الفصول
التعامل مع النساء
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم
![]()

يتهم المشككون الإسلام والرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بالوقوف موقفاً سلبياً من المرأة وامتهانها وانتقاص قدرها وكرامتها.
وقبل استعراض الشبهات لابد من مقدمة:
المرأة بين واقعين؛ قبل الرسول وبعده:
لا يختلف اثنان من الباحثين على أنّ الرسول بعث في أمة كانت تتعامل مع المرأة ككائن أقل من الرجل قيمة إنسانية بكثير، كان الرجل يعتبرها عالة عليه ومملوكة له، بل خلقت لأجل خدمته ليس إلا. لم تكن المرأة تملك من أمرها شيئاً بما في ذلك قرار حياتها، فهي مهددة بسلب حقها في الحياة متى ما قرّر الرجل ذلك، وكذلك بالنسبة إلى سائر الحقوق. كانت تبتز في مالها، وتُزوَّج بلا مهر أو بمهر لا تملك من التصرف فيه شيئاً، وتورَّث كما يورث المتاع أو الدابة!
(كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأة الميت إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها) (١).
الو اقع المرير الذي كانت تعيشه المرأة في الجاهلية الأولى يبدأ من حين ولادتها، فمنذ اللحظة الأولى التي تدخل فيها الأنثى هذه الحياة يكون قرار بقائها على قيد الحياة أو دفنها في التراب وهي حيّة بيد الرجل، علماً أنّ دفنها وهي حية لم يكن لذنب اقترفته وإنما لكونها
أنثى لا تستطيع حمل السيف والقتال لا غير! وقد قصّ القرآن حال الكثير من العرب من هذه الجهة، إذ قال تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَأَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَ ادا وَهُوَكَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"
[النحل: ٥٩ - ٥٨ ].
لكن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بعد بعثه وإرساله من الله أحدث في تلك البيئة الذكورية المتخلّفة انقلاباً واضحاً من حيث النظر للمرأة ككائن حي متساوي مع الرجل تماماً في القيمة الإنسانية، والتأهيل لاستقبال الخطاب والتكليف الإلهي بنفس الدرجة التي يخاطب بها الرجل، قال تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللََّّ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَُّّ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [الأحزاب: ٣٥ ].
المرأة - بنظر الإسلام - مخلوق كامل الأهلية لتحمّل التكاليف الإلهية، فهي كالرجل في استحقاق نفس المثوبة عند الطاعة ونفس العقوبة عند المعصية وفي استحقاق المدح والذم على حد سواء، عدا ما استثني بحسب ما تقتضيه طبيعتها التي خلقت عليها، كعذرها عن الصلاة والصيام في بعض الأيام أو اعفائها من الجهاد القتالي أو أمر يتسبّب بخدش عفتها أو ظهور مفاتنها بين الرجال (وهي قيمة عليا يحرص المشرع الإلهي للحفاظ عليها) كالحجاب وامامة الصلاة بالرجال مثلاً.
الرسول (صلى الله عليه وآله) بثورته الإصلاحية وتعاليمه الحكيمة قلب ميزان التفاضل بين الرجل والمرأة المعمول به في البيئة التي بعث فيها من التفاضل المادي القائم على أساس الجسد حيث يتم تفضيل الرجل على المرأة لأنه ذكر قادر على الغزو والقتال إلى التفاضل وفق المقياس المعنوي الذي يتصل بجانب التقوى ونقاوة الروح وسلامة الفطرة ومخافة الله وفعل أوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَِّّ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللََّّ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"
[الحجرات: ١٣ ].
ولهذا (وفق تقييم الله ورسوله) قد تفوق امرأة واحدة شعوباً من الرجال نتيجة تقواها التي لا يوزن بها تقوى شعوب ذكورية ولو استعان بعضهم ببعض!
بحسب ما نعتقد فإنّ أوصياء الرسول من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) هم أفضل خلفاء الله طرّاً بعد جدهم وأبويهم، ومع هذا سبقتهم أمهم فاطمة في الفضل والقرب الإلهي وصارت حجة عليهم، وفاطمة أنثى!
يقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (نحن حجج الله على خلقه وجدّتنا فاطمة عليها السلام حجة الله علينا) (١).
ثم إننا لو استعرضنا أحاديث الرسول وأوصياؤه في البر بالوالدين والأم خصوصاً لطال بنا الكلام؛ لأنهم (صلوات الله عليهم) منحوا المرأة كأمّ قسطاً كبيراً من تعاليمهم ووصاياهم، وهذا مثال لقول حفيد الرسول الإمام الصادق (عليه السلام):
(عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: "وبالوالدين إحسانا" ما هذا الاحسان؟ فقال: الاحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس يقول الله عز وجل: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام وأما قول الله عز وجل: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما" قال: إن أضجراك فلا تقل لهما: أف، ولا تنهرهما إن ضرباك، قال: "وقل لهما قولا كريما" قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم، قال "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما) (٢).
كان الرسول يعتبر طاعة الوالدين "الأب والأم" من الإيمان، حيث (إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئاً وإن حرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الايمان) (٣).
و(جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك) (١).
ولما شكى إليه رجل سوء خلق أمّه، قال: (لم تكن سيّئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر، قال: إنّها سيّئة الخلق قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين، قال: إنّها سيّئة الخلق، قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها، قال: لقد جازيتها، قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي، قال: ما جازيتها ولا طلقة) (٢).
(وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام: أنت أبر الناس بأمك ولا نراك تأكل معها قال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها) (٣).
أما المرأة كبنت، فالأنثى التي كان العرب تسودُّ وجوه الكثير منهم عند التبشير بولادتها، صاروا ينظرون إليها - بفضل تعاليم الرسول وأوصيائه - على أساس أنها حسنة وريحانة وبركة يترتب على تربيتها وتنشئتها تنشئة صالحة الجنة والأجر الجزيل لمربّيها!
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (البنات حسنات والبنون نعمة فإنما يثاب على الحسنات ويسأل عن النعمة) (٤).
ولما (بشر النبي صلى الله عليه وآله بفاطمة عليها السلام فنظر في وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم فقال ما لكم ريحانة أشمها ورزقها على الله عز وجل) (٥).
كان يقول: (الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة) (١)، سواء كان ذكراً أو أنثى. وكان ولده الصادق (عليه السلام) يقول: (إن الله عز وجل ليرحم الرجل لشدة حبه لولوده) (٢)؛ ذكراً كان أو أنثى.
(عن الحسن بن سعيد اللحمي قال: ولد لرجل من أصحابنا جارية فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فرآه متسخطا فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أرأيت لو أن الله تبارك وتعالى أوحى إليك أن أختار لك أو تختار لنفسك ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: يا رب تختار لي، قال: فإن الله قد اختار لك، قال: ثم قال: إن الغلام الذي قتله العالم الذي كان مع موسى عليه السلام وهو قول الله عز وجل: "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة أقرب رحماً" أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبياً) (٣). و
كان الرسول يوصي بإكرام الأولاد الذكور والإناث معاً، فيقول: (أكرموا أولادكم وحسنوا آدابهم يغفر لكم) (٤)، ويوصي أيضاً بالعدالة بينهم، فيقول: (اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف) (٥)، بل ويوصي بتقديم الأنثى بالهدية والعطاء، يقول: (من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإنه من فرح أنثى فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقر بعين ابن فكأنما بكى من خشية الله ومن بكى من خشية الله أدخله الله جنات النعيم) (٦).
ولم يكن الرسول ليكرم المرأة كبنت فحسب، ولكنه أكرم المرأة كأخت أيضاً، فقد (أتته أخت له من الرضاعة فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليه ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت وذهبت وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها،
فقيل له: يا رسول الله صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟! فقال: لأنها كانت أبر بوالديها منه) (١).
وقال يوماً لأنجشة وهو يحدو ركباً يحمل نساء: (رويدك، رفقاً بالقوارير) (٢). وهو تشبيه غاية في الروعة ويكشف عن حرص الرسول على عدم إيذاء المرأة بعد تشبيهه لها بالقارورة التي تحتاج - بطبيعة الحال - إلى مداراة شديدة ولطف في التعامل.
المرأة كزوجة كان لها نصيب و افر من تعاليم الرسول أيضاً، حيث كان يقول: (أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة) (٣)، ويقول: (خيركم خيركم لأهله أنا خيركم لأهلي) (٤). ولا يقبل لأحد من أصحابه أن يهجرزوجته و ويمنعها حقوقها المشروعة، فلما (جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مغضباً يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم واصلي وألمس أهلي ...) (٥). وكان يقول: (هلك بذي المروة أن يبيت الرجل عن منزله بالمصر الذي فيه أهله) (٦).
المرأة التي كانت لا تملك من أمرها شيئاً مطلقاً بما في ذلك حقها في اختيار الزوج المناسب لها وحق التصرّف في المهر الذي كان الأب والأخ يعتبره ثمناً يتملكه مقابل دفعها لزوجها، صارت بفضل حماية الرسول لها تمتلك ذلك الحق، بل ولا يعدّ الزواج شرعياً ما لم يحرز فيه رضا المرأة، كما أنها صارت تملك مهرها المسمّى في عقد الزواج، ولها وحدها الحق في التصرف فيه ولا يحق لأحد أن يمنعها منه.
الزواج بين الرجل والمرأة لم يعد غرضه الأساس سد الحاجة البايولوجية لكل منهما (الرجل بالذات بحسب العرف الجاهلي السائد قبل بعثة الرسول) فحسب، ولكنه أصبح بفضل تعاليم الرسول بناءً مقدساً، إذ كان يقول: (ما بني بناء في الاسلام أحب إلى الله عز وجل من التزويج) (١)؛ خصوصاً مع عضده بمنظومة متكاملة من النصح والتوجيه الذي أسداه الرسول وأوصياؤه لكلا الزوجين؛ ابتداء من نصح كل منهما في اختيار الزوج والشريك، مروراً بإرشادهما في التعامل فيما بينهما برحمة ومداراة وخدمة متبادلة، انتهاء بأدق التفاصيل التي تضمن مراعاتها بناء أسرة نموذجية مؤهلة لأن تكون لبنة صالحة في المجتمع الإلهي الذي ينشده الرسول.
واضح جداً للباحث في هذه الصفحة من سيرة الرسول وتعاليمه أنّ خطة رسول الإسلام بما تنشده من أهداف إلهية مرسومة تسعى إلى تحقيقها، تنتظر من المرأة ما تنتظره من الرجل تماماً، ولأن البناء الصحيح لا يتم بدون العلم والمعرفة كخطوة مهمة وأساسية في طريق البناء الصحيح، جعل الرسول طلب العلم فريضة على المسلمين جميعاً رجالاً ونساء، قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) (٢).
والأكثر من هذا، فنحن نعتقد أنّ هناك بعض المواضع التي يكون للمرأة فيها دور وتأثير أكبر من تأثير الرجل، ولهذا شاءت الخطة الإلهية أن يكون للسيدة زينب بنت علي (عليها السلام) حضور فاعل وأساسي في و اقعة كربلاء، وقد استطاعت إضافة إلى دورها في حفظ الإمام من آل محمد من القتل لئلا تخلو الأرض من حجة لله وكانت مستعدة لبذل نفسها فداء له، وكذلك دورها في حفظ عيال أخيها الحسين (صلوات الله عليه) وأيتامه بعد استشهاده، كان لها - أيضاً - النصيب الأوفر في فضح طغاة بني أمية وتعرية سياستهم الظالمة والمنحرفة عن دين الله ونهج الرسول، وقد نجحت في ذلك نجاحاً باهراً وانتصر الله بها لدينه نصراً مؤزراً.
الإسلام ورسوله وأوصياء الرسول إذن لم يضعوا على المرأة قيوداً تعيق مسيرتها الإنسانية التكاملية نحو الحق والعدل والصلاح الذي ينشده جميع الأسوياء والعقلاء، بل مهّدوا للمرأة - أي امرأة - الطريق لسلوك ذلك الدرب المحفوف بالتعب والعناء ووعدوها
خير الآخرة والدنيا بعد أن اعترفوا للسائرة في طريق الحق من النساء بجميل الصنع والجزاء الجزيل كاعتر افهم لسالك نفس الدرب من الرجال تماماً.
يقول السيد أحمد الحسن: (المرأة يمكن أن يكون لها دور في كثير من المواضع في الدولة الإلهية لو شاء الله و أقيمت في زمن ما، فالمرأة لا تقل كفاءة عن الرجل في كثير من المواضع والأعمال بل في بعض الأعمال المرأة أفضل من الرجل بكثير. والإسلام لا يضع قيوداً على تولي المرأة حتى لمناصب تقود فيها المجتمع متى ما كانت مؤهلة لذلك وتؤدي العمل بصورة تامة وصحيحة) (١).
والآن، بعد أن عرضنا حال المرأة في حقبتين زمنيتين باختصار، صار بوسعنا أن نقارن بين حال المرأة قبل بعثة الرسول التي كانت فيها بمثابة السلعة التي تباع وتشترى وتستعمل كأداة لقضاء الجنس والمتعة إن حالفها الحظ بالبقاء على قيد الحياة ولم تدفن بالتراب، وبين حال المرأة بعد بعثة الرسول الذي عرفنا شيئاً منه. ولا أعتقد أنّ إنساناً منصفاً يطلع على صفحة العطاء المحمدي هذه ولا ينحني أمامها أو لا يبهره جميل صنيعها وما أحدثته من ثورة تغيير جذري رفعت من رصيد المرأة وأعادت لها قيمتها الإنسانية كاملة؛ عالمة كانت أو مربيّة أو مجاهدة بالكلمة أو ثائرة بوجه الطغاة وسائرة في طريق الحق والهدى، سواء كانت بنتاً أو أختاً أو زوجة أو أمّاً كريمة، ويبقى ما يثيره المشككون والملحدون في زعم امتهانها وانتقاص قدرها مجرد حقد على رمز إنساني وقيمه الحضارية والإنسانية الخالدة.
![]()
لا شك أنّ النص القرآني الذي أتى به الرسول تضمن تحديد حصة الأنثى المسلمة من الإرث وأنها نصف حصة الذكر، قال تعالى: "يُوصِيكُمُ اللَُّّ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" [النساء: ١١ ]. ما أثار عاطفة المشككين والملحدين الذين اتهموا القرآن والرسول بالتمييز وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وبالتالي ظلم المرأة!

استعرضت هذا الإشكال في كتاب "دفاع عن القرآن" وتحديداً في الشبهة ( ٤٣ )، وهذا نص الجواب:
١- ينبغي - ابتداء - الاعتراف بأنّ المرأة تتساوى مع الرجل في أمور ولا تتساوى مع الرجل في أمور أخرى، وهذا واضح وإنكار ذلك مجرد مكابرة وعناد لا أكثر، فمثلاً: على مستوى القيمة الإنسانية والإدراك العقلي يتساوى الطرفان، ولكن المرأة لا تتساوى مع الرجل على مستوى البنية والقوة العضلية - مثلاً - كما هو واضح. هذا على المستوى الجسدي، وكذلك الحال على المستوى النفسي، وأيضاً: على مستوى التعامل الديني في بعض الأمور، فمثلاً: أوجب القرآن على المسلمين الذكور قتال من يقاتلهم ولم يوجب مثل ذلك على المرأة.
وبخصوص الجانب المالي، أوجب الدين على الرجل القيمومة والنفقة على من يعيل بهم ولم يوجب مثل ذلك على المرأة، كذلك أوجب عليه دفع الصداق "المهر" لمن يريد الزواج بها وليس عليها شيء من ذلك.
ولذلك لما سأل محمد بن سنان الإمام الرضا (عليه السلام) عن علة إعطاء النساء نصف ما يُعطى الرجال من الميراث أجابه: (لأن المرأة إذا تزوجت أخذت والرجل يعطي فلذلك وفر على الرجال، وعلة أخرى في اعطاء الذكر مثلي ما تعطى الأنثى لأن الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت وعليه أن يعولها وعليه نفقتها وليس على المرأة أن تعول الرجل، ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج، فوفر على الرجل لذلك، وذلك قول الله تعالى "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم") (١).
٢- من يفترض أنّ المرأة ظلمت بالتشريع الذي نص عليه القرآن الكريم والإسلام، يجب عليه أولاً بيان الضابط الذي اعتمده في حكمه، وما هو الأساس الذي استند إليه في
تحديد العدل والظلم ومن ثم أطلق حكمه بضرورة المساواة بين المرأة والرجل في كل شيء بما في ذلك الميراث؟
يقول السيد أحمد الحسن: (من يقول إنّ المرأة ظُلمت بتشريع معين مثل الإرث أو الشهادة لابد أن يُبيِّن لنا ميزانه ووزنه القياسي الذي على أساسه يحدد العدل والظلم، وبالتالي قرَّر وقطع أنّ المرأة يجب أن تتساوى مع الرجل في كل شيء، مع أننا نرى جميعاً أنّ المرأة لا تساوي الرجل في كل شيء) (١).
٣- لا يصح التعامل مع القرآن الكريم بأسلوب التقطيع والتجزئة، لأنه أسلوب ظالم في كثير من الأحيان، كما أنه - دائماً - لا يوضح الحقيقة بتمامها، والصحيح أن يؤخذ تشريع القرآن لإرث المرأة ضمن المنظومة التشريعية والقانونية المتكاملة من وجهة نظر الإسلام، فتتم ملاحظة جانبي الحقوق والواجبات معاً بالنسبة للرجل والمرأة على حد سواء، حينها سنجد أنّ منح المرأة نصف حصة الرجل - في حال الاجتماع - هو تقسيم عادل ضمن إطار المنظومة ككل بحكم كثرة مسؤوليات الرجل المالية قياساً بالمرأة كما تقدم.
يقول السيد أحمد الحسن في تتمة كلامه السابق:
(وأيضاً: من يريد أن يوجّه النقد لتشريع معين ضمن منظومة قانونية وتشريعية عليه أن يلاحظ هذا التشريع كجزء من هذه المنظومة، ولا يقتطع هذا الجزء ويعامله بمعزل عن المنظومة ككل.
المفروض أن ينظر إلى حقوق المرأة وواجباتها في القانون الإلهي على الأقل، لا أن ينظر إلى الحقوق فقط ويقول إنّ المرأة أُعطيت حقوقاً أقل من الرجل في القانون الإلهي. لماذا لا ينظر إلى الواجبات ويقول إنّ الرجل حمُّل واجبات أكثر من المرأة في القانون الإلهي؟
وكمثال: شخصان أحدهما كلَّفته ببناء ارتفاعه خمسة طوابق والآخر عشر طوابق، هل من العدل أن أعطيهما نفس كمية مواد البناء ونفس المبلغ للبناء؟ ولو أعطيت صاحب
العشر ضعف صاحب الخمسة هل يصح أن يأتي شخص ويقول أنت ظالم لأنك لم تساوِ بين الاثنين وكلاهما يعمل عندك؟
أعتقد أنّ من يقول إنّ المرأة ظُلمت بهذا التشريع، فكلامه وقراره ارتجالي بعيد عن البحث العلمي الدقيق) (١).
![]()
لا شك أنّ المرأة تتساوى مع الرجل في جانب الإدراك (المقوّم الأساسي للإنسان وتمييزه عن بقية المخلوقات التي تشاركه العيش على هذه الأرض)، وبالتالي فافتراض أن تكون شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل - كما يفترض الإسلام والرسول - هو ظلم كبير لها بحسب ما يرى المشككون.

استعرضت هذه الشبهة أيضاً في كتاب "دفاع عن القرآن" في الإشكال ( ٤٤ )، وهذا نص الجواب:
(صحيح أنّ القرآن الكريم اعتبر شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، قال تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى" [البقرة: ٢٨٢ ]، لكن ليس من الصحيح أن يعتبر ذلك ظلماً للمرأة دون ملاحظة سبب هذا الاعتبار.
ونحن حتى يتضح لنا هذا الأمر ينبغي لنا معرفة ما يلي:
١- لا شك أنّ الشهادة من الأمور القانونية، والقانون إذا كان ينظم سلوكاً اجتماعياً معيناً كما هو الهدف منه فلا يصح - والحال هذه - عزله وفصله عن الظروف والبيئة الاجتماعية التي أدت إلى نشوئه وتقنينه، بمعنى أنّ القانون - أي قانون - لما يراد وضعه
يوضع بلحاظ محيطه ليكون فعّالاً ومفيداً وإلا لا يكون له قيمة فعلية، وهذا أمر يكاد يكون موضع وفاق بين جميع القانونيين.
٢- طالما أدخلنا البيئة والظروف المحيطة بالقانون في الحساب، فلابد من معرفة الظروف المحيطة بالمرأة ونحن نقرأ النص القرآني القانوني: "رجل وامرأتان"، ولا يصح بأي حال من الأحوال محاكمة النص على ضوء ظروف أخرى ومحيط آخر يختلف تماماً عن ظروف تشريع النص القرآني.
بالتأكيد، فإنّ أي متابع منصف لحال المرأة في الأزمنة السابقة ووقت نزول القرآن بالتحديد، يعرف أنها مخلوق مغلوب على أمره ومضطهد ومقهور من قبل الرجل وفق البيئة البدوية السائدة في معظم شبه الجزيرة العربية.
في بيئة يتم التعامل فيها مع المرأة على أساس أنها كائن مغبون مأكول الحقوق مبتز المال محروم الإرث، تورث كما يورث المتاع أو الدابة، إذا ما أرادت أن تدلي بشهادتها في قضية ما، فإنه يسهل جداً التأثير عليها من قبل الأب أو الأخ أو الزوج. ونحن لما نقول المرأة لا نقصد بذلك امرأة معينة بشخصها، وإنما نقصد عموم حال المرأة في تلك الحقبة الزمنية المتخلّفة، وبالتالي فإنّ مثل تلك الظروف تُحدِث ظناً معتبراً لدى القاضي والحاكم في أن تكون شهادتها متأثرة بضغوط من قبل الرجل "أب، أخ، زوج ...إلخ"، في حين يشترط في الشهادة أن تكون اختيارية وغير خاضعة لضغوط معينة، ولهذا فمن الطبيعي جداً أن يفرض المشرّع الإسلامي والنص القرآني وجود شهادة أخرى منضمّة لها كإجراء احتياطي منه، ولهذا ورد في النص القرآني: "أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى".
بهذا يتضح أنّ فرض انضمام شهادة المرأة مع أخرى مثلها هو في غاية الحكمة في مثل تلك الظروف التي تعيشها المرأة. وهذا يعني أننا إذا ما فرضنا وجود ظروف أخرى في مجتمع إنساني معين تتمتع فيه المرأة بكامل حقوقها، ويتم التعامل معها على أساس أنها إنسان حالها حال الرجل، ويمكنها أن تدلي بشهادتها بكل حرية واختيار دون تأثير وضغوط، فلا أعتقد أنّ هناك مانعاً يحول دون اعتبار شهادة المرأة كشهادة الرجل دون أي فرق بعد كون الإدراك فيهما بنفس المستوى.
ولا يقال: إنّ في هذا التصور مخالفة لنص قرآني محكم؛ لأننا عرفنا أنّ الاحتياط القرآني سببه الظروف المحيطة بالمرأة في وقت نزول القرآن ولا شيء آخر. نعم، يفترض - وفق عقيدتنا - أن يحصل مثل هذا الأمر على يد المجدد الإلهي الذي تحدثنا عنه في جواب الإشكال السابق.
يقول السيد أحمد الحسن: (في القرآن أو في الإسلام عموماً هناك منظومة قانونية لنظم حياة المجتمع، وهي منظومة كاملة لا يمكن نقد جزء منها بمعزل عنها ككل فبعضها مرتبط ببعض. وأيضاً: هي كمنظومة قانونية بعض ما فيها من قوانين أو أحكام تناسب محيطها وظروفها، وبالتالي إذا حصل تغير جذري في المحيط أو الظروف المحيطة يجعل تعديلها أو تغييرها بما يناسب التغير أمراً حتمياً وقطعياً، وهذا أيضاً سبب يجعل الناس بحاجة للحجة في كل زمان) (١).
![]()
قال تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَُّّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" [النساء: ٣٤ ].
يعتبر بعض المشككين أنّ قيمومة الرجل على المرأة بحسب ما نص عليه القرآن وتعاليم الرسول فيه ظلم للمرأة وانتقاص من قدرها!

الشبهة باطلة؛ لعدة وجوه:
١- قيمومة الرجل على المرأة لا تعني أفضليته عليها بالقيمة الإنسانية، وإنما تعني أن يكون الرجل متكفلاً بشؤونها ومعيلاً بها وبنفقتها واحتياجاتها.
(علي بن إبراهيم في تفسيره: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" يعني فرض الله على الرجال أن ينفقوا على النساء) (١).
أما مسألة القيمة الإنسانية فلا دخل لها بالقيمومة وأمرها راجع إلى التفاضل بحسب التقوى والقرب الإلهي كما تقدم، ولا مانع وفق هذا المقياس من أن تكون المرأة (الزوجة) أفضل من الرجل (الزوج) قيمة وقدراً عند الله ورسوله بالرغم من أن له القيمومة عليها بمعنى: يجب عليه الإنفاق عليها وسد احتياجاتها.
٢- القيمومة تعني التكفّل، وهي أمر لابد منه في كل تجمع إنساني يراد الحفاظ عليه من التفكك والتشضّي والزوال بالنتيجة، وهو أمر عقلائي ومنطقي ولا يقتصر على كونه أمراً ثابتاً دينياً فحسب، سواء على مستوى التجمعات البشرية الكبيرة أو الصغيرة.
وبخصوص الأسرة فهي مؤلفة من رجل وامرأة وما ينتج منهما بكل تأكيد، وبالتالي فإذا ما أردنا الحفاظ عليها من التفكك وإشاعة روح المودة و الانسجام بين أفرادها بنحو يجعل منها لبنة نافعة في بناء مجتمع إنساني صالح فلا سبيل إلا لأحد خيارين: إما أن يعول الرجل بالمرأة وأطفالها أو العكس، ولا سبيل لقبول فرض إعالة كل منهما نفسه وتكفّل شؤونه الخاصة به فقط، والقائل بهذا إما أنه جاهل بالمقاصد المرجوّة من تأليف الأسرة فيجعل من الأنانية المقيتة هي السائدة والمتحكمة في أجواء الأسرة التي ينشدها والتي تنتهي - بطبيعة الحال - إلى تفكك الأسرة وضياع أفرادها، أو أنه يقصد بطرحه تفكيك الأسر فعلاً وإزالة كل رابطة تجمع بين أفرادها، وهي فكرة موجودة على الساحة اليوم وينظّر لها بعض دعاة التحرر (كما يسمون أنفسهم) ويروّج لها دعاة المثلية الجنسية بالخصوص.
كما أنه - وفق وجهة نظر الإسلام - لا يمكن قبول إيكال مهمة الإنفاق في الأسرة إلى المرأة مع وجود الرجل الأقوى بُنية جسدية كما هو معروف؛ لأن ترك الأقوى بدنياً (الرجل) وتكليف الأضعف بدنياً (المرأة) بالمهمة وتحمل المسؤولية مع ما فيها من مشقة وتعب فيه ظلم واضح للمرأة من جهة، ومن جهة أخرى: لا ينسجم مع الرؤية العامة التي أحاطت به
الشريعة الإلهية المرأة طالما أنّ الرجل موجود ويمكن تكليفه بهذه المهمة التي تتطلب الاختلاط والاحتكاك مع عموم الناس.
وهكذا يتضح أنّ الظلم ليس في تكليف الرجل بمهمة الإنفاق على المرأة، وإنما هو في ساحة من يريد تكليف المرأة بالمهمة ويترك الرجل للراحة والاسترخاء!
٣- قيمومة الرجل في الإسلام مسؤولية شرعية وقانونية يجب عليه تحمّلها والوفاء بها، وهي تنتج حقاً للمرأة لا عليها، وبالتالي فهي - أي القيمومة - لا تتنافى مع حق المرأة في التملك والعمل أو فتح مشاريع اقتصادية خاصة بها مثلاً. مع الالتفات إلى أنّ هذا الواجب الملقى على عاتق الرجل لا علاقة له بالحالة المادية الفعلية للمرأة، فالرجل يجب عليه القيام بمسؤولية الإنفاق حتى لو كانت المرأة ميسورة الحال وسيدة أعمال ويمكنها سد احتياجاتها من مالها الخاص، إلا إذا أرادت هي إسقاط حقها وإبراء ذمة الرجل من الواجب الذي يقع على عاتقه.
فالمسألة - كما نرى - قانونية ولها علاقة بحقوق المرأة، ولهذا يمنح الإسلام المرأة الحق في رفع دعوى قضائية على الرجل إن قصّر في أداء مسؤوليته ولم يقم بالإنفاق على أسرته وللحاكم إجباره على أداء وظيفته.
بهذا يتضح أنّ القيمومة لا تعني ظلم المرأة، ولا تمنح الرجل سلطة التحكم بالمرأة كيفما شاء كما فهم المشككون، وإنما هي واجب ومسؤولية يضعها الإسلام على عاتق الرجل ويلزمه بالوفاء بها، وتنتج للمرأة حقاً يجب على الرجل تأديته لها؛ والنتيجة التي يرجوها الإسلام من ذلك هي الحفاظ على تماسك الأسرة وضمان بقائها. أما إن أساء بعض المسلمين فهمها أو برّروا بعض تصرفاتهم الأسرية الخاطئة بها، فهو أمر يحسب عليهم ولا علاقة للإسلام ولا رسوله الكريم بذلك من قريب أو بعيد.
![]()
قال تعالى: "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَاتَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًاإِنَّ اللََّّ كَانَ عَلِ ايا كَبِيرًا"
[النساء: ٣٤ ].
يرى المشككون أنّ الإسلام - وفق النص القرآني وتعاليم الرسول - يسمح بضرب المرأة، وهذا انتقاص واضح منها!

الإسلام لا يسمح بضرب المرأة ابتداءً، فتعاليم الرسول وأوصيائه تؤكد أنّ حسن الخلق مع الزوجة سبب يوجب تحصيل رضا الله والقرب من الرسول، وهو وفق ما نعتقد مقام إلهي رفيع جداً، حيث كان يقول: (أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً وخيركم لأهله) (١). وفي نفس الوقت حذّروا من سوء الخلق مع الزوجة والإساءة لها حتى بدون ضرب واعتبروه سبباً من أسباب العقوبة الأخروية.
عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وقام أصحابه معه فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب، فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لحده وسوى اللبن عليه ... فلما أن سوى التربة عليه قالت أم سعد: يا سعد، هنيئا لك الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم سعد مه، لا تجزمي على ربك، فإن سعدا قد أصابته ضمة.
قال: فرجع رسول الله، ورجع الناس، فقالوا له: يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسيت بها، قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة؟ قال: كانت يدي في يد جبرئيل عليه السلام آخذ حيث يأخذ. قالوا: أمرت بغسله، وصليت على جنازته ولحدته في قبره، ثم قلت: إن سعدا قد أصابته ضمة؟ قال: فقال صلى الله عليه وآله: نعم، إنه كان في خلقه مع أهله سوء) (٢).
أما الآية أعلاه، فهي تشير إلى مسألة فقهية تعرف بـ "النشوز"، والمسألة - كما نرى - ما هي إلا مفردة وجزئية خاصة تقع ضمن منظومة تشريع كلية وعامة، ولا يصح (منطقياً) عند إرادة النقد الموضوعي لمفردة ما اقتطاعها من الكل الذي تقع ضمنه ونقدها بمعزل عنه وعن دراسته والإحاطة بجميع مقاصده ومعرفة غاياته وأهدافه.
وعموماً، النشوز باختصار: يعني الخروج عن الطاعة، فالإسلام لما حدّد لكل من الزوج والزوجة مجموعة من الحقوق الواجبة، يعتبر عدم تأدية أيّ من الطرفين حقوق الطرف الآخر نشوزاً، فالنشوز قد يحصل من المرأة وقد يحصل من الرجل بأن لا يؤدي للمرأة حقوقها الواجبة أو بعضاً منها.
الرسول وأوصياؤه حدّدوا عقوبة الرجل الناشر في الإسلام في حال رفعت المرأة أمرها إلى الحاكم بعد عدم جدوى وعظها إيّاه، فإنه - أي الحاكم - يقوم بإلزام الزوج بتأدية حقوق الزوجة الواجبة عليه بالطريقة التي تضمن تأدية حقها.
أما عقوبة الزوجة فهي التي ذكرتها الآية المتقدمة، والعقوبة كما نرى تراتبية بين ثلاثة أمور: تبدأ بالوعظ والنصح، ثم في حال عدم الجدوى ينتقل الزوج إلى الأمر الثاني وهو هجرها في المضجع بأن يدير لها ظهره في الفراش (لا أكثر من ذلك)، ثم إن لم ينفع كلا السبيلين ينتقل إلى الأمر الثالث وهو الضرب الذي يشترط فيه:
- الاقتصار على ما يؤمل معه رجوعها إلى الطاعة لا أكثر. - أن لا يكون الضرب مدمياً أو مبرحاً (أي: شديداً ومؤذياً).
واضح أنّ الضرب لا يجوز الابتداء به، وإن وصل إليه الحال فهو سبيل تأديبي لا انتقامي؛ باعتبار أنّ الضرب ليس هو الحالة الطبيعية ولا هو الحالة الصحيحة التي ينبغي العمل بها عادة بين الزوجين في نظر الإسلام، لكنه - على كل حال - سبيل قد يضطر إليه الرجل في بعض الحالات التي لا ينفع مع الزوجة نصح ولا هجر، فجوزت له الشريعة - والحال هذه - استعماله ولكن بشروط مشدّدة - كما عرفنا - ولم تترك الأمر مفتوحاً أو خاضعاً لرغبة الزوج أو تشفّيه وانتقامه.
يقول السيد أحمد الحسن: (ضرب الزوجة ليس حالة طبيعية أو الحالة التي يصح العمل بها عادة، بل في الدولة الإلهية لو أقامت الزوجة دعوى ضرب على الزوج ينظر فيها ولو وجد الزوج مذنباً يعاقب) (١).
![]()
رويت في كتب المسلمين بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول أو أحد أوصيائه تؤكد على عدم مشاورة النساء أو مخالفة رأيهن بعد المشورة. واستغل المشككون هذه الأحاديث للطعن بالإسلام ورسوله بدعوى الانتقاص من المرأة والازدراء منها!

ليس كل ما روي عن الرسول الكريم أو أحد أوصيائه يعتبر صحيحاً ومذكوراً فعلاً من قبلهم، وقد تقدم بيان المنهج الصحيح الذي أرشدونا إليه في تمييز الصادر منهم حقاً عن الدخيل والمكذوب عليهم.
وعموماً، الأحاديث التي يقصدها المشككون في الشبهة مكذوبة على الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ولم تصدر منهم إطلاقاً.
وهذا سؤال وجّه للسيد أحمد الحسن بهذا الخصوص:
[... ما هي المشورة التي فيها يجب أن يخالفها الرجل بها؛ لأن دائماً الرجال عندما يكون موضوع وتتكلم به المرأة معهم وتعطي رأيها يقولون شاوروهن واخلفوهن، وهذا يجعل في القلب حيرة وكسرة؛ لأنهم يحتجون علينا بأهل البيت عليهم السلام ...].
فأجاب: (من السفه أن نقول استشر شخصاً لتخالفه، بل هو من قلة الأدب، وليس كل ما روي عن أهل البيت عليهم السلام صحيحاً، فهناك من أخطأ في النقل عنهم، وهناك من تقصد الافتراء عليهم ليسيء لهم، وما وجدتموه يخالف القرآن وخلق القرآن فأكيد أنه
لم يصدر من أهل البيت عليهم السلام، بل هو نقل خاطئ أو مصحف أو أنه كلام مفترى عليهم) (١).
![]()
روي في مصادر أهل السنة ما يفيد بأنّ المرأة ناقصة عقل ودين، مثل: ما ورد في البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، واللفظ للبخاري:
(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فأني أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال فذلك من نقصان دينها) (٢).
استغل المشككون أمثال هذه الأحاديث للطعن بالإسلام ورسوله الكريم.

هذا الحديث وأمثاله غير صحيح ولم يصدر من الرسول ولا أهل بيته الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين)، وإنما رواه المخالفون لآل محمد لأسباب لسنا الآن بصدد بحثها وبيانها.
وقد سئل السيد أحمد الحسن: ما هو تفسير رواية: "النساء ناقصات عقل ودين"، فأجاب: (رواه المخالفون لآل محمد صلى الله عليه وآله، وهو غير صحيح) (٣).
![]()
يعتبر الكثير من المشككين أنّ فرض الإسلام ورسوله الحجاب على المرأة ظلم لها وتقييد لحريّتها وانتهاك لأبسط حقوقها في ممارسة حياتها الشخصية التي يفترض أن تختارها هي بمحض إرادتها دون قهر أو قسر من أي جهة كانت ولو دينية!

١- الشبهة تنطلق من اعتبار كل تقييد ظلم مرفوض، وهو على إطلاقه أمر غير صحيح قطعاً، وإلا ما عاد للقوانين التي تسيّر حياة الشعوب في جميع دول العالم معنى، فهي - أي القوانين - بالرغم من كونها متضمنة لتقييد كثير من الحريات والسلوكيات لكن لا يشك عاقل في ضرورة فرضها وتطبيقها لئلا تتحول الحياة إلى فوضى عارمة يستحيل معها العيش وحفظ الحياة الكريمة لكل إنسان.
٢- الإسلام الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) هو منظومة عقائدية وتشريعية وأخلاقية متكاملة، لا يصح النظر إلى جزء منها وتوجيه نقد إليه بمعزل عن المنظومة ككل وبمعزل عن نظرة الدين الإلهي لذلك الجزء ومعرفة الدور المناط به. وحجاب المرأة كمسألة شرعية جزئية لا تخرج عن هذا الإطار، فهي - أي المرأة - بالرغم من أنها كائن مساوٍ للرجل تماماً من حيث القيمة الإنسانية والتنافس في أعلى درجات القرب الإلهي، وفي التكليف أيضاً (بمعنى: أنّ كل من المرأة والرجل مؤهلان لاستقبال التكاليف الإلهية بغض النظر عن طبيعتها)، لكن هذا لا يعني أنّها كالرجل تماماً في كل شيء، وإنما هناك أمور مسموح بها للرجل دون المرأة والعكس صحيح أيضاً، وليس السماح وعدمه يحصل بصورة انتقائية وعبثية كما قد يتوهمه البعض، وإنما الأمر مناط بالمسؤوليات والمهام والأدوار المرجو تأديتها والقيام بها من قبل كل من الرجل أو المرأة وفق التأهيل النفسي والجسدي الذي خلقا عليه من وجهة نظر الدين الإلهي.
٣- في الإسلام وتعاليم الرسول لما نتحدث عن حجاب المرأة لا نقصد بذلك مجرد الغطاء الذي تضعه المرأة على رأسها لتغطية شعر الرأس وشيء من أعلى الجسد كالرقبة، وإنما نقصد به مطلق الستر المادي والمعنوي الذي يصونها ويسهم برفع معدل عفتها
وحيائها بأن لا تكون مفاتنها ومحاسنها وزينتها بشكل عام واضحة ومجسدة للعيان بنحو يجعلها عرضة للانتهاك والتعدي من قبل ضعاف النفوس من الرجال. ومن راجع النصوص الدينية يجد أنّ الأهداف التي يتوخاها الإسلام من ذلك تتمثل بالمحافظة على نقاء جيبها من التدنيس ورفع مستوى الطهارة المعنوية لديها من خلال ضبط كل ما يتصل بطريقة تعاملها مع الرجال على مستوى اللباس والكلام والنظر وغير ذلك، لكن هذا لا يعني أنّ الإسلام منع المرأة عن الكلام مع الرجل أو النظر إليه أو أنه فرض عليها لباساً معيناً دون غيره كما يتصور البعض، بل كل ما فعله الرسول هو أنه شرّع منظومة أحكام تضبط طريقة تواصل الجنسين (المرأة والرجل) وتنظم سبل الانجذاب الجيني المتبادل بينهما من خلال بيان المسموح به عن غير المسموح بطريقة تحفظ لكل منهما النقاء والطهارة والرقي الإنساني التي بها يتميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية.
صون المرأة وحراستها من أن تمتد لها يد العبث بسهولة، أو أن يتم التعامل معها على أساس أنها مجرد كائن خلق لإشباع حاجة الذكر الجنسية لا غير، وهي النظرة السائدة لدى غالبية المجتمع الذكوري لو تركت بدون تهذيب وضبط، أمر مهم جداً بنظر الإسلام ورسوله الكريم.
علمياً، أثبتت الدراسات أنّ الذكر الإنساني تثار غريزته عند مشاهدة مواضع عديدة من جسد المرأة، منها:
• مؤخرة الأنثى: فإنها ولا شك تثير الذكر الإنساني، خصوصاً إذا كانت بجسم ممتلئ وكان التوائها بدرجة ٤٥ قياساً بعمودها الفقري، بحسب الدراسات الحديثة، إذ أجرت جامعة بلكنت في تركيا إحدى هذه الدراسات (١) أكدت أنّ سرالانجذاب بيولوجي و ١٠٠ % ومقترن بمفهوم الخصوبة لدى المرأة؛ حيث كان الذكر يرى أنّ المرأة بتلك المواصفات مناسبة جداً لتحمل أطفاله لقدرتها على تحمل مصاعب الحمل والولادة، ثم تم تناقل هذا الانجذاب عبر الأجيال.
• صدر الأنثى: فهو يثير الذكر الإنساني أيضاً، والملاحظ أنه الوحيد من بين الثدييات ينجذب لصدر الأنثى جنسياً، كما أنّ الأنثى الإنسانية هي الوحيدة أيضاً من بين الثدييات يكبر حجم صدرها عند البلوغ بغض النظر عن الحمل والرضاعة. وبخصوص انجذاب الذكر له - بحسب د. لاري يونغ Larry Young (١) - فهو منظم دماغياً ويحدث للذكر عند دخوله مرحلة البلوغ، ولأنه يؤدي إلى تنشيط الرو ابط والعلاقات مع الأنثى فقد اختاره التطور وثبّته. يونغ يخلص - بعد عدة دراسات أجراها - إلى أن التطور البشري ساهم في تسخير نوع من الدوائر العصبية التي تطورت في الأصل لتقوية الرابطة بين الأم وطفلها أثناء الرضاعة الطبيعية، ثم استخدمها في تقوية نوع آخر من الروابط البشرية وهي الرابطة بين الزوجين (الذكر والأنثى)، وبالتالي تكون النتيجة أنّ الرجال الذكور ينجذبون كالرُضّع لصدور النساء رغم اختلاف دو افع الاثنين.
• شعر رأس الأنثى: فإنه لا شك من موارد إثارة الذكر الإنساني؛ خصوصاً إذا كان طويلاً وجميلاً كما تشير له بعض الدراسات العلمية، والأمر - بحسب العلماء - جيني وله ارتباط بمفهوم الخصوبة وميل الذكر إلى بروز صفة الأنوثة (لدى الانثى) بشكل صارخ، فالمظهر الخارجي لجسد الأنثى يتعلق بجيناتها الداخلية بلا شك، ومن ثم يعتقد الذكر أنّ الأنثى التي تمتلك شعراً كثيفاً وطويلاً وجميلاً أكثر أنوثة وقدرة على تمرير جيناتها إلى أولادها الذين يمكنهم أن يتمتعوا بهذا الصفة الجميلة أكثر من غيرهم. إضافة إلى أنّ طول الشعر يمكّن الأنثى من تسريح الشعر وتصفيفه بطرق متعددة، أو يظهرها كما لو أنها تبدو بصحة جيدة وأكثر شباباً قياساً بغيرها من الإناث، وغيرها من العوامل التي تعتبر عوامل جذب وإثارة بالنسبة للذكور.
عموماً، ما أريد بيانه هنا: إنّ الإسلام ورسوله الكريم عندما فرض الحجاب على المرأة ومنع كشف جسدها وزينتها - عدا ما استثني - أمام الرجال أراد حجب مواضع الإثارة قدر الإمكان بشكل يسهم بالتقليل من تحفيز عمل الاستراتيجات الجينية الذكورية من أن
تكون فعّالة ومتوقدة طوال الوقت بحيث تتحول الأنثى بنظر الذكر مجرد سلعة لإشباعه جنسياً متى ما أراد وكيفما شاء وبأي سبيل حصل.
انجذاب الذكر للأنثى - لا شك - أمر جيني حيواني، وهناك استراتيجات عديدة بنتها الجينات في أدمغة الذكور والإناث معاً، لذلك لا خوف على هذه الاستراتيجات من الاندراس والاندثار طالما كانت المسألة جينية ومتوارثة ولم يحصل أبداً أن حصل تقاعد في عمل شيء من الجينات المسؤولة عن تلك الاستراتيجات، وما فعله الرسول بفرض الحجاب والستر عموماً هو تقنين عمل الجينات والاستراتيجات التي بنتها لدى الذكور ورسخها التطور البايولوجي في أدمغتهم بشكل يحفظ للأنثى كرامتها وقيمتها الإنسانية بشكل أكبر، ولم يهدف إطلاقاً إلى كبح جماح الأثر الجيني المسؤول عن عملية تكاثر الجنس البشري بشكل تام.
فالإسلام شرّع جواز استمتاع الرجل بزوجته كيفما شاء وله أن ينظر إلى كامل جسدها - وكذا العكس - لكن داخل دار الزوجية، بل واعتبر تزيين المرأة نفسها لزوجها والرجل لزوجته من المستحبات الأكيدة، بل الأكثر من هذا: إذ منح الإسلام الزوجة حقوقاً كثيرة تتصل بهذا الجانب كعدم جواز هجرانها وضرورة إتيانها خلال فترة محددة لا يجوز تعديها، وغير ذلك من أحكام أوضحها الرسول وأوصيائه الطاهرين بما يضمن معه مراعاة الجانب الجيني والغريزي الملح إلحاحاً شديداً لدى الذكر والأنثى من جهة، لكنه - من جهة أخرى - مشروط بأن يكون ضمن أطر وقوانين محددة تحفظ لكل من الرجل والمرأة قيمتهم الإنسانية وحقوقهم المشروعة في نفس الوقت (خصوصاً المرأة؛ باعتبار أنّ العبء الأكبر يقع عليها؛ لأنها الوعاء الذي يضمن ديمومة بقاء النسل البشري وما يستلزم ذلك من تبعات مكلفة بالنسبة لها).
بهذا يظهر أنّ هدف رسول الإسلام من تشريع الحجاب وما يتصل به من أحكام تخص المرأة، وكذا تشريع أحكام تخص الرجل من جهة كيفية تعامله مع المرأة، هو منح الذكر والأنثى البشريين امتيازاً وتفردّاً خاصاً يتمثل بتقنين عمل منظومة الانجذاب الجيني الذكوري للإناث (المشار لها)، أراد (صلى الله عليه وآله) أن يمنحهما مفتاح التميز والتكامل والرقي عن عمل سائر المخلوقات التي تشاطرنا العيش على هذه الأرض، فجميع الكائنات الأحيائية الأخرى تندفع فيها الذكور نحو الإناث بطريقة جينية بحتة وتطلق العنان
لاستر اتيجات الانجذاب لديها في أن تعمل بكل طاقتها، والهدف - كما هو معلوم - السعي إلى ممارسة الجنس لأجل التخصيب والتكاثر وتمرير الجينات بأي طريقة ممكنة وبكل الوسائل المتاحة، وما يميز الإنسان عن غيره أنه يتمكن - بفضل تعاليم الرسل وما أودع فيه من فطرة - من الارتقاء في سلوكه وتنظيم عمل منظومته الجينية بشكل يتسامى فيه عن السلوك الحيواني المحض.
ومن جهة مقابلة: يصر المشككون بأفعال الرسول الكريم وتشريعاته الحكيمة على إبقاء الاستراتيجات الجينية على العمل بكل طاقتها الحيوانية طوال الوقت وفي كافة الظروف، ويرفضون كل تقنين ورسم حدود لها للتقليل من ضغطها وضبط مسارها، وهكذا يمكننا النظر إلى الخلاف بين التوجهين ليس على أساس أنه خلاف فكري "ديني - لا ديني"، وإنما يمكننا النظر إليه بو اقعية أكبر على أساس أنه صراع حضاري محتدم بين من يريد الارتقاء بإنسانيتك وبين من يريد إبقاءك أسيراً لجانبك الغريزي والحيواني الذي لا يختلف فيه الإنسان عن أي حيوان آخر.
٤- من خلال ما تقدم اتضح أنّ مسألة إعفاف المرأة والرجل بنظر الإسلام ورفع معدل القيمة الإنسانية لدى كل منهما، لا تختص بالمرأة فقط بفرض الحجاب - وما يرتبط به من أحكام - عليها، وإنما كان للرجل من ذلك التقنين نصيب و افر أيضاً تمثل بمنظومة تشريع عامة تبتدئ بغض البصر وتحديد كيفية تواصله مع المرأة بشكل عام، وصولاً إلى تقنين كل ما يثير غرائزه الجنسية، وبالتالي فالرجل والمرأة سواء من هذه الجهة، لذا فمن غير الصحيح توهم أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في تقنين مسألة التواصل بين الجنسين استهدف المرأة وظلمها، وإنما كانت غايته - كما أوضحنا - تنظيم عملية الانجذاب الذي يحصل بين الجنسين جينياً ضمن قوانين وأحكام تحفظ لهم إنسانيتهم وطهارة قلوبهم وترتقي بهم عن السلوك الحيواني والبهيمي.
إنّ نظرة سريعة على النصوص الدينية الواردة عن الرسول وآله الأوصياء (صلوات الله عليهم) بهذا الصدد تكشف لك النقاب عن الغاية والحكمة المشار لها، وهذه بعض النصوص:
- قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَُّّ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب: ٥٩ ].
- وقال تعالى: "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللََّّ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَِّّ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [النور: ٣١ - ٣٠ ].
- كتب الإمام الرضا (عليه السلام) لبعض أصحابه: (حرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهن من النساء لما فيه من تهييج الرجال وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل وكذلك ما أشبه الشعور) (١).
- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من ملأ عينه من حرام ملأ الله عينه يوم القيامة من النار إلا أن يتوب ويرجع) (٢). وقال أيضاً: (اشتد غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو ذي محرم منها) (٣).
- سئل الإمام علي (عليه السلام): (بما يستعان على غمض البصر؟ فقال: بالخمود تحت سلطان المطلع على سترك، والعين جاسوس القلب وبريد العقل، فغض بصرك عما لا يليق بدينك ويكرهه قلبك وينكره عقلك) (٤).
- وقال أيضاً: (لكم أول نظرة إلى المرأة فلا تتبعوها بنظرة أخرى واحذروا الفتنة) (٥).
الفتنة: تعني الافتتان بجمال المرأة ومحاسنها، وهذا يؤكد ما أوضحناه من أنّ غرض الإسلام من تقنين مسألة الانجذاب الذكوري للنساء - وكذا العكس - ضمن أمور مسموح بها وأخرى غير مسموح بها لكلا الطرفين هو الارتقاء عن الحالة البهيمية إلى طبيعة تعامل إنساني مقنن له آثار إيجابية كبيرة على الجانب النفسي والروحي للإنسان (الذكر والأنثى على حد سواء) من جهة؛ كما أنّ له لها مردودات اجتماعية يظهر أثرها على الرجل والمرأة والطفل والأسرة وبالتالي على المجتمع بشكل عام، من جهة أخرى.
ولا أقل، فإنّ هذه التشريعات التي أولاها الرسول وعترته (صلوات الله عليهم) العناية والاهتمام تحد مراعاتها من الوقوع في أفخاخ ومخاطر حقيقية تهدد تماسك الأسرة وتمس مكوناتها بالصميم أو تقلل من حصولها كحد أدنى، مثل الخيانة الزوجية و إقامة علاقات مبتذلة تؤدي في كثير من الأحيان إلى إنتاج أولاد غير شرعيين، ولا يشك عاقل في مدى تأثير ذلك على تفكك المنظومة القيمية والأخلاقية في أي مجتمع من المجتمعات البشرية.
٥- من وجهة نظر الإسلام، فإنّ الحدود الشرعية لستر المرأة وحجابها لا يشمل وجوب ستر الوجه والكفين والقدمين.
سُئل السيد أحمد الحسن عن معنى الزينة في الآية: "وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ"، فقال: (الزينة بالنسبة للمرأة كل ما وجب عليها ستره عن الناظر الأجنبي وتشمل جسدها كله عدا الوجه والكفين والقدمين) (١).
بالتالي، فمن يوجب ستر الوجه والكفين والقدمين أو شيء من ذلك - كفقهاء الدين الوهابي - فليس من دين الله "الإسلام" في شيء.
سُئل السيد أحمد الحسن عن وجوب تغطية المرأة لوجهها وعن السيدة فاطمة الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله) إن كانت تفعل ذلك، فأجاب: (يجوز كشف الوجه للمرأة، والزهراء صلوات الله عليها لم تكن تغطي وجهها، ولا النبي محمد صلى الله عليه وآله أمر زوجاته بتغطية وجوههن. نعم، كانت النساء في شبه الجزيرة العربية يغطين
وجوههن في السفر ليس لعلّة شرعية وإنما بسبب حرارة الشمس، أما في بلد أو مجتمع سائد فيه تغطية الوجه فالأفضل تغطيته مراعاة للعرف السائد ولكن ليس بواجب، ألا ترون أنّ المرأة في الحج تكشف وجهها فلو أنه واجب أو مستحب لكان أشد وجوباً أو استحباباً وهي في الحج وفي حال عبادة وبين جمع غفير من الرجال. والإسلام مع إعطاء المرأة دورها كاملاً، وتغطية الوجه عائق أمام كثير من الأعمال التي يمكن أن تؤديها المرأة وتبدع فيها وتقدم من خلالها خدمة كبيرة للمجتمع) (١).
الإسلام إذن لم يرد من تشريع الحجاب منع المرأة عن ممارسة دورها ووضع العر اقيل التي تحول دون أدائها لدورها ووظيفتها المهمة في تطوير نفسها والمساهمة ببناء المجتمع ككل.
قال السيد أحمد الحسن أيضاً: (ما يجوز أن تظهره المرأة أمام الأجانب هو الوجه والكفان والقدمان. وما يجوز أن تظهره المرأة أمام المحارم هي القلادة وما فوقها، وما تحتاج كشفه في الوضوء من اليدين، ومنتصف الساق وما دونه، وللزوج جسدها كله) (٢).
من ثمّ، فإنّ أي تخطي لهذه الحدود الإلهية المرسومة لحجاب المرأة وسترها لا يعدو أن يكون:
- إما ميل نحو الإفراط والتشدد والتطرف، وهو إضافة إلى تسببه بإذكاء النظرة السلبية والسوداوية إلى الدين الإلهي، يؤدي بالضرورة إلى خسارة المجتمع الإنساني جهود جزء كبير وأساسي منه يتمثل بالمرأة، فمثلاً: فرض تغطية الوجه عليها يحول بالتأكيد دون تمكنها من أداء الكثير من المهام والأعمال. - أو ميل نحو التفريط والتحلل؛ لأنه سيؤدي إلى تفعيل الجانب الحيواني والإثارة الجنسية في المواضع غير المسموح بها، وهذا ما نلاحظه في كثير من الفتاوى الفقهية التي تسمح للمرأة بكشف جزء كبير من جسدها (خارج الحد
المسموح به) أمام الرجال المحارم، والحال إنّ الدين الإلهي الحقيقي لا يسمح بذلك.
وبالتالي، فخطأ الكثير من الفقهاء في تحديد ما يجوز أن تظهره المرأة أمام الرجال المحارم أو الأجانب - في جانبي الإفراط والتفريط - لا يقتصر خطره على مخالفة الحكم الديني الإلهي فحسب، ولكنه يؤدي بالنتيجة إلى دفع المكلّف - لا محالة - نحو أحد هذين الاتجاهين المرفوضين بشكل قطعي.
لا شك أنّ المهم بنظر الإسلام - في مسألة الحجاب - أن يتحقق الستر بالحدود الشرعية التي تقطع الطريق أمام إثارة الرجل، ولا يشترط أن يكون ذلك من خلال لبس عباءة أو لباس خاص أو حجاب بعينه ولونه ونوعية قماشه، وهنا أيضاً أؤكد: إنّ من يوجب على المرأة ارتداء لباس أو حجاب بعينه ولونه وجنسه دون غيره فهو رأي شخصي لصاحبه ولا يعني الإسلام في شيء.
قال السيد أحمد الحسن - وقد سُئل عن الحجاب ولبس المرأة للبنطلون -: (لا يجب على المرأة ستر الوجه أو الكفين أو القدمين، ويجب عليها ستر ما عدا ذلك ستراً حقيقياً، أي أن لا تكون الملابس خفيفة أو ضيقة تصف ما تحتها، والبنطلون مثلاً إذا كانت المرأة ترتدي فوقه جبّة أو سترة تمتد إلى الركبتين، وما ظهر منه لم يكن ضيقاً يصف ما تحته فلا إشكال فيه، بل ربما يكون في بعض الأحيان أكثر ستراً للمرأة. أمّا إذا كان البنطلون ترتديه المرأة ولا شيء فوقه وهي ترتدي حجاب الرأس، فهذا غير صحيح ولا يعتبر حجاباً شرعياً، بل إنّ التهتك بارتداء البنطلون بهذه الطريقة أعظم من كشف الشعر والرأس) (١).
وسئل أيضاً عن نوعية القماش الذي تستر به المرأة نفسها، فأجاب: (يجوز أي لون وأي قماش إن توفرت في الملابس الحدود الشرعية التي بينتها سابقاً) (٢).
ومن جهة إظهار المرأة للزينة كلبس الذهب مثلاً، قال: (يجوز لبس الذهب للمرأة وهو مستحب ولكن يحرم إظهاره أمام الرجال إلا الزوج والمحارم، إلا خاتم الزواج الذي هو عرفاً لا يعد للزينة فيجوز لبسه وإظهاره أمام الرجال) (١).
وبخصوص استعمال المرأة لمساحيق التجميل، قال: (التزين بالمكياج والخروج به أمام غير المحارم والزوج غير جائز، ولا فرق في الحكم سواء كانت المرأة متزوجة أم لا) (٢).
كانت هذه بعض أحكام الإسلام المتعلقة بجانب حجاب المرأة وسترها، وجميعها تنشد الغاية والهدف الذي أشرنا إليه مراراً أعني الارتقاء بعلاقة الجنسين "الذكر والأنثى" من مستوى بهيمي حيواني صرف إلى مديات إنسانية أرقى تلتقي مع منهج الرسول ورؤيته التي رسمتها السماء للإنسان.
علماً، إنّ الإسلام يطرح تعاليمه - سواء على المستوى العقائدي أو التشريعي - ويوضح غاياته ومقاصده التي ينشدها للإنسان ذكراً كان أو أنثى، ويترك لكل منهما حرية الاعتقاد واختيار العمل بذلك من عدمه، فـ "لا إكراه في الدين" كما ينص القرآن الكريم على ذلك. وبخصوص وجوب الحجاب على المرأة، نحن نعتقد أنّه عبادة من العبادات التي تحتاج إلى نية القربة لله سبحانه، ولذا من غير الصحيح فرضه بالقهر والقوة على النساء، وخطأ من يفعل ذلك يعود عليه لا على الإسلام ورسوله الكريم؛ لأن الدين الإلهي وعباداته عموماً - ومنه مسألة الحجاب - لا يصح فرضه بهذه الطريقة، بل إنّ فرض الدين بالقوة والإجبار يجعل منه ديناً صورياً وشكلياً فاقداً للقيمة والمحتوى لا أكثر، وهو أمر لا يرتضيه رسول الإسلام ورسل الله عموماً.
يقول السيد أحمد الحسن تعليقاً على من سأله عن تصرف بعض الحكومات الخاطئ في فرض الحجاب بالقوة: (هؤلاء فاهمين الدين بالمقلوب وهم يسيئون للدين ويسيئون لسمعة الإسلام والتشيع وآل محمد بهذه التصرفات الخاطئة، فرسول الله
محمد لم يجبر أحداً على الحجاب، والله سبحانه وتعالى لم يجبر أحداً على الحجاب أو التدين والعبادة وإنما أنزل دينه على نبيه ووعد من يؤمنون ويلتزمون بالعبادة بالجنة.
عبادة بلا نية لا قيمة لها، والحجاب عبادة وطاعة لأمر الله والرسول فلابد أن تتحقق فيها نية القربى لله سبحانه وتعالى، فأين هي نية من تُجبر على الحجاب بالقوة، أما غير المسلمات فإجبارهن على الحجاب أقبح) (١).
علماً، إنّ عدم ارتداء المرأة للحجاب يعني مخالفتها لحدود الله ورسوله وله أثره الدنيوي والأخروي من وجهة نظرنا كمؤمنين بالله ورسوله، ولا يعني بحال أن لا تكون المرأة غير المحجبة أهلاً للاحترام والتقدير والتعامل الإنساني والأخلاقي وحتى الإشادة في المواضع التي تستحق فيها الإشادة.
يقول السيد أحمد الحسن: (النبي محمد صلى الله عليه وآله احترم وأكرم وقدّر سفانة بنت حاتم الطائي وكانت كافرة به وغير محجبة) (٢).
٦- ما يثير الاستغراب حقيقة، استغراق المشككين وأصحاب الفكر اللاديني عموماً بتوجيه اللوم والنقد على الإسلام ورسوله لمجرد أنه شرّع الحجاب على المرأة ضمن منظومة حكمية عامة تضبط عملية التواصل بين الرجل والمرأة، ومجمل الأمر - من وجهة نظر الإسلام كما عرفنا - يهدف إلى فتح سبل الرقي الإنساني والروحي لكل منهما تاركاً لهما - في الوقت نفسه - خيار العمل بمنهجه من عدمه، لكنهم - أي المشككين - يغمضون أعينهم ويصمتون صمت الموتى عن الأفعال التي تمارسها بعض الدول (المتقدمة) التي تدعي الحرية وحقوق الإنسان لما تقوم بفعل غير حضاري ولا إنساني يتمثل بفرض كشف الرأس على النساء سواء أثناء المنافسات أو في المدراس أو الجامعات أو الشوارع العامة وتشريع العقوبة على ارتداء الحجاب فيها، كالذي يحصل في فرنسا حيث شرعت بعض القوانين التي لها علاقة بمنع الحجاب وتجري بين فترة وأخرى مناقشات لاستكمال ما تبقى منها.
واضح أنّ كثرة الثرثرة بوجه الرسول وتشريعاته التي يهدف بها تفعيل إنسانية البشر، وممارسة صمت القبور أمام من يفرض خلع الحجاب ويسمح بالخلاعة والتحلل وتفعيل السلوك الجيني البهيمي بصورة أكبر، يكشف عن أنّ موازين (عالمنا المتحضر) مقلوبة فعلاً، وأنّ بغضاً بهيمياً شديداً يمارس تجاه كل طهر يريد انتشال البشر من وحل الانغماس في الجانب الحيواني والتحليق بهم في سلّم الكمال الإنساني الذي لا يقف عند حد.
![]()
يطرح بعض المشككين أنّ الإسلام ورسوله يحرمان المرأة من تسنم مناصب قيادية رفيعة في الدولة مثل منصب الرئاسة والقضاء وما شابه بحجج مختلفة، وهذا ظلم لها وفيه من الامتهان والانتقاص من كرامتها الشيء الكثير!

١- لا شك أنّ الإشكال معتمد على وجهة النظر الشائعة بين المسلمين والمستندة على آراء علماء المسلمين بمختلف فرقهم وطوائفهم، ومن راجع كلامهم يجد أنّ المسألة خلافية وفيها عدة آراء وهذا يؤكد أنها اجتهادية ولم يكن فيها نصوص قطعية وواضحة، وإن كان الرأي الغالب عندهم هو اشتراط "الذكورة" وعدم السماح للمرأة بتولي منصب القضاء أو الحكومة "الرئاسة" بحجة أنّها مناصب تقع ضمن شؤون الولاية التي لا تصح إلا للرجال، أو بحجة عدم وجود الدليل المجوّز لتولي المرأة هذا المنصب، ونحو ذلك.
يقول الشيخ الطوسي: (مسألة ٦: لا يجوز أن تكون المرأة قاضية في شئ من الأحكام، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه، وهو جميع الأحكام إلا الحدود والقصاص.
وقال ابن جرير: يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضيا فيه، لأنها تعد من أهل الاجتهاد.
دليلنا: أن جواز ذلك يحتاج إلى دليل، لأن القضاء حكم شرعي، فمن يصلح له يحتاج إلى دليل شرعي) (١).
وقال الماوردي: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَ خَبَرُهَا مَقْبُولًا لِمَا تَضَمَّنَهُ مَعْنَى الْوِلَايَاتِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ النِّسَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ". وَلِأَنَّ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الرَّأْيِ وَثَبَاتِ الْعَزْمِ مَا تَضْعُفُ عَنْهُ النِّسَاءُ، وَمِنْ الظُّهُورِ فِي مُبَاشَرَةِ الْأُمُورِ مَا هُوَ عَلَيْهِنَّ مَحْظُورٌ) (٢).
لاحظنا أنّ الدليل على عدم الجواز ظني اجتهادي وليس نصّاً قطعياً ومحكماً، أما ما نسبوه للرسول من قوله: "ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" فهو غير صحيح ومكذوب عليه؛ لأنه ببساطة يخالف القرآن الكريم الذي يصرّح بنجاة قوم بلقيس (وهي امرأة) وفلاحهم؛ لطاعتهم لها في اتّباع نبي الله سليمان (عليه السلام) والتسليم لأمره، وهلاك قوم فرعون (وهو رجل) وخسرانهم لطاعتهم إياه في تكذيب نبي الله موسى (عليه السلام).
وقد قصَّ الله سبحانه قول وفعل كل منهما في كتابه:
- "قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للَِِّّ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [النمل: ٢٣ ]. - "وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى" [طه: ٧٩ ].
٢- رأي الإسلام ورسوله في مسألة الحكم وتولي المناصب العليا كالقضاء والحكومة هو واحد بخصوص المرأة والرجل على حد سواء، فكما يجوز للرجل (غير المعصوم) ذلك بتنصيب من المعصوم وإشراف من قبله، كذلك يجوز للمرأة ذلك بنفس القيد والشرط. وأيضاً: عند فقد القيد والشرط المذكور لا يجوز لكل منهما تولي هكذا مناصب. فلا فرق بين الرجل والمرأة من هذه الجهة إطلاقاً.
وهذا سؤال وجهته للسيد أحمد الحسن بهذا الخصوص:
هل يوجد مانع بنظر الإسلام من تولّي المرأة منصب الرئاسة "رئاسة قوم" أو القضاء، أو غيرهما من مناصب عليا رفيعة في الدولة؟
فأجاب: (تحت سلطة المعصوم نعم لا إشكال في ذلك إذا رأى المعصوم نفعاً أو فائدة. بالعموم أمر الحكم في الإسلام تحت سلطة المعصوم، وبالتالي المناصب التنفيذية والقضاء وما شابه يعود له، ولا إشكال في كونه يختار نساء أو رجالاً حسب ما يراه أصلح أنفع) (١). و
ويقول أيضاً: (المرأة يمكن أن يكون لها دور في كثير من المواضع في الدولة الإلهية لو شاء الله و أقيمت في زمن ما، فالمرأة لا تقل كفاءة عن الرجل في كثير من المواضع والأعمال بل في بعض الأعمال المرأة أفضل من الرجل بكثير. والإسلام لا يضع قيوداً على تولّي المرأة حتى لمناصب تقود فيها المجتمع متى ما كانت مؤهلة لذلك وتؤدي العمل بصورة تامة وصحيحة) (٢).
(المرأة أكيد لها دور كبير بل الرجل لا يمكن أن يعوض دور المرأة؛ لأنها لها خصوصيتها التي لا يملكها الرجل. وتأثير المرأة الاجتماعي في بعض الأحيان يفوق تأثير الرجل بكثير.
والمرأة المثقفة والتي لديها قدرة على مخاطبة المجتمع والتأثير فيه أكيد يقع على عاتقها واجب أخلاقي تجاه مجتمعها خصوصاً مع رؤيتها للظلم ينهش أبناء قومها وحقوقهم أكيد على الأخريات مساندتها ودعمها والخروج معها) (٣). و