الفصول
نشأة الرسول قبل البعثة
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم
![]()
![]()
طرح المشككون - ومنهم مسيحيون - بعض الشبهات التي تتصل بنسب الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ونشأته في صباه وقبل البعثة عموماً، وهذه أهم شبهاتهم.
![]()
يقول بعض المشككين: إنّ نشأة الرسول في صباه وقبل البعثة كانت خافية، ولم نتمكن من معرفة تفاصيلها بدقة سواء من جهة النسب، أو من جهة إيمانه بالله وتوحيده من عدمه!

أولاً: لا يصح افتراض خفاء نشأة الرسول وسيرته قبل البعثة من كلا الجهتين؛ لأن:
١- الأسرة التي ينتمي لها الرسول أسرة عربية عريقة ومعروفة، والبطن التي ينحدر منها أشرف البطون، ويسكنون بلداً معروفاً ومشهوراً أيضاً وهو مكة، والناس تحج إليه من كل حدب وصوب. وبخصوص الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فنسبه من جهة الأب والأم معروف أيضاً. كما أنّ صدقه وأمانته بين قومه قبل بعثته أشهر من نار على علم، يكفي أن نعرف أنّ قريشاً لما أرادت هدم الكعبة وبنائها اقتسمت عمارة البيت بينها فبنت كل قبيلة ما يخصها، ثم اختلفوا في وضع الحجر الأسود في موضعه:
(فكانت كل قبيلة تريد أن ترفعه حتى تجاذبوا وتخالفوا وأعدوا للقتال فبقوا أربع ليال أو خمس ليال فقال أبو أمية المخزومي يا معشر قريش اجعلوا بينكم أول من يدخل
من باب المسجد فلما تو افقوا على ذلك ورضوا به دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين قد رضينا به فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال هلموا ثوبا فأتوه به فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوا جميعا فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه رسول الله بيده ثم بني عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى في الجاهلية الأمين قبل أن يوحى إليه) (١).
ولهذا، لما جمعهم الرسول في مطلع بعثته وأشهدهم على صدقه وأمانته بينهم شهدوا جميعهم له بذلك.
(عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع ان يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم ان خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك الا صدقاً قال فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ...) (٢).
واضح أنّ صدق وأمانة الرسول كانت واضحة لديهم، بل أجبر تحلّيه بمكارم الأخلاق حتى ألدّ اعدائه إلى الاعتراف والإقرار:
(عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما انه أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الاسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ... فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه التمسوا لي ههنا أحدا من قومه لأسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان بن حرب انه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش قال أبو سفيان فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج وإذا حوله عظماء الروم فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبا
إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان فقلت انا أقربهم إليه نسبا قال ما قرابة ما بينك وبينه فقلت هو ابن عمى وليس في الركب يومئذ أحد من بنى عبد مناف غيري فقال قيصر ادنوه وأمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي ثم قال لترجمانه قل لأصحابه انى سائل هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبي فان كذب فكذبوه قال أبو سفيان والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثر أصحابي عنى الكذب لكذبته حين سألني عنه ولكني استحييت ان يأثروا الكذب عنى فصدقته ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول أحد منكم قبله قلت لا فقال كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا ... قال فهل يغدر قلت لا ... قال فماذا يأمركم قال يأمرنا ان نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة فقال لترجمانه حين قلت ذلك له قل له انى سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت رجل يأتم بقول قد قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت انه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ...) (١).
٢- إن كان قصد المشككين بشبهتهم الغمز بنسب الرسول، فهو باطل لما قلنا من وضوح نسبه الشريف وتلقي الناس له بالقبول جيلاً فجيل. علماً، أننا رأينا ضمن مسيرة خلفاء الله في أرضه رسلاً من أول العزم كموسى (عليه السلام) تربّى في بيت فرعون، ولم يكن أغلب الناس يعرفون بنسبه الحقيقي، ومع ذلك لم يؤثر هذا الأمر على صدق دعوته وإرساله من الله شيئاً، ولا أقل فإنّ حال الرسول من هذه الناحية أفضل بكثير باعتبار أنّ الكل يعرف أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عند انطلاقه بدعوته، وجدّه علماً من أعلام الجزيرة العربية وليس مكة فقط؛ عبد المطلب الذي كان يفرد محمداً بالحب والاهتمام الكبير.
روى ابن عباس: (كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد إلا هو إجلالاً له وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى
الله عليه وآله يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش فيعظم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأناً عظيماً إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويقول: ما رأيت قبله أطيب منه ولا أطهر قط، ولا جسداً ألين منه ولا أطيب منه، ثم يلتفت إلى أبي طالب وذلك أن عبد الله وأبا طالب لأم واحد، فيقول: يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأناً عظيماً فاحفظه واستمسك به فإنه فرد وحيد وكن له كالأم، لا يصل إليه بشئ يكرهه، ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعاً) (١).
٣- لا شك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان مؤمناً بالله موحّداً له منذ صباه، وهذا ما بيّنه الأوصياء من عترته في رواياتهم.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (فنشأ رسول الله في حجر أبي طالب فبينا هو غلام يجئ بين الصفا والمروة إذ نظر إليه رجل من أهل الكتاب فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي محمد. قال: ابن من؟ قال: ابن عبد الله. قال: ابن من؟ قال: ابن عبد المطلب. قال: فما اسم هذه؟ - وأشار إلى السماء - قال: السماء. قال: فما اسم هذه؟ - وأشار إلى الأرض - قال: الأرض. قال فمن ربهما؟ قال: الله. قال: فهل لهما رب غير الله؟ قال: لا) (٢).
ثانياً: لو تنزّلنا و افترضنا بأنّ ما وصلنا من وثائق تاريخية روتها كتب التاريخ والسير غير كافية للإلمام والإحاطة بشخصية الرسول وكيفية نشأته في صباه وصغره، فإنّ ذلك لا يضر بصدق دعوته ورسالته؛ ذلك أنّ الله سبحانه لم يطلب من أحد الإحاطة بسيرة خلفائه (أنبياء، رسل، أئمة)، وإنما طلب من الخلق تصديقهم والإيمان بهم وطاعتهم بعد بعثهم وإرسالهم واحتجاجهم عليهم بما يثبت به حقهم وصدق دعوتهم، وبالتالي فلو افترضنا أنّ سيرة الرسول الإلهي في صباه - أي رسول كان - كانت خافية تماماً فإنّ ذلك لا يضر مطلقاً بحقهم وإمكان تعرّف الناس على صدق دعوتهم بالدليل الذي به يتم تشخيص صدق دعوات المرسلين.
![]()
بحسب روايات بعض المسلمين فإنّ الرسول شق صدره في صباه، وبحسب المشككين: إنّ فلسفة ذلك - إن حصل فعلاً - يعود إلى إخراج الدرنة السوداء من قلبه التي ترمز إلى خطيئة آدم، باعتبار أنه لم يعفَ منها غير عيسى وأمه العذراء!

حادثة شق صدر الرسول جسمانياً في صباه رواها بعض المؤرخين وذكرتها كتب أهل السنة وصحاحهم، مثل ما رواه مسلم في صحيحه: (عن انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لامه ثم اعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعنى ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) (١).
ونحن لو طالعنا الروايات لوجدنا أنها تختلف في تاريخ حصول الحادثة فبعضها يشير إلى حصولها في صباه وبعضها بعد بعثه نبياً وتحديداً ليلة الإسراء، وكذلك الاختلاف في مكان حصولها بين مكة أو الصحراء. أضف إليه: إنّ حظ الشيطان من الإنسان هو تلويث روحه وفطرته فالنقطة السوداء تكون في الروح، وليس في قلب الإنسان كعضو يضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم بحيث إنّ تخليصه منها يكون بإجراء عملية جراحية يرى أنس أثرها على صدر الرسول كما يزعم؟!
والغريب إنّ بعض علماء المسلمين (٢) يذكر الحادثة في معرض تفسير قوله تعالى: "أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ" [الشرح: ١]، والحال أنّ المقصود من الشرح فيها واضح وهو انشراح الصدر مقابل الضيق والحزن، فيكون معناه كقول موسى (عليه السلام) الذي قصّه
القرآن بقوله تعالى: "قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي" [طه: ٢٥ ]. ولما نزلت الآية: "فَمَنْ يُرِدِ اللَُّّ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ" [الأنعام: ١٢٥ ] سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن شرح الصدر ما هو؟ فقال: (نور يقذفه الله في قلب المؤمن فيشرح صدره وينفسح) (١).
أما كيف شرح الله صدر رسوله؟ فقد أوضح أوصياء الرسول أنّ ذلك حصل بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) وصياً له، ورد ذلك في روايات كثيرة عنهم (عليهم السلام)، منها على سبيل المثال:
- ("ألم نشرح لك صدرك" قال: بعلي فجعلناه وصيك قال: وحين فتح مكة ودخلت قريش في الاسلام شرح الله صدره ويسره) (٢). - (الباقر والصادق عليهما السلام في قوله تعالى: "ألم نشرح لك صدرك" قالا: (ألم نعلمك من وصيك فجعلناه ناصرك ومذل عدوك الذي انقض ظهرك، وأخرج منه سلالة الأنبياء الذين يهتدون. ورفعنا لك ذكرك، فلا اذكر الا ذكرت معي، فإذا فرغت من دنياك فانصب عليا للولاية، تهتدي به الفرقة. - عبد السلام بن صالح عن الرضا عليه السلام: ألم نشرح لك صدرك يا محمد، ألم نجعل عليا وصيك؟ ووضعنا عنك وزرك بقتل مقاتلة الكفار وأهل التأويل بعلي؟) (٣).
وعموماً، حادثة شق صدر الرسول جسمانياً لا صحة لها، ولم يرد ذكرها عند أوصياء الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)؛ القناة الشرعية الممثلة للرسول والناطقة باسمه والمبينة للصحيح من سيرته. وبالتالي لا قيمة لكلام المشككين سواء من اتخذها منهم مثاراً للاستهزاء والسخرية أو من فلسفها بالطريقة الخاطئة التي رأيناها في الشبهة.
![]()
يطعن بعض المشككين والملحدين بنسب الرسول سواء بنسبته إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب، أو نسبته إلى إسماعيل النبي وانحداره منه، وهذا بنظرهم يتنافى وكونه رسولاً إلهياً معصوماً!
أما سبب الطعن بنسبته إلى أبيه عبد الله، فلورود بعض الروايات التاريخية التي أكدت أنّ عبد المطلب وابنه عبد الله "والد الرسول" تزوجا في يوم واحد، إذ تزوج عبد المطلب هالة بنت وهيب وتزوج ابنه عبد الله بابنة عمها آمنة بن وهب، فولد لعبد المطلب "حمزة"، ويفترض أن يكون الرسول بعمر حمزة؛ لأن أباه عبد الله - بحسب المعروف تاريخياً - مات وهو في بطن أمه، لكن بعض المؤرخين يؤكدون أنّ حمزة يكبر الرسول بأربع سنين، فكيف حصل هذا؟ كيف يمكن أن تلد آمنة ولدها بعد رحيل أبيه بأربع سنين؟!
وأما سبب الطعن بنسبته لإسماعيل؛ فلكثرة اختلاف المؤرخين وأصحاب السير والأنساب في كيفية اتصال سلسلة النسب ووصولها إليه.

أولاً: التشكيك بنسب الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى والده عبد الله (عليه السلام) لا قيمة علمية له إطلاقاً، وهو حيلة المفلس حقيقة؛ لأننا لم نعرف اسم الرسول ونسبه بأقوال المؤرخين ورواياتهم الواردة في الكتب فحسب، وإنما هو حقيقة تناقلها المؤمنون بالرسول - والمعادون له أيضاً - جيلاً فجيل حتى وصل إلينا، فصار الأمر حقيقة يقينية تفوق حد القطع الناشئ من التواتر وتجميع القرائن.
أضف إليه: وجود الأوصياء من آل محمد (عليهم السلام) - الذين ثبت صدقهم وأحقيتهم بقانون معرفة حجج الله، وقد قام الدليل القطعي العقلي والنقلي على عدم خلو الأرض من واحد منهم - كافٍ لكشف أي حقيقة يراد التعرف عليها، فهم الذين يصححون مسار الدين ويبيّنون الحقائق التي اختلف فيها الناس، ومنها اسم ونسب أبيهم المصطفى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).
من جهة ثانية: من يتهم أحداً في نسبه، أو يتهم أمّه بالإتيان به من غير أبيه المعروف يجب عليه أن يقدّم دليلاً قطعياً يثبت به اتهامه، وإلا فهو فاقد للشرف والخلق والضمير الإنساني، وعليه أن يراجع أقرب مصحة نفسية لمعالجة عقدته النفسية التي سبّبت له كل هذا الحقد والخبث والعداء.
الرسول من جهة الأب لم يحصل أن شكّك أحد في نسبه إلى والده منذ ابتدائه بالدعوة الإلهية ولغاية ر حيله إلى ربه، وكانت جميع العرب والأمم المجاورة تتلقى الأمر من هذه الناحية بمنتهى القبول بالرغم من عداء الكثيرين له ولدعوته الإلهية.
كذا من جهة الأم، وليس فقط أمه المباشرة السيدة آمنة (عليها السلام)، وإنما مطلق أمهاته وإن علن، وهو القائل: "أنا ابن الفواطم والعواتك" (١)، فقد بلغن الغاية في الشرف والعفة والطهر، وهذا أمر معروف عند الجميع، ولم يستطع - حتى أشد الناس له عداوة كالأمويين - من الطعن عليه بأب من آبائه الطاهرين أو أم من أمهاته "نقيات الجيوب".
هذا، والتاريخ لم يكتبه الرسول ولا آله الطاهرون، وإنما كان لأعدائه نصيب و افر في كتابته كالأمويين مثلاً، ومع هذا لم يتمكن واحد من المؤرخين وأصحاب السير والتراجم من العثور على مثلبة واحدة تطعن بآبائه وأمهاته، وكل ما استطاع البعض فعله هو اتهام والد ووالدة الرسول بأنهما ماتا غير مؤمنين بالله، وهو كلام باطل أيضاً ومجرد فرية يهدفون بها الانتقاص من الرسول وتلميع صور كبارهم الذين ما فارقوا عبادة الأصنام والسكر والفجور.
وعموماً، واضح أنّ المشككين لا يملكون دليلاً على فريتهم واتهامهم المتقدم، وكل ما سمعناه منهم هو تحليل انتقائي خبيث لبعض الروايات التاريخية التي لا تؤكد تهمتهم أيضاً كما سنرى الآن.
ثانياً: لاحظنا أنّ كلام المشككين يستند إلى أمرين:
١- أن يكون زواج عبد المطلب وابنه عبد الله (عليهما السلام) قد تم في يوم واحد، وهي مسألة ليست موضع وفاق بين المؤرخين، وإنما هي رواية ذكرها محمد بن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى" (١)، وذكرها من أتى بعده كقول من الأقوال بلفظ "قيل" (٢)، وواضح أنّ المؤرخين ينقلون كل ما يصل إليهم من أخبار بصرف النظر عن صحتها وعدم صحتها. والرأي الغالب لدى المؤرخين أنّ زواج عبد الله "والد الرسول" تم منفرداً بعد حادثة فداء أبيه عبد المطلب له من الذبح بمائة من الإبل (٣).
قال أبن الأثير: (وأما تزويج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة ابنة وهب أم رسول الله فإنه لما فرغ عبد المطلب من الإبل انصرف بابنه عبد الله وهو آخذ بيده فمر على أم قتال ابنة نوفل بن أسد أخت ورقة بن نوفل وهي عند الغبيت، فقالت له حين نظرت إليه وإلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع أبي. قالت: لك عندي مثل الذي نحر عنك أبوك من الإبل وقع علي الآن. قال: إن معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فر اقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو سيد بني زهرة فزوجه ابنته آمنة بنت وهب) (٤).
أما حادثة النذر والفداء، فقد ذكر المؤرخون (٥) أنّ عبد المطلب لما أراد حفر بئر زمزم نذر أنه إن حفرها وتم له عشرة من الأولاد ينحر أحدهم لله، فولد له عشرة وهم: "الحارث، عبد الله، أبو طالب، الزبير، العباس، ضرار، أبو لهب، الغيداق، حمزة، المقوم"، فأقرع بين ولده فخرجت على عبد الله، فنهاه بعضهم عن ذبحه و اقترح أن يفديه بعشر من الإبل فإن خرجت القرعة على عبد الله زاد في العدد عشرة أخرى وهكذا، وفعلاً فعل ذلك حتى بلغ مائة، ولما بلغها خرجت القرعة على الإبل دون عبد الله، ولهذا سمي بالذبيح.
قال ابن هشام - بعد إيراد نذر عبد المطلب وفداء ابنه عبد الله -: (فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن
غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسباً وشرفاً، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً) (١).
ويقول الأزرقي: (ولما انصرف عبد المطلب ذلك اليوم إلى منزله مر بوهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وهو جالس في المسجد وهو يومئذ من أشراف مكة فزوج ابنته آمنة عبد الله) (٢).
والنتيجة: لا مانع من كون الرسول أصغر سنّاً من حمزة بعد أن كان زواج أبيه "عبد الله" متأخراً عن زواج عبد المطلب بهالة بنت وهيب.
٢- أن يكون عبد الله توفي والرسول في بطن أمه، وهذا الرأي وإن كان هو الغالب بين المؤرخين والمحدثين، لكن - أيضاً - يوجد في المسألة أقوال أخرى، فقد نقل بعضهم أنه عاش مع ولده سنتين وأربعة أشهر ثم توفي بعد ذلك (٣). وبالتالي، فحتى مع افتراض اقتران زواج عبد المطلب بهالة بزواج عبد الله من آمنة فلا إشكال في أن يكون الرسول أصغر سناً من حمزة بعد بقاء أبيه حياً المدة المذكورة. ومسألة كون حمزة بن عبد المطلب يكبر الرسول بسنتين مطروح تاريخياً أيضاً (٤).
٣- أن يكون حمزة أكبر من الرسول بأربع سنين، وهي رواية ذكرها الو اقدي (٥)، وليست هي القول الوحيد في المسألة، فقد ذكر بعضهم أنه يكبره بسنتين كما عرفنا، وذكر آخرون أنهما - أي حمزة والرسول - كان يرضعان من "ثويبة" قبل أن ترضع حليمة السعدية الرسول، وأنّ الرسول كان يصف حمزة بأنه أخوه من الرضاعة (٦). والحديث يحتمل أنه يشير إلى تقاربهما بالعمر، أو يكون معناه أنّ الرسول رضع من نفس المرضعة التي رضع منها حمزة قبله فصار أخوه من الرضاعة.
في قبال ذلك يرى بعض المؤرخين وأصحاب السير أنّ عبد الله "والد الرسول" كان أصغر ولد أبيه العشرة (١). وهذا يعني أنّ حمزة يكبر والد الرسول وليس فقط يكبر الرسول بأربع سنين أو سنتين.
وعموماً، أيّاً كانت الآراء التاريخية في السنّ الذي يكبر به حمزة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنه لا يؤثر في نسبته إلى أبيه عبد الله (عليه السلام)، ولا يوجد مانع يمنع من ذلك كما لاحظنا.
أما دفع الرسول وهو رضيع إلى السيدة حليمة لأجل إرضاعه، وهي مسألة حاول بعض المشككين الغمز بها على طهارة جيب أمه السيدة آمنة (عليها السلام) وأنها إنما أبعدته عنها إلى البادية لأجل غلق القيل والقال الذي قد يصدر من قبل القرشيين أو غيرهم كما يلاحظه المتابع لكلماتهم، فهو منطق صبياني موتور وفاقد لأي دليل وحجة علمية وفاقد أيضاً للمستند التاريخي الموثوق، وبهذا فهو يؤكد مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي يتمتع به هؤلاء، فالرسول (صلى الله عليه وآله) ابن نقيات الجيوب اللواتي لم يستطع أحد من الطعن بعفة وشرف واحدة من أمهاته من جهة الأب أو الأم؛ فضلاً عن أمه الطاهرة المباشرة "السيدة آمنة" سيدة مكة وبنت أشر افها.
أما سبب إرساله إلى البادية للرضاعة فهو أمران:
الأول: كان من عادة أشراف مكة إرسال الأطفال النشّأ إلى البادية لأجل عوامل تعود على تنشئة الطفل تنشئة صحيحة وسليمة، ولهذا تقول السيدة حليمة في قصة بحثها عن طفل ترضعه وبلوغها الرسول: (إن البوادي أجدبت وحملنا الجهد على دخول البلد فدخلت مكة ونساء بني سعد قد سبقن إلى مراضعهن فسألت مرضعاً فدلوني على عبد المطلب وذكر أن له مولوداً يحتاج إلى مرضع له .....) (٢).
وليست هي عادة قديمة فحسب، ولكنها استمرت حتى فترة متأخرة، حيث لاحظها الرحالة الانجليزي جون لويس بيركهارت في رحلته إلى الحجاز عام ١٨١٤ م إذ كانت بعض قبائل مكة خصوصاً الأشراف لا يزالون يتمسكون بعادة قريش وأشراف العرب القدامى عند ما كانوا يدفعون بأبنائهم إلى المراضع الأعرابيات في البادية حتى ينشأ الأطفال شجعاناً فصحاء اللسان أصحاء الجسم (١).
الثاني: جفاف صدر أمه من اللبن، ولذا بحسب بعض المؤرخين فإنّ الرسول دفع قبل ذلك إلى مرضعة "ثويبة" لترضعه في مكة قبل تسليمه إلى السيدة حليمة.
قال ابن الأثير: (وأرضعته أيضاً ثويبة مولاة أبي لهب أياماً قبل حليمة بلبن ابن لها يقال له مسروح وأرضعت قبله حمزة عمه وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد) (٢).
ثالثاً: بالنسبة إلى مسألة اتصال نسب الرسول (صلى الله عليه وآله) بإسماعيل النبي (عليه السلام)، فلا علاقة لها بعصمته وكونه رسولاً إلهياً إطلاقاً. فالعصمة - كما سيأتي بيان معناها - تُعرف بالنص، والنص الإلهي هو الأصل الكاشف عن عصمة المعصوم، والمعصوم هو المعتصم بالله عن جميع محارم الله بحيث لا يخرج الناس من حق ولا يدخلهم في باطل، ولا دخل لشجرة النسب ولا معرفة سلسلة اتصال المعصوم بجد من أجداده العلويين في عصمته ورسالته نهائياً. وهذا أمر واضح في نصوص وسيرة الدين الإلهي ورسل الله عموماً، فموسى - مثلاً - الذي تربّى في بيت فرعون لم يعلن شجرة نسبه عند إرساله من قبل الله، بل لم يكن أحد يعرف اسم أبيه ولا أهله، ومع هذا انطلق بدعوته الإلهية، وقد قص القرآن الكريم قول فرعون له، قال تعالى حكاية عن قوله: "قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ" [الشعراء: ١٨ ].
يوسف (عليه السلام) أيضاً كذلك، فقد انطلق بدعوته الإلهية من السجن قبل أن يعرف أحد من هو أبوه ومن هم أهله؛ فضلاً عن سلسلة نسبه إلى جده إبراهيم أو أحد
أجداده العلويين، وكان الجميع يعرف أنه عبد عثر عليه وتم بيعه إلى أن وصل إلى عزيز مصر الذي ربّاه في بيته، ولم يقم بإعلان شجرة نسبه لإثبات صدقه.
مسألة النسب لا علاقة لها بعصمة المعصوم ولا بإثبات صدق دعوته ورسالته الإلهية. أحقية الرسول - أي رسول إلهي - وصدقه في دعواه يثبت بقانون معرفة الحجة الإلهي الثابت عقلاً ونقلاً. والرسول محمد (صلى الله عليه وآله) باعتباره أحد خلفاء الله في أرضه يثبت حقه وصدقه في دعوته بانطباق قانون معرفة الحجج الإلهيين عليه، القانون المؤلف من ثلاث فقرات هي: (النص + العلم + الدعوة إلى حاكمية الله)، وهو قانون انطبق عليه بتمامه كما لاحظنا سابقاً. ثم بعد ثبوت صدقه يثبت صدق إخباره بأنه من ذرية إسماعيل، أنه "ابن الذبيحين" يعني عبد الله وإسماعيل (١). و
روى الصدوق بسنده: (علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن علي ابن موسى الرضا عليهما السلام عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين قال: يعني إسماعيل ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام وعبد الله بن عبد المطلب) (٢).
وروى الحاكم بسنده: (عبد الله بن سعيد الصنابحي قال حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق بن إبراهيم فقال بعضهم بل إسحاق الذبيح فقال معاوية سقطتم على الخبير كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فاتاه الأعرابي فقال يا رسول الله خلفت البلاد يابسة والماء يابسا هلك المال وضاع العيال فعد علي بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينكر عليه فقلنا يا أمير المؤمنين وما الذبيحان قال إن عبد المطلب لما امر بحفر زمزم نذر لله ان سهل الله امرها ان ينحر بعض ولده فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله فأراد ذبحه
فمنعه أخواله من بنى مخزوم وقالوا ارض ربك و افد ابنك قال ففداه بمائة ناقة فهو الذبيح وإسماعيل الثاني) (١).
وهذا نص كلام أبي طالب (عليه السلام) الذي يؤكد فيه أنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، وأنّ الرسول لا يوزن به أحد من الرجال عقلاً وخلقاً وديناً:
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال: الحمد لرب هذا البيت، الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي هذا - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه ولا عدل له في الخلق وإن كان مقلاً في المال فإن المال رفد جار وظل زائل وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها والمهر علي في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل، ثم سكت أبو طالب وتكلم عمها وتلجلج وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر وكان رجلاً من القسيسين فقالت خديجة مبتدئة: يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها وادخل على أهلك قال أبو طالب: أشهدوا عليها بقبولها محمداً وضمانها المهر في مالها، فقال بعض قريش يا عجباه المهر على النساء للرجال، فغضب أبو طالب غضبا شديدا وقام على قدميه وكان ممن يهابه الرجال ويكره غضبه، فقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلا الأثمان وأعظم المهر وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي، ونحر أبو طالب ناقة ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله بأهله وقال رجل من قريش يقال له: عبد الله بن غنم:
هنيئاً مريئاً يا خديجة قد جرت لك الطــــــــ ير فيما كان منك بأسعـــــد
تــــ ـــزوجـــــــتـــــــه خـــــــيـــــــر الـــــــبـــــــريـــــــة كـــــــلـــــــهـــــــا ومــــــــن ذا الذي في الناس مثــــل محمـــــــــــــــــد
وبشر به البر ان عيسى بن مريم وموسى بن عمران فيا قرب موعد أقـرت بــــــه الـكـتــــــاب قــــــدمــــــا بــــــأنــــــه رســـــــــول من البطحـــــــــاء هاد ومهتــــــــد) (١).
![]()
يطرح المشككون شبهة تتعلق بعدم إيمان والد الرسول ووالدته بالله، وكذلك الحال بالنسبة لجدّه عبد المطلب الذي كفله بعد موت أبيه، وعمّه أبي طالب الذي كفله بعد موت جده، وهذا لا يتناسب مع كونه رسولاً من الله!

يستند المشككون في شبهتهم إلى ما ورد في بعض كتب أهل السنة.
روى مسلم في صحيحه: (عن انس أن رجلاً قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي أباك في النار) (٢). و
وروى أيضاً: (عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) (٣).
ولهذا، فالنتيجة التي انتهى إليها بعض علماء أهل السنة هي القول بأنّ والدي الرسول (وحاشاهما) ماتا كافرين، منهم النووي والعظيم آبادي (٤).
لكن قسم ثانٍ من علمائهم قال بنجاتهما؛ لأنهما ماتا في زمن فترة وقبل بعثة الرسول، منهم المناوي والآبي (٥).
وقسم ثالث قال بأنهما ماتا على الحنيفية "دين إبراهيم"، منهم الرازي الذي حكم على جميع آباء الرسول إلى آدم بأنهم موحدون (١)، وكذا السيوطي.
قال السيوطي: (المسلك الثاني: إنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم، وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي) (٢).
وقسم رابع قال بأنّ الله أحياهما للرسول وماتا مؤمنين به، ذهب لهذا الرأي جمع من المحدثين والحفاظ كالقرطبي ابن حجر(٣). و
وقسم خامس ذهب إلى التوقف وأنّ الله أعلم بحالهما (٤).
وهكذا يتضح أنّ المسألة (بخصوص والدي الرسول) بالنسبة لأهل السنة غير محسومة، وبالتالي لا يصح تعويل المشككين على رأي بعض علماء السنة واعتبار الأمر طعناً بالرسول.
أما بخصوص جدّه عبد المطلب فالعجب أنهم اختلفوا فيه أيضاً (٥) بالرغم من أنهم يروون إدارته لشؤون بيت الله الحرام وأشعاره الإيمانية ومعرفته السابقة بالرسول وحفره لزمزم و افتخار الرسول به يوم حنين وقوله: "أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب" (٦) عند اشتداد الأمور، وهل يصح عندهم افتخار الرسول به لو كان قد مات على غير التوحيد؟!
أما أبو طالب (عليه السلام)، فلم تشفع له أشعاره (التي رواها الجميع في سيرته) الدالة على إيمانه بالله والرسول، ولم تشفع له مو اقفه التي لولاها لما بقي للرسول والإسلام ذكر، لم يشفع له كل هذا واشتهر عند أهل السنة القول بعد إيمانه!
هذا، ولكن الصحيح بحسب النصوص الدينية الواردة عن الرسول وأوصيائه (صلوات الله عليهم) أنّ أبوي الرسول وجده وعمه (عليهم السلام) كلهم موحّدون مؤمنون بالله ولم يشركوا به طرفة عين.
قال تعالى: "وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ" [الشعراء: ٢١١٩ ].
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات، حتى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنسني بدنس الجاهلية) (١).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (..... ثم أودعنا بعد ذلك صلب آدم عليه السلام فما زال ذلك النور ينتقل من الأصلاب والأرحام، من صلب إلى صلب، ولا استقر في صلب إلا تبين عن الذي انتقل منه انتقاله، وشرف الذي استقر فيه، حتى صار في عبد المطلب، فوقع بأم عبد الله فاطمة، فافترق النور جزئين: جزء في عبد الله، وجزء في أبي طالب عليه السلام، فذلك قوله تعالى: "وتقلبك في الساجدين" يعني في أصلاب النبيين وأرحام نسائهم، فعلى هذا أجرانا الله تعالى في الأصلاب والأرحام، حتى أخرجنا في أوان عصرنا وزماننا، فمن زعم أنا لسنا ممن جرى في الأصلاب والأرحام، وولدنا الآباء والأمهات فقد كذب) (٢).
وعن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام): (قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله أين كنت وآدم في الجنة؟ قال: كنت في صلبه وهبط بي إلى الأرض في صلبه، وركبت السفينة في صلب أبي نوح وقذف بي النار في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق لي أبوان على سفاح قط لم يزل الله عز وجل ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة هادياً مهدياً حتى أخذ الله بالنبوة عهدي، وبالإسلام ميثاقي وبين كل شيء من صفتي، وأثبت في التوراة والإنجيل ذكري، ورقى بي إلى السماء وشق لي اسماً من أسمائه، أمتي الحامدون فذو العرش محمود أنا محمد) (٣). و
وعنه أيضاً: (عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته له: يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجارها الله له في الاسلام، حرم نساء الآباء على الأبناء فأنزل الله عز وجل: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله عز وجل: "واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه - الآية" ولما حفر زمزم سماها سقاية الحاج، فأنزل الله: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر - الآية" وسن في القتل مائة من الإبل فأجرى الله عز وجل ذلك في الاسلام، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسن فيهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى الله ذلك في الاسلام. يا علي إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم عليه السلام) (١).
وعنه أيضاً: (نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك، فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب) (٢).
وعنه أيضاً: (يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة واحدة، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك) (٣).
وعنه أيضاً: (إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الايمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. ...
عن إسحاق بن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً؟ فقال: كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبياً كموسى خط في أول الكتب) (٤).
وأيضاً: تقدم كلام أبي طالب (عليه السلام) في خطبة زواج رسول الله من السيدة خديجة وهو مفعم بالإيمان بالله وبإبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال: الحمد لرب هذا البيت، الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه) (١).
و أيضاً: لأبي طالب في رسول الله (صلى الله على وآله) قصيدة لامية تؤكد إيمانه بالله والرسول حين يقول مخاطباً قريش (٢):
وما مثله في الناس سيد معشر إذا قايسوه عند وقت التحاصل
فأيـــــــــــــــــــــــــده رب العبـــــــــــــــــــــــــاد بنـــــــــــــــــــــــــوره وأظهـــــــــــر دينـــــــــــاً حقـــــــــــه غيـــــــــــر زائـــــــــــل
ويقول فيها:
كــــــذبــــتــــم وبــــيــــــت الله نــــتــــرك مــــكــــــة ونــــــظــــــعــــــن الا أمــــــركــــــم فــــــي بــــــلابــــــل
ك ذبتم وبيت الله نبذي محمدا ولمــــــــــــــا نطــــــــــــــاعن دونــــــــــــــه ونناضــــــــــــــل
ويقول أيضاً:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ربيع اليتــــــامى عصــــــــــــمــــــة للأرامــــــل
تطيف به الهلال من آل هاشم فهـــــــم عنـــــــده فـــــــي نعمـــــــة وفواضـــــــل
وميزان صدق لا يخيس شعيرة وميـــــــــزان عـــــــــدل وزنـــــــــه غيـــــــــر عائـــــــــل
ولما أجدبت مكة وما حولها باحتباس المطر عنها، قال عمر بن خارجة: (فإذا قريش قد اجتمعت بالأبطح، وارتفعت ضوضاؤها، فقائل منهم يقول: اعبدوا اللات والعزى،
وقائل منهم يقول: اعبدوا المناة الثالثة الأخرى، فقام إليهم رجل منهم من أهل الكتاب، يقال له: ورقة بن نوفل، فقال: يا معشر قريش، أين تذهبون؟ وأنى تؤفكون؟ فيكم بقية إبراهيم عليه السلام، وسلالة إسماعيل، فقالوا: كأنك تعني أبا طالب، فقال: أجل، فلم نلبث إذ خرج علينا أبو طالب من دار نسائه، وعليه حلة خضراء، وكان رأسه يقطر من دهانه، فقاموا إليه بأجمعهم وأنا منهم، وقالوا: يا أبا طالب قد قحطت البلاد، وأجدبت العباد، فهلم فاستسق بنا، فقال: نعم موعدكم دلوك الشمس، وقت هبوب الريح، يعني بالدلوك الزوال، فلما زالت الشمس، فإذا بأبي طالب قد أقبل نحو الكعبة، وحوله الغيلمة من بني عبد المطلب، وفي وسطهم غلام كأنه شمس دجن، إذا نفرت عنها غمامة قتما، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل أبو طالب حتى أسند ظهره إلى الكعبة في مستجارها، ثم رمق السماء بعينه، ولاذ بإصبعه، وحرك شفتيه، ونضنضت (حركت لسانها) الأغيلمة حوله كذلك، وما في السماء يومئذ قرعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، ونما ودنا، وكثف وأوكف (سال)، وأسجم و أقتم، واغدودق وأبرق، واثعنجر (انصب) واسحنفر (كثر ، ثم سح سحاً، أفعم منه الوادي، وأخصب له البادي) (١). صبّه)
وهذا موقف لأبي طالب (عليه السلام) ينصر فيه الرسول في مطلع بعثته:
(بينا النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام، وعليه ثياب له جدد، فألقى المشركون عليه سلا ناقة (جلدة من رحمها) فملؤوا ثيابه بها، فدخله من ذلك ما شاء الله، فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم كيف ترى حسبي فيكم؟ فقال له: وما ذاك يا ابن أخي؟ فأخبره الخبر، فدعا أبو طالب حمزة، وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلا. ثم توجه إلى القوم، والنبي صلى الله عليه وآله معه، فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه، ثم قال لحمزة: أمر السلا على سبالهم، ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثم التفت أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا) (٢).
والخلاصة: إنّ والدي الرسول وجدّه وعمّه (عليهم السلام) مؤمنون بالله موحّدون طاهرون ودينهم الذي يدينون لله به هو دين جدّهم إبراهيم (عليه السلام)، وهو من مفاخر الرسول وليس من أسباب الطعن به كما توهم المشككون.
![]()
بحسب المؤرخين: يوم الفجار معروف عند العرب، وهي حرب شرسة حدثت بين كنانة وقيس عيلان في الأشهر الحرم قبل بعثة الرسول، وسببها: إنّ ملك الحيرة "النعمان بن منذر" أرسل قافلة مع عروة بن عتبة الرحّال من قبيلة قيس إلى سوق عكاظ للتجارة، فتبعه البراض بن قيس الكناني وقتله قرب السوق فجمع الطرفان جموعهما و اقتتلوا في عكاظ قتالاً شديداً (١).
ولما كانت الحرب باطلة وأدّت إلى إزهاق نفوس بريئة فيها، اعتبر المشككون اشتراك الرسول فيها مع أعمامه منافياً لكونه رسولاً إلهياً!

الطعن الذي تقدّم به المشككون على الرسول لا يصح؛ لسببين:
الأول: إنّ المؤرخين الذين ذكروا اشتراك الرسول في الحرب مع أعمامه قالوا إنّ عمره لم يكن يتجاوز خمس عشرة سنة أو عشرين سنة (٢)، وهذا يعني أنه أمر حصل قبل بعثه وإرساله بأكثر من عشرين عاماً، وبالتأكيد، في ذلك الوقت لم يكن الرسول يتمكّن من ممارسة دوره الإصلاحي و إقامة العدل والصلاح بين الناس.
والثاني: لم يكن الرسول قد اشترك في الحرب فعلياً أو ساهم بقتل أحد، وإنما كان يرد عن أعمامه نبل الطرف الآخر لا أكثر.
قال ابن هشام: (وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كنت أنبل على أعمامي" أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها) (١).
وبالتالي، فحتى مع افتراض تواجد الرسول في بعض أيام الحرب مع أعمامه وتصديقنا برواية المؤرخين، فإنّ ذلك لا يطعن بعصمته ورسالته شيئاً يذكر بالنحو الذي بيّناه.
والعجيب أنّ قسماً آخر من المشككين نحا منحى آخر فزعم أنّ عدم اشتراك الرسول في حرب الفجّار - واتصاف شخصيته بالعفو والرقّة - دليل على عدم قدرته على الجهاد والحرب وعدم الدراية الكافية بها مع أنّ المعرفة بها أمر ضروري وقد يضطر إليه كثير من الرسل في مقطع زمني من دعواتهم كشأن أي صاحب دعوة إصلاحية كبرى!
يقولون هذا، والحال أنهم - وكذا غيرهم - يرون أنّ الرسول باشر بدعوته فعلاً وتحمّل أقسى صفحات الألم في سبيل هداية الخلق، وبعد هجرته إلى المدينة اضطره أعداء الله إلى منازلتهم في حروب كثيرة دفاعية سطّر فيها الرسول أروع صورة الشجاعة والحكمة والحنكة التي أبهرت قريش ومن تحالف معها من قبائل العرب واليهود بما يمتلكون من فرسان وقادة مشهود لهم بالكفاءة والحنكة العسكرية، لكن الرسول ووصيّه (عليهما السلام) تمكنّا من إذلال قادة الشرك والنفاق وكسر شوكتهم وكان لهما الكعب المعلّا، ولتذهب أوهام المشككين المريضة أدراج الرياح، بل وليندبوا ما تبقّى من حظّهم ما شاءوا!
![]()
لا شك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) رعى الأغنام منذ طفولته، ورعاها كذلك لأهل مكة. وأيضاً عمل بالتجارة في شبابه.
بعض المشككين اعتبر أنّ الرعي والعمل بالتجارة مهن وأعمال لا تنسجم مع الرسالة والبعث الإلهي!

لا أعلم حقيقة السبب في عدم انسجام العمل بالرعي والتجارة مع البعث والإرسال الإلهي، وهل يوجد في هذين العملين - مثلاً - عيب أو شيء يخل بشرف الإنسان أو كرامته أو يحط من قدره بحيث يمتنع معه صدق بعثه وإرساله من الله لاحقاً، وما هو ذلك العيب المخل بالضبط؟!
وعموماً، لا يصح طعنهم وتشكيكهم بالرسول سواء بالنسبة إلى رعيه الغنم أو عمله بالتجارة.
١- أما رعي الغنم:
فلأن موسى (عليه السلام) كليم الله ورسول من أولي العزم من الرسل ولم يضرّه كونه راعياً للأغنام، قال تعالى: "قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى" [طه: ١٨ ].
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (بعث داود وهو راعي غنم، وبعث موسى وهو راعي غنم، وبعثت أنا أنا أرعى غنماً لأهلي بجياد) (١). و
وليس هذا فحسب، ولكن الرعي مهنة جميع الأنبياء، فما من نبي من أنبياء الله إلا ورعى الغنم، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (قال النبي صلى الله عليه وآله: إني كنت أنظر إلى الإبل والغنم وأنا أرعاها وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم وكنت أنظر إليها قبل النبوة وهي متمكنة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتى تذعر فتطير، فأقول: ما هذا!
وأعجب حتى حدثني جبرئيل عليه السلام أن الكافر يضرب ضربة ما خلق الله شيئا إلا سمعها ويذعر لها إلا الثقلين، فقلت: ذلك لضربة الكافر فنعوذ بالله من عذاب القبر) (١).
وأيضاً: من المعلوم أنّ الرسول نشأ يتيم الأبوين، وقد كفله جده عبد المطلب ثم بعد وفاته كفله عمه أبو طالب، وكان أبو طالب كثير العيال مقل المال، فأكيد أنّ الرسول كان يسعى لكسب رزقه لئلا يثقل على عمّه.
قال (صلى الله عليه وآله): (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: أنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط) (٢). و
وواحدة من حكم ذلك (رعي الأنبياء الغنم) أنّ الله يعلم أنبياءه رعاية الناس والقدرة على تحملهم ومدارتهم والصبر على إصلاحهم ورعاية شؤونهم، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما بعث الله نبياً قط حتى يسترعيه الغنم، يعلمه بذلك رعيه الناس) (٣).
٢- وأما التجارة:
فلأنا عرفنا أنّ أنبياء الله كانوا يعملون برعي الغنم، وأيضاً: كان لدى بعضهم مهن وأعمال أخرى، فقد كان آدم يعمل بالحرث والزراعة، وإدريس بالخياطة، ونوح بالرعي والنجارة، وإبراهيم بالرعي وتربية المواشي، وداود بالحدادة، وزكريا وعيسى بالنجارة، وبعضهم كان يعمل بالتجارة مثل: هود (٤).
لم يكن أنبياء الله ورسله يعتاشون على أموال الناس، أو يقبلون أن يكونوا عالة على غيرهم، أو يبحثون عن خدم تخدمهم أو تنفق عليهم، وإنما كانوا يعيشون بكسب أيديهم، وهذا هو شأن العظماء الحقيقيين.
ذكر الطبرسي عن الحواريين الذين اتبعوا عيسى (عليه السلام): (وروي أنهم اتبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله! جعنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلاً كان أو جبلاً، فيخرج لكل انسان منهم رغيفين يأكلهما. وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله! عطشنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلاً كان أو جبلاً، فيخرج ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منا، إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك واتبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالكراء) (١).
وعلى هذا الأساس، كان الرسول - كغيره من أنبياء الله - يعمل قبل بعثته بالرعي والتجارة، وبخصوص التجارة: فنتيجة صدق الرسول وأمانته وبركته أوكلت له السيدة خديجة (عليها السلام) إدارة أموالها وعملها التجاري، وفعلاً سافر الرسول إلى الشام وكان سبباً في ربح تجارتها وأموالها بشكل كبير كما هو ثابت في كتب السير والتاريخ.
ولا يكاد ينقضي عجبي من بعض المشككين الذين حاولوا استغلال سفرة الرسول الاقتصادية تلك للطعن به واتهامه بتعلم دين النصرانية واليهودية! وكأنّ الذي التقاهم الرسول في سفره إلى الشام هم مجموعة من أحبار ورهبان اليهود والنصارى وقضى أيام سفره في أديرتهم وصوامعهم؟!! علماً، إنّ رؤية الرسول لبحيرا الراهب في الشام كان في سفرة له سابقة مع عمّه أبي طالب (عليه السلام) وكان عمر الرسول حينها تسع سنين، وسيأتي الحديث عنها لاحقاً.
أعتقد إنّ الحقد والتعصّب الأعمى في التحامل على شخصية الرسول جعلت هؤلاء يفقدون توازنهم ويحلّلون الأمور بشكل بعيد جداً عن سير الأحداث والوقائع التاريخية وبطريقة غير منطقية ولا مقبولة عقلاً.
والخلاصة التي أريد أن أنتهي لها هنا، هي: إنّ عمل الرسول في رعي الأغنام أو التجارة لاحقاً لا يؤثر من قريب أو بعيد على صدقه وأمانته وتحلّيه بمكارم الأخلاق وإخلاصه الذي أهّله للاصطفاء الإلهي وبعثه من قبل الله رسولاً ورحمة للعالمين جميعاً.