المقدمة
مدخل
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

قبل استعراض الشبهات التي أثارها المشككون على الرسول الأعظم (صلى الله عليه
وآله)، يحسن بنا الوقوف على أمرين مهمين:
١- شيء من سيرة الرسول وأخلاقه:
رسول الله: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
ولد في مكة في السابع عشر من شهر ربيع الأول، في أواخر القرن السادس الميلادي.
أبوه: عبد الله بن عبد المطلب، أصغر أولاد عبد المطلب العشرة وأحبهم إلى نفسه، وله أخوان من نفس الأم، هما: أبو طالب والزبير ابنا عبد المطلب.
أمه: السيدة الطاهرة الشريفة آمنة بنت وهب.
قال الإمام علي (عليه السلام): (والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط، قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به) (١).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك، فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب) (٢).
توفي أبوه وهو حمل في بطن أمه، وتوفيت أمه وهو في السادسة من عمره، فأصبح يتيم الأبوين، وحكمة ذلك كما قال ولده الصادق (عليه السلام): (إن الله عز وجل أيتم نبيه صلى الله عليه وآله لئلا يكون لأحد عليه طاعة) (١).
كفله جده عبد المطلب وكان يخصّه بالرعاية والاهتمام الكبير إلى أن توفي وهو في سن الثامنة. ولما حضرت عبد المطلب الوفاة دعا ولده أبا طالب والرسول محمد طفلاً يلعب على صدره، فالتفت إلى أبي طالب - وهو يبكي - فقال: (يا أبا طالب، انظر أن تكون حافظاً لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولم يذق شفقة أمه. انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك فإني قد تركت بني كلهم وأوصيتك به لأنك من أم أبيه. يا أبا طالب إن أدركت أيامه تعلم إني كنت من أبصر الناس به وانظر الناس واعلم، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي. يا أبا طالب ما أعلم أحداً مات عنه أبوه على حال أبيه ولا أمه على حال أمه فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيتي؟ قال: نعم، قد قبلت والله عليّ بذلك شهيد، فقال عبد المطلب: فمد يدك إليّ، فمد يده فضرب بيده إلى يده ثم قال عبد المطلب: الآن خفف عليّ الموت، ثم لم يزل يقبّله ويقول: أشهد إني لم أقبّل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك ولا أحسن وجهاً منك) (٢).
انتقل الرسول بعد وفاة جده عبد المطلب إلى عمّه أبي طالب شيخ البطحاء الذي وصفه أكثم بن صيفي لما سئل: (ممن تعلمت الحكمة والرئاسة والحلم والسيادة؟ قال: من حليف الحلم والأدب سيد العجم والعرب أبي طالب بن عبد المطلب) (٣).
تولّى أبو طالب رعايته وكفالته على أتم وجه، فكان الحامي والكفيل والفادي له بالغالي والنفيس، يكفي أن نعرف أنّ قريشاً لم تتمكن من إيقاع الأذى بالرسول بعد بعثه إلا بعد وفاة أبي طالب صلوات الله عليه.
نشأ الرسول واشتد عوده في كنف جدّه وعمّه الأشراف الكرماء الموحدين، موحّداً لله سبحانه منقطعاً إليه مستنّاً بسنة جده إبراهيم (عليه السلام)، متزيّناً بمكارم الأخلاق متأدباً بأكرم الآداب حتى ذاع وصفه بـ "الصادق الأمين".
بلغ رسول الله الذروة في العدل والأمانة والصدق، فذكر المؤرخون في سيرته أنّ العرب كانوا يتحاكمون إليه قبل الإسلام ويودعون عنده الودائع؛ لعدله وصدقه وأمانته، لهذا لما هاجر من مكة إلى المدينة خلّف علياً (عليه السلام) لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده. وقضية تحكيمه في مسألة وضع الحجر الأسود موضعه متواترة ويعرفها الجميع وكانت قبل بعثه بخمس سنين، حيث اختلفت قريش على وضع الحجر الأسود مكانه لما بنوا الكعبة حتى بلغ بهم الخلاف حد المواعدة على الاقتتال ثم اتفقوا على تحكيم أول داخل عليهم ولما رأوه قالوا: "هذا محمد، هذا الأمين قد رضينا به حكماً" (١).
وكيف لا يكون كذلك وهو القائل: (أنا أديب الله وعلي أديبي) (٢).
قال الإمام علي (عليه السلام): (كان أجود الناس كفاً وأجرأ الناس صدراً وأصدق الناس لهجة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لم أر قبله ولا بعده مثله) (٣).
تواضعه.. فقد كان شديد التواضع، وحسبه في ذلك أنه خيّر بين أن يكون عبداً رسولاً أو ملكاً رسولاً لا ينقص من قدره شيء فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهباً. قال: فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: يا رب أشبع يوماً فأحمدك وأجوع يوماً فأسألك) (٤).
وقال ولده الباقر (عليه السلام): (أتى رسول الله صلى الله عليه وآله ملك فقال: إن الله عز وجل يخيّرك أن تكون عبداً رسولاً متواضعاً أو ملكاً رسولاً، قال: فنظر إلى جبرئيل وأومأ بيده أن تواضع، فقال: عبداً متواضعاً رسولاً، فقال الرسول (١): مع أنه لا ينقصك مما عند ربك شيئاً، قال: ومعه مفاتيح خزائن الأرض) (٢).
كان رسول الله يجلس على الأرض، يخيط ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله، ويعقل الشاة، ويحلب الدابة، ويركب الحمار (وسيلة نقل بسيطة). يأكل على الحصير وينام عليه، يحب الفقراء والمساكين ويجلس معهم ويجيب دعوتهم، بل حتى العبيد منهم. يُؤتى بالطفل الصغير لمباركته أو تسميته فيجلسه في حجره تكرمة لأهله وربما بال وهو في حجره فيهمُّ أهله بأخذه ونهره حياء من الرسول، فكان ينهاهم عن ذلك ويترك الصبي يكمل، فإذا انصرفوا قام وغسل ثوبه بيده.
يكره أن يقوم له أحد في المجلس كراهة شديدة حتى إنّ أصحابه اعتادوا على عدم القيام له عند دخوله عليهم؛ لما عرفوه من كراهته لذلك. يجلس حيثما انتهى به المجلس وكان يأمر المؤمنين بذلك. لا يسبقه أحد بالسلام بل يسلم على الكبير والصغير والغني والفقير، حتى الصبيان منهم. إذا ناوله أحد يده في السلام لم ينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. جلسته القرفصاء، وما أخرج ركبتيه بين يدي جليس قط، وما جالس رجل وقام قبل أن يقوم. لم يكن يتميّز عن جلسائه، فقد كان يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل. يمشي خلف أصحابه ولا يسمح أن يماشيه أحد راجل وهو راكب إلا أن يحمله معه.
"ويحك! وأيُّ عبدٍ أعبدُ منّي" بهذا أجاب امرأة بذيّة قالت له يوماً وهو يأكل: "يا محمد إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه" (٣).
بساطته.. كان بسيطاً سمحاً، قد وسع الناس خلقه فصار لهم أباً، يجيب من دعاه ويقبل الهدية ويكافئ عليها، دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ
ولا سبّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مداح. يقبل العذر، ولا يقابل أحداً بما يكره، يغضب لله ويرضى له سبحانه.
يقول أنس: (خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: هلا فعلت كذا وكذا ولا عاب عليّ شيئاً قط) (١).
كان يعمل بيديه ويحمل الحجارة على عاتقه، ولم يكن في يوم كلّاً على غيره، وسار أبناؤه الأوصياء بهدي سيرته، حتى إنّ علي بن أبي حمزة رأى الإمام الكاظم (عليه السلام) يوماً يعمل في أرض له وقد ابتلت قدماه من العرق، فقال له: (جعلت فداك أين الرجال؟ فقال: يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن أبي، فقلت: ومن هو؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين) (٢).
يأكل من الطعام ما أحله الله بين أهله وعياله أو مع من يدعوه أيّاً كان موقعه الاجتماعي، وما ذمّ طعاماً قط. أحب الطعام إليه ما كان مع الناس لا منفرداً، وكان يقول: "أنا عبد آكل كما يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد" (٣). ما رؤي متربعاً أو متكاً حال أكله حتى فارق الدنيا. يأكل مما يليه بثلاث أصابع. لم يتجشأ من شبع قط. "ما أكل رسول الله خبز بر قط ولا شبع من خبز شعير قط" كما يقول ولده الصادق (٤)، بل كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع أحياناً ولو شاء أن يتخذ من الجبال ذهباً لفعل!
ينام على الحصير ليس تحته شيء، وربما كانت عباءته فراشه، وكانت مرفقته (مخدة يضعها تحت رأسه) أدم حشوها ليف، فثنيت له ذات ليلة، فلما أصبح قال معاتباً نفسه: "لقد منعني الفراش الليلة الصلاة، فأمر أن يجعل بطاق واحد" (٥). ما نهض من نومه قط إلا وخرّ لله ساجداً.
حياؤه.. كان شديد الحياء بحيث لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، بل كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً بدا ذلك في وجهه من شدة حيائه لذا لم يكن يثبت بصره في وجه أحد.
حبه للمؤمنين.. كان يحب المؤمنين حبّاً جمّاً، ولا يرغب إطلاقاً بسماع ما يعكر سلامة صدره تجاههم، وكان يقول: (لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم أنا سليم الصدر) (١). لا يمضي أكثرمن ثلاثة أيام إلا وسأل عمن يفتقده و منهم فإن كان مسافراً دعا له، وإن كان حاضراً زاره، وإن كان مريضاً عاده. يقضي دين الفقراء ويواسيهم ويبكي على الفقيد منهم.
رحمته ورأفته وشفقته.. رحيمٌ بالناس أجمعين، كبيرهم وصغيرهم، قال عنه ولده الصادق (عليه السلام): (صلى بالناس الظهر، فخفف في الركعتين الأخيرتين، فلما انصرف قال له الناس: هل حدث في الناس حدث؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: خففت في الركعتين فقال لهم: أما سمعتم صراخ الصبي) (٢).
لا يجلس مجلسه سائل وهو مشغول بالصلاة إلا وخفّف صلاته ليسأله حاجته.
حريص على المؤمنين رؤوف بهم، سأله أعرابي يوماً فأعطاه ثم قال له: هل أحسنت إليك؟ فقال: لا ولا أجملت، فغضب المسلمون لكن الرسول زاده في العطاء وسأله: هل أحسنت إليك؟ فقال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال له: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك، ثم قال لأصحابه: (مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحبها خلّوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذلها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت
وشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار) (١).
كرمه وسخاؤه.. ما سئل شيئاً إلا قال: "نعم"، ولم يقل لسائل: "لا" في حياته قط، كان أجود بالخير من نسيم الهواء الهاب في يوم صائف.
يكرم ضيفه إلى درجة أنه لو كان متكئاً على وسادة فلا يتردد في تقديمها لضيفه إكراماً له. يقسم لحظاته ونظراته بين أصحابه بالسوية، يفرش رداءه على الأرض لضيفه إن امتلأ مجلسه في بيته. ما دعاه أحد من أهل بيته أو أصحابه إلا قال له: "لبيك"!
أدخلت عليه سفانة ابنة حاتم الطائي ضمن أسرى طي، فقالت له: (أي محمد، مات الوالد، وغاب الو افد، فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي الأعداء، أو أحياء العرب، فإني ابنة سيد قوم، وأن أبي كان يحب مكارم الأخلاق وكان يطعم الجائع ويفك العاني ويكسوا العاري، وما أتاه طالب حاجة إلا ورده بها، فقال النبي: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، ثم قال النبي: أطلقوها كرامة لأبيها فقالت: انا ومن معي قال النبي: أطلقوا من معها كرامة لها. ثم قال صلى الله عليه وآله: ارحموا ثلاثاً، وحق لهم أن يرحموا: عزيزاً ذل من بعد عزه، وغنياً افتقر من بعد غناه، وعالماً ضاع ما بين الجهال، ثم قالت سفانة: يا رسول الله أتأذن لي بالدعاء لك، قال النبي: نعم فقالت: أصاب الله ببرك مو اقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة قوم إلا جعلك سبباً لردها، قال النبي: آمين. ثم أمر النبي لها بإبل وغنم سدت ما بين الجبلين فعجبت من ذلك وقالت: يا رسول الله هذا عطاء من لا يخاف الفقر قال: هكذا أدبني ربي ثم قالت: أتأذن لي بالذهاب إلى منازل؟ قال النبي: لا، أنت في ضيافتي إلى أن يأتي من بني عمومتك من تثقين به فمكثت في ضيافة النبي إلى أن أقبلت ذات يوم وقالت: يا رسول الله أقبل من بني عمومتي من أثق به، فأمر النبي أن يهيؤا لها هودجاً جعل غشائه خزاً مبطناً وسيرها النبي مع بني عمومتها، وكانت طول طريقها إذا رفعت رأسها رأت السيوف مسلولة في حراستها) (٢).
وفاؤه وصلته.. وفيٌّ وصول للرحم. أهديت له ذات يوم هدية فقال: (اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة) (١). وما أن بلغه خبر المجيء بأخته من الرضاعة "الشيماء" في سبايا هوازن إلا وهرع باسطاً لها رداءه، مخيّراً لها بين الإقامة عنده محببة مكرمة أو الرجوع إلى قومها معززة مكرمة أيضاً، بل كان يصل حتى مرضعته "ثويبة" (أرضعته فترة من الزمن بعد ولادته في مكة) بالعطاء والكسوة بالرغم من أنها كانت أمة عند أبي لهب (٢).
وصفته خديجة (عليها السلام) فقالت: (ابشر فو الله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على النوائب) (٣).
شجاعته وإقدامه.. كان شجاعاً مقداماً، يقول علي (عليه السلام): (لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً). وقال أيضاً: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه) (٤).
صبره وحلمه وعفوه.. عظيم الصبر والحلم والعفو عند المقدرة. لما كسرت رباعيّته وشجّ وجهه يوم أحد عظم ذلك على أصحابه وقالوا له: لو دعوت عليهم، فقال: "إني لم أبعث لعّاناً ولكني بعثت داعياً ورحمة، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٥).
(عن الفضيل بن عياض، أن قريشاً لما نالت من رسول الله صلى الله عليه وآله ما نالت من الأذى، أتى ملك فقال: يا محمد صلى الله عليه وآله أنا الموكل بالجبال، أرسلني
الله إليك إن أحببت أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) فعلت، فقال صلى الله عليه وآله: لا إن قومي لا يعلمون) (١).
صبر على كل الأذى الذي قاساه من طغاة قريش، وقد أظفره الله بهم وما كانوا يشكّون أنه سيقوم باستئصال شأفتهم لكنه قال لهم: "لا تثريب عليكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢)، وشمل عفوه أشد الناس له عداوة وأذى كعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية بن خلف وأبي سفيان بن حرب، بل حتى وحشي قاتل عمّه حمزة وغيرهم، بل عفا عن المرأة اليهودية التي أرادت اغتياله بالسم.
قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أتي باليهودية التي سمت الشاة فقال لها: ما حملك على ما صنعت، فقالت: قلت إن كان نبياً لم يضره وإن كان ملكاً أرحت الناس منه. قال: فعفى رسول الله عنها) (٣).
في يوم حنين أسر الرسول زهير بن صرد الجشمي بقومه فأخذ زهير ينشد:
أمنن علينا رسول الله في كرم فــــــإنــــــك المــــــرء نــــــرجــــــوه ونــــــنــــــظــــــره
إنــــــا نـؤمــــــل عـفـواً مـنــــــك تـلـبســــــــــــــــــه هـــــــــذي البريـــــــــة إذ تعفـــــــــو وتنتصـــــــــر عفواً عفا الله عما أنت واهبه يموحممالدقيامة إذ يهدى لك الظفر
فلما سمعه الرسول قال له ولقومه: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقالت قريش والأنصار: ما كان لنا فلله عز وجل ولرسوله" (٤).
روى أنس، قال: (كنت مع النبي وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فأنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك، فسكت النبي ثم قال: المال مال الله وانا عبده ثم قال: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟ قال: لا،
قال: لم؟ قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وآله ثم أمر أن يحمل له على بعير شعيراً وعلى الآخر تمراً) (١).
ذكره لربه.. كان دائم الذكر لله، يطيل صلاته قائماً على أطراف أصابع رجليه إيلاماً لنفسه حتى قال له ربه الكريم: "طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى" [طه: ٢- ١ ]، فقد كان يصلي حتى تتورّم قدماه، ولما يقال له: لِمَ تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "ألا أكون عبداً شكوراً" (٢).
يقول الإمام علي (عليه السلام): (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا قام إلى الصلاة، يسمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل (٣) على الأثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عز وجل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه، ويكون إماماً لمن اقتدى به) (٤).
زهده بالدنيا.. كان زاهداً بالدنيا وملذاتها بشكل لا نظير له، ولم يرغب برؤية زينة الدنيا حتى البسيطة منها على أقرب الناس إلى نفسه وروحه، ليس فقط لأنه يعرف حقيقة الدنيا وقيمتها عند الله، بل لأنه قدوة لسائر المؤمنين به، والكثير منهم كان يعاني من الفقر والعوز، فأراد أن يكون هو وأهل بيته أسوة وعزوة للآخرين.
(عن محمد بن قيس، كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة فدخل عليها فأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفره، فصنعت فاطمة مسكتين (أي: سوارين) من ورق وقلادة وقرطين، وسترا لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها عليهما السلام، فلما قدم رسول الله دخل عليها فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرف الغضب في وجهه، حتى جلس عند المنبر، فظنت فاطمة أنه إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها. ونزعت الستر
فبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول اجعل هذا في سبيل الله.
فلما أتاه قال صلى الله عليه وآله: فعلت، فداها أبوها ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء، ثم قام فدخل عليها) (١).
وقال الصادق (عليه السلام): (دخل على النبي صلى الله عليه وآله رجل، وهو على حصير قد أثر في جسمه، ووسادة ليف قد أثرت في خده، فجعل يمسح ويقول: ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر، إنهم ينامون على الحرير والديباج، وأنت على هذا الحصير؟ قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لأنا خير منهما والله، لأنا أكرم منهما والله، ما أنا والدنيا، إنما مثل الدنيا كمثل رجل راكب مر على شجرة ولها فيء، فاستظل تحتها، فلما أن مال الظل عنها ارتحل فذهب وتركها) (٢).
صفته وسمته.. (كان متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثاً [ليناً] ليس بالجافي ولا بالمهين، تعظم عنده النعمة وإن دقت، لا يدم منها شيئاً، غير أنه كان لا يذم ذو اقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام) (٣).
سأل الحسين بن علي أباه علياً عن وصف الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقال:
(كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم - أو قال ولا ينفرهم - ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس الفتن، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس فيحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأسر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه؟
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله جل اسمه، ولا يوطن الأماكن وينهي عن إيطانها (١) وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كلا من جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فكان لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا يوهن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته (٢)، متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى، متواضعون، يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون - أو قال يحوطون - الغريب.
قال: قلت: كيف كانت سيرته مع جلسائه؟
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب (٣) ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والاكثار ومما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم
إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا. ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوليهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصير للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم (١)، ويقول: إذا أيتم طالب الحاجة ر يطلبها فأرفدوه (٢)، ولا يقبل الثناء إلا عن مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام.
قال: قلت: كيف كان سكوته؟
قال: كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أربعة: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره، وجمع له الحذر في أربعة: أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة) (٣).
وقال أيضاً: (ما صافح رسول الله أحداً قط فنزع صلى الله عليه وآله وسلم يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف، وما نازعه أحد الحديث فيسكت حتى يكون هو الذي يسكت، وما رئي مقدما رجله بين يدي جليس له قط، ولا خير بين أمرين إلا أخذ بأشدهما، وما انتصر لنفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى، وما أكل متكئا قط حتى فارق الدنيا، وما سئل شيئا قط فقال لا، وما رد سائل حاجة قط إلا بها أو بميسور من القول، وكان أخف الناس صلاة في تمام، وكان أقصر الناس خطبة و أقلهم هذراً، وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل، وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده، وكان إذا أكل أكل مما يليه، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس، وكان يمص الماء مصّاً ولا يعبه عباً، وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه، فكان لا يأخذ إلا بيمينه، ولا يعطي إلا بيمينه، وكان شماله لما سوى ذلك
من بدنه، وكان يحب التيمن في كل أموره: في لبسه وتنعله وترجله، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم وتراً وإذا استأذن استأذن ثلاثاً، وكان كلامه فصلاً يتبينه كل من سمعه، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، وإذا رأيته قلت: أفلج الثنيتين وليس بأفلج، وكان نظره اللحظ بعينه، وكان لا يكلم أحداً بشيء يكرهه، وكان إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكان يقول: إن خياركم أحسنكم أخلاقاً، وكان لا يذم ذو اقاً ولا يمدحه، ولا يتنازع أصحابه الحديث عنده، وكان المحدث عنه يقول: لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده) (١).
وعنه أيضاً يقول لولده: (... ولقد كان في رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم كاف لك في الأسوة ودليل على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطر افها ووطأت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوى عن زخارفها، وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله إذ يقول: "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" والله ما سأله إلا خبزاً يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه، وإن شئت ثلثت بداود صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل من سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها، وإن شئت قلت في عيسى بن مريم فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن وكان إدامه الجوع وسراجه بالليل القمر وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يلفته ولا طمع يذله، دابته رجلاه وخادمه يداه. فتأس بنبيك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لأثره، قضم الدنيا قضما ولم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً (٢) وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله أبغض شيئاً فأبغضه وحقر شيئاً فحقره، وصغر شيئا فصغره، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله وتعظيمنا ما صغر الله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله.
ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد يخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه ويكون الستر على باب
بيته تكون فيه التصاوير فيقول: يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها من نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشاً ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده.
ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله أأكرم الله بذلك محمدا أم أهانه؟ فإن قال: أهانه فقد كذب والله العظيم، وأتى بالإفك العظيم، وإن قال: أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه.
فإن تأسى متأس بنبيه و اقتص أثره وولج مولجه وإلا فلا يأمن الهلكة فإن الله جعل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة، خرج من الدنيا خميصاً وورد الآخرة سليماً، لم يضع حجراً على حجر حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه، فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه وقائداً نطأ عقبه، والله لقد رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها؟! فقلت: اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى) (١).
هؤلاء السادة الأطهار - وفي مقدمتهم رسول الله محمد - كانوا بحق المشروع الإلهي الحقيقي لسحق الجينة الأنانية والتمرّد على ما تمليه على البشر من تصرّف وسلوك حيواني بهيمي صرف، هؤلاء هم مشروع الله الأغلى والأنموذج الأروع الذي يصلح أن يكون أسوة وقدوة لجميع الناس في مختلف الحقب والعصور؛ تشد إليهم الرحال، وينتهل منهم كل من يعزم على جد السير نحو بلوغ مدارج العلياء والكمال.
كان ما تقدم إطلالة سريعة وشيء من سيرة الرسول محمد العطرة وشذرات من عبق مكارم أخلاقه التي عجن بها روحه وبدنه، وبوسع الباحث الرجوع إلى موسوعات التاريخ والسيرة للاستزادة ومعرفة أقواله وأوامره ونواهيه ووصاياه التي كان يرشد لها
أتباعه وسيجد أنه ما ترك خيراً وحسناً من خلق وحكمة ورحمة وعدل وأمانة وعفة وإيمان وصدق ونصرة حق ووفاء ومواساة وإيثار وصلة رحم وبر الوالدين وحب الخير للناس وحسن الجوار ورعاية حقوق الزوجة والأهل والعيال ورعاية اليتيم والفقير والمسكين والأرملة وطلب العلم والعمل به وأكل الحلال وغير ذلك من مكارم الأخلاق ومدارج الرقي والكمال، ما ترك شيئاً من هذا إلا وأمر به. وما ترك شرّاً وقبيحاً من سوء خلق وظلم وشك وشرك ونصرة باطل وأنانية وقسوة وخيانة وكذب وقطيعة وغيبة ونميمة وفجور وتهتك وأكل الربا والسحت وغير ذلك من الذمائم والمنكرات إلا ونهى عنها. كل ذلك بعد أن كان هو النموذج الفعلي الأكمل لمكارم الأخلاق كلها والقدوة المجسدة عملياً بين الناس وتسير على الأرض مثلهم.
٢- إثبات نبوة محمد (صلى االله عليه وآله):
نبوة ورسالة أي نبي ورسول إلهي - ومنهم رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) - تتم من خلال الاطلاع على سيرته وأخلاقه، وأيضاً: من خلال انطباق القانون الإلهي الذي به عُرف جميع الأنبياء والمرسلين عليه، وهو قانون ثابت بالعقل والنقل معاً.
بعث الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في مجتمع يمكننا أن نصنّفه على ثلاثة طوائف:
- أهل الكتب السماوية. - الأحناف الذين كانوا على دين إبراهيم (عليه السلام). - من لا دين له.
• أما بالنسبة إلى أهل الكتاب، فاحتجاج الرسول عليهم كان بقانون معرفة حجج الله عموماً (أنبياء، رسل، أئمة) بكامل بنوده، وقد قلت: إنه قانون ثابت بالعقل والنقل، وتوضيح ذلك باختصار:
إنّ أي مالك - كأن يكون مالكاً لمصنع مثلاً - إذا ما أراد أن يغيب ويستمر المصنع بعمله فعليه أن يختار شخصاً ويعيّنه مديراً لإدارة المصنع، وهذا الشخص الذي يختاره أكيد
سيكون أكفأ الموجودين وأعلمهم و أقدرهم على إدارة المصنع، ثم في الخطوة الثالثة يصدر مرسوماً يذكر فيه اسم المدير وتنصيبه من قبله ويأمر الآخرين بطاعته. إذن، العقل يفرض وجود ثلاثة أمور لتتم إدارة المصنع في حال غيبة مالكه، هي: تنصيب المدير، الأعلم والأكفأ، الذي تجب طاعته على الجميع.
ولما كان الله سبحانه مالك الملك، وهو خالق هذا العالم ومالكه، فإذا أردنا أن نتعرف على المرسَل من قبله، نحتاج إلى نفس هذه الأمور الثلاثة البديهية، وهي المعبّر عنها بـ "قانون معرفة الحجة"، فالعقل والنصوص الدينية القطعية تحتم أن يكون طريق التعرّف على الحجة الإلهي (نبي، رسول، إمام) هي هذه الأمور الثلاثة، بمعنى: يجب أن يكون منصوصاً عليه بنص إلهي مذكور فيه باسمه، وأن يكون أعلم أهل زمانه، وأن يدعو إلى الله وحاكميته.
وبخصوص الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، فإنّ قانون معرفة الحجة يتوفر فيه وينطبق عليه بوضوح تام.
فمن جهة النص: وردت مجموعة من النصوص في العهدين القديم والجديد تذكر محمداً وآل محمد (١). وكذلك النص من الله بمعنى شهادة الله للناس بأحقية رسوله حيث قدّم نفسه شاهداً لمن يطلبون شهادته، قال تعالى: "قُلْ كَفَى بِاللِّّ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً" [الإسراء: ٩٦ ].
يقول السيد أحمد الحسن: (ومن يطلبون شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وآله؛ فالله بالأمس واليوم وغداً يقدم نفسه شاهداً لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله. فعلى الإنسان فقط الإخلاص في طلبه لله لمعرفة الحق، وسيكلّمه الله بالرؤى والطرق الملكوتية الروحية، ويبيّن له الحق وأنه مع محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله.
وفي زمن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله طلب كثير من الناس شهادة الله لهم بالرؤى، وقد شهد الله لهم وآمنوا نتيجة رؤاهم المحكمة التي رأوها والتي بيّن فيها الله لهم حق محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله. ........
أيضاً: يضاف إلى النص المعجزات التي أيد الله بها دعوة محمد صلى الله عليه وآله)(١).
وأما العلم والحكمة، فقد جاء الرسول بالعلم والحكمة، وهذه بعض النصوص القرآنية التي جاء بها، قال تعالى:
- "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل: ١٢٥ ]. - "وَاعْبُدُواْ اللَّّ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّّ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً" [النساء: ٣٦ ]. - "وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللََّّ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ" [لقمان: ١٨ ].
- "لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَُّّ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"
[الحديد: ٢٣ ].
- "لاَّ تَجْعَل مَعَ اللِّّ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * وَلاَ تَقْتُلُواْ
أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللُّّ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللِّّ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً" [الإسراء: ٢٢
- ٣٩ ].
يقول السيد أحمد الحسن: (فليقرأوا هذه الآيات من سورة الإسراء ويسألوا أنفسهم: هل الشيطان يدعو لعبادة الله وحده؟ هل الشيطان يدعو لمكارم الأخلاق، والإحسان للوالدين وللفقراء، وإنفاق المال ومساعدة من يحتاج للمساعدة، وينهى عن القتل، وعن الزنا، وعن الاعتداء على مال اليتيم، ويأمر بالإيفاء بالوعد، والإيفاء بالكيل؟ وإذا كان الشيطان يأمر بهذه الأخلاق الطيبة فالله سبحانه وتعالى يأمر بماذا عندهم؟ أليست هذه هي وصايا كل الأنبياء وحكمتهم التي جاءوا بها من عند الله .........
عيسى (عليه السلام) قال: "كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وبيت منقسم على بيت يسقط. ١٨ فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته".
أليس المفروض بالمسيحيين أنْ يجعلوا هذا القول مقياساً يقايسون به ما جاء في القرآن ليعلموا أنه من عند الله؟ أليس هذا هو قياس عيسى (عليه السلام)، فلماذا الإعراض عنه؟! اللهم إلا الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه؟
القرآن مليء بالحكمة والدعوة إلى الخير وإلى التحلي بالأخلاق الطيبة الكريمة، فكيف يكون من الشيطان السفيه الذي يدعو إلى الشر وإلى الأخلاق الذميمة، هل الشيطان منقسم على نفسه؟ هل مملكة الشيطان منقسمة على نفسها؟ أليس هكذا يميز الشيطان بأنه يدعو لإقامة مملكته وليس لهدمها.
أعتقد أنّ الناس - لو أرادوا - فهم قادرون على التمييز بين الحكمة والسفه، بين الخير والشر، بين الأخلاق الطيبة وبين الأخلاق الذميمة.
ومملكة الشيطان غير منقسمة على نفسها، فلا تدعو للخير بل للشر؟ ولا تدعو للأخلاق الكريمة بل للأخلاق الذميمة؟
"كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وبيت منقسم على بيت يسقط. ١٨ فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته".
ثم فلننظر إلى التصحيح العقائدي الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه من بعده، والعودة للتوحيد ونقض عقيدة الثالوث، وقد بيّنت كيف أنّ هذه العقيدة باطلة وغير صحيحة من نفس الإنجيل، ومن يأتي بالحق أحق أنْ يتبع فمن أبطل عقيدة الكنيسة ومن الكتاب المقدس بصورة لا لبس فيها أحق أنْ يتبع (١).
وأيّ منصف يقرأ القرآن بتجرّد يجد أنّ العلم والحكمة التي جاء بها محمد في القرآن حكمة بالغة لا يمكن أنْ تكون إلا منه سبحانه) (٢).
وأما الدعوة إلى حاكمية الله، فقد طالب بها الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبمجرد أن سمحت له الظروف طبّقها عملياً وأنشأ مجتمعاً إيمانياً معتقداً بحاكمية الله و أقام أسس دولته في المدينة المنورة على ذلك، وحديث الفرقة الناجية خير شاهد.
(عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثل بمثل وإنهم تفرقوا على اثنين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم واحدة كلها في النار غير واحدة. قال: قيل: يا رسول الله وما تلك الواحدة؟ قال هو: ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي) (١).
يقول السيد أحمد الحسن: (إذن، صفة الفرقة الناجية هي أنها فرقة فيها علاقة كما كانت العلاقة بين رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه، وهي علاقة واضحة فرسول الله محمد صلى الله عليه وآله قائد منصّب من الله وأصحابه مؤمنون بهذه القيادة الإلهية) (٢).
وبهذا يكون قانون معرفة الحجة (النص + العلم والحكمة + الدعوة إلى حاكمية الله) منطبقاً على الرسول تماماً، ولا قيمة بعد هذا لما يثار من إشكالات وشبهات؛ لأن الشبهة مهما كبرت في عين صاحبها تبقى شبهة ولا تنقض الدليل، وإنما ينتقض الدليل بدليل مثله.
ولمعرفة اتصاف الرسول بالقانون الإلهي المعرِّف بخلفاء الله بصورة تفصيلية أكثر يمكن الرجوع إلى كتاب "عقائد الإسلام" للسيد أحمد الحسن (٣).
• وأما بالنسبة للطائفة الثانية أي الأحناف، وهو دين إبراهيم (عليه السلام) الذي كان عليه الكثير من قوم الرسول في مكة وإن كان بصورة محرّفة بالتأكيد كشأن أي دين إلهي تمادى عليه الزمن، فقد يقال: إنّ نصوص العهدين "القديم والجديد" لا تعنيهم والاحتجاج بها من قبل الرسول لا يلزمهم بشيء، لكن حجة الرسول لا تنقطع بالنسبة لهم أيضاً؛ لأنهم - إضافة إلى أنهم غير معذورين بحرمان أنفسهم التصديق بنصوص العهدين التي تضمّنت ذكر وصايا الأنبياء السابقين بالرسول محمد - ملزمون بتصديق الرسول من جهة النص بمعنى "شهادة الله"، وكذلك من جهة العلم.
قانون معرفة الحجة (النص + العلم) بالنسبة لأهل مكة "الأحناف" لم ينقص منه شيء سوى أحد قسمي النص أعني نص الأنبياء السابقين بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، أما القسم الثاني من النص أي "شهادة الله" فهو باقٍ على حاله. ولهذا كانت شهادة الله بالرؤى الصادقة سبباً لإيمان الكثير منهم، وكمثال على ذلك: قصة إيمان سعيد بن العاص الأموي.
روى ابن سعد والحاكم: (كان إسلام خالد بن سعيد قديماً وكان أول إخوته أسلم وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه و اقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله به أعلم ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها ويرى رسول الله آخذا بحقويه لئلا يقع ففزع من نومه فقال أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق ... فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال: يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فسر رسول الله بإسلامه..) )١(.
وأيضاً: تُقام الحجة عليهم من خلال معرفتهم التامة بسيرة الرسول ومكارم أخلاقه التي كانوا يعرفوه بها إلى درجة أنهم كانوا يصفونه بـ "الصادق الأمين" ويرتضونه حكماً في خصوماتهم ويودعون عنده الودائع.
• أما الطائفة الثالثة (من لا دين له)، فحجّة الرسول عليهم قائمة بما هو ثابت عقلاً وبداهة من ضرورة اتّباع الأعلم، على أنّ الملحد منهم ينحصر الحِجاج معه في إثبات وجود الله ابتداءً ثم التدرّج معه لإثبات ضرورة إرسال الرسل عقلاً؛ وصولاً إلى إثبات أحقية الرسول الإلهي المعيّن؛ كلٌّ في زمانه، وهو ما نلاحظه بوضوح تام في احتجاجات أوصياء الرسول بالخصوص بحسب الروايات الكثيرة المنقولة عنهم في هذا المجال، و إيمان بعض الملحدين بأحقيتهم بعد إقامة الحجة عليهم علمياً من الناحية العقلية. أما غير الملحد منهم كالذي يعتقد بالله وينكر الرسل (كلهم أو بعضهم) فحجة الرسل قائمة عليه - إضافة إلى العلم - بالنص بمعنى شهادة الله، فهو طريق مفتوح لجميع الخلق بلا استثناء، كما أنّ سيرة الرسول وأخلاقه يمكن أن تكون نافعة لطلاب الحق منهم دون أدنى شك.
هذا هو المنهج الصحيح لإثبات خلافة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الإلهية بمعنى كونه نبياً ورسولاً من الله سبحانه، ولاحظنا أنّ حجّته تلزم جميع الخلق دون استثناء.