الفصول
المعجزة المادية الجسمانية وموضعها في دين الله:
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-المعجزة المادية الجسمانية وموضعها في دين الله:
علة الدخول إلى هذا العالم الجسماني هو الامتحان واختبار الناس. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. فإذا كان الناس دخلوا الدنيا للامتحان فلا يصح من الممتحن الحكيم المطلق تفضيل بعضهم على بعض في خوض هذا الامتحان دون سبب، ولا يصح إلغاء امتحان بعضهم وإعطائهم أفضل نتيجة دون سبب أو مقدمات قاموا بها.
والمعجزة المادية الجسمانية إنْ لم يكن فيها أي مجال للّبس وإلقاء الشبهة من المخالفين، فإنها ستكون قاهرة وتلغي مساحة الغيب، ولا تبقي للإيمان بالغيب فسحة، وتقوم بإلغاء امتحان بعض الممتحنين، وفيها تفضيل لبعض الممتحنين على بعض دون سبب، فنجد أنها تلغي امتحان من تحصل له - على فرض حصولها -، حيث إنّ إيمانه يكون إيماناً مادياً محضاً ونسبة الغيب فيه صفراً، ونجد أنّ من تحصل معه قد فضّل على غيره وحصل على الجنة دون امتحان، وبالتالي لم تحقق العدالة بين الداخلين في الامتحان، ولهذا فنحن نقول التالي: لابد أنْ تكون المعجزة المادية - إنْ أتت - ضمن حدود لا تنقض السنة الإلهية للإيمان بالغيب.
ولو استقرأنا النص الديني بين أيدينا نجد التالي:
-في القرآن:
أولاً: آيات تبيّن أنّ الأنبياء يأتون بالمعجزة بإذن الله، وربما لا يأذن الله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩].
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
ثانياً: آيات بيّنت أنّ المعجزات إنْ أتت قاهرة ولم تبقي للغيب شيئاً، لا يقبل الإيمان من خلالها:
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
والآية واضحة: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، فعندما تأتي بعض الآيات (المعجزات) لا يقبل الله الإيمان. هذا مع أننا نعرف حقيقة قبول التوبة إلى آخر نفس. إذن، لا مجال هنا إلا أنْ يكون المعنى؛ إنّ هذه الآيات ألغت الامتحان، بحيث أصبح حال الإنسان كالميت الذي خرج من دنيا الامتحان، فلا يقبل منه إيمان ولا عمل، أي أنه ألغي امتحانه أو قل وضعت الإجابات أمامه بوضوح (معجزة قاهرة) ولم يعد هناك معنى لطلب إجابته على السؤال المطروح.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢]، وقد كتبت في بيان معنى هذه الآيات فيما مضى ويمكن مراجعة (تفسير آية من سورة يونس).
ثالثاً: آيات تبيّن أنّ الذين آمنوا عند نزول المعجزة يقبل الله إيمانهم، وإيمانهم صحيح: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى.... وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٠ - ٧٦].
وسبب قبول إيمانهم هو أنهم لم يحصلوا على الإجابة الكاملة، وإنما حصلوا على بعض الإجابة، أي كمن تعطيه إشارات وعلامات تساعده على جواب أسئلة الامتحان، فهو وإنْ كان بمستوى أقل من الآخر الذي أجاب بدون مساعدة، ولكن بالنتيجة هذا أيضاً يُقبل منه الجواب؛ لأنه أثبت أنّ لديه معرفة بقدرٍ ما، مكّنته من الوصول للجواب وإن كانت بمساعدة معينة، أي أنّ هؤلاء لم يلغَ امتحانهم ولم توضع أمامهم أجوبة أسئلة الامتحان حتى يكون جوابهم بلا قيمة، وهكذا فهم لم يخرجوا من الامتحان كحال الفئة في "ثانياً".
رابعاً: المعجزات لابد أنْ يكون فيها شيء من اللّبس:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].
خلاصة ما تقدم: إنّ الآيات تأتي بإذن الله وليس بطلب الناس، وبالتالي فطلب الناس للمعجزة وامتناع الرسول من تقديمها لا يعني عدم أحقية الرسول. أيضاً: هناك معجزات يقبل إيمان الإنسان عندما تأتي ويراها، وهناك آيات لا يقبل إيمان الإنسان عندما تأتي. أيضاً: الله يقول إنّ الآية إذا أرسلتها أجعل فيها لبساً كما تقدم ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾.
إذن، الآية التي يقبل الإيمان من خلالها هي الآية التي فيها لبس، والتي تركت مجالاً للإيمان بالغيب، أما الآية التي لا يقبل الإيمان من خلالها؛ فهي الآية التي لا لبس فيها ولا مجال لأحد للطعن فيها. وهذا الأمر أيضاً واضح من قصة موسى، ففرعون استطاع الطعن والتشكيك بمعجزة العصا عندما تحوّلت إلى أفعى: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، ولكنه عجز عن التشكيك بمعجزة انشقاق البحر وخضع وصدق وقال آمنت، ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، ولكن لم يقبل إيمانه؛ لأنه إيمان بمعجزة قاهرة لا لبس فيها ولا تقبل التشكيك، ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩١ - ٩٢].
بل حتى على مستوى الآيات التي تبيّن طلب المخالفين للمعجزة من رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، فهي تتعارض ظاهراً مع ما نقل تاريخياً من معجزاته حيث يمكن أن يفهم بعضهم من هذه الآية أنه لم يأتي بمعجزة ولهذا هم يطلبون منه المعجزة وهو يتحجج بأن المعجزة عند الله، والحقيقة إنّ هذا الأمر بالنسبة لبعض من يطعنون بالإسلام وصحة نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) يمثل تعارضاً واضحاً، فهو على الأقل تعارض بين النص القرآني والمنقول في ادعاء حصول معجزات للرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، ولكن الحقيقة إنه لا يوجد أي تعارض؛ لأنّ المعجزات تقع ضمن القانون العام والسنة الإلهية للإيمان بالغيب، أي كون الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب، وبالتالي فالمعجزات التي يطرحها المرسلون ومنهم محمد (صلى الله عليه وآله) أمام المخالفين المدعوين للإيمان لا تكون قاهرة، بينما يطلب المنكرون معجزات قاهرة لا لبس فيها.
والمعجزة إنْ وقعت قاهرة ولم تبقي للغيب شيئاً لم يقبل الإيمان من خلالها، ولذا فهي لا تأتي ليؤمن المعاند من خلالها بل تقع إما:
أمام المؤمنين، وبالتالي لا يكون لها أثر على كون إيمانهم بالغيب؛ لأنّ إيمانهم سبق وقوعها. نعم، هي تزيد يقينهم، وتكون حجة على من تُنقل لهم.
أمام من هم على وشك الإيمان والإقرار بالحق، وبالتالي فهي لم تلغي مساحة الغيب من إيمانهم؛ حيث إنهم وصلوا إلى نسبة ترجيح لصدق الدعوة الإلهية، وبالتالي فهم مؤمنون بالدعوة الإلهية بقدرٍ ما ولكنهم لم يعلنوا إيمانهم.
أمام الكافرين المعذبين بها، كمعجزة طوفان نوح (عليه السلام)، ومعجزة شق البحر لموسى (عليه السلام).
وعادة إنْ وقعت المعجزة أمام الجميع، أو أمام المنكرين الذين يطلب إيمانهم بها؛ فلابد أنْ يكون فيها مجالاً للغيب، ويكون فيها لبساً. لهذا فالكفار لم يكونوا يرون أنّ ما وقع مرافقاً لدعوة محمد معجزات؛ حيث إنهم يعتبرون نَقْلَ المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وآله) لما حصل أمامهم كذباً، ويعتبرون ما وقع أمامهم هم أنفسهم أو ما وقع أمام آخرين منهم مجرد سحر أو أوهام، ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]، أو مجرد تخرصات وتأول لحوادث طبيعية تحصل كل يوم، فمن يهلكه الله مباشرة بحصان يجرّه للنار أو يقع عليه حجر ويقتله لتجاوزه على محمد (صلى الله عليه وآله)؛ هم يعتبرونه مجرد حادث طبيعي، وأنّ الموت جاري ويحصل كل يوم. ونقْل المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وآله) لحنين الجذع الذي في المسجد لرسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ يعتبره المخالفون كذباً، وأنّ المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وآله) يحاولون التسويق لمحمد (صلى الله عليه وآله)،
وهكذا تستمر عملية الرد على المعجزات غير القاهرة التي تبقي للغيب مساحة، وهذا قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، أي أنهم يريدون آيات قاهرة واضحة لا لبس فيها لا تبقي للإيمان بالغيب أي نسبة، هذا هو مختصر طلبهم، وهو طلب مستمر إلى اليوم، في حين أنه منافي للعقل والنص الديني وللسنة الإلهية، ولم يقع فيما مضى ولن يقع فيما بقى؛ لأنّ معناه إلغاء امتحان بعض الخلق رغم أنهم دخلوا للدنيا للامتحان، وهذا سفه لا يصدر من حكيم مطلق، فكيف يدخل الناس للامتحان ثم يلغي امتحان بعضهم دون بعض ودون سبب راجح ودون أنْ يكون هناك مائز بين من ألغي امتحانه وبين من يتم امتحانه؟!!!
وكيف يدخل من ألغي امتحانه للجنة في حين يدخل الممتحن إلى النار إنْ فشل في الامتحان، أين هي إذن عدالة الله سبحانه وتعالى في هذا القول والافتراء على الله؟!!!
فالمحصلة من القرآن والعقل معاً؛ إنّ مسألة المعجزة لها حدود وقيود، وليست بالعبثية والعشوائية التي يصورها العلماء غير العاملين، خصوصاً وهم يواجهون الأنبياء والأوصياء في كل زمان.
فالمعجزة كما تبيّن لا تأتي لرغبة الرسول ولا رغبة المكلفين، بل هي أمر الله يجريه الله متى شاء وأينما شاء. والمعجزة المادية إنْ جاءت يجب أنْ لا تلغي مساحة الغيب؛ لأن القانون الإلهي والسنة الإلهية هي الإيمان بالغيب، بينما وللأسف يطلب أكثر الناس وعلى مر العصور معجزات تقهرهم على الإيمان ولا تبقي أي مساحة للتأول أو الشك، وبالتالي فهم يطلبون إيماناً مادياً محضاً لا مساحة للغيب فيه، وهذا إيمان لا يقبل، وبالتالي فهم يطلبون طلباً سفيهاً لا يحققه الله لهم؛ لأنه حكيم مطلق ولا يجاري السفهاء في سفاهتهم.
-في الإنجيل:
-عيسى (عليه السلام) والمعجزة كما في الإنجيل:
«٣٨عِنْدَئِذٍ أَجَابَهُ بَعْضُ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نَرْغَبُ فِي أَنْ نُشَاهِدَ آيَةً تُجْرِيهَا!» ٣٩فَأَجَابَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ خَائِنٌ يَطْلُبُ آيَةً؛ وَلَنْ يُعْطَى آيَةً إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. ٤٠فَكَمَا بَقِيَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هَكَذَا سَيَبْقَى ابْنُ الإِنْسَانِ فِي جَوْفِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ» ([٩٩]).
«١١فَأَقْبَلَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَأَخَذُوا يُجَادِلُونَهُ، طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ لِيُجَرِّبُوهُ. ١٢فَتَنَهَّدَ مُتَضَايِقاً، وَقَالَ: «لِمَاذَا يَطْلُبُ هَذَا الْجِيلُ آيَةً؟ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: (لَنْ يُعْطَى هَذَا الْجِيلُ آيَةً! )» ١٣ثُمَّ تَرَكَهُمْ» ([١٠٠]).
فكما نلاحظ في النصين الإنجيليين عيسى (يسوع) يقول: «جِيلٌ شِرِّيرٌ خَائِنٌ يَطْلُبُ آيَةً؛ وَلَنْ يُعْطَى آيَةً». وقال: «لِمَاذَا يَطْلُبُ هَذَا الْجِيلُ آيَةً؟ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: (لَنْ يُعْطَى هَذَا الْجِيلُ آيَةً!) ».
ففي كلا النصين هناك تأكيد على أنّ الآية (المعجزة) التي يطلبونها لن تأتي، ومعنى هذا أنهم يطلبون معجزة من نوع آخر (قاهرة) غير نوع المعجزات التي أتت، وإلا لتناقضت أقوال عيسى في الإنجيل، فهناك نصوص في الإنجيل تقول إنّ هناك آيات (معجزات) حدثت، وكمثال:
«وبينما هو يتكلم جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين ابنتك ماتت. لماذا تتعب المعلم بعد. فسمع يسوع لوقته الكلمة التي قيلت فقال لرئيس المجمع لا تخف. آمن فقط. ولم يدع احد يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب. فجاء إلى بيت رئيس المجمع ورأى ضجيجا. يبكون ويولولون كثيرا. فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون. لم تمت الصبية لكنها نائمة. فضحكوا عليه. أما هو فاخرج الجميع واخذ أبا الصبية وأمها والذين معه ودخل حيث كانت الصبية مضطجعة. وامسك بيد الصبية وقال لها طليثا قومي. الذي تفسيره يا صبية لك أقول قومي. وللوقت قامت الصبية ومشت. لأنها كانت ابنة اثنتي عشر سنة. فبهتوا بهتا عظيما. فأوصاهم كثيرا أن لا يعلم احد بذلك. وقال ان تعطى لتأكل» ([١٠١]) .
«وفيما هو يكلمهم بهذا اذا رئيس قد جاء فسجد له قائلا إن ابنتي الآن ماتت. لكن تعال وضع يدك عليها فتحيا. فقام يسوع وتبعه هو وتلاميذه. واذا امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة قد جاءت من ورائه ومسّت هدب ثوبه. لأنها قالت في نفسها إن مسست ثوبه فقط شفيت. فالتفت يسوع وابصرها فقال ثقي يا ابنة. إيمانك قد شفاك فشفيت المرأة من تلك الساعة» ([١٠٢]).
«ولما اكمل أقواله كلها في مسامع الشعب دخل كفرناحوم. وكان عبد لقائد مئة مريضا مشرفا على الموت وكان عزيزا عنده. فلما سمع عن يسوع ارسل إليه شيوخ اليهود يسأله أن يأتي ويشفي عبده. فلما جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد قائلين انه مستحق أن يفعل له هذا. لأنه يحب امتنا وهو بنى لنا المجمع. فذهب يسوع معهم. وإذ كان غير بعيد عن البيت ارسل إليه قائد المئة أصدقاء يقول له يا سيد لا تتعب. لأني لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي. لذلك لم احسب نفسي أهلا أن آتي إليك. لكن قل كلمة فيبرأ غلامي. لأني أنا أيضا إنسان مرتّب تحت سلطان. لي جند تحت يدي. وأقول لهذا اذهب فيذهب ولآخر ائت فيأتي ولعبدي افعل هذا فيفعل. ولما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال أقول لكم لم اجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا. ورجع المرسلون إلى البيت فوجدوا العبد المريض قد صحّ. وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة تدعى نايين وذهب معه كثيرون من تلاميذه وجمع كثير. فلما اقترب إلى باب المدينة اذا ميت محمول ابن وحيد لامّه وهي أرملة ومعها جمع كثير من المدينة. فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى امه. فاخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه. وخرج هذا الخبر عنه في كل اليهودية وفي جميع الكورة المحيطة. فاخبر يوحنا تلاميذه بهذا كله» ([١٠٣]).
كما نلاحظ أنّ الجامع المشترك لإحياء الموتى في النصوص أعلاه هو أنهم ماتوا خلال فترة قريبة ساعات مثلاً (ابنتي الآن ماتت) ولم يقبروا، ولهذا ببساطة يمكن أنْ يحاجج من يتخذ اللبس مركباً أنّ هؤلاء كان مغمى عليهم، أو أي عذر للطعن بالمعجزة التي حدثت. أيضاً الشفاء يجري مجرى هذا.
أما النصوص التي تروي المعجزة على أنها قاهرة في الإنجيل أو التوراة، فنحن لا نعتقد بصحتها، وحتى المسيحيين أنفسهم يلزمهم عدم الاعتقاد بصحة كل النصوص حرفياً؛ حيث لديهم أكثر من نص تأريخي للحوادث أو المعجزات، فأكيد أنّ بعضها - على الأقل - غير دقيق، فلا يمكن اعتماد صحة كلا نصّي إنجيلي متى ويوحنا إنْ تعارضا مثلاً.
الخلاصة:
المعجزة المادية التي يمكن أنْ تأتي من الله ويقبل الله إيمان من يؤمن بسببها؛ هي المعجزة المادية غير القاهرة، كتحوّل عصا موسى (عليه السلام) إلى ثعبان ([١٠٤])، وسماع بعض المؤمنين أنين الجذع لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإطعام رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الخلق الكثير بالطعام القليل، وهلاك بعض من كان في الطف بدعاء الإمام الحسين (عليه السلام)، وانتصار مظلومية الحسين (عليه السلام)، وشفاء بعض المرضى، وغيرها من معجزات الأنبياء والأوصياء، وهذه المعجزات مشتبهة - بقدرٍ ما - على أكثر الناس الذين واجهوها؛ حيث لا يمكنهم التمييز - مئة بالمئة - إنْ كان الأمر كما قال فرعون: سحران تظاهرا، أم أنّ ما جاء به موسى معجزة وما جاء به السحرة سحر فقط ([١٠٥])، وهذا يعني أنّ المعجزة - غير القاهرة - ليست دليلاً قائماً بذاته، وإنما هي مؤيد ودليل داعم للنص.
أما من يعتبرون المعجزة غير القاهرة دليلاً قائماً بذاته؛ فغاية ما يحتجون به هو: إنّ المعجزة لو أجريت على يد المبطل لكانت إضلالاً للناس، وهو أمر لا يصدر من الحكيم المطلق. ولكنهم لم يلتفتوا إلى أنّ الكلام في نفس إثبات كونها معجزة للناس الذين يواجهونها، فالأمر مشتبه وفيه لبس كما نص القرآن ([١٠٦])، وكما بيّنت وكما هو بيِّن في كل معاجز الأنبياء التي وقعت أمام غير المؤمنين والتي هي موضوع البحث كعصا موسى (عليه السلام).
إذن، موضع المعاجز في دين الله هو أنها مؤيد ودليل غير مستقل بذاته، بل بانضمامه إلى غيره، أي أنها لو أتت مع الدليل القائم بذاته، فستكون زائدة عن الحاجة، وموضعها في دين الله سيكون لزيادة اليقين، وحث الناس على الإيمان بخليفة الله في أرضه الذي أتى بالدليل (النص).
هذا يعني أيضاً أنّ طريق معرفة الإمام المهدي الغائب منذ أكثر من ألف عام مسدود عند من دليلهم عليه هو أنْ يأتيهم بالمعجزة.
-مناقشة بعض الأقوال في المعجزة:
قال الحلي:
«الثالث: الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه لأن العصمة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا الله تعالى فلا بد من نص من يعلم عصمته عليه أو ظهور معجزة على يده تدل على صدقه» ([١٠٧]).
قال المقداد السيوري وهو يعلق على قول الحلي:
«أقول: هذه إشارة إلى طريق تعيين الإمام، وقد حصل الإجماع على أن التنصيص من الله ورسوله وإمام سابق سبب مستقل في تعيين الإمام (عليه السلام)، وإنما الخلاف في أنه هل يحصل تعيينه بسبب غير النص أم لا، فمنع أصحابنا الإمامة من ذلك مطلقا وقالوا لا طريق إلا النص، لأنا قد بينا أن العصمة شرط في الإمامة، والعصمة أمر خفي لا اطلاع عليه لأحد إلا الله فلا يحصل حينئذ العلم بها، في أي شخص هي، إلا بإعلام عالم الغيب وذلك يحصل بأمرين: أحدهما: إعلامه بمعصوم كالنبي (صلى الله عليه وآله) فيخبرنا بعصمة الإمام (عليه السلام) وتعيينه. وثانيهما: إظهار المعجزة على يده الدالة على صدقه في ادعائه الإمامة» ([١٠٨]).
بيّنت فيما تقدم أنّ النص من الحجة السابق المباشر أو غير المباشر؛ هو الدليل لتشخيص خليفة الله في أرضه. أما المعجزة فمؤيد، وأما كلام الحلي والسيوري في المعجزة هنا فليس له وجه إلا إن كان مبنياً على أنّ المعجزة عند الإتيان بها تأتي ظاهرة بشكل لا لبس فيه، على أنها معجزة لمن يواجهون بها، وهذا أمر غير موجود في أرض الواقع بالنسبة للمعاجز التي يقبل إيمان من يؤمن عندما تظهر أمامه، حيث إنها تكون مشتبهة وفيها لبس لكي لا تلغي مساحة الغيب من الإيمان، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. إذن، لا يمكن في الواقع تطبيق القاعدة العقلية المتقدمة إلا على المعجزة القاهرة عندما تظهر للناس؛ لأنها لا تبقي مساحة للبس والشبهة، وهذه ليست موضوع البحث كما تقدم، فهي أصلاً ليست موضوعاً للإيمان، ولا يقبل إيمان من يؤمن بها، كما تبين سابقاً عند مناقشة هذا الأمر عقلاً ونقلاً.
فالحقيقة إنّ المشكل الذي واجهه هؤلاء الفقهاء وجعلهم يقعون في هذا الخطأ؛ هو أنهم لم يتمكنوا من التمييز بين المعجزة القاهرة التي لا يقبل إيمان من يؤمن بسببها، كما حصل مع فرعون عندما فلق الله البحر لموسى (عليه السلام)، وغير القاهرة التي يقبل إيمان من يؤمن بسببها، كما حصل مع السحرة عندما تحولت عصا موسى (عليه السلام) إلى أفعى والتهمت عصيهم التي كان يراها الناس أفاعي تسعى، فهذه الأخيرة والتي هي موضوع البحث مشتبهة وفيها لبس، وهي لمن واجهها ليست معجزة ظاهرة مئة بالمئة.
الهوامش
- ↩[٩٩] . مت٤٠:٣٨:١٢.
- ↩[١٠٠] . مر١٣:١١:٨.
- ↩[١٠١] . مر٤٣:٣٥:٥.
- ↩[١٠٢] . مت ٢٢:١٨:٩.
- ↩[١٠٣] . لو ١٨:١:٧.
- ↩[١٠٤] . وليس كشق البحر لموسى (عليه السلام)؛ لأن هذه معجزة قاهرة، ولا يقبل إيمان من يؤمن بسببها، كما لم يقبل الله إيمان فرعون عند إيمانه بسبب هذه المعجزة القاهرة، "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ".
- ↩[١٠٥] . أي كيف للشخص الناظر لعصي السحرة وعصا موسى (عليه السلام) أن يميز ويحكم أن ما فعله السحرة سحراً وما فعله موسى معجزة ؟ فنفس مسألة التهام عصا موسى لعصيهم أو أفعى موسى لأفاعيهم ردها فرعون بسهولة بأنهما سحران تظاهرا (سحران تظاهرا) وأن موسى (عليه السلام) ساحر عظيم، ولهذا تفوق سحره على سحر السحرة (كبيركم)... "فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ" [القصص: ٤٨]. "قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ...." [طه: ٧١]. "قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ..." [الشعراء: ٧٩].
- ↩[١٠٦] . "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ" [الأنعام: ٩].
- ↩[١٠٧] . الباب الحادي عشر - العلامة الحلي.
- ↩[١٠٨] . تعليق على الباب الحادي عشر - المقداد السيوري: ص١٠٠ - ١٠١.