصاً إذا كان مشتبهاً على المشاهد.
وبالنسبة للسهو والنسيان بالخصوص؛ فلابد أنْ يعرف المكلفون أنّ فعل المعصوم هذا نتيجة سهو أو نسيان لكي يفترضوا عدم جواز الاقتداء به في هذا الفعل، والأصل في أفعال الناس أنها صحيحة وليست سهواً ولا نسياناً حتى يتبين العكس، وإلا لما صح محاسبة أحد من الناس على فعله.
إذن، لا يحمل أي فعل من أفعال خليفة الله على أنه سهو أو نسيان حتى يتبين بالدليل أنه سهو أو نسيان.
وعقيدتنا في متابعة المعصوم؛ أنّ متابعته يقين ينجي صاحبه، فلو أنّ رسول الله محمد )صلى الله عليه وآله( صلى الصبح أربع ركعات أو الظهر ركعتين، فمتابعته أصح وأقرب للهدى والرشاد، والاعتراض عليه سفه وضعف في اليقين ممّن فعل، فإنما الصلاة ركعة وسجدة يذكر الله فيهما.
-بيان إشكال الشيخ المفيد الثالث:
إنه لو جاز أنْ يسهو خليفة الله في صلاته لجاز أنْ يسهو في كل طاعة وأنْ يفعل كل محرم سهواً.
الرد: ومع أنّ هذا الإشكال مبني على مغالطة؛ حيث إنه مع السهو والنسيان لا يوجد شيء اسمه معصية أو حرام، فالعصيان وارتكاب المحرمات ليتحقق؛ يلزم توفر القصد والتعمد، وهي غير متوفرة في حال السهو والنسيان، وإضافة إلى ذلك فإنّ هذا الإشكال غير صحيح؛ لأنه مبني على أساس أنّ خليفة الله ينسى ويسهو كأي إنسان آخر وغير معصوم من المعاصي، وهذا لا يقول به أحد من أتباع محمد وآل محمد )عليهم السلام(.
أو أنّ المستشكلين يعتقدون بالعصمة الذاتية المطلقة للحجة من السهو والنسيان، وبالتالي يعتبرون ذهاب بعضها يكون في كل الاتجاهات ويشمل كل الأشياء، والقول بالعصمة الذاتية بيَّنا بطلانه؛ حيث يلزم منه تعدد اللاهوت المطلق.
إذن:
العصمة من السهو ليست ذاتية، بل هي عصمة بعاصم خارجي ومذكر خارجي، وهي ليست عبثية بل وفق حكمة إلهية، فلا حاجة أنْ يعصم خليفة الله من السهو إلا فيما يتعلق بتبليغ دين الله سبحانه وتعالى، أما بقية الأمور فلا يعصم بها خارجياً، بل تبقى عصمته العامة الذاتية من السهو هي المانعة من وقوع السهو، وقد بيَّنت على أي الأمور تعتمد هذه العصمة العامة الذاتية من السهو، وبيَّنت أنها ليست تامة بذاتها ([٢٧٥])، أي أنه مثلاً يكون معصوماً ذاتياً من السهو بنسبة سبعين في المئة أو ثمانين في المئة أو تسعين في المئة، وهذه العصمة العامة الذاتية وإنْ كانت بنسبة معينة، ولكنها قد تكون كافية في أمور معينة لتمنع وقوع السهو فيها، أي لا يحتاج معها - مع أنها غير تامة - إلى عاصم خارجي من السهو لتحقق العصمة التامة من السهو في ذلك المورد، وسبب ذلك يرجع إلى درجة ظهور الأمر بالنسبة للإنسان، ولبيان هذا الأمر الأخير أكثر لننظر إلى موضوع عدد الركعات في الصلاة - الذي هو موضع النزاع بينهم -، فهو في الحقيقة مدسوس بين أفعال الصلاة وهي الأذان، الإقامة، التكبير، القراءة، الركوع، الذكر فيه، السجود، الذكر فيه، القنوت، التشهد، وهذه الأفعال كثيرة وبالتالي فظهور عدد الركعات بينها ليس كظهور الامتناع عن الطعام والشراب بين أفعال الصيام التي لا يتعدى المبتلى به عموماً هذا الفعل وربما فعلاً آخر، لهذا فعند عامة الناس يقع السهو في الصلاة كثيراً، ولكن نادراً أنْ يقع السهو فيأكل أو يشرب الصائم وهو ساهٍ.
بل في الصلاة حتى طول الانشغال بفعل من أفعال الصلاة، يؤثر على ظهور الفعل الآخر للمصلي، فطول السجود أو الخشوع في الذكر عند شخص قد يؤدي إلى عدم تذكره لعدد الركعات التي صلاها؛ لأن دماغه انشغل بالخشوع والتفكير بالله عن التركيز على حساب عدد الركعات، فالخشوع والانشغال بذكر الله يرفع من نسبة احتمالية نسيان عدد الركعات التي صلاها المصلي، وأكيد أن الأفضل الانشغال بالذكر والخشوع حتى وإنْ أدى إلى ارتفاع احتمالية حدوث نسيان عدد الركعات، وأكيد أنه لا خير في صلاة لا خشوع فيها، حتى وإنْ ضبط المصلي عدد ركعاتها.
أيضاً: في الطواف مثلاً شخص خاشع ومنشغل بذكر الله وبالبكاء، أو يطوف ببطء شديد يمكن أنْ يغطي خشوعه وانشغاله بذكر الله، أو المدة الزمنية التي يقضيها في الطواف على تذكره عدد الأشواط التي طافها، فيسهو عن التوقف عند الشوط السابع فيدخل في الثامن ([٢٧٦]).
إلى هنا أعتقد اتضح تماماً أنّ مسألة السهو متشعبة ومرتبطة بعدة متغيرات، فلا يمكن أنْ نحكم بأنّ السهو يدل دائماً على تقصير الساهي في تحصيل كمال ممكن للإنسان، ولا يمكن مقارنة سهو معين بآخر، أو القول إنّ من يسهو هنا لابد أنْ يسهو هناك، ولا يمكن القول إنّ شخصاً لم يسهو في أمر معين أفضل من آخر لأنه سهى فيه، ولو أردنا تصور مدى تعقيد المسألة فلنحسب عدد المتغيرات التي بيّنتها حتى الآن في مسألة السهو والنسيان، فكيف إذن يمكن أنْ نقبل - عقلاً - من شخص أنْ يشكل على مسألة السهو دون أنْ تكون العلاقات بين هذه المتغيرات وحلها حاضرة عنده؟!!!! والحق إنّ حال المشكلين هو هذا، فلو أنهم يعون وجود كل هذه العوامل المتغيرة في المسألة لما ذهبوا للإشكال.
-إشكالات عقلية أخرى:
الإشكال الأول: إنه لو جاز السهو والنسيان على خليفة الله؛ لجاز أنْ ينسى ويسهو في تبليغ الشرع، وبهذا نقض للغرض من بعثه.
الرد: الحقيقة لا ملازمة بين الأمرين هنا، فالمسألة: إنّ المعصوم يعصم عن السهو والنسيان في أمور ولا يعصم في أخرى؛ لأننا قد بيَّنا أنه يعصم بمذكر خارجي. نعم، الملازمة تكون لو كان خليفة الله لا يسهو ولا ينسى بذاته لا بعاصم خارجي، في حين أننا قد بيَّنا بطلان القول بالعصمة الذاتية من السهو والنسيان، وأنها توافق قول الغلاة، وأنها تعني بالنتيجة تعدد اللاهوت المطلق وهذا باطل.
الإشكال الثاني: إنه لو جاز على خليفة الله السهو والنسيان لنفرت الناس عنه وفي هذا نقض للغرض من بعثه وهو هداية الناس.
الرد: لا يصح أنْ يستدل مسلم فضلاً عمن يدّعي أنه عالم بنفور الناس لجهلهم ويعتبره نقضاً للغرض؛ لأنه بحسب هذه القاعدة العبثية يمكن أنْ ينقض الإسلام، وكمثال على ذلك فالله أمر الرسول قبل الهجرة وهو في مكة أنْ تكون قبلة المسلمين بيت المقدس في الشام، وهذا فيه تنفير للأحناف؛ حيث إنّ قبلتهم الكعبة، فكيف يأتيهم محمد )صلى الله عليه وآله( ويقول لهم اتركوا قبلتكم التي تسجدون وتحجون لها، وتوجهوا في صلاتكم إلى قبلة اليهود؟ أليس في هذا تنفير واضح؟ وعلى حسب القاعدة التي وضعوها أنّ تنفير الناس عن دين الله ينقض الغرض، فيكون الله قد نقض الغرض أو يكون الإسلام ليس ديناً إلهياً. بل الأمر لم يتوقف هنا حيث لما هاجر محمد إلى المدينة وحيث اليهود وقبلتهم بيت المقدس بدلت قبلة الإسلام وأصبحت الكعبة، ليكون هذا أيضاً منفراً لليهود عن دخول دين جديد يتخذ قبلة أخرى غير قبلتهم. وعلى القاعدة المتقدمة أيضاً يكون الله هنا قد نفر الناس وصدهم عن الإيمان ونقض الغرض من بعث محمد (صلى الله عليه وآله)، بينما الحقيقة إنّ نفور الناس من الحق بسبب جهلهم به ليس نقضاً للغرض بحال، وهذا بغض النظر عن أن نفس مسألة اتخاذ قبلتين وتبديل القبلة يمكن أنْ يعتبرها بعضهم أيضاً منفرة، بل وحتى يطعن برسالة الرسول ويعتبره متردداً ويجهل القبلة الصحيحة... وهكذا يمكن أنْ يذهب باستنتاجات واستحسانات ويدّعي نقض رسالة الرسول.
الإشكال الثالث: إنه لو جاز على خليفة الله السهو والنسيان في الصلاة كما روي أنّ رسول الله سهى في صلاته فنقص وزاد في الركعات؛ لكان غير خاشع في صلاته، وهذا أمر قبيح لا يصدر عن خليفة الله في أرضه.
الرد: وهذا الإشكال يفترض أنّ من يغفل عن عدد الركعات غير خاشع في صلاته وغير متوجه إلى الله سبحانه وتعالى لا غير، وهذا غير صحيح على إطلاقه؛ حيث إنّ العبد لو توجه إلى الله بخشوع وانقطاع يمكن أنْ يغفل بالله وبالخشوع بين يدي الله عن حساب عدد ركعات صلاته، فكما أنه يمكن أنْ يغفل بالتفكير بأمور الدنيا عن عدد ركعات صلاته، كذلك يمكن للبكاء بين يدي الله أنْ يجعله يغفل عن حساب عدد ركعات صلاته، فالأمر إذن لا يمكن حصره بعدم الخشوع وعدم التوجه إلى الله، ليكون السهو والنسيان في الصلاة دليل عدم الخشوع، وبالتالي ينفى السهو عن خليفة الله بهذه الحجة الواهية.
الخلاصة: تقدّمت آيات دلت على سهو المعصوم في مسيرته في الحياة، وأحاديث وروايات كثيرة نصت على سهو المعصوم في العبادات، والأصل أن المعصوم أو خليفة الله إنسان ولا يستثنى مما يعرض للإنسان الطبيعي إلا بدليل قطعي، ومن الصفات الإنسانية السهو والنسيان، إذن فالأصل إمكان سهو المعصوم ونسيانه كأي إنسان إلا ما خرج بدليل؛ كامتناع نسيانه وسهوه في التبليغ عن الله حيث يلزم منه نقض الغرض، فلابد أنْ يذكّره الله في هذا الموضع ويعصمه عن النسيان والسهو فيه حتى يبلغ رسالة الله سبحانه، ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ [الجن: ٢٧ - ٢٨].
ومرَّ أيضاً أنه لا توجد آية تدل على عدم سهو المعصوم، ولا توجد روايات كذلك، ولا يوجد دليل عقلي تام، سوى إشكالات واستحسانات يمكن ردها ببساطة، فإذن الخلاصة التي يمكن أنْ يتوصل لها أي عاقل أنه إذا لم تكن كل تلك الأدلة كافية للاستدلال على إمكان سهو المعصوم في الأمور الحياتية والعبادة؛ فإنّ عدم دلالة اللاشيء الذي يتوهمونه على عدم سهو المعصوم مطلقاً أو في العبادة أوجب، فهم يعتقدون هذه العقيدة بلا دليل من آية محكمة ولا رواية قطعية الصدور والدلالة ولا دليل عقلي تام.
وهذا هو ما توصل له كثير من علماء العقائد ومنهم السيد الخوئي رحمه الله بقوله المتقدم: «القدر المتيقن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في غير الموضوعات الخارجية».
الهوامش
- ↩[٢٣٢] . عدم تذكر المعلومة هو أيضاً ترك شيء عن غفلة.
- ↩[٢٣٣] . علماء العقائد.
- ↩[٢٣٤] . سيأتي قول الشيخ الصدوق وشيخه والسيد الخوئي وغيرهم.
- ↩[٢٣٥] . ومثاله: عبد مؤمن صالح عابد ولكنه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان... فالنور الذي حصله من الإيمان والصلاح والعبادة يؤثر إيجاباً، وأيضاً كلما زادت العبادة مثلاً زاد النور، فالمسألة ليست ثابتة عند حد معين ... بينما كونه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان يؤثر سلباً على التذكر، وكلما زادت تلك الأوقات التي تكون فيها بطنه ممتلئة زاد التأثير السلبي، وكلما زاد قدر الملء لبطنه زاد الأثر السلبي أيضاً.
- ↩[٢٣٦] . عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه". وعن يونس بن عبد الرحمن: قال قلت لأبى الحسن الرضا (عليه السلام): روينا أن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه، قال (عليه السلام): " كذلك هو" التوحيد - الصدوق: ص ١٣٧.
- ↩[٢٣٧] . كتاب "رحلة موسى (عليه السلام)".
- ↩[٢٣٨] . يمكن أنْ تسميه تسديداً إلهياً، أو عصمة من السهو والنسيان، أو أي اسم يؤدي إلى المعنى المراد.
- ↩[٢٣٩] . بل حتى الإجماع الذي يدّعونه على قولهم إنما هو إجماع مُتوَهَم لا حقيقة له، فقد خالفه بعض كبار علماء الشيعة كالصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد والشيخ الطبرسي.
- ↩[٢٤٠] . صحيح مسلم - كتاب الوصية.
- ↩[٢٤١] . من لا يحضره الفقيه - الصدوق: ج ١ ص٣٥٩ - ٣٦٠.
- ↩[٢٤٢] . التبيان في تفسير القرآن - الطوسي: ج ٤ ص١٦٥.
- ↩[٢٤٣] . استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - محمد بن الحسن: ج ٦ ص٢١٥.
- ↩[٢٤٤] . صراط النجاة (الجزء الأول) مسائل في العقيدة - السيد الخوئي.
- ↩[٢٤٥] . ومن كلام الله على لسان موسى: "قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً". وفي تفسير الطبرسي للآية: "لا تؤاخذني بما نسيت": أي غفلت من التسليم لك وترك الإنكار عليك وهو من النسيان الذي هو ضدّ الذكر. وفي تفسير الطباطبائي للآية: قوله تعالى: "قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً": الرهق الغثيان بالقهر والإِرهاق التكليف، والمعنى لا تؤاخذني بنسياني الوعد وغفلتي عنه ولا تكلفني عسراً من أمري، وربما يفسر النسيان بمعنى الترك، والأول أظهر. وفي تفسير القمي: إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ "قال ثمّ استثنى لأنّه لا يؤمن عليه النّسيان لأنّ الذي لا ينسى هو الله".
- ↩[٢٤٦] . "فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً".
- ↩[٢٤٧] . مختصر بصائر الدرجات - حسن بن سليمان الحلي: ص٩٣.
- ↩[٢٤٨] . تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص٤٩١.
- ↩[٢٤٩] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص٣٤٥ - ٣٤٦.
- ↩[٢٥٠] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص٣٤٦.
- ↩[٢٥١] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص١٨٠.
- ↩[٢٥٢] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص١٨٠.
- ↩[٢٥٣] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص٣٤٩ - ٣٥٠.
- ↩[٢٥٤] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص٣٥٢.
- ↩[٢٥٥] . الكافي - الكليني: ج ٣ ص٣٥٥ - ٣٥٦.
- ↩[٢٥٦] . الكافي - الكليني: ج ٣ ص٣٥٦.
- ↩[٢٥٧] . الكافي - الكليني: ج ٣ ص٣٥٧.
- ↩[٢٥٨] . عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الصدوق: ج ٢ ص٢١٩.
- ↩[٢٥٩] . المحاسن - البرقي: ج ١ ص٢٦٠.
- ↩[٢٦٠] . وقد ذكر الصدوق طريقه إلى ابن محبوب في (المشيخة) قائلاً: "وما كان فيه عن الحسن بن محبوب فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل (رض) عن عبدالله بن جعفر الحميري وسعد بن عبدالله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب" قال السيد الخوئي في (المعجم): "والطريق صحيح ) معجم رجال الحديث ج ٥ ص٩١ )، والحسن بن محبوب وثقه الشيخ في فهرسته ورجاله، وقال النجاشي: وعده الكشي من الفقهاء الذي أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم، والرباطي قال السيد الخوئي: الظاهر أنه علي بن الحسن بن رباط المتقدم ترجمته، وقال في ترجمته: قال نجاشي: علي بن الحسن بن رباط البجلي أبو الحسن كوفي ثقة معول عليه، وسعيد الأعرج قال النجاشي: سعيد بن عبدالرحمن قيل بن عبدالله الأعرج السمان أبوعبدالله التيمي (التميمي) مولاهم كوفي ثقة. والرواية صرح بصحتها الميرزا القمي في مناهج الأحكام: ص٦٧٧؛ والشيخ عبد الله المامقاني في نهاية المقال في تكملة غاية الآمال: ص٣١٨.
- ↩[٢٦١] . من لا يحضره الفقيه - الصدوق: ج ١ ص٣٥٨ - ٣٥٩.
- ↩[٢٦٢] . بعض المصرحين بصحة رواية زرارة: العلامة الحلي في منتهى المطلب: ج ١٠ ص٣٧٩. المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: ج ٧ ص١١٠. محمد تقي المجلسي (الأول) في روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج ٤ ص٥٤٦. المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد: ج ١ ق٣ ص٦٣٦. السيد محمد العاملي في مدارك الأحكام: ج ٨ ص١٦٨. السيد احمد بن زين الدين العلوي العاملي في مناهج الأخيار في شرح الاستبصار: ص٤٥٨. الفاضل الهندي في كشف اللثام (ط . ق): ج ١ ص٣٣٦. السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل: ج ٦ ص٥٥٤. المحقق البحراني في الحدائق الناضرة: ج ١٦ ص٢٠١. المحقق النراقي في مستند الشيعة: ج ١٢ ص٩٢.
- ↩[٢٦٣] . الاستبصار - الطوسي: ج ٢ ص٢١٨ - ٢١٩؛ تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٥ ص١١٢.
- ↩[٢٦٤] . بعض المصرحين بصحة رواية معاوية بن وهب: المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: ج ٧ ص١١٠. محمد تقي المجلسي (الأول) في روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج ٤ ص٥٤٦. المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد: ج ١ ق٣ ص٦٣٦. المحقق البحراني في الحدائق الناضرة: ج ١٦ ص٢٠١. المحقق النراقي في مستند الشيعة: ج ١٢ ص٩٢.
- ↩[٢٦٥] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٥ ص١١٢.
- ↩[٢٦٦] . المصرحون بصحة رواية الفضيل: السيد عبد الأعلى السبزواري في مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: ج ٨ ص٣٧٧.
- ↩[٢٦٧] . وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي: ج ٨ ص٢٥٢.
- ↩[٢٦٨] . بعض المصرحين بصحة رواية الحلبي: العلامة الحلي في منتهى المطلب: ج ٧ ص٧٨. ابن العلامة (محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي) في إيضاح الفوائد: ج ١ شرح ص١٤٤. السيد محمد العاملي في مدارك الأحكام: ج ٤ ص٢٨٤. محمد تقي المجلسي (الأول) في روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج ٢ ص٤١٢. العلامة المجلسي في ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار: ج ٤ ص١٦١. المحقق البحراني في الحدائق الناضرة: ج ٩ ص٣٣٤. الميرزا القمي في مناهج الأحكام: ص٥٨٧. السيد عبد الأعلى السبزواري في مهذب الأحكام في الحلال والحرام: ج ٨ ص٣٥٧.
- ↩[٢٦٩] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص١٩٦.
- ↩[٢٧٠] . عيون أخبار الرضا (عليه السلام)- الصدوق: ج ١ ص١٩٣؛ بحار الأنوار - المجلسي: ج ٢٥ ص١١٧.
- ↩[٢٧١] . قال الحر العاملي: "أقول: هذا إيهام وتشكيك لا شك وغلط، مع احتمال كونه من الراوي" إثبات الهداة: ج ٣ ص٧٢٩. وقال المجلسي: "بيان: يحتمل أن يكون بعض أخبار مدة السفياني محمولاً على التقية لكونه مذكوراً في رواياتهم، أو على أنه مما يحتمل أن يقع فيه البداء فيحتمل هذه المقادير، أو يكون المراد مدة استقرار دولته، وذلك مما يختلف بحسب الاعتبار... " بحار الأنوار - المجلسي: ج ٥٢ ص٢١٦.
- ↩[٢٧٢] . الغيبة - الطوسي: ص٤٤٩ - ٤٥٠.
- ↩[٢٧٣] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٢ ص٣٥٠ - ٣٥١.
- ↩[٢٧٤] . عدم سهو النبي - الشيخ المفيد.
- ↩[٢٧٥] . تقدم البيان في موضوع النسيان المنقول من كتاب "رحلة موسى )عليه السلام(".
- ↩[٢٧٦] . كما في الرواية عن أمير المؤمنين.