الفصول
الرجعة:
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-الرجعة:
الرجعة عالم امتحان آخر، كما أنّ عالم الأجسام الذي نعيش فيه الآن أيضاً عالم امتحان لا زلنا فيه ونمتحن فيه.
فالرجعة عالم يعيد الله فيه بعض الخلق مرة أخرى ويمتحنهم، ويكونون في عالم الرجعة غافلين عن العوالم التي سبق وأنْ امتحنهم الله بها؛ لأنهم يحجبون بذلك العالم عمّا سواه، كما أنّ الناس في هذا العالم الجسماني حجبوا بالأجسام وأنساهم الله امتحانهم السابق في عالم الذر.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦٢].
﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾: أي نخلقكم في عالم آخر لا تعلمونه، فأنتم قد عشتم في النشأة الأولى في عالم الذر وعلمتموه ونسيتموه ولا تتذكرون حالكم فيه الآن بعد أنْ خلقناكم في النشأة الثانية أو العالم المادي الجسماني الذي أنتم فيه.
والذين يخلقون في الرجعة هم بعض الخلق وليس جميعهم، وهم من وصلوا لدرجات عليا في الإيمان، ومن انحدروا في وادٍ سحيق من الكفر والجحود بالله وبأوليائه المعرفين به في هذه الدنيا.
-لماذا الرجعة ؟
قبل أنْ نعرف لماذا الرجعة لابد أنْ نفهم أننا هنا في العالم الجسماني في الامتحان الثاني، والرجعة هي الامتحان الثالث. فالسؤال نفسه موجه لهذا الامتحان الذي نحن فيه؛ لماذا الحياة الجسمانية لماذا هذا الامتحان الثاني ونحن قد امتحنا في الذر وانتهى الأمر ؟
وجواب هذا السؤال هو ما قاله الإمام جعفر بن محمد الصادق )عليه السلام(:
علل الشرائع: «حدثنا علي بن أحمد عن محمد بن أبي عبد الله عن محمد بن إسماعيل البرمكي قال حدثنا جعفر بن سليمان بن أيوب الخزاز قال حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي قال قلت لأبي عبد الله )عليه السلام): لأي علة جعل الله عز وجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلى في أرفع محل ؟
فقال (عليه السلام): إن الله تبارك و تعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عز وجل فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظراً لها ورحمة بها وأحوج بعضها إلى بعض وعلق بعضها على بعض ورفع بعضها على بعض في الدنيا ورفع بعضها فوق بعض درجات في الآخرة وكفى بعضها ببعض وبعث إليهم رسله واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبدهم بها ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ويزيدهم في الشر وليدلهم بطلب المعاش والمكاسب فيعلموا بذلك أنهم بها مربوبون وعباد مخلوقون ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الأبد وجنة الخلد ويأمنوا من الفزع إلى ما ليس لهم بحق. ثم قال (عليه السلام): يا ابن الفضل إن الله تبارك وتعالى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم أ لا ترى أنك لا ترى فيهم إلا محباً للعلو على غيره حتى يكون منهم لمن قد نزع إلى دعوى الربوبية ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها ومنهم من قد نزع إلى دعوى الإمامة بغير حقها وذلك مع ما يرون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام والمناوبة عليهم والموت الغالب لهم والقاهر لجمعهم يا ابن الفضل إن الله تبارك وتعالى لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون» ([٢٧٧]).
الإمام الصادق (عليه السلام( بيَّن لماذا تكرار الامتحان في هذا العالم الجسماني.
أما لماذا تكرار الامتحان في عالم الرجعة على من محض الإيمان ومحض الكفر بالخصوص؟ فلأن كلا هذين الفريقين هو فريق استثنائي، فمن محض الإيمان كان عطاؤهم عظيماً وسيكون جزاؤهم أعظم، وبالتالي يكرر الامتحان عليهم ليعيدوا نفس النتيجة لكي يعلم بقية الخلق أن هؤلاء مستحقون لهذا الفضل العظيم الذي فضلهم الله به على بقية الخلق.
وأما من محض الكفر فكذا أن عذابهم عظيم، بحيث إنّ أهل النار يستجيرون من عذاب هؤلاء، ولذا كان الامتحان الثالث في الرجعة وليكرروا نفس النتيجة السلبية، ليعلم الخلق أنّ هؤلاء مستحقون لهذا العذاب العظيم.
وهنا قد يوجه إشكال بهذه الصورة: لماذا هذه الامتحانات، ما دامت نتيجة الذر ستتكرر وكل واحد سيكرر نتيجته، أين الحكمة من هكذا امتحان نتيجته معروفة مسبقاً؟!
والجواب: إنّ إعطاء الفرصة حقيقي وليس وهمياً، فالله سبحانه قد أعطى للخلق فرصة حقيقية لتغيير النتيجة إنْ كانت سيئة في الذر، ولكن لأن حقائقهم منكرة وخبيثة تكرر نفس النتيجة، أي أنّ الحكمة هي أنّ الله كريم رؤف رحيم، وهذه الفرصة الأخرى هي ظهور لفضله ولكرمه ورحمته سبحانه، إضافة إلى ما بيّنه الإمام الصادق )عليه السلام( في أن انزال الأرواح في هذا العالم الجسماني الضيق هو ليظهر لها ضعفها من خلال ضيقه وقيوده، وإضافة إلى ما بيّنته من علة الرجعة، وأيضاً هناك علة بيّنها الله سبحانه وتعالى هي أيضاً متعلقة برحمته وكرمه، وهي أنه يعلم أنهم سيطلبون فرصة ثانية وبالتالي قدّم لهم هذه الفرصة قبل أنْ يطلبوها، فمع هذا التكرار وهذا الكرم منه سبحانه تجدهم يطلبون في الآخرة أنْ يعاد امتحانهم، ويطلبون فرصة أخرى غير الفرص التي منحت لهم سابقاً: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
-كيف تكون الرجعة ؟
هناك أمور لابد من معرفتها لنفهم كيف تكون الرجعة:
أولاً: الإحساس بالتحوّل أو التغير مسألة نسبية، فالحقيقة إننا نحس بتغير الأشياء حولنا عندما نتعرض نحن وهي لتغيرات مختلفة سواء مكانية أم زمانية، لكن عندما نكون نحن والأشياء من حولنا متعرضين معاً لحركة خارج حدود الزمان والمكان، أي بأبعاد أخرى غير هذه الأربعة التي نعرفها ونحسها، فإننا لن نحس بشكل ملموس بأي تغيير من حولنا، ولن نستطيع قياسه مهما كان كبيراً وسريعاً رغم وجوده، والسبب أن هذا التغيير يشملنا نحن وهي جميعاً بنفس القدر.
وليكون الأمر أقرب للفهم: لنتصور أننا نعيش في وسط متحرك بنا، فإننا لن نحس بحركة الأشياء من حولنا وسنعتبرها ساكنة طالما بقيت حركتنا وحركتها الوحيدة هي حركة الوسط بنا جميعاً، كما أننا لن نحس بأي تغيير في الوسط وفي الأشياء الموجودة فيه طالما كان هذا التغيير يشمل كل شيء في الوسط - أي حتى نحن - وبنفس النسبة.
تصور أنّ طولك (١.٧m)، وهناك أداة قياس تقيس بها طولك، فلو أنك وأداة القياس تمددتما حتى تضاعف طولكما، فأنت عندما تقيس طولك بأداة القياس نفسها؛ ستجد أن طولك الجديد أيضاً هو (١.٧m)، ولن تعلم بزيادة طولك، في حين أن طولك الجديد الحقيقي هو (٣.٤m).
إذا فهمنا ما تقدم نستطيع أن نفهم أننا والكون الذي نعيش فيه؛ ممكن أن ندخل جميعاً إلى عالم الرجعة أو السماء الأولى دون أن نحس بالتغيير الكبير الذي حصل لأجسامنا أو للأجسام التي حولنا أو حتى للكون الذي نعيش فيه، بل ويمكن أن نفهم أننا وكل الكون الذي نعيش فيه في تغير مستمر، وربما كان هذا التغير كبيراً ولكننا لا نحس هذا التغيير؛ لأنه يحصل لكل شيء بنفس النسبة.
ثانياً: نحن كنّا في الذر أي في السماء الأولى، ونحن ذاهبون إلى الرجعة التي هي أيضاً في السماء الأولى، أي أن هناك حركة ([٢٧٨]) للفلك الأعظم الذي يشمل الأكوان والعوالم التي نعيش في أحدها، ويجب أن نلتفت إلى أن هذه الحركة هي خارج حدود الزمان والمكان وفي أبعاد أخرى قد لا نحسها ولكنها حقيقية وموجودة، وأثر هذه الحركة كبير جداً في الأكوان وما فيها، ولا يمكن أن نعلم مدى هذا الأثر طالما أننا جزء من هذه الأكوان. فالطريقة الوحيدة التي نعلم بها بهذه التغيرات هي أن نكون نحن خارج هذه الأكوان، عندها سنرى الحقيقة التي ستكون مختلفة تماماً عن الواقع الذي نحسه ونحن في داخل هذه الأكوان.
ثالثاً: أوصاف عالم الرجعة في روايات المعصومين لا تتناسب مع هذا العالم المادي الذي نعيش فيه، فلا مناص عن قبول أن عالم الرجعة هو عالم مغاير، وله قوانين مختلفة عن العالم المادي الذي نعيش فيه.
مختصر بصائر الدرجات: «محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ويعقوب بن يزيد عن أحمد بن الحسين الميثمي عن محمد بن الحسين عن أبان بن عثمان عن موسى الحناط قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم (عليه السلام)، ويوم الكرة، ويوم القيامة»([٢٧٩]).
مختصر بصائر الدرجات: «عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي المغري حميد بن المثنى عن داود بن راشد عن حمران بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) لنا: ولسوف يرجع جاركم الحسين بن علي (عليهما السلام) ألفاً فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر» ([٢٨٠]).
مختصر بصائر الدرجات: «محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عبد الكريم بن عمر والخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ... ويملك أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعاً وأربعين ألف سنة حتى يلد الرجل من شيعة علي (عليه السلام) ألف ولد من صلبه ذكراً، وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله» ([٢٨١]).
مختصر بصائر الدرجات: «ورويت عنه أيضاً بطريقه إلى أسد بن إسماعيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال حين سأل عن اليوم الذي ذكر الله مقداره في القرآن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: وهي كرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكون ملكه في كرته خمسين الف سنة، ويملك أمير المؤمنين (عليه السلام) في كرته أربعاً وأربعين ألف سنة» ([٢٨٢]).
بحار الأنوار: «عن أحمد بن محمد السياري، عن محمد بن خالد، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن نجيح اليماني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون). قال: "مرة في الكرة، وأخرى في القيامة"» ([٢٨٣]).
مختصر بصائر الدرجات: «حدثني الشيخ أبو عبد الله محمد بن مكي بإسناده عن علي بن إبراهيم ابن هاشم من تفسير القران العزيز قال:
وأما الرد على من أنكر الرجعة فقوله عز وجل ويوم نحشر من كل أمة فوجا قال علي بن إبراهيم وحدثني أبي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما يقول الناس في هذه الآية ويوم نحشر من كل أمة فوجاً؟ قلت: يقولون إنها في القيامة. قال: ليس كما يقولون إن ذلك الرجعة أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين إنما آية القيامة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا» ([٢٨٤]).
الهوامش
- ↩[٢٧٧] . علل الشرائع - الصدوق: ج ١ ص١٥ - ١٦ باب العلة التي من أجلها جعل الله عز وجل الأرواح في الأبدان بعد أن كانت مجردة عنها في أرفع محل.
- ↩[٢٧٨] . هو انتقال تدريجي وليس حركة، ولكن عبرت عنه بالحركة رغم أنها مقيدة بحدود الأبعاد الأربعة؛ لأنه لا توجد كلمة يفهمها الناس وتعبر عن هذا الانتقال غيرها فالألفاظ التي نتواصل بها مقيدة بالأبعاد الأربعة.
- ↩[٢٧٩] . مختصر بصائر الدرجات - ابن سليمان الحلي: ص١٨.
- ↩[٢٨٠] . مختصر بصائر الدرجات - ابن سليمان الحلي: ص٢٢.
- ↩[٢٨١] . مختصر بصائر الدرجات - ابن سليمان الحلي: ص٢٧.
- ↩[٢٨٢] . مختصر بصائر الدرجات - ابن سليمان الحلي: ص٤٩.
- ↩[٢٨٣] . بحار الأنوار - المجلسي: ج ٥٣ ص١٢٠.
- ↩[٢٨٤] . مختصر بصائر الدرجات - ابن سليمان الحلي: ص٤١ - ٤٢.