الفصول
كيف يعرف خليفة الله في أرضه:
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-كيف يعرف خليفة الله في أرضه:
الاستخلاف أمر حتمي كما تبيّن؛ لأن تركه مخالف للحكمة والعقل ومخالف للرحمة، وبما أنّ الإنسان هو الأكمل بين الخلق فتحتم أنْ يقع الاختيار على أحد أفراده. وقد أشار المُستَخلِف إلى أنّ الإنسان عبارة عن مشروع استخلاف، ومفطور ليكون خليفة الله ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، «الله خلق آدم على صورته» ([٧٠]). ورد في التوراة أو العهد القديم:
«٢٦ وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» ([٧١])،
«فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه» ([٧٢]).
فمن الحتمي إذن والحال هذه أن يقع اختيار الله لكل زمان على إنسان ليكون خليفة لله في أرضه، بل حتى الخليفة إذا اضطر للغياب فلابد له من استخلاف من يقوم مقامه لنفس العلة. فنحن هنا شخصنا الخليفة من بين المخلوقات عموماً، وحددنا نوعه وكونه إنسان لأنه خلق وفطر على صورة اللاهوت.
يبقى أنْ نشخص الفرد في الخارج، وهنا نحتاج إلى قانون نميّز به الخليفة دائماً، وإلا فسينقض الغرض من الاستخلاف وهو هداية الناس وتعريفهم بالله سبحانه وتعالى وبأوامره وإرادته ونهيه، وبالتالي فنحن نحتاج لقانون مُعرِّف بالحجة وساري المفعول منذ أول يوم لبعثته إلى قيام الساعة وينتهي الامتحان في هذه الدنيا؛ لأن الناس مكلفون بالإيمان بخلفاء الله عند بعثهم وبعد بعثهم، ومعرفة الحق والعقيدة منهم ومن تراثهم والالتزام بما جاءوا به ما لم ينسخ من خليفة لاحق، وعلى أقل تقدير فالقانون لابد أن يكون ساري المفعول مدة من الزمن تمتد حتى انتهاء الفائدة والانتفاع من الرسالة التي بعث بها المرسل، فهي مثلاً بالنسبة لمحمد (صلى الله عليه وآله) ممتدة إلى اليوم.
-قانون معرفة الحجة وفقراته الثلاث:
القانون الذي يوافق العقل والحكمة هو تماماً الفقرات الثلاث نفسها التي سقناها على أنها حتمية لإثبات تنصيب خليفة لله في أرضه، وأنها لابد أنْ تصدر من الحكيم والرحيم المطلق سبحانه، وهي تنصيب خليفة، وكونه أعلم، وأمر المكلفين بطاعته. ولكن هنا سنعرضها في مرحلة أخرى؛ وهي مرحلة العلاقة بين الخليفة والمكلفين، وكونها هي دليل الخليفة الذي يحتج به على المكلفين ([٧٣]).
-أولاً: النص
يمكن إثبات التنصيب للمكلفين بالنص، ونحن لما وجدنا ما وصلنا من تنصيب الله لخلفائه في أرضه دائماً بالنص؛ ثبت أنّ القانون الإلهي الثابت والسنة الإلهية في تنصيب خلفاء الله في أرضه هو النص من الله، أو من خليفة سابق مباشر أو غير مباشر، وسنة الله لا تتبدل ولا تتحول. قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٧]، ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٢]، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: ٢٣] ([٧٤]).
والأمر ابتدأ بالنص من الله سبحانه وتعالى مباشرة على الحجة الأول آدم (عليه السلام) لكونه أول الحجج، ثم تحوّل الأمر إلى النص من الحجة السابق على الحجة اللاحق، سواء كان مباشراً أم غير مباشر لوجود الحجة الذي بنصه ووصيته على من يأتي بعده دليل واضح على تشخيصه، والأمر الأول وهو نص الله على الحجة باقٍ ولم يرفع، بل بقي كدليل تشخيص لخليفة الله مع النص من الخليفة السابق.
ولابد أن يكون النص من الله موافق للنص من الخليفة السابق، فمن يدّعي النص من الله (أو شهادة الله) بخلاف أو بدون النص من الخليفة السابق فهو كاذب. والنص من الخليفة السابق أكثر وضوحاً وظهوراً للناس من شهادة الله في الملكوت؛ لأنهم غافلون عن ملكوت الله ومنغمسون في المادة وأنسهم بها، فيطلبون نصاً يأتيهم من نفس عالمهم، وليس من عالم الملكوت الذي يجهلونه وهم عنه غافلون.
والنص المباشر من الله سبحانه وتعالى يكون بالوحي، كما أوحى الله للملائكة خلافة آدم (عليه السلام). وطريق الوحي المبذول لكل الناس والذي يمكن أن يسمعه كل الناس هو الرؤيا، أما النص من الخليفة السابق فيكون بالوصية، سواء كان مباشراً أم غير مباشر للمنصوص عليه. ونحن سنتعرض للطرق الثلاثة للنص ونفصل عند الحاجة للتفصيل.
-الأول: النص من الله سبحانه وتعالى
وهذا النص مهم وهو دليل، لأنه من الله سبحانه مباشرة، وحاضر في كل زمان ([٧٥]) ولكل الناس ([٧٦]).
ولا يمكن أن يكون النص من الله مخالفاً للنص من الخليفة السابق عند وجوده؛ لأن كلاهما نص إلهي ([٧٧])، فالرؤى (النص الإلهي) التي يمكن الاحتجاج بها هي الرؤى المتواترة التي يمتنع تواطؤ مدعي رؤيتها على الكذب، والموافقة للنص الإلهي الواصل من الخليفة السابق المباشر، أو النص التشخيصي من الخليفة غير المباشر، والموصوف بأنه عاصم من الضلال مثلاً.
وهو عقلاً: موافق للحكمة والرحمة، فلا يتركه حكيم ورحيم مطلق ([٧٨])، فنحن لما أثبتنا وجود الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم مطلق ورحيم مطلق ولا نقص في ساحته، وأثبتنا حتمية الاستخلاف لموافقته الحكمة المطلقة والرحمة المطلقة، ثبت تبعاً لها أنّ الموافق للحكمة والرحمة المطلقة هو النص المباشر منه على خليفته طالما كان هناك سبيل لذلك. ولما كان طريق النص المباشر منه هو الوحي وطريق الوحي المفتوح بينه وبين كل خلقه من الناس هو الرؤيا الصادقة، ثبت أنه حتماً ينص على خليفته ويشهد له بالوحي لخلقه بالرؤيا الصادقة في النوم أو اليقظة، وإلا فلو ترك هذا الطريق للنص لكان مخالفاً للرحمة والحكمة المطلقة؛ حيث إنه ترك طريقاً به يتحقق الهدف من الخلق وهو المعرفة، فتنتقض ألوهيته المطلقة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ونقلاً: ثبت هذا الطريق بصورة واضحة وقطعية:
فقد بيّنه تعالى في قصة تنصيب آدم (عليه السلام)، وهو أول خليفة لله في أرضه، فبهذا الطريق افتتح النص على خليفة الله في أرضه فأوحى الله للملائكة بأن آدم خليفته ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وبيّنه أيضاً في قصة تنصيب يوسف (عليه السلام)، فأوحى الله ليوسف (عليه السلام) بأنه خليفته في أرضه ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وهنا الرؤيا كانت دليلاً تشخيصياً لخليفة الله في أرضه يوسف (عليه السلام). وكلام نبي الله يعقوب (عليه السلام) واضح في أنها دليل تشخيص لخليفة الله في أرضه يوسف، ولهذا حذّر يوسف من قص الرؤيا على أخوته لكي لا تتكرر مأساة هابيل عندما يسمع أخوة يوسف الرؤيا، ويعلمون أنه تم تشخيص يوسف (عليه السلام) خليفة الله في أرضه من بينهم ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
وبيّنه أيضاً في قصة تنصيب موسى (عليه السلام)، فأوحى الله بالرؤيا لأم موسى - وهي من المكلفين - وشهد الله لها بأنّ موسى خليفة الله في أرضه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧].
وبيّنه أيضاً في قصة تنصيب داود، فبيّن لداود بأنه خليفته في أرضه ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [صـ: ٢٦].
وبيّنه أيضاً في قصة تنصيب عيسى، فأوحى الله للحواريين بأنّ عيسى (عليه السلام) خليفته ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
هل يوجد وضوح أكثر من هذا الذي نراه جلياً في الآية لموضوع الرؤيا في دين الله؟! أليس واضح في الآية شهادة الله للحواريين بالوحي، وطريقا الوحي هما: الرؤيا في المنام، والرؤيا في اليقظة. هل يوجد وضوح أكثر من هذا؛ إنّ الرؤيا هي طريق شهادة الله لخليفته في أرضه عند عامة العباد الذين يطلبون شهادة الله. هل يوجد وضوح أكثر من هذا؛ إنّ الرؤيا هي طريق لنص الله على خليفته في أرضه، طريق يسمعه كل من يريد استماعه من الناس دون قيد أو شرط؟!
وقد بيَّن تعالى هذا الأمر بوضوح لا لبس فيه في دعوة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، حيث عرض سبحانه وتعالى نفسه كشاهد لمحمد (صلى الله عليه وآله)، لكل من يطلب شهادته سبحانه فقال تعالى:
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٧٩].
﴿لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٦٦].
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: ٩٦].
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢].
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [الفتح: ٢٨].
وهذه الشهادة وهذا النص مرافق للخليفة منذ اليوم الأول لإعلان دعوته، بل هو مرافق له قبل إعلان دعوته.
فالله شهد لخلفائه عند المكلفين فيما مضى، ويعرض نفسه دائماً كشاهد لخلفائه عند المكلفين. فهي سنة الله إذن التي لا تتبدل ولا تتحول كما تبيّن، وكيف يمكن أن يشهد الله لخلقه بغير الوحي سواء المباشر أو بتوسط بعض خلقه من الأرواح والملائكة، وأي طريق للوحي مفتوح دائماً بين الله وكل المكلفين غير الرؤيا الصادقة من الله، أما من ينكر هذا الطريق للنص الإلهي وهو طريق الوحي بالرؤيا، فهو معلن لكفره ببعض القرآن، أو أنَّ عليه إيجاد طريق آخر يشهد به الله عند كل المكلفين. فالله يرد على من طلبوا الآيات أو المعجزات بأنه يكفيهم شهادة الله لو كانوا مؤمنين إيماناً حقيقياً بوجود الله سبحانه ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ..... قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥٢].
إذن، تبيّن بوضوح من الآيات أنّ الله شهد لخلفائه عند المكلفين بالوحي بالرؤيا كرؤى حواريي عيسى، ورؤى أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). وهذه سنّة الله فمن ينكرها ويدَّعي تبدّلها وتحوّلها عليه إقامة البينة والدليل ([٧٩])، ومن يدَّعي عدم كفاية شهادة الله بالوحي بالرؤيا الصادقة عليه أنْ يجد معنى آخر لكلمة "كفى" التي تكررت في كل الآيات السابقة:
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾.
﴿(لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
ومعنى الآيات بيّن وهو: إنّ شهادة الله بالرؤيا في النوم واليقظة لعامة الناس الذين عرض الله نفسه لهم كشاهد لوحدها كافية لتشخيص خليفة الله في أرضه.
إذن، بحسب ما تقدم فالرؤيا الصادقة والكشف الصادق التي يشهد فيها الله لخليفته في أرضه عند المكلفين نص من الله سبحانه، والإعراض عنها هو إعراض عن النص المباشر من الله سبحانه وتعالى.
أما حدود حجية هذا النص أي كون هذا النص حجة فقط على صاحبه أم أنه حجة على غير صاحبه، أو لو قلنا هل يمكن أن يكون هذا النص الإلهي حجة على غير صاحبه باعتبار أنّ حجيته على صاحبه ثابتة؟
في الحقيقة إنّ هذا الأمر تكفّل القرآن ببيانه، وأوضح بجلاء بأنّ النص الإلهي حجة على غير صاحبه، فرؤيا يوسف (عليه السلام) جعلها يعقوب دليلاً على أنّ يوسف خليفة الله في أرضه، ولهذا منعه من قصها على أخوته؛ لأنّ أخوته أبناء أنبياء ويعرفون الشريعة جيداً، ويعرفون موضع الرؤيا في دين الله وأنها نص إلهي على خليفته في أرضه، وبالتالي فعند سماعهم الرؤيا سيعرفون أنها في تشخيص يوسف (عليه السلام) خليفة الله في أرضه، فخاف يعقوب (عليه السلام) أن يحسدوا يوسف (عليه السلام)، وتعاد قصة ولدي آدم (عليه السلام) القديمة مع يوسف وأخوته، وهذا واضح لمن تدبر الآيات وأنصف نفسه ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٥]. يكيدون لك كما كاد قابيل لهابيل لما علم أنه وصي آدم (عليه السلام). إذن، النص الإلهي بهذا الطريق حجة على صاحبه وعلى غير صاحبه كما هو واضح في القرآن.
أما لو احتمل غير صاحب الرؤيا كذب من يقول إنه رأى الرؤيا، أو إن ما رآه حلم من الشيطان، أو من هوى النفس؛ عندها لا تكون لهذه الرؤيا حجية عليه وهنا نحتاج البحث في أمور هي:
احتمال كذب من قال إنه رأى:
وهذا الأمر يندفع بأنْ تكون رؤى كثيرة ومستمرة ويراها أناس متفرقون، ولا رابط ولا علاقة بينهم قبل إيمانهم بداعي الحق، ليتصور من يسمع رؤاهم أنهم تواطئوا على الكذب، عندها لا يمكن إلا لمكابر معاند اتهام هؤلاء بالكذب؛ حيث يمتنع عقلاً تواطؤهم على الكذب، وبهذا تكون رؤاهم بمجموعها حجة على الناس غيرهم، ولو كان هؤلاء الذين رأوا الرؤى من مشارب وخلفيات عقائدية مختلفة، فإن الحجة ستكون أعظم ولا سبيل لرد شهادتهم بما رأوا وسمعوا من شهادة الله عندهم ونصه على خليفته في أرضه.
احتمال أن تكون الرؤيا من الشيطان:
وهذا الأمر يندفع بأنْ يكون في الرؤيا خليفة لله في أرضه ثبتت خلافته للمتلقي، أو ملك من ملائكته، أو أن يكون فيها اسم من أسماء الله، أو آية من كتاب سماوي ثابت للمتلقي، أو أنْ تكون في الرؤيا رموز حكيمة لا يمكن أنْ تصدر من سفهاء كالشيطان وجنده.
وفي القرآن رد الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١] على من قالوا إنّ القرآن تنزلت به الشياطين، فالله يقول لا، ليس للشياطين سلطة وقدرة على قراءة القرآن، فما ينبغي للشيطان أنْ يدعو للصلاح كما في القرآن، وإلا فكيف تقوم للشيطان قائمة وهو يدعو للصلاح والخلق الكريم وذكر الله !
وإذا كانت هذه الأمور التي ذكرت في القرآن جاء بها الشيطان، فكيف إذن سيدعو للشر ومتى وأين، ثم هل الشيطان يحارب نفسه؟!!! ما ينبغي له أنْ يفعل هذا،
كما أنّ الشيطان لا يمكنه تلاوة كلمات الله، أو يتمثل برموز ملكوت السماوات وبخلفاء الله وملائكة الله وبأسماء الله، وإذا أمكنه فعل هذا فلم يعد الملكوت بيد الله بل أصبح بيد الشيطان، ولم يعد هناك مجال للاطمئنان إلى أي شيء يأتي من الملكوت، وبهذا يتم الطعن بكل رسالات السماء وبكل خلفاء الله بالقول إنهم توهموا وإنّ ما رأوه هو الشيطان وإنه تمثّل لهم بصورة ملاك وقرأ لهم كلاماً على أنه كلام من الله .... إلخ، ولهذا اختصر الأمر سبحانه وتعالى وقال: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي لا يمكنهم قراءة القرآن فكيف تقولون إنهم تنزلوا به؟!!!
فإذا كانوا عاجزين عن إيحاء القرآن أو بعض آيات القرآن، فكيف يمكن أن يقول شخص بجهالة وهو يدّعي العلم: إن الشياطين يتمثلون برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) في الرؤيا ؟! هل يقبل العقل أنّ الشيطان عاجز عن التنزّل بالقرآن وقراءته وهو قادر على التمثّل بمحمد (صلى الله عليه وآله)، ومحمد هو كلمة الله التامّة والقرآن الناطق؟! هذه والله قسمة ضيزى.
هل وصل الأمر إلى التقوّل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتجرؤ عليه بهذا الأمر العظيم، وأنْ يقول من يدَّعون العلم إنّ الشيطان يتمثل برسول الله (صلى الله عليه وآله) دون أنْ يكون لديهم دليل، بل فقط تقول لرد دعوة الحق ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف: ٥]،
ثم هل يعتبر نفسه عاقلاً وصاحب علم من يقول إنّ الشيطان يمكنه التمثل بالأنبياء والأوصياء وبالملائكة، إذن فماذا يبقي من الدين لو أمكن الشيطان التمثل بالأرواح الطاهرة، وكيف ميَّز الأنبياء والرسل وحي الله وعلموا أنه من الله وليس من الشيطان، وأنّ الذي كان يوحي لهم ملك وليس شيطاناً؟!! كيف علم إذن محمد (صلى الله عليه وآله) أنّ الذي كلّمه جبرائيل وليس الشيطان؟!! على حسب قولهم إنّ الشيطان يمكنه التمثل بجبرائيل أيضاً لأنهم جوزوا تمثله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وهو أعظم من جبرائيل، هل كان على الأنبياء أن يطلبوا من كل ملك يكلمهم ويوحي لهم معجزة ليعلموا أنه ملك ومن الله وليس شيطاناً، ثم عندما يكون الوحي للأنبياء بالرؤيا، كيف سيميزون أنه وحي من الله وليس شيطاناً تمثل لهم بصورة ملك؟!!! والله إنّ من يقولون بتمثل الشيطان بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبالأوصياء وبالملائكة قد فتحوا باباً عظيماً للشيطان وجنده من الملحدين، لا يبقي من دين الله شيئاً وأمكنوا من أعناقهم لو كانوا يفقهون.
هل علم من يدّعون العلم عظم الجريمة التي أقدموا عليها؟!!! هم الآن طعنوا بكل الكتب السماوية وبمصداقية كل الأنبياء والمرسلين وبالقرآن من بائه إلى سينه؟!! فعلى من تجرأ على دين الله وعلى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بقوله إنّ الشيطان يتمثل بمحمد (صلى الله عليه وآله) والأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) أنْ يتوب إلى الله ويستغفر ربه، فهذه الحقائق تتبيّن للناس وهم يتعرّفون عليها يوماً بعد يوم، وينكشف لهم زيف أهل الباطل وجهلهم وتجرؤهم على الله وملكوته وعلى رسوله وعلى الأئمة (عليه السلام).
إذن، فالرؤيا التي تحتوي ذكر الله أو خلفاء الله أو ملائكة الله ليست من الشيطان حتماً، بل من الله ومن ملكوت الله ومن ملائكة الله ومن الأرواح الطاهرة.
وقد روى المسلمون أنّ الشيطان لا يتمثّل بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذا نموذج منه:
«عن علي بن الحسـين بن علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسـن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): أنّه قال له رجل من أهل خراسان: يا ابن رسول الله: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام كأنّه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي واستحفظتم وديعتي وغيب في ثراكم نجمي»؟!
فقال له الرضا (عليه السلام): أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة نبيكم، فأنا الوديعة والنجم، ألا ومن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنّا شفعاءه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس. ولقد حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن آبائه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رآني في منامه فقد رآني؛ لأنّ الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم. وإنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوّة» ([٨٠]).
أما قول بعضهم ([٨١]) بأنّ المقصود بالحديث هو فقط من رأى الرسول في الدنيا ويعرف صورته المادية، فهذا تنقضه نفس الرواية؛ حيث إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) يعلم يقيناً أنّ الشخص الذي قصّ عليه الرؤيا لم يرَ رسول الله محمداً (صلى الله عليه وآله) ومع هذا قال له: من رأى الرسول فقد رآه فإنّ الشيطان لا يتمثل به، وهو يوجه الكلام له ويقصد بالكلام رؤياه بالتحديد.
إذن، فهذا الشرط - الذي وضعه بعضهم - بأنّ الرائي لابد أنّ يكون قد رأى الرسول في الحياة الجسمانية منقوض بهذه الرواية، وبما تقدم من الكلام قبلها، بل هو أصلاً شرط من أهوائهم وأوهامهم ولا دليل عندهم عليه إلا العناد والكبر.
فهل من المعقول أن نقبل لكل أحد أن يضع شروطاً في الأمور الدينية والعقائدية وبدون دليل شرعي عليها؟! بل والدليل قائم بالضد من الشرط الموضوع،
ثم إنهم إذا اشترطوا هذا مع الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فكيف سيطرد هذا الشرط مع الملائكة؟! فهل أيضاً يقولون: إنّ الذي يرى الملائكة في الرؤيا لابد أنّ يكون قد رآهم في الحياة الجسمانية وإلا فهم شياطين؟!
ثم إنّ كل الأنبياء ومنهم محمد (صلى الله عليه وآله) كانت بداية رسالاتهم أن يروا ملائكة الله في الرؤيا والكشف ويكلمونهم وهي رؤيتهم الأولى لهم، فهل لو كان من يسمون أنفسهم اليوم بـــ (علماء الإسلام) موجودون في زمن الأنبياء السابقين الذين يؤمنون بهم، هل كانوا سيواجهونهم بنفس هذا الكلام، يعني هل يقولون للأنبياء: وما أدراكم ربما هذا الشيطان جاءكم وتمثل بالملائكة، أو الشيطان جاءك وأصحابك يا محمد (صلى الله عليه وآله) وتمثّل بموسى (عليه السلام) أو بعيسى (عليه السلام)، فأنت وأصحابك لم تروا موسى (عليه السلام) في الحياة الجسمانية ؟!
ثم هل يعلم علماء الضلال أنّ هذا الكلام واجه به أشباههم محمداً (صلى الله عليه وآله) والأنبياء قبله، فردّوا شهادة الله لعباده، وردوا نص الله على محمد (صلى الله عليه وآله) نبيه بالرؤيا التي يراها الناس فقالوا كقولهم اليوم: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥].
والحقيقة التي يجهلها هؤلاء إنّ الشيطان لا يتجرأ وليس له أنْ يري أحداً رؤيا أنه خليفة الله في أرضه، أو أنّ فلاناً هو خليفة الله في أرضه، بل أحلام الشيطان أعاذنا الله هي أحلام تحزين وأحلام سفيهة.
احتمال أن تكون الرؤيا من هوى النفس:
وهذا أمر يندفع بنفس ما قلته في الأمر الأول؛ لأنه في الحقيقة أيضاً كذب، حيث لا يوجد شيء اسمه أنّ شخصاً يرى رؤيا أو كشفاً من نفسه بأنه خليفة الله أو فلان من الناس خليفة الله، بل حقيقة الأمر أنّ هذا الشخص يوهم نفسه بأنه رأى، وهو في الحقيقة فقط توهم وأوهم نفسه. ولهذا قلت هوى النفس، فهو في الحقيقة كما يقولون: "كذب الكذبة وصدقها"، فهو عن عمد يوهم نفسه بما يتمنّى وبما يوافق هواه ويصدق وهمه على أنه حقيقة ([٨٢]).
فالنتيجة: إنّ الرؤى الصادقة هي وحي ونص من الله عند خلقه، يعرفهم به على خليفته في أرضه، وهي باعتبارها وحياً إلهياً فهي دليل مستقل إنْ تحققت فيها الشروط. وبعد آدم لابد أنْ يكون مع الخليفة نص من خليفة سابق لتوفره، فإن لم يكن حاملاً لهذا النص ستكون الرؤى المدعاة مجرد أكاذيب تواطأ عليها كذابون لتأييد مذهبهم ودينهم المنحرف المخالف للدين الحق والعقيدة الحق؛ وهي نص خلفاء الله في أرضه بعضهم على بعض، وكما يمكن معرفة أنها أكاذيب من إمكان تواطئ المدعين لها على الكذب مثلاً.
ولا يجب الالتفات للرؤى المدعاة في نفي خلافة الله في أرضه عن شخص؛ لأن ما ثبت شرعاً هو أنها تأتي كدليل تشخيص، ولم يثبت شرعاً أنها تأتي كدليل معارضة أو نفي، ولا يجب الالتفات للرؤى في تحديد الأحكام الفقهية والعقائد إلا إنْ أقرّها خليفة الله؛ لأنّ الدين يبيّنه خليفة الله القائم به بأمر الله.
-محاولة بائسة:
﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] هذا القول يكرّره الذين يكفرون بملكوت السماوات ويكذبون رسل الله في كل زمان، يكررونه مع كل رسالة وكأنهم تواصوا به وبتكراره.
ومن محاولاتهم البائسة لإثبات أنّ رؤى المؤمنين ما هي إلا أضغاث أحلام؛ هو الكذب على الله وافتراء رؤى مكذوبة ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
هو أمر عند الله عظيم، ولكنه عند هؤلاء المنكوسين هيّن. فهم بكل سهولة يقومون بتأليف رؤى مكذوبة ضد خليفة الله في زمانهم، في محاولة بائسة للطعن بشهادة الله أمام المؤمنين، وفي نفس الوقت هم يقولون إنهم لا يعتقدون بالرؤيا وبأنها دليل تشخيص لخليفة الله في أرضه، وهذا يكشف كذبتهم ومحاولتهم للفرار من إلزامهم بآلاف الرؤى الواضحة والموافقة لنص تشخيص خليفة الله، والتي رآها عدد من الناس يمتنع تواطؤهم على الكذب.
وأيضاً هؤلاء المنكوسون عندما يكذبون ويؤلفون رؤى لا يلتفتون إلى أنّ هذا الأمر أصبح كشفه بسيطاً جداً بعد آدم (عليه السلام)؛ حيث إنّ هناك نصاً من خليفة سابق وهو نص إلهي، فنص الله على خليفته بالرؤيا حتماً مطابق له ولا يخالفه، وبالتالي فكل من يؤلف رؤيا كذباً وزوراً مخالفة لنص الخليفة السابق يتبيّن أنه كاذب على الله ([٨٣]).
وعموماً، هم يريدون الوصول إلى نتيجة من هذا الكذب؛ وهي الطعن في الرؤيا عموماً وفي أهميتها، فكأنهم يقولون إنّ رؤاهم (المكذوبة) تنقض رؤى المؤمنين (الصادقة)، فتسقط حجية رؤى المؤمنين، أي أنهم يحاولون أو يريدون الطعن في ملكوت السماوات من خلال الافتراء على ملكوت السماوات، أي بطريقة غاية في الخبث والشيطنة، فهم يريدون أنْ يقولوا: إن الأخبار التي أتت من ملكوت السماوات متضاربة، وبالتالي تتساقط. وهذا يعني أنهم يعتقدون ببطلان الرؤى من رأس وأنها لا قيمة ولا حجية لها أصلاً. فالذي يعتقد أنّ الرؤى من ملكوت السماوات، وأنها كلام الله يعلم قطعاً ويقيناً أنها تصب في اتجاه واحد وتشير لحقيقة واحدة؛ لأنها كلمات الله وبالتالي فلا تضارب حقيقي بينها. نعم، هناك تضارب بين رؤى حقيقية وأكاذيب وأوهام وسفاهات شيطانية تبدأ بالطعن برؤى المؤمنين، ثم الطعن بملكوت السماوات، وأخيراً تنتهي بتكذيب القرآن القائل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ.... قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥٢]. بل وتكذيب الواقع الذي نقله التاريخ من شهادة الله لمن آمنوا بعيسى (عليه السلام) وبمحمد (صلى الله عليه وآله) وبعلي (عليه السلام) وبالحسن وبالحسين (عليهما السلام) و... و... و....
وعموماً فالأمر واضح، والطريق مقطوع على المكذبين كما بيّنت سابقاً أنه لا يجب الالتفات إلى الرؤى المدعاة في نفي خلافة الله في أرضه عن شخص؛ لأنّ ما ثبت شرعاً هو أنها تأتي كدليل تشخيص وليس دليل معارضة أو نفي عمّن ثبت فيه النص الشرعي من خليفة سابق.
-استخفاف السفهاء برؤيا الحكماء:
الرؤيا في دين الله سبحانه وتعالى تمثّل طريقاً للوحي، والرؤيا تنقسم إلى: رؤيا في النوم ورؤيا في اليقظة، أو كما تسمّى عرفاً عند الناس بالكشف في اليقظة (أو الوحي)، أي بمعنى أنّ الإنسان كشف عنه الغطاء فأصبح يرى ما لا يراه الناس، وكلاهما تمثلان عملية تواصل بين الإنسان والعوالم العلوية، ووحي الأنبياء يتم بهذين الطريقين، فهو إما رؤيا في النوم أو رؤيا في اليقظة.
يبقى أنّ المقابل في الرؤيا يحدد شأن الرؤيا، فالرؤيا يمكن أنْ تكون وحياً مباشراً من الله من وراء حجاب، أو تكون وحياً من رسول يرسله الله، ويمكن أنْ يكون هذا الرسول ملك عظيم كجبرائيل أو أحد ملائكة الرؤيا، أو يكون من أرواح الأنبياء السابقين (عليهم السلام). كما أنّ ماهية الرؤيا تحدد هل إنّ هذه الرؤيا وحي تبليغي كما هو حال الأنبياء والأوصياء، أم أنها شهادة إلهية عند الإنسان كما هو حال المكلفين بالإيمان بالأنبياء والرسل عندما يشهد لهم الله سبحانه وتعالى، أو إخبار بأمر غيبي يحدث بعد حين كما هو حال الأنبياء وغير الأنبياء.
فمحاولة بعض السفهاء الاستخفاف بالرؤيا التي يشهد بها الله لخليفته في أرضه، هي إنكار لوحي الله وجحود لشهادة الله سبحانه وتعالى، بل هي كفر بالقرآن الذي عرض الله فيه نفسه كشاهد لكل الناس، وهل هناك وسيلة اتصال بين الله وبين كل الناس أوضح من الرؤيا التي يستهزئ بها هؤلاء السفهاء؟!!!
فالرؤيا التي تشهد لخليفة الله في أرضه عبارة عن كلام الله ووحي الله وشهادة الله ونص الله، فمن يستخف بنص الله وبشهادة الله ووحي الله لأجل أنْ يرضي هواه ماذا يمكن أنْ يوصف؟! غير أنه - في الحقيقة - كافر بالله، وأنّ ما يدّعيه من إيمان هو مجرد إيمان ظاهري، وإلا فهل من يستخف بكلام إنسان ويستهزئ به يمكن وصفه بأنه مؤمن بهذا الإنسان أو على الأقل يحترمه؟! أم أنه كافر به ومستخف به ولهذا يسخر من كلامه، كذا مَنْ يسخرون مِنَ الرؤيا التي تكون شهادة الله لخليفته في أرضه؛ فهم يسخرون من كلام الله سبحانه وتعالى الذي أوحاه لعباده بالرؤيا مباشرة منه سبحانه أو بتوسط الملائكة والأرواح. وبهذا فحقائق هؤلاء وأرواحهم كافرة بالله، لذا لا يجدون حرجاً من الاستهزاء بكلام الله والضحك عليه من على المنابر وأمام الناس، وللأسف فمن لا ينكر عليهم فهو منهم ومؤمن بباطلهم، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢].
إذا كانت شهادة الله لخليفته عند عباده بالوحي في الرؤيا، فمن يكون الباطل في الآية المقابل لشهادة الله ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً.... وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ...﴾؟! أليس واضح أن الباطل هم هؤلاء الذين يسخرون من الرؤيا، وبالتالي يسخرون من شهادة الله؟!
فاقرأوا وصف الله لمن يسمع لهم ويقبل قولهم واستهزاءهم بالرؤيا التي تكون شهادة الله لخليفته في أرضه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
ثم تدبّروا آيات الله قبل هذه الآية في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥٢]. فقهاء الضلال الذين يواجهون الأنبياء دائماً يقولون نفس القول: لا نؤمن إلا بالمعجزة المادية، بل ويريدونها قاهرة وكل منهم يريد رؤيتها بعينه، ولا يقبل شهادة المؤمنين الذين رأوها، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾.
والرد القرآني هو: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي أنّ الآيات ينزلها الله عندما يريد ومتى يريد وبالكيفية التي يريد والتي توافق الحكمة والعدالة، بحيث لا تقهر أحداً على الإيمان، فإذا كانت قاهرة كانت للمؤمنين، وبالتالي لم تكن قاهرة لهم على الإيمان وإنما تزيدهم يقيناً وثباتاً على الحق، فهم مؤمنون أصلاً. وإذا كانت لغير المؤمنين أو للكفار والجاحدين كانت من الآيات التي يمكن تأويلها لتبقي مساحة للإيمان بالغيب، ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨].
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي لماذا هم يطلبون آيات، ألا يكفيهم كتاب الله والعلم والحكمة التي جئتهم بها يا محمد (صلى الله عليه وآله)، والتي أنزلها الله رحمة بهم لعلهم يتذكرون؟!!
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي أنّ كل ما تقدم من طلبكم للآية المعجزة المادية القاهرة ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾، وكذا الآية العلمية التي أعطاكم الله لرحمته بكم ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إنما هي زائدة على ما جاءكم به المرسل من الأساس وفي البدء؛ وهو شهادة الله له عندكم بالوحي في الرؤيا والكشف ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾، الله الشاهد على كل شيء وعلى أعمال العباد هو الشاهد لكم، الله الذي يعلم ما في السماوات والأرض، وليس للشيطان أي سلطان على ملكوته لكي يوهمكم السفهاء أنّ هذه الرؤى الملكوتية من الشيطان، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
انتبهوا أيها الناس؛ الرؤى من الملكوت ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، والملكوت ملكوت الله ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وليس للشيطان تسلط على ملكوت الله ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣].
فلا يخدعكم الباطل وإنْ تشبَّه برسول الله (صلى الله عليه وآله) وارتقى منبر الرسول (صلى الله عليه وآله) أو منبر الحسين (عليه السلام)، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ألم يخبركم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) أنهم سينزون على منبره كالقرود؟ فإذا كانوا قد نزوا على منبر محمد (صلى الله عليه وآله) وهو خير خلق الله كالقرود، هل تظنون أنهم لا ينزون اليوم على منبر الحسين (عليه السلام) كالقرود ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٦٠]. لقد أفتوا بضلال الحسين (عليه السلام) من على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وضللوا الناس وجعلوهم يقاتلون الحسين (عليه السلام)، فهل تظنون أن نظراءهم اليوم لا يفتون بضلال المهدي (عليه السلام) من على منبر الحسين (عليه السلام)، ويضللون الناس ويجعلونهم يقاتلون المهدي؟ انتبهوا يرحمكم الله، انتبهوا واقرأوا وتعلموا ولا تتركوا أحداً يخدعكم وتعاد الكرة مرة أخرى ([٨٤]).
هلا انتبهتم أين يتاه بكم، وإلى أين يريد أنْ يقودكم هؤلاء السفهاء الذين يخبطون خبط العشواء ويسفهون الرؤى ويسفهون ملكوت السماوات، هلا انتبهتم وقلتم لهم: هذا القرآن بين أيدينا والله يقول فيه إنه يشهد لخليفته عند الناس وينص عليه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾، فكيف تكون شهادة الله لعامة الناس مؤمنهم وكافرهم صالحهم وطالحهم أليس بالوحي، وأي طريق للوحي مفتوح بين الله وبين عامة الناس غير الرؤيا؟!!!
الخلاصة بالنسبة للرؤى:
الرؤى دليل تشخيص مصداق خليفة الله، والدليل القرآني القائم هو أنّ الرؤى الصادقة هي وحي ونص من الله عند خلقه، يعرفهم به على خليفته في أرضه. وهي باعتبارها وحياً إلهياً؛ فهي دليل إنْ تحققت فيها الشروط التي تجعلها دليلاً تشخيصياً لخليفة الله، وهي:
كونها مطابقة للنص الإلهي التشخيصي الصادر من خليفة الله السابق، فلا قيمة لرؤى مدّعاة لشخص غير منصوص عليه بعد آدم (عليه السلام)، ولا داعي للنظر فيها أصلاً؛ لأنه بعد آدم (عليه السلام) أصبح الخليفة ينص على وصيه أو أوصيائه من بعده.
تواترها عند أناس يمتنع تواطؤهم على الكذب.
توافر الرؤيا على ما يمنع كونها من الشيطان؛ كوجود معصوم أو قرآن أو إخبار غيبي.
محكمة المعنى بمجملها في التنصيص على شخص بعينه.
لا حجية للرؤى في مقابل النص، فمع وجود النص - كما هو الحال من بعد آدم إلى أن تقوم الساعة - فالرؤى تكون تابعة له، وكل أحلام تخرج عن نص الخليفة السابق فهي أما هوى نفس أو من الشيطان أو أكاذيب يؤلفها أصحابها. فبعد آدم لابد أنْ يكون مع الخليفة نص من خليفة سابق، فإنْ لم يكن حاملاً لهذا النص ستكون الأحلام التي يدّعيها أصحابها مجرد أوهام نفسية أو وحي من شياطينهم، والرؤى المدّعاة في الكذابين فاقدي الدليل الشرعي هي مجرد أكاذيب تواطأ عليها كذابون لتأييد مذهبهم ودينهم المنحرف.
لا حجية للرؤيا في نفي خلافة الله في أرضه عمّن ثبتت حجيته بالدليل القطعي، وهو النص الإلهي الواصل من خليفة الله المباشر أو غير المباشر على تفصيل سيأتي.
لا حجية للرؤيا في دين الله عقيدة وتشريعاً، غير ما أثبته النص (القرآن والروايات)، وهو ما بيّناه من تشخيص مصداق خليفة الله في أرضه. فلا قيمة شرعية للرؤى المدّعاة في تأييد ادعاء أو اعتقاد غير مبني على الدليل، مثل عقيدة تقليد غير المعصوم، وخلافة الرسول بالشورى، أو حجية لشخصٍ ما غير خليفة الله وما شابه من عقائد منحرفة لم يقم عليها معتقدوها دليلاً شرعياً، ولا حتى عقلياً تاماً يمكن الركون إليه.
-الثاني: النص من خليفة سابق مباشر للمنصوب المنصوص عليه
وهذا أمر يتفق عليه كل من يؤمن بخلفاء الله، فنص المباشر على وصيه بعينه حجة على من يسمعه وعلى من يصل لهم هذا النص. وقد أوجب تعالى على المؤمنين أنْ ينتدبوا منهم أفراداً ليعرفوا هذا الأمر من خليفة الله في زمانهم ويوصلوه لهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ولا شك أنّ هذا النص دليل مستقل بذاته على خليفة الله في أرضه.
-الثالث: النص من خليفة سابق غير مباشر للمنصوب المنصوص عليه
والنص من خليفة سابق غير مباشر يعين المنصوص عليه؛ إنْ كان هناك صفات أو دلالات في نفس النص أو نصوص أخرى تمنع انطباق النص على غير شخص واحد عند الادّعاء. وكمثال على ذلك: وصية الرسول ليلة وفاته، حيث وصف هذا النص بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به.
وهنا نقول: إنه لابد أنْ يحفظ العالم القادر الصادق الحكيم المطلق النص الذي وصفه بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به، أن يحفظه من ادّعاء المبطلين له، حتى يدّعيه صاحبه ويتحقق الغرض منه، وإلا لكان جاهلاً أو عاجزاً أو كاذباً مخادعاً ومغرياً للمتمسكين بقوله باتباع الباطل. ومحال أنْ يكون جاهلاً أو عاجزاً؛ لأنه عالم وقادر مطلق. ويستحيل أنْ يصدر من الحق سبحانه وتعالى الكذب؛ لأنه صادق وحكيم ولا يمكن وصفه بالكذب، وإلا لما أمكن الركون إلى قوله في شيء ولانتقض الدين.
ونص خليفة الله في أرضه على من بعده مع وصفه بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به - نصاً إلهياً - لابد أنْ يكون محفوظاً من الله من ادّعاء الكاذبين المبطلين حتى يدّعيه صاحبه، وإلا فسيكون كذباً وإغراءً للمكلفين باتباع الباطل، وهذا أمر لا يصدر من العالم الصادق القادر الحكيم المطلق سبحانه ([٨٥]).
وقد تكفّل الله في القرآن وفيما روي عنهم (عليهم السلام) بحفظ النص الإلهي من ادّعاء أهل الباطل، فأهل الباطل مصروفون عن ادّعائه، فالأمر ممتنع كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ([٨٦])، والإمام الصادق (عليه السلام) يقول: (إن هذا الأمر لا يدّعيه غير صاحبه إلا تبر الله عمره) ([٨٧])، فالمبُطِل مصروف عن ادّعاء الوصية الإلهية الموصوفة بأنها تعصم من تمسك بها من الضلال، أو أنّ ادّعاءه لها مقرون بهلاكه قبل أنْ يُظهِر هذا الادّعاء للناس؛ حيث إنّ إمهاله مع ادّعائه الوصية يترتب عليه إما جهل أو عجز أو كذب من وعد المتمسكين به بعدم الضلال، وهذه أمور محالة بالنسبة للحق المطلق سبحانه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وقال الصادق (عليه السلام): (تبر الله عمره).
وللتوضيح أكثر أقول: إنّ الآية تطابق الاستدلال العقلي السابق؛ وهو أنّ الادّعاء ممتنع وليس ممكناً، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، معناه أنّ الهلاك ممتنع لامتناع التقول، أي أنه لو كان متقوّلاً لهلك، والآية تتكلم مع من لا يؤمنون بمحمد (صلى الله عليه وآله) والقرآن، وبالتالي فالاحتجاج بالكلام في الآية ليس لكونها كلام الله، لأنهم لا يؤمنون بهذا، بل الاحتجاج هو بمضمون الآية، أي احتجاج بما هو ثابت عندهم عقلاً؛ وهو أنّ النص الإلهي الموصوف بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به لا يمكن أنْ يدّعيه غير صاحبه؛ لأنّ القول بأنه يمكن أنْ يدّعيه غير صاحبه يلزم منه نسبة الجهل أو العجز أو الكذب لله سبحانه وتعالى.
إذن، فلا يمكن - عقلاً وقرآناً ورواية - أن يحصل ادّعاء النص الإلهي التشخيصي الموصوف بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به، أي أنّ النص محفوظ من الادعاء حتى يدّعيه صاحبه ليتحقق الغرض من النص وهو منع الضلال عن المكلف المتمسك بالنص كما وعده الله سبحانه ([٨٨]).
ولابد من الانتباه إلى أن كلامنا في ادّعاء النص التشخيصي الموصوف بأنه عاصم من الضلال، وليس في ادّعاء المنصب الإلهي عموماً، فادّعاء المنصب الإلهي أو النبوة أو خلافة الله في أرضه باطلاً بسفاهة ودون الاحتجاج بالوصية (النص التشخيصي) حصل كثيراً، وربما بقي من ادّعى باطلاً حياً فترة من الزمن ([٨٩])، فالادّعاء بدون شهادة الله ونص الله وبدون الوصية لا قيمة له وهو ادّعاء سفيه، فمن يصدق هكذا مدّعي مبطل لا عذر له أمام الله.
إذن، فالمقصود ليس منع أهل الباطل من الادّعاء مطلقاً، بل منعهم من ادّعاء النص التشخيصي الموصوف بأنه عاصم لمن تمسك به من الضلال، وهو وصية الحجة للناس، وهذا المنع الذي أثبتناه عقلاً وأكد عليه النص القرآني والروائي يؤكده أيضاً الواقع، فمرور مئات السنين على النص دون أنْ يدّعيه أحد كافٍ لإثبات هذه الحقيقة. فقد مرّ على وصايا الأنبياء في التوراة ووصية عيسى (عليه السلام) مئات السنين ولم يدّعيها غير محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه من بعده، كما ولم يدّعي وصية النبي غير الأئمة (عليهم السلام). وقد احتج الإمام الرضا (عليه السلام) بهذا الواقع على الجاثليق، فبعد أن بيّن النص من الأنبياء السابقين على الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) من التوراة والانجيل، احتج الجاثليق بأنّ النصوص يمكن انطباقها على أكثر من شخص، فكان احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) على الجاثليق؛ أنه لم يحصل ادّعاء المبطلين للوصايا. وهذا هو موضع الفائدة من النص:
«... ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا فأما اسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته ونحن شاكون إنه محمدكم .... فقال الرضا (عليه السلام): احتججتم بالشك فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا هذا نبيا ًاسمه محمد؟ وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير محمد؟ فأحجموا عن جوابه» ([٩٠]).
فاحتجاج الأوصياء السابقين بهذا النص حجة على من يؤمن بهم، وقد احتج به عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، فعيسى احتج بنص الأنبياء السابقين عليه رغم عدم مباشرتهم له:
«فدفع إليه سفر اشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه * روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية * واكرز بسنة الرب المقبولة * ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه * فابتدأ يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم * وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه ويقولون أليس هذا ابن يوسف» ([٩١]).
ومحمد (صلى الله عليه وآله) كما في القرآن احتج بنص عيسى (عليه السلام) عليه ونص الأنبياء قبل عيسى (عليه السلام) عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والله بيّن في القرآن أنّ ادّعاء محمد (صلى الله عليه وآله) لو كان باطلاً - وحاشاه - لما تركه يدّعيه؛ لأنّ الله متكفّل بحفظه وصونه من ادّعاء المبطلين، والله متكفل بصرفهم عن النص: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٥٢].
-ثانياً: العلم
وخليفة الله هو العالم الذي يمكنه الاستغناء عن غيره من الناس، وليس لأحد من الناس الاستغناء عنه وعن علمه؛ لأنّ الله يوحي إليه كل ما يستجد في دين الله، وكل ما يحتاجه أهل زمانه في دينهم. والعلم الواجب هنا هو العلم الديني الذي يكلف خليفة الله بتبليغه للناس، فلابد أنْ يكون خليفة الله متصلاً بالله ويعلمه الله ما يحتاج إليه في تبليغ رسالته وإيصال الدين الحق الذي يرضاه الله للناس، وكل ما يستجد من أحكام إلهية، والقول الفصل وحسم ما يختلف فيه الناس.
ويمكن لمن يطلب الحق أنْ يكون هذا الأمر - أي العلم بما يستجد وقول الفصل وحسم ما اختلف فيه الناس - دليلاً له لمعرفة خليفة الله يعضد دليل النص عليه، ولا يشترط بخليفة الله معرفة علوم استقرائية أو تجريبية أو حتى دينية سابقة كرسالات خلفاء الله الذين سبقوه، وإنما الواجب في علمه أنْ يكون متصلاً بالله ويعلمه الله أولاً بأول ما يحتاجه في رسالته التي يرسله الله بها للناس. وهذا لا يعني أنه لابد أنْ يكون خليفة الله يجهل رسالات خلفاء الله السابقين أو العلوم التجريبية أو الاستقرائية، وإنما فقط لا يجب ولا يشترط فيه أنْ يعلمها أو يعلم كل تفاصيلها. فهو قد يعلمها بالتحصيل أو حتى بإلهام إلهي أو بكليهما عند وجود ضرورة لذلك، أي أنه يتعلم كغيره بالقراءة مثلاً، ولكن الله يمنّ عليه بأنْ يزيده بالإلهام الإلهي باعتباره خليفة الله، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالدين، كإثبات وجود الله سبحانه أو الدفاع عن الدين عموماً، أما الاعتقادات الساذجة لبعض الحشوية من وجوب العلم بكل اللغات، أو العصمة باللغة وما شابه من جهالات، كالاتصاف بالتأثير بالحجر، فسيأتي مناقشتها وبيان جهل من يعتقدها.
وربما يضطر خليفة الله للصمت فترة من الزمن من خلافته، ولا يظهر علمه كما هو حال أزمنة الفترات. وقد بيّنتها وبيّنت علّتها، وهو عدم وجود القابل للحق، أو يصمت لضرورة يريدها الله سبحانه، كأن يؤدي مهمّته الأولى وهي تهيئة من سيستلم خلافة الله من بعده، فتسليم خلافة الله أمانة كلف بها خليفة الله، ولابد له من تهيئة كل ما يمكنه ليكون هذا الأمر بأفضل صورة تقام بها الحجة على الناس، ولا يكون للمتخلف منهم عذر باتباع خطوات الشيطان، والتخلف عن دين الله أو خليفة الله اللاحق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨]، والمراد هو أنّ تسليم خلافة الله للخليفة اللاحق مهمة لابد أنْ يقوم بها الخليفة السابق بأتم وجه؛ لأنها أمانة إلهية في رقبته، ولهذا فقد يضطر إلى الصمت ربما للحفاظ على حياته، حتى تهيئة بعض ما يخص الخليفة اللاحق أو حتى ولادته، وهذه الروايات تبيّن ذلك:
الكليني: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام): عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قَالَ إِيَّانَا عَنَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَوَّلُ إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ الْكُتُبَ وَالْعِلْمَ وَالسِّلَاحَ وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إِيَّانَا عَنَى خَاصَّةً أَمَرَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِطَاعَتِنَا فَإِنْ خِفْتُمْ تَنَازُعاً فِي أَمْرٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ كَذَا نَزَلَتْ وَكَيْفَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَيُرَخِّصُ فِي مُنَازَعَتِهِمْ إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِلْمَأْمُورِينَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» ([٩٢]).
الكليني: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) أَنْ يُؤَدِّيَ الْإِمَامُ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ وَلَا يَخُصَّ بِهَا غَيْرَهُ وَلَا يَزْوِيَهَا عَنْهُ» ([٩٣]).
الكليني: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام): فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ يُؤَدِّي الْإِمَامُ إِلَى الْإِمَامِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَا يَخُصُّ بِهَا غَيْرَهُ وَلَا يَزْوِيهَا عَنْهُ»([٩٤]).
الكليني: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها قَالَ أَمَرَ اللَّهُ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ» ([٩٥]).
الصدوق: «وَرَوَى مُعَلَّى بْنُ خُنَيْسٍ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام): قَالَ قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قَالَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ مَا عِنْدَهُ إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ وَأُمِرَتِ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَأُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ» ([٩٦]).
الطوسي: «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْمِعْزَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): قَالَ قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قَالَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ مَا عِنْدَهُ إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ وَأُمِرَتِ الْأَئِمَّةُ بِالْعَدْلِ وَأُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ» ([٩٧]).
إذن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ أي يؤدي خليفة الله أو الإمام لمن بعده، وهذا هو تكليفه الأول، لهذا ربما لا يظهر علمه ولا يكلم الناس حتى يتم مهمته الأولى وهي تهيئة من يأتي بعده لتحمّل رسالته الإلهية، وقد حصل هذا الأمر مع الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):
«عن أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ الْأَرْمَنِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلِيطٍ الزَّيْدِيِّ قَالَ أَبُو الْحَكَمِ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلِيطٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَنَحْنُ نُرِيدُ الْعُمْرَةَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلْ تُثْبِتُ هَذَا الْمَوْضِعَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ قَالَ نَعَمْ فَهَلْ تُثْبِتُهُ أَنْتَ قُلْتُ نَعَمْ إِنِّي أَنَا وَأَبِي لَقِينَاكَ هَاهُنَا وَأَنْتَ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَمَعَهُ إِخْوَتُكَ فَقَالَ لَهُ أَبِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتُمْ كُلُّكُمْ أَئِمَّةٌ مُطَهَّرُونَ وَالْمَوْتُ لَا يَعْرَى مِنْهُ أَحَدٌ فَأَحْدِثْ إِلَيَّ شَيْئاً أُحَدِّثْ بِهِ مَنْ يَخْلُفُنِي مِنْ بَعْدِي فَلَا يَضِلَّ قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ وُلْدِي وَهَذَا سَيِّدُهُمْ وَأَشَارَ إِلَيْكَ وَقَدْ عُلِّمَ الْحُكْمَ وَالْفَهْمَ وَالسَّخَاءَ وَالْمَعْرِفَةَ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَفِيهِ حُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجَوَابِ وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ أُخْرَى خَيْرٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي وَمَا هِيَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ (عليه السلام) يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ غَوْثَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغِيَاثَهَا وَعَلَمَهَا وَنُورَهَا وَفَضْلَهَا وَحِكْمَتَهَا خَيْرُ مَوْلُودٍ وَخَيْرُ نَاشِئٍ يَحْقُنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الدِّمَاءَ وَيُصْلِحُ بِهِ ذَاتَ الْبَيْنِ وَيَلُمُّ بِهِ الشَّعْثَ وَيَشْعَبُ بِهِ الصَّدْعَ وَيَكْسُو بِهِ الْعَارِيَ وَيُشْبِعُ بِهِ الْجَائِعَ وَيُؤْمِنُ بِهِ الْخَائِفَ وَيُنْزِلُ اللَّهُ بِهِ الْقَطْرَ وَيَرْحَمُ بِهِ الْعِبَادَ خَيْرُ كَهْلٍ وَخَيْرُ نَاشِئٍ قَوْلُهُ حُكْمٌ وَصَمْتُهُ عِلْمٌ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَسُودُ عَشِيرَتَهُ مِنْ قَبْلِ أَوَانِ حُلُمِهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَهَلْ وُلِدَ قَالَ نَعَمْ وَمَرَّتْ بِهِ سِنُونَ قَالَ يَزِيدُ فَجَاءَنَا مَنْ لَمْ نَسْتَطِعْ مَعَهُ كَلَاماً قَالَ يَزِيدُ فَقُلْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَأَخْبِرْنِي أَنْتَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُوكَ (عليه السلام) فَقَالَ لِي نَعَمْ إِنَّ أَبِي (عليه السلام) كَانَ فِي زَمَانٍ لَيْسَ هَذَا زَمَانَهُ فَقُلْتُ لَهُ فَمَنْ يَرْضَى مِنْكَ بِهَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ قَالَ فَضَحِكَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ ضَحِكاً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ أُخْبِرُكَ يَا أَبَا عُمَارَةَ إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي فَأَوْصَيْتُ إِلَى ابْنِي فُلَانٍ وَأَشْرَكْتُ مَعَهُ بَنِيَّ فِي الظَّاهِرِ وَأَوْصَيْتُهُ فِي الْبَاطِنِ فَأَفْرَدْتُهُ وَحْدَهُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيَّ لَجَعَلْتُهُ فِي الْقَاسِمِ ابْنِي لِحُبِّي إِيَّاهُ وَرَأْفَتِي عَلَيْهِ وَلَكِنْ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ وَلَقَدْ جَاءَنِي بِخَبَرِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) ثُمَّ أَرَانِيهِ وَ أَرَانِي مَنْ يَكُونُ مَعَهُ وَ كَذَلِكَ لَا يُوصَى إِلَى أَحَدٍ مِنَّا حَتَّى يَأْتِيَ بِخَبَرِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَجَدِّي عَلِيٌّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خَاتَماً وَسَيْفاً وَعَصًا وَكِتَاباً وَعِمَامَةً فَقُلْتُ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لِي أَمَّا الْعِمَامَةُ فَسُلْطَانُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا السَّيْفُ فَعِزُّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمَّا الْكِتَابُ فَنُورُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمَّا الْعَصَا فَقُوَّةُ اللَّهِ وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَجَامِعُ هَذِهِ الْأُمُورِ ثُمَّ قَالَ لِي وَالْأَمْرُ قَدْ خَرَجَ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِنِيهِ أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَا رَأَيْتُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَحَداً أَجْزَعَ عَلَى فِرَاقِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ وَلَوْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ بِالْمَحَبَّةِ لَكَانَ إِسْمَاعِيلُ أَحَبَّ إِلَى أَبِيكَ مِنْكَ وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَرَأَيْتُ وُلْدِي جَمِيعاً الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتَ فَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هَذَا سَيِّدُهُمْ وَ أَشَارَ إِلَى ابْنِي عَلِيٍّ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَاللَّهُ مَعَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ يَزِيدُ ثُمَّ قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) يَا يَزِيدُ إِنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ فَلَا تُخْبِرْ بِهَا إِلَّا عَاقِلًا أَوْ عَبْداً تَعْرِفُهُ صَادِقاً وَإِنْ سُئِلْتَ عَنِ الشَّهَادَةِ فَاشْهَدْ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَقَالَ لَنَا أَيْضاً وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَأَقْبَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ قَدْ جَمَعْتَهُمْ لِي بِأَبِي وَأُمِّي فَأَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْمَعُ بِفَهْمِهِ وَيَنْطِقُ بِحِكْمَتِهِ يُصِيبُ فَلَا يُخْطِئُ وَيَعْلَمُ فَلَا يَجْهَلُ مُعَلَّماً حُكْماً وَعِلْماً هُوَ هَذَا وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ ابْنِي ثُمَّ قَالَ مَا أَقَلَّ مُقَامَكَ مَعَهُ فَإِذَا رَجَعْتَ مِنْ سَفَرِكَ فَأَوْصِ وَأَصْلِحْ أَمْرَكَ وَافْرُغْ مِمَّا أَرَدْتَ فَإِنَّكَ مُنْتَقِلٌ عَنْهُمْ وَمُجَاوِرٌ غَيْرَهُمْ فَإِذَا أَرَدْتَ فَادْعُ عَلِيّاً فَلْيُغَسِّلْكَ وَلْيُكَفِّنْكَ فَإِنَّهُ طُهْرٌ لَكَ وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا ذَلِكَ وَذَلِكَ سُنَّةٌ قَدْ مَضَتْ فَاضْطَجِعْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصُفَّ إِخْوَتَهُ خَلْفَهُ وَعُمُومَتَهُ وَمُرْهُ فَلْيُكَبِّرْ عَلَيْكَ تِسْعاً فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَقَامَتْ وَصِيَّتُهُ وَوَلِيَكَ وَأَنْتَ حَيٌّ ثُمَّ اجْمَعْ لَهُ وُلْدَكَ مِنْ بَعْدِهِمْ فَأَشْهِدْ عَلَيْهِمْ وَأَشْهِدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً قَالَ يَزِيدُ ثُمَّ قَالَ لِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) إِنِّي أُؤْخَذُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَالْأَمْرُ هُوَ إِلَى ابْنِي عَلِيٍّ سَمِيِّ عَلِيٍّ وَ فَأَمَّا عَلِيٌّ الْأَوَّلُ فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ الْآخِرُ فَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) أُعْطِيَ فَهْمَ الْأَوَّلِ وَحِلْمَهُ وَنَصْرَهُ وَوُدَّهُ وَدِينَهُ وَمِحْنَتَهُ وَمِحْنَةَ الْآخِرِ وَصَبْرَهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ هَارُونَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ قَالَ لِي يَا يَزِيدُ وَإِذَا مَرَرْتَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَلَقِيتَهُ وَسَتَلْقَاهُ فَبَشِّرْهُ أَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ غُلَامٌ أَمِينٌ مَأْمُونٌ مُبَارَكٌ وَسَيُعْلِمُكَ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَنِي فَأَخْبِرْهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا هَذَا الْغُلَامُ جَارِيَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَارِيَةَ جَارِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أُمِّ إِبْرَاهِيمَ فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُبَلِّغَهَا مِنِّي السَّلَامَ فَافْعَلْ قَالَ يَزِيدُ فَلَقِيتُ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) عَلِيّاً (عليه السلام) فَبَدَأَنِي فَقَالَ لِي يَا يَزِيدُ مَا تَقُولُ فِي الْعُمْرَةِ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ذَلِكَ الكافي إِلَيْكَ وَمَا عِنْدِي نَفَقَةٌ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كُنَّا نُكَلِّفُكَ وَلَا نَكْفِيكَ فَخَرَجْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَابْتَدَأَنِي فَقَالَ يَا يَزِيدُ إِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ كَثِيراً مَا لَقِيتَ فِيهِ جِيرَتَكَ وَعُمُومَتَكَ قُلْتُ نَعَمْ ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ الْخَبَرَ فَقَالَ لِي أَمَّا الْجَارِيَةُ فَلَمْ تَجِئْ بَعْدُ فَإِذَا جَاءَتْ بَلَّغْتُهَا مِنْهُ السَّلَامَ فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَكَّةَ فَاشْتَرَاهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَمْ تَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى حَمَلَتْ فَوَلَدَتْ ذَلِكَ الْغُلَامَ قَالَ يَزِيدُ وَكَانَ إِخْوَةُ عَلِيٍّ يَرْجُونَ أَنْ يَرِثُوهُ فَعَادُونِي إِخْوَتُهُ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرٍ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَيَقْعُدُ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ بِالْمَجْلِسِ الَّذِي لَا أَجْلِسُ فِيهِ أَنَا» ([٩٨]).
-ثالثاً: الدعوة إلى حاكمية الله
الأرض لا تخلو من الهدى والحق، ولو خليت من راية منصوبة داعية لحاكمية الله لخليت من الهدى والحق، ولهذا فالدعوة لحاكمية الله وخصوصاً إذا انفرد بها داعي الحق في زمانه تكون دليلاً لمن يطلب معرفة الحق يعضد دليل النص المتقدم، فهو دليل بانضمامه إلى النص، أي يكون دليلاً يعضد النص ويزيد من يقين المؤمنين بالحق.
والمقصود بحاكمية الله ليس على مستوى التشريع فقط، بل على مستوى التنفيذ أيضاً، مع أنه لا يمكن بحال القول بحاكمية الله على مستوى التشريع دون المستوى التنفيذي؛ حيث إنّ التشريع متجدّد فلابد إذن من منفّذ متصل بالله ليوصل حكم كل مستحدث ومستجد، وليس ضرورياً أنْ يباشر خليفة الله الحكم بنفسه، بل الضروري أنْ يكون مسلّطاً على نظام الحكم وبالخصوص الدماء، أي مثلاً ما يخص قرار الحرب والسلم، أو القصاص أي كأحكام الإعدام.
الهوامش
- ↩[٧٠] . الكافي - الكليني: ج ١ ص١٣٤؛ التوحيد - الصدوق: ص١٠٣.
- ↩[٧١] . التوراة: سفر التكوين - الأصحاح ١.
- ↩[٧٢] . التوراة: سفر التكوين - الأصحاح ١.
- ↩[٧٣] . لو تصوّرت الأمر بهذه الصورة: المستخلف ومن ثم الخليفة ومن ثم المكلفين مرتبين على التوالي، فسيكون كلامنا السابق في إثبات حتمية الاستخلاف هو في ما بين المستخلف والخليفة، أما كلامنا هنا فهو فيما بين الخليفة والمكلفين.
- ↩[٧٤] . السنّة: هي صب الشيء في قالب ثابت، وهي تستخدم كرديف لكلمة قانون + كلمة ثابت، أي أن كلمة سنة = قانون ثابت، فسنة الله أي قانونه الثابت.
- ↩[٧٥] . منذ أول لحظة لبعثة الخليفة أو الرسول إلى آخر لحظة من حياته، بل إن هذا النص وهذا الدليل حاضر بعد وفاة الخليفة لكل من طلبه.
- ↩[٧٦] . حيث إنّ شهادة الله ونص الله سبحانه على خليفته للناس بالرؤيا لا تحتاج خلفية دينية معينة فهي حاضرة لكل من يؤمن بوجود الله سواء كان يهودياً أم مسيحياً أم مسلماً أم بوذياً أم هندوسياً أم من أي ديانة تعتقد بوجود حقيقة وراء خلق الكون الجسماني، بل إن هذا الدليل حاضر حتى للملحدين ولكن كمقدمة لشهادة الله لخليفته فإن الله يشهد لنفسه ليثبت للملحد وجود الله سبحانه وتعالى.
- ↩[٧٧] . فمن يدّعي النص الإلهي (بالرؤيا أو الكشف) المخالف لنص خليفة الله السابق فهو كاذب ولا يحتاج النظر في دعواه ومن أمثال هؤلاء - أعداء الله - الذين يؤلفون رؤى مكذوبة ضد دعوة خليفة الله في أرضه، وأيضاً المدّعون لخلافة الله كذباً وزوراً، فكلا الفريقين يمكن أن يكذب ويؤلف رؤى أو يوهم نفسه برؤى توافق هوى نفسه ولكنها تحمل دليل كذبها معها لأنها تخالف نص خليفة الله في أرضه السابق.
- ↩[٧٨] . المقصود بـ"المطلق" أي غير محدد بحد، فالرحمة المطلقة التي لا حدود لسعتها. والحكمة المطلقة هي التي لا نهاية لها. قال تعالى: "....عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: ١٥٦]. فرحمته وسعت كل شيء، والكافر المستحق لجهنم شيء ورحمة الله وسعته، وأما جهنم فهي مطلبه الذي كان يتوسل الخلود فيه "لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ" [الأنبياء: ١٣]، فما جهنم إلا الدنيا التي استعرت بهم وبأعمالهم "......فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" [البقرة: ٢٤]، وفي الآية "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"، واضح أنّ رحمته سبحانه تعرف بمن كتبت لهم وتجلت وظهرت فيهم وهم الذين وصفهم في الآية بأن رحمته مكتوبة لهم "فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"، فهؤلاء هم الأنبياء والأوصياء الذين كتبت لهم رحمة الله وظهرت فيهم، ورحمتهم صورة رحمة الله وبرحمتهم تُعرَف رحمة الله سبحانه وتعالى. أما تفسير الآية على أنّ الرحمة مكتوبة للمتقين معناه أنها تسعهم بالخصوص فهو شطط، لأن معناه أن صدر الآية ينقض آخرها. فصدرها يقول رحمة الله وسعت كل شيء، وآخرها يقول الرحمة مكتوبة بالخصوص للمتقين المتزكين، أي المتطهرين الذين يؤمنون بآيات الله أي يسمعون من ملكوته ويؤمنون به، والحق هو كما بينته أن رحمته سبحانه مكتوبة بمعنى تتجلى وتظهر في المتقين المتطهرين الذين يؤمنون بملكوت السماوات وبآيات الله فيها والقادمة منها ويسمعون كلمات الله، والحقيقة انه تحصيل حاصل أن تتجلى الرحمة فيهم لأن الإنسان مفطور على صورة الله، فإن أخلص تجلت فيه هذه الصورة، وكلما كان إخلاصه أعظم كان تجليها وظهورها فيه أعظم وأظهر.
- ↩[٧٩] . لننظر إلى خط الخلافة الإلهية من آدم (عليه السلام) إلى المهدي لنعرف السنة الإلهية في الخلافة: آدم خليفة الله.... نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وداوود وكل أنبياء الله ورسله هم خلفاء الله في أرضه المنصب.... محمد خليفة الله المنصب... والمهدي خليفة الله المنصب، (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم ثم ذكر شيئاً فقال: إذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي" المستدرك - الحاكم: ج ٤ ص٤٦٤. والحديث صحيح على شرط الشيخين)، ولا أعتقد أنّ المسلمين الذين لا يعتقدون بالخلافة الإلهية بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لديهم إشكال في كون آدم (عليه السلام) والأنبياء وداوود ومحمد (صلى الله عليه وآله) هم خلفاء الله في أرضه كما في القرآن، والمهدي أيضاً خليفة الله في أرضه كما في الرواية، أي أن مسيرة الدين الإلهي من أولها إلى نهايتها تنصيب إلهي لخليفة الله في أرضه، أي أنها سنة إلهية وسنة الله لا تتبدل ولا تتحول، وبالتالي فمن يدّعون تحول وتبدل السنة الإلهية عليهم إثبات ادعائهم بالدليل، لا أن يدّعون أن الدين الإلهي بلا منهج وعبثي، والله ترك أمر الخلافة بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وأن السنة الإلهية تحولت وتبدلت وبدون أي دليل، بل والدليل قائم على عكس ما يقولون وما يعتقدون.
- ↩[٨٠] . من لا يحضره الفقيه - الصدوق: ج ٢ ص٥٨٤؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الصدوق: ج ١ ص٢٨٧؛ الأمالي - الصدوق: ص١٢٠؛ بحار الأنوار - المجلسي: ج ٤٩ ص٢٨٣.
- ↩[٨١] . رغم أنه قول ساذج ولا يصدر من شخص لديه شيء - ولو بسيط - من العلم، ولكنه للأسف صدر ممن يدّعون العلم ومن مشايخ يظهرون في الفضائيات كما نقل لي بعض المؤمنين، ولهذا رددت عليه لكي لا يخدع الناس، وكذلك لتنكشف لهم ضحالة هؤلاء المدعين ومدى جهلهم وتخبطهم العشواء، وأيضاً لعل هؤلاء يتوبوا ويستغفروا ربهم بعد أن يتبيّن لهم الحق، وأن قولهم باطل.
- ↩[٨٢] . الإنسان في يقظته ونومه بين ثلاثة أمور لا غير هي: (النور، النفس، الظلمة)، أو لنقل: (الله، النفس، الجهل)، أو لنقل: (رسل الله من ملائكة وأرواح طيبة، النفس، الشيطان وجنده)، إذن هي ثلاثة جهات؛ جهة هي نفس الإنسان، وجهة هي الخير، وجهة هي الشر، فحتى بدون أي رؤيا أو كشف أي إنسان عندما تدور في ذهنه الأفكار فهي إما خير وداعي للخير فهي من الله، وإما شر وداعي للشر فهي من الشيطان، وإما أوهام فهي من هوى النفس. فلا يوجد شيء آخر غير هذه الثلاثة، وهي نفسها تطَّرد مع الرؤيا ومع الكشف في اليقظة، فالإنسان في نومه بين هذه الثلاثة، ولهذا فمن نام ذاكراً لله وللخير وللنور يرى من الله إن شاء الله، ومن نام غافلاً عن ذكر الله ربما رأى تحزيناً من الشيطان أو كما يسمى بالعامية (كابوس)، ومن نام طالباً للجاه وللمنصب ربما أوهم نفسه بأوهام تناسب ما يطلب لإرضاء الأنا المنتفخة في داخله، وهوى نفسه أيضاً يمكن أن يكون في اليقظة أي أن يرى الإنسان كشفاً من الله أو يريه الشيطان أو يرى ويسمع من هوى نفسه.
- ↩[٨٣] . ربما يشكل هؤلاء الكاذبون؛ ويقولون: لماذا لا يكون المخالف لنا هو الكاذب ؟ وهذا جوابه بعرض رؤاهم ورؤى مخالفهم على نص خليفة الله السابق الموصوف بأنه عاصم من الضلال، فالرؤى التي تطابقه هي الصادقة؛ لأن الله واحد وقوله واحد، والتي تخالفه يتبيّن أنها رؤى مكذوبة أو مجرد أوهام نفس شيطانية.
- ↩[٨٤] . انظر ملحق (٥): روايات علماء آخر الزمان ومن ينصر المهدي (عليه السلام).
- ↩[٨٥] . للتوضيح أكثر: لو قال لك إنسان عالم بالغيب ومآل الأمور: إذا كنت تريد شرب الماء فاشرب من هنا وأنا الضامن أنك لن تسقى السم أبداً من هذا الموضع، ثم إنك سقيت في ذلك الموضع سماً، فماذا يكون الضامن؟ هو إما جاهل، وإما كاذب من الأساس، أو عجز عن الضمان، أو أخلف وعده. فهل يمكن أن يقبل من يؤمن بالله أن يصف الله بالجهل أو بالكذب أو العجز أو خلف الوعد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
- ↩[٨٦] . مطلق التقوّل على الله موجود دائماً، ولم يحصل أن منعه الله، وليس ضرورياً أن يهلك الله المتقولين مباشرة، بل أنه سبحانه أمهلهم حتى حين، وهذا يعرفه كل من تتبع الدعوات الظاهرة البطلان؛ كدعوة مسيلمة. فأكيد ليس المراد بالآية مطلق التقول على الله، بل المراد التقول على الله بادعاء القول الإلهي الذي تقام به الحجة، عندها يتحتم أن يتدخل الله ليدافع عن القول الإلهي الذي تقام به الحجة وهو النص الإلهي الذي يوصله خليفة الله لتشخيص من بعده والموصوف بأنه عاصم من الضلال، حيث إن عدم تدخله سبحانه مخالف للحكمة، ومثال هذا القول أو النص: وصية عيسى (عليه السلام) بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، ووصية الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بالأئمة والمهديين (عليهم السلام)، فالآية في بيان أن هذا التقول ممتنع وبالتالي فالنص محفوظ لصاحبه ولا يدعيه غيره. فهو نص إلهي لابد أن يحفظه الله حتى يصل إلى صاحبه، فهو نص إلهي محفوظ من أي تدخل يؤثر عليه، سواء كان هذا التدخل في مرحلة نقله إلى الخليفة الذي سيوصله، أم في مرحلة - أو مراحل - وصوله إلى الخليفة الذي سيدّعيه، وهناك روايات بينت هذه الحقيقة وهي أن التقول في هذه الآية هو بخصوص النص الإلهي: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام): "قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ قَالَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِأَفْوَاهِهِمْ قُلْتُ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ قَالَ وَاللَّهُ مُتِمُّ الْإِمَامَةِ.... قُلْتُ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ قَالَ يَعْنِي جَبْرَئِيلَ عَنِ اللَّهِ فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ قُلْتُ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قَالَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً كَذَّابٌ عَلَى رَبِّهِ وَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَذَا فِي عَلِيٍّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِذَلِكَ قُرْآناً فَقَالَ إِنَّ وَلَايَةَ عَلِيٍّ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُحَمَّدٌ بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ" الكافي - الكليني: ج ١ ص٤٣٤.
- ↩[٨٧] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٣٧٢.
- ↩[٨٨] . من يدّعي المنصب الإلهي إما أن يكون مدعياً للنص التشخيصي الموصوف بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به، فهذا المدع محق ولا يمكن أن يكون كاذباً أو مبطلاً؛ لأن هذا النص لابد من حفظه من ادعاء الكاذبين والمبطلين، وإلا فسيكون الله قد أمر الناس بالتمسك بما يمكن أن يضلّهم ورغم هذا قال عنه بأنه عاصم من الضلال، وهذا كذب يستحيل صدوره من الله. وإما أن يكون مدعياً للمنصب الإلهي، ولكنه غير مدعٍ للنص التشخيصي الموصوف بأنه عاصم من الضلال لمن تمسك به، وهذا المدع إما أن يكون ادعاؤه فيه بعض الشبهة على بعض المكلفين لجهلهم ببعض الأمور، وهذا ربما يمضي الله به الآية ويهلكه رحمة بالعباد وإن كان بعد ادعائه بفترة من الزمن، رغم أنه لا حجة ولا عذر لمن يتبعه، وإما أنه لا يحتمل أنْ يشتبه به أحد إلا إنْ كان طالباً للباطل فيتبع شخصاً بدون نص تشخيصي كما بينت، ومع هذا تصدر منه سفاهات كثيرة ويجعل الله باطله واضحاً وبيناً للناس، وهذا لا داع أنْ تطبق عليه الآية، بل ربما أمهل فترة طويلة من الزمن، فهو يترك لمن يطلبون الباطل بسفاهة. وللتوضيح أكثر أضرب هذا المثل: هناك ثلاث دوائر؛ بيضاء ورمادية وسوداء، فالدائرة البيضاء محمية من دخول الكاذب لها، وبالتالي فكل من دخلها فهو مدع صادق ويجب تصديقه، فالآية: "وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ" واجبة التطبيق في هذه الدائرة. والرمادية غير محمية من دخول الكاذب لها، فلا يصح الاعتماد على من كان فيها وتصديقه، ورغم هذا فيمكن أن تحمى بعض الأحيان من الكاذب بعد دخوله رحمة بالعباد، رغم أنهم لا عذر لهم باتباع من كان في هذه الدائرة، فالآية ممكنة التطبيق على هذه الدائرة وليس واجبة التطبيق. والثالثة سوداء غير محمية من دخول الكاذب لها، بل هي دائرة الكاذبين، وواضحة بأنها دائرة الكاذبين، فلا داعي لحمايتها أصلاً من الكاذبين، لا قبل دخولهم ولا بعد دخولهم، فالآية ليس موضعها هذه الدائرة.
- ↩[٨٩] . مثال لهؤلاء مسيلمة الكذاب، ادعى أنه نبي في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبقي مسيلمة حياً بعد موت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
- ↩[٩٠] . بحار الأنوار - المجلسي: ج ٤٩ ص٧٦؛ إثبات الهداة - الحر العاملي: ج ١ ص١٩٤ - ١٩٥.
- ↩[٩١] . لوقا ٤: (١٧- ٢٢).
- ↩[٩٢] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٢٧٦.
- ↩[٩٣] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٢٧٦.
- ↩[٩٤] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٢٧٦.
- ↩[٩٥] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٢٧٧.
- ↩[٩٦] . من لا يحضره الفقيه - الصدوق: ج ٣ ص٣.
- ↩[٩٧] . تهذيب الأحكام - الطوسي: ج ٦ ص٢٢٣.
- ↩[٩٨] . الكافي - الكليني: ج ١ ص٣١٤ - ٣١٥.