الفصول
التعامل مع أهل الكتاب
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم
![]()

من الإشكالات التي أثارها المشككون على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) هي طريقة تعامله مع أهل الكتاب (اليهود والمسيحيين) الذين كانوا يعيشون ضمن الرقعة الجغر افية التي أنشأ الرسول عليها دولته وما جاورها.
![]()
بحسب المشككين، فإنّ قسوة وشدة كبيرة مارسها الرسول اتجاه أهل الكتاب (اليهود والمسيحيين) الذين كانوا قريبين منه ويسكنون ضمن المساحة التي حكم فيها الرسول مما لا يتلاءم مع كونه رسولاً إلهياً!

١- بحسب الثابت تاريخياً في سيرته، فإنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يتصف بمكارم الأخلاق بدرجة كبيرة جداً سواء كان بين قومه أو عموم سكّان شبه الجزيرة العربية وما جاورها - كبلاد الشام مثلاً - ممّن شاهده منهم وتعامل معه، وكان اتصافه بكريم الخلق أحد الأدلة التي ساهمت بإيمان كثيرين به وتصديقهم بدعوته الإلهية، وشواهد اتصافه بالأخلاق الكريمة كالتسامح والعفو والرحمة أكثر من أن تحصى، وقد مرّ بنا بعض الشواهد التي تؤكد ذلك في إجابة الشبهات المتقدمة.
ومن جهة أخرى، فإنّ رسول الله هو السبّاق في بيان مراد الله سبحانه من خلال نصيحة أتباعه والمؤمنين به بالتعامل مع غير المسلمين عموماً (وعلى رأسهم أهل الكتاب) بالبر والقسط إذا لم يكونوا محاربين ولم يصدر منهم أذى وعداوة.
قال تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَُّّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللََّّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَُّّ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ" [الممتحنة: ٩ - ٨ ].
أما إن كان المشككون يقصدون بشبهتهم طريقة تعامل الرسول (صلى الله عليه وآله) مع اليهود - تحديداً - الذين كانوا يسكنون في المدينة وما جاورها كيهود بني النضير وقينقاع وقريظة وخيبر وإجلاؤهم من مناطق سكناهم وقتل المحاربين منهم، فقد مرّ بنا بحث هذه المسألة بشكل تفصيلي في شبهات المبحث (٥) وتحديداً في الشبهات: ( ٦٦ ،٦٥ ، ٦٧ )، وعرفنا هناك أنّ السبب في إجلائهم أنّ عهوداً ومواثيق وقّعت بين الطرفين نصّت على عدة بنود ملزمة لكل منهما، كما أنّ تلك العهود لم تغفل ذكر جزاء المتخّلف عن تنفيذها، وكان الرسول من جهته شديد الحرص على تنفيذ تلك العهود بجميع ما فيها من بنود باعتراف سادة اليهود أنفسهم، لكن اليهود من جهتهم لم يلتزموا بها فقد قاموا بخرق تلك العهود وخيانة ما وقّعوا عليه، ولم يكتفوا بإعانة أعداء الإسلام والوقوف بجانبهم وإيوائهم لتنفيذ مخططاتهم الخبيثة (وهو بمثابة إعلان حرب كما هو معلوم)، ولا بمحاولة إحداث الفتنة بين صفوف المجتمع المسلم سعياً منهم لإضعاف جبهة الرسول (وهي أمور محظورة بشدة في بنود نفس العهود)، بل تمادوا إلى حد محاولة اغتيال الرسول نفسه والقضاء عليه والذي يعني - بطبيعة الحال - القضاء على الإسلام بشكل نهائي.
لا شك أنّ الحكم الذي يطلقه أي إنسان تجاه قضية ما يفترض أن يلحظ عموم مجريات القضية والظروف المحيطة بها بشكل موضوعي ومنصف ليكون حكمه مقارباً للحقيقة إن كان ينشدها فعلاً، وفي قضيتنا: ليس من الصحيح والمنطقي اقتطاع مشهد من مشاهد القضية (الإجلاء والإبعاد) واعتباره قسوة وشدة غير مبررة صدرت من الرسول وإغفال السبب المؤدي لهذه النتيجة. أعتقد أنّ المطلع على غدر اليهود وخيانتهم التي تمثلت خارجياً بتعاونهم مع ألد أعداء الإسلام للقضاء على الرسول (رمز الدعوة الإسلامية الأول)، وداخلياً بمحاولة زعزعة صفوف المسلمين وإحداث الفرقة بينهم لإضعافهم تمهيداً لانقضاض عدوهم عليهم، والذي يعني ببساطة نهاية كل شيء بعد كون دعوة الرسول ودولته فتية قليلة الناصر والأتباع قياساً بكثرة الأعداء الذين يحيطون بهم
من كل جانب، أقول: إنّ من يلحظ هذه الظروف يجد أنّ طريقة تعامل الرسول معهم كان بمنتهى الرحمة وبأقل عقوبة ممكنة يستحقها من يقوم بمثل أفعالهم، إذ اقتصر على إبعاد خطرهم من جهة، وساهم الإجراء المتخذ من قبله بحفظ الدعوة الإلهية التي أمره الله بالحفاظ عليها والدفاع عنها، مع ملاحظة أنّ الرسول الكريم لم يفعل أكثر من تنفيذ العقوبة المدوّنة في بنود نفس الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين لا أكثر.
من الواضح جداً أنّ موقف الرسول مع اليهود الخائنين؛ المتمثل بالإجلاء وقتل المحاربين منهم كان إجراءً دفاعياً منه ولم يحصل منه ابتداءً وبلا سبب، وإنما فعل ما فعل لكف شرّهم وأذاهم ورد اعتداءاتهم المتكررة، وإلا هم كانوا يعيشون مع الرسول وبقربه بأمن وسلام قبل صدور الغدر والخيانة منهم دون أن يعترضهم أحد، وكانوا يحظون بكامل حقوقهم لما كانوا ملتزمين ببنود الاتفاقيات النافذة التي توضح حقوق وواجبات كل طرف، ولهذا - كما مرّ بنا سابقاً - لاحظنا أنّ بعض أهل الكتاب الذين لم يشتركوا بالغدر والخيانة والقتال لما طلبوا من الرسول إبقاءهم على مزارع نخيل خيبر مقابل نسبة معينة لم يتردد الرسول في المو افقة على طلبهم ولم يتم إبعادهم عن خيبر، بل وبعضهم سمح له بالبقاء داخل المدينة "يثرب" ولم يخرج منها.
٢- دولة الإسلام بقيادتها الإلهية المعصومة لا تضيق ذرعاً بعيش غير المسلمين فيها وعلى أراضيها إذا ما التزموا فعلاً بشرائط الذمّة والعهد (العقد الاجتماعي بينهم وبين حكومة المسلمين)، فالكثير منهم كانوا يعيشون في دولة الرسول ووصيه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من بعده، وكانوا يمارسون أعمالهم ومهنهم المسموح بها في سوق المسلمين بكل حرية، ويتمتعون بكافة حقوقهم المدنية، بل ويحظون بتمام الرعاية من قبل القيادة الإلهية التي لا تقبل بظلمهم والاعتداء عليهم أبداً، وهذا واضح من خلال توصياتها وإرشاداتها القولية والفعلية.
قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) (١).
وقال أيضاً: (من قتل معاهداً، له ذمة الله وذمة رسوله، لم يرح رائحة الجنة. وريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً) (١).
وكتب وصي الرسول الإمام علي (عليه السلام) إلى أحد عماله: (... واعزز المسلمين، ولا تظلم المعاهدين) (٢).
كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يعيد مرضاهم ويتفقدهم ويجالسهم ويجيب أسئلتهم ويشتري منهم (باعتبار أنّ الكثير منهم كان يعمل بالتجارة ويتمتع بوضع اقتصادي جيد)، ويدفع دية المقتول منهم من بيت مال المسلمين إن صادف حدوث حالة اعتداء وقتل لأحدهم من قبل أحد المسلمين. كان يقضي لهم بالحق كما كان يقضي للمسلمين تماماً، ويقضي على الجميع بالحق أيضاً وما مال لمسلم في قضية حكم بها قط لأن خصمه كتابي، هذا هو المتواتر من سيرته العطرة التي نقل لنا المؤرخون شيئاً يسيراً منها.
كان (صلى الله عليه وآله) عادلاً وحكيماً ورحيماً بكل أفعاله وسلوكه ولم يكن قاسياً مع أحد بغير وجه حق أبداً، اللهم إلا إذا صدر ما يستوجب إنزال العقوبة المأمور بإنفاذها من قبل مرسله (الله سبحانه وتعالى) الذي لا تأخذه في طاعته وتنفيذ أوامره لومة لائم، كالحالة التي نتحدث عنها أعني إبعاد اليهود عن المدينة، وهي - إضافة لما مر - حالة تأديبية مستحقة بجدارة ولا تتنافى مع صفة العدل والرحمة التي يتحلى بها الرسول الكريم طالما أنها استهدفت المسيء والخبيث الذي يروم القضاء على رسالة إلهية وإعلان الحرب عليها، وهي رسالة تعني الخلق كلهم ولا تختص بالرسول وحسب.
وعموماً، هذه بعض الشواهد التي تؤكد طريقة تعامل الرسول ووصيه وحسن أخلاقهم مع أهل الكتاب ووصاياهم بهم:
• كان ليهودي ديناً على الرسول، فلما حان أجله كان الرسول يصلي على جنازة أحد المسلمين ولما انتهى انزوى إلى حائط ليستريح ومعه نفر من المسلمين، جاءه اليهودي وأخذ بمجامع قميصه وهو ينظر إليه بغلظة، قائلاً: "ألا تقضيني يا محمد حقي"، ولما أراد عمر
ضربه خاطبه الرسول بكل سكينة وتؤدة وهو يبتسم: "إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة" أي: حسن الطلب، ثم وفى دينه (١).
• وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه (مرّ بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال) (٢).
• وكان من وصيته في آخر لحظات حياته الشريفة أن قال لأولاده: (الله الله في ذمة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فلا يظلمن بين ظهرانيكم) (٣).
• وأيضاً: كان الإمام علي (عليه السلام) يأمر ولاته على الأمصار التي يسكنها أهل الكتاب (التي يجب عليهم دفع الجزية، وسيأتي الحديث عنها) بأن يأخذوا مما فضل من أموالهم وليس من أرزاقهم التي يعتاشون عليها أو كسوتهم أو دوابهم التي يعملون عليها، روى واليه الثقفي، قال: (استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بزرج سابور فقال لا تضربن رجلاً سوطاً في جباية درهم ولا تبيعن لهم رزقاً ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا تقم رجلاً قائماً في طلب درهم، قال: قلت يا أمير المؤمنين إذا ارجع إليك كما ذهبت من عندك قال وان رجعت كما ذهبت ويحك إنما أمرنا ان نأخذ منهم العفو يعني الفضل) (٤).
ملاحظة: بعض المشككين يعتبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي غيلة على يد أحد المسلمين بأمر من الرسول شاهداً على قسوته في التعامل مع أهل الكتاب.
وجواب ذلك يتضح بمعرفة موقف كعب بن الأشرف من الإسلام ورسوله، وهذا خلاصته:
ذكر ابن الأثير في مجريات السنة الثالثة للهجرة: (وفي هذه السنة قتل كعب بن الأشرف وهو أحد بني نبهان من طّيِئ، وكانت أمه من بني النضير وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش فسار إلى مكة وحَرَّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى أصحاب بدر، وكان يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لي من ابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك به، أنا اقتله. قال: فافعل إنْ قدرتَ على ذلك) (١).
وذكر ابن شهراشوب: (... فلما هزم المسلمون في أحد ارتابوا ونقضوا العهد، واجتمع كعب بن الأشرف في أربعين وأبو سفيان في أربعين وتعاهدا بين الأستار والكعبة، فنزل جبرئيل بسورة الحشر، فبعث النبي محمد بن مسلمة بقتله فقتله بالليل) (٢).
واضح أنّ الرجل كان معلناً بحلفه مع سادة قريش وعدائه للرسول بل ومتآمراً على قتله، وكان يهجو الرسول ويسبه ويؤذي المسلمين بتعرّضه إلى نسائهم وإحداث الفتنة بينهم، وقد نزلت في بيان حاله وخبثه ونفاقه آيات قرآنية كثيرة كما هو مذكور في الروايات.
فمثلاً: في قوله تعالى: "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ" [آل عمران: ١٢ ]، قال الطبرسي: (... وقيل: بل نزلت في اليهود، لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية. ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى. فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله، شكوا وقالوا: لا والله ما هو به. فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا. وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكباً، فو افقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله، لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة. فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس) (٣).
ولا شك أنّ وثيقة العهد الموقعة بين المسلمين واليهود نصّت على منع مثل هذا الأمور تماماً. وعموماً، فإنّ كعباً هذا كان من أكثر الناس عداوة للإسلام ورسوله إضافة إلى اتصافه بالغدر وخيانة العهد، والرسول لم يأمر بأكثر من الجزاء المشترط بين الطرفين. وأما طريقة القتل فهي فعل قام به أحد المسلمين ولم يكن بمباشرة من الرسول نفسه.
![]()
يرى المشككون أنّ فرض الجزية على أهل الكتاب الذين يعيشون في دولة الرسول تصرّف قاسي جداً؛ لما فيه من الإذلال والإهانة لهم، وهو يتنافى مع كونه رسولاً إلهياً!

أولاً: ابتداءً، ينبغي أن نعرف أنّ الجزية: هي مقدار من المال يحدده الإمام (الحق) للمسلمين، يؤخذ من الرجل الذمّي المعاهد (غير المسلم من أهل الكتاب السماوي الذي بينه وبين المسلمين عهد وذمة) الذي يعيش في بلد الإسلام ويريد البقاء على دينه، علماً أنّها - أي الجزية - لا تؤخذ من الصبيان ولا المجانين ولا النساء ولا الرهبان ولا كبار السن، بل تؤخذ فقط من الرجال.
وبحسب الإسلام، فإنّ شرائط الذمّة والعهد ستة، هي:
١- قبول دفع الجزية. ٢- أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان كحرب المسلمين ومعونة أعدائهم. ٣- عدم فعل ما يؤذي المسلمين كسرقة أموالهم والتجسس لصالح عدوهم. ٤- عدم التظاهر بما يراه الإسلام منكراً كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك. ٥- أن لا يحدثوا دور عبادة جديدة خاصة بهم ويكتفوا بما هو موجود لديهم. ٦- أن تجري عليهم أحكام المسلمين العامة.
من يمعن النظر بهذه الشرائط يجد أنها تتضمّن حقوقاً وواجبات في نفس الوقت، فحرية الاعتقاد و إقامة الطقوس الدينية داخل دور العبادة والعيش بأمان التي منحها
الرسول لأهل الكتاب المعاهدين هي حقوقهم الممنوحة لهم مقابل واجبات يجب عليهم الوفاء بها كقبول دفع الجزية، وعدم محاربة المسلمين أو إعانة عدوهم عليهم وإبداء الأذى لهم.
ثانياً: ليس لدى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) عقدة معيّنة من أهل الكتاب ولا من غيرهم، ولا أنه قهر أحداً على الإيمان به وتصديقه في دعواه، كيف وهو الناقل قول ربه للخلق أجمعين: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" [البقرة: ٢٥٦ ]، كما أنه لم يجبر أحداً على العيش في دولته وتحت حكمه، وكان بوسع أهل الكتاب من البداية أن لا يختاروا العيش في دولة يقودها الرسول، أما إن اختاروا البقاء فيها مع تمسكهم بدينهم وعقيدتهم فبالتأكيد عليهم أن يلتزموا ويفوا بشروط العهد (العقد الاجتماعي الذي تفرضه عليهم الدولة الإسلامية وحاكمها الأول تحديداً)، تماماً كما تفرض أي دولة (قديماً وحديثاً) شروطاً وقوانين معينة على من يختار الإقامة فيها والعيش على أراضيها.
ثم لا شك أنّ واحدة من أسس قيام أي دولة من الدول على هذه الأرض وديمومة نظام الحكم فيها واستقراره هو صلاح وازدهار الجانب الاقتصادي، ولا أقل بحدود ومستويات تضمن توفير سبل العيش الكريم للأفراد الخاضعين تحت رعاية تلك الدولة، وإلا سيكون توفير الأمن والاستقرار ضرباً من ضروب الخيال. والرسول بصفته رجل دين ودولة في آن واحد أكيد أنّه سيولي هذا الجانب المهم في حياة الناس اهتماماً ورعاية خاصة وضمن الإمكانيات المتاحة له في تلك الظروف القاسية. وهذا ما حصل فعلاً، فأوجب على المسلمين المتمكنين مادياً (ضمن واجبات عبادية) دفع زكواتهم وخمس أرباح تجاراتهم الفائضة على مؤونة سنتهم وغيرها من الصدقات والواجبات المالية، وعيّن جباة لجمعها وفق شروط معينة، وكان لها تأثيراً إيجابياً كبيراً في رفد بيت المال العام (خزينة الدولة) الخاضع لإشراف الرسول، الذي قام بدوره بتعيين مصرفها وإدارة شؤون العباد والبلاد العامة وسد بعض وجوه النقص فيها.
وهذا الذي ذكرناه بخصوص المسلمين، فيه إجابة كافية للأراجيف التي يطلقها بعض المشككين الذين يعتبرون فرض الزكاة والواجبات المالية عموماً على المسلمين بمثابة أخذ الاتاوات، في ذات الوقت الذي نراهم يسارعون - قبل غيرهم - للإشادة بما
تفعله الدول المتقدمة من فرض الضر ائب على المواطنين بغية تحسين وضع الشعوب اقتصادياً.
وعموماً، بالنسبة إلى أهل الكتاب بصفتهم أفراد يعيشون ضمن المساحة الخاضعة لحكم الدولة الإسلامية ولهم حقوق مفروضة كحرية الاعتقاد وحرية العيش على أراضيها والعمل، وأيضاً توفير الحماية لهم والدفاع عنهم. في مقابل ذلك هناك واجبات يجب عليهم الوفاء بها للدولة، وواحدة من تلك الواجبات هي دفع الجزية بحسب تعبير النص الديني، وهي نفسها "الضريبة" المحددة من قبل الدولة بحسب التعبير السائد اليوم. وبالنتيجة، فكل من يعيش تحت إدارة دولة الإسلام تفرض عليه مقابل ما يقدم له من "حقوق وخدمات" ضريبة يدفعها إلى الدولة لتتمكن قيادتها من إدارة شؤون الرعية وتمشية أمور العباد والبلاد وضمان ديمومة تلك الخدمات، والمواطنون المسلمون يدفعون الضريبة المالية للدولة الإسلامية كزكاة وخمس وصدقات بعنوان عبادة يؤجرون عليها، وأهل الكتاب أيضاً ملزمون بدفع الضريبة حالهم حال سائر المسلمين.
وهكذا يتضح أنّ دفع الجزية (الضريبة) من قبل أهل الكتاب ليس فيه قسوة وإذلال لهم (كما توهم المشككون)، بقدر ما هو واجب مالي يقوم بدفعه جميع المتمكنين مادياً الذين يعيشون تحت رعاية وحماية الدولة الإسلامية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وهذا الأمر معمول به في أغلب دول العالم كما هو معلوم.
سُئل السيد أحمد الحسن عن سبب فرض الجزية على أهل الكتاب كالمسيحيين، في حين أنّ الدول المسيحية لم تفرض الجزية على المسلمين الذين يعيشون على أراضيها، فأجاب:
(الجزية ليست حكماً شرعياً تعبدياً و إنما هو قانون سنّ في الدولة الإسلامية التي أسسها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالمسلمون يدفعون الضريبة للدولة عن طريق الزكاة والخمس والصدقات وغير المسلمين يدفعون الضريبة للدولة الإسلامية تحت اسم الجزية.
أما قول إن الدول المسيحية أو العلمانية اليوم لا تفرض الجزية على المسلمين فغير صحيح حيث هناك ضرائب تفرض في هذه الدول اليوم على الجميع المسلم وغير المسلم،
باختصار (الجزية = الضريبة اليوم).
وفي الدولة الإسلامية العادلة المؤمن يدفع الضريبة تحت مسمّى الزكاة والخمس ويحصل على أجر وثواب، وغير المؤمن أو المانع للزكاة والخمس يدفعها عن يد وهو صاغر وتسمى ضريبة أو جزية أو سمّها ما شئت فلا مشاحة في الألفاظ) (١).