الفصول
المرسى الرابع: بلاد سومر واكاد بكت دموزي والآن تبكي الحسين (ع) ؟!
مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد · السيد أحمد الحسن
-المرسى الرابع: بلاد سومر واكاد بكت دموزي والآن تبكي الحسين (ع) ؟!
بكى وناح السومريون أو الاكاديون على دموزي (دمو: الابن، زي: الصالح) آلاف السنين. واستمر نواح بلاد ما بين النهرين على دموزي حتى زمن النبي حزقيال، نقل في التوراة أنّ سكان بلاد ما بين النهرين كانوا ينوحون على تموز (دموزي):
«وقال لي بعد تعود تنظر رجاسات أعظم هم عاملوها * فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز * فقال لي أرأيت هذا يا ابن آدم. بعد تعود تنظر رجاسات أعظم من هذه * فجاء بي إلى دار بيت الرب الداخلية وإذا عند باب هيكل الرب بين الرواق والمذبح نحو (تقريباً) خمسة وعشرون رجلاً ظهورهم نحو هيكل الرب ووجوههم نحو الشرق وهم ساجدون للشمس نحو الشرق » [حزقيال: ٨ - ١٣ - ١٦].
والعمل الموصوف بأنه رجس هو قتل تموز (دموزي) الذي جعل أُولئك النساء يبكين والرجال يسجدون عند مذبحه.
تبدأ قصة مقتل الملك دموزي بأنه يدفع ثمن رفضه السجود لعشتار - أنانا (الدنيا):
« فإذا أرادت "انانا" (عشتار) أن تصعد من العالم الأسفل،
فدعها تقدم من يكون بديلا عنها،
صعدت "انانا" من العالم الأسفل،
وكان الشياطين الصغار مثل قصب الـ "شوكر"،
والشياطين الكبار مثل قصب الـ "دابان"
يمشون إلى جانبها، حافين بها،
والشيطان الذي مشى قدامها أمسك صولجانا بيده، وإن لم يكن وزيراً،
والذي بجانبها، وإن لم يكن فارساً، فقد تمنطق بالسلاح، إن الذين رافقوها،
الذين رافقوا "انانا" (الآلهة عشتار أو الدنيا)،
كانوا مخلوقات لا يعرفون الطعام ولا يعرفون الماء،
فلا يأكلون من الطحين المبسوس،
ولا يشربون الماء الذي يقدم قرباناً،
إنهم يأخذون الزوجة من حضن زوجها،
ويأخذون الطفل الرضيع من ثدي مرضعته ......
وتقصد "انانا" (عشتار) إلى المدينتين السومريتين "أوما" و"بادتبيرا"، حيث نجد إلهيهما، كما قدمنا، يسجدان لها (لعشتار أو الدنيا) وبذلك تخلصا من قبضة الشياطين. ثم تصل إلى مدينة "كلاب" التي كان دموزي إلهها الحامي. وتستمر القصيدة على الوجه الآتي:
ارتدى "دموزي" (تموز) حلة فاخرة واعتلى جالساً على منصته،
فمسكه الشياطين من فخذيه ..........،
لقد هجم عليه الشياطين السبعة كما يفعلون بجانب الرجل المريض،
فانقطع الرعاة عن نفخ الناي والمزمار أمامه.
ثم صوبت (أي "انانا") نظرها عليه، ثبتت عليه نظرة الموت،
نطقت بالكلمة ضده، كلمة السخط والحنق،
وصرخت ضده بصرخة التجريم قائلة،:
"أما هذا فخذوه"،
وهكذا أسلمت "انانا" الطاهرة الراعي "دموزي" إلى أيديهم. ([٩])
إن من رافقه،
من رافق دموزي (تموز)،
كانوا مخلوقات لا يعرفون الطعام ولا يعرفون الماء،
لا يأكلون الطحين المبسوس (السويق)،
ولا يشربون الماء المقرب (المقدم قرباناً)، ...» [من ألواح سومر: ص٢٧٧ - ٢٧٩].
وهكذا فإنّ عشتار - أنانا زوجة دموزي الملك سلّمته للشياطين ليقتلونه في مفارقة يصعب فهمها على من لا يعرفون معنى حاكمية الله أو التنصيب الإلهي، أو كما يُعبِّر عنها السومرييون - الأكاديون "الملوكية التي نزلت من السماء".
ولكنها حقيقة تكررت كثيراً في الدين الإلهي، وهي أنّ عشتار - الدنيا منقادة في كثير من الأحيان للملوك الذين لم ينصّبهم الله؛ لأنهم ساجدون وخاضعون لها، فهم يعبدون شهواتهم الدنيوية.
وعشتار - الدنيا متمردة على المنصّبين من الله للحكم فيها؛ لأنهم في الحقيقة متمردون عليها. فنصيب علي ( كان خمس سنوات مُرّة، هاجت فيها كل شياطين الأرض لمحاربته ( في الجمل وصفين والنهروان، وما قرّوا حتى قتلوه في الكوفة.
ونصيب الحسين ( الملك المنصَّب للحكم في الدنيا مذبحة لم يسلم منها حتى الرضيع.
وهذه بعض النصوص التي وصلت في الرِقَم الطينية السومرية عن مأساة دموزي وأخته، وسنرى كم هي قريبة من وصف ما جرى على الحسين ( ([١٠])، رغم أنها نصوص آثارية تناقلها السومريون - الاكاديون قبل ولادة الحسين ( بآلاف السنين:
« صار قلبه وعاء للحزن والدموع،
مضى حيث السهول تمتد بعيداً،
قلب الراعي يفيض بالحزن والدموع، ([١١])
مضى إلى السهول الممتدة بعيداً،
قلب دوموزي يسبح بالحزن والدموع،
مضى إلى السهول الممتدة الواسعة،
علَق الناي في عنقه وصاح يندب حظه،
أيتها السهول الواسعة الممتدة بعيداً رددي بكائي،
رددي بكائي،
أيتها السهول يجب أن تعرفي الحزن وذرف الدموع،
رددي بكائي،
نوحي معي،
أيتها السرطانات في النهر، تفجعي عليّ
أيتها الضفادع في النهر، نقّي من أجلي ([١٢])
لتطلق أمي صرخة عويل،
لتطلق أمي (سرتور) صرخة عويل،
لتطلق أمي التي لا تملك خمسة أرغفة، صرخة عويل،
لتطلق أمي التي ليس عندها عشرة أرغفة، صرخة عويل،
عندما تفقدني لن تجد من يهتم بها،
وأنت يا عيني التائهة في السهول، ادمُعي مثل عينِ أمي، ([١٣])
وأنت يا عيني التائهة في السهول، ادمُعي مثل عينِ أختي،
بين البراعم والزهور اضطجع،
بين البراعم والزهور في السهل استلقى،
الراعي دوموزي استلقى في السهل،
بينما كان الراعي دوموزي مضطجعاً رأى حلماً،
كل جزء في جسده اضطرب،
استيقظ بعد أن رأى الرؤيا،
فرك عينيه،
انتابه دوار شديد،
دوموزي استفاق وقال:
أحضروها لي، أحضروها، أجلبوا أختي،
أحضروا (جشتي نانا) أختي الصغيرة،
أحضروا الكاتبة العالمة بسر الأرواح، ([١٤])
أختي التي تعرف معنى الكلمات،
المرأة الحكيمة التي تعرف معنى الأحلام،
يجب أن أتحدث لها،
يجب أن أخبرها بالحلم الذي رأيته،
دوموزي تحدث إلى أخته (جشتي نانا) قال:
عن الحلم، أختي، استمعي إلى الحلم الذي رأيته،
الاسل يطلع في كل ما حولي،
الاسل يندفع من باطن الأرض كثيفاً،
واحدة من ذاك النبات وقفت وحيدة وحنت رأسها أمامي،
كل الاسل وقف في أزواج اِلا واحدة أزيلت من مكانها،
في البستان انتصبت في محيط الأرض حولي أشجار طويلة مرعبة،
فوق أرض منامي لا ماء ينسكب، ([١٥])
محفظة متاعي خالية وقد أخذ منها ما بها،
وكوبي المقدس قد سقط من الوتد المعلق به،
عصا الراعي اختفت،
النسر يحمل حملاً بين مخالبه،
والصقر اختطف العصفور من سياج القصب،
أختي: جدائي الصغار تجرجر في التراب ويغطيها الغبار،
أغنامُ حظيرتي تتحرك فوق الأرض بقوائم ملتوية، ([١٦])
مخضة اللبن محطمة خاوية فارغة،
كوبي قد تهشم،
دوموزي لم يعد بين الأحياء،
حظيرة أغنامه صارت في مهب الريح،
قالت جشتي نانا:
أواه يا أخي، لا تحكِ حلمك لي،
ليس مريحاً،
الاسل يطلع في كل ما حولك،
الاسل يندفع من باطن الأرض كثيفاً،
عصبة من السفاحين ستنقض عليك،
هو حلمك،
واحدة من ذاك النبات وقفت وحيدة وحنت رأسها أمامك،
هي أُمك،
ستحني رأسها من أجلك،
كل الاسل وقف في أزواج إلا واحدة أزيلت من مكانها،
أنا وأنت،
أحدنا سوف يتوارى ويزول،
في البستان انتصبت في محيط الأرض حولك أشجار طويلة مرعبة،
الأشرار سوف يرعبونك،
فوق أرض منامك لا ماء ينسكب،
حظيرة الغنم سوف تغدو خراباً،
الأشرار سوف يُضيِقون الخناق عليك،
محفظة متاعك خالية وقد أخذ منها ما بها،
وكوبك المقدس قد سقط من الوتد المعلق به،
سوف تقع من ركبة أمك التي حملتك،
متاع الراعي،
مخضة الراعي، كل شيء يختفي،
الأشرار سوف يفعلون كل شيء يضعفك،
تجمعوا،
البومة،
النسر،
الصقر،
العفريت الكبير،
كلهم يريدون أن يطردوك،
سيقضون عليك في حظيرة الغنم،
جداؤك الصغار تجرجر في التراب يغطيها الغبار،
الغضب سوف يدوم في السماء مثل الإعصار، ([١٧])
أنت ستسقط إلى الأرض،
عندما أغنام حظيرتك تتحرك فوق الأرض بقوائم ملتوية،
عندما مخضة اللبن محطمة خاوية فارغة،
الشياطين ستجعل كل شيء ذابلاً،
حينما يأخذ النسر الخروف الصغير، ([١٨])
الجالا سيخدش خدودك،
عندما يمسك الصقرُ العصفورَ من سياج القصب،
الجالا سوف يتسلق السور ليأخذك بعيداً،
دوموزي،
شعري سيدور في السماء لأجلك، ([١٩])
الخراف ستحفر الأرض بحوافرها،
أوه دوموزي أنا سوف أشقق خدودي بأسف عليك،
تحطم إناء الكذب، ...........................
دوموزي هرب من الشياطين،
هرب إلى حظيرة أغنام أخته جشتي نانا،
عندما وجدت جشتي نانا دوموزي في حظيرة الأغنام بكت،
رفعت فمها بجانب السماء،
أحضرت فمها بجانب الأرض،
مثل الثوب غطى حزنها الأفق،
مزقت عينيها، مزقت فمها، مزقت أفخاذها،
صعد الـ (جلا) سياج القصب،
ضرب الـ (جلا) الأول دوموزي على الخد ونشب أظافره،
ضرب الـ (جلا) الثاني دوموزي على الخد الآخر،
الـ (جلا) الثالث حطم عجيزة المزبدة،
الـ (جلا) الرابع انزل الكوب من وتده وحطمه،
الـ (جلا) الخامس حطم المزبدة،
الـ (جلا) السادس حطم الكوب،
الـ (الجلا) السابع بكى،
انهض دوموزي زوج انانا،
ابن (سيرتور) شقيق جشتي نانا،
انهض من نومك الزائف،
نعاجك صودرت،
حملانك صودرت،
عنزاتك صودرت،
نمسك أطفالكم (جديانك صودرت) ([٢٠])
اخلع تاجك المقدس من رأسك،
انزع ملابسك الملكية من جسدك،
دع صولجانك الملكي يسقط على الأرض،
اخلع نعليك المقدسة من أقدامك،
عرياناً، تمضي معنا ([٢١])
أمسك الـ (جلا) دوموزي،
أحاطوه،
أوثقوا يديه،
ربطوا رقبته،
سكتت المزبدة،
لا حليب ينزل منها،
الكوب محطم،
لا دوموزي بعد الآن، ([٢٢])
أصبحت حظيرة الغنم في مهب الريح » [إنانا ملكة السماء والأرض - صموئيل نوح كريمر ودايان ولكشتاين].
[كما نقرأ في التقاويم البابلية أن الحزن والبكاء على الإله (دموزي) كان يبدأ في اليوم الثاني من شهر (Du uzi) أي تموز وإنه كانت تقام مواكب للعزاء تحمل فيها المشاعل وذلك في اليوم التاسع والسادس عشر والسابع عشر. وكان يقام في الأيام الثلاثة الأخيرة من هذا الشهر احتفال اسمه بالاكدية (Talkimtu) يجري خلاله عرض ودفن طقسي لدمية تمثل الإله تموز ولكن على الرغم من الأثر الذي تركته عقيدة موت الإله دموزي في المجتمع القديم في وادي الرافدين وخارجه فإن الحزن عليه لم يصبح في يوم ما من طقوس المعبد بل ظل يقام سنوياً في نطاق الممارسات الشعبية ...... لقد وصلنا عدد من المناحات التي ألفها الشعراء السومريون والبابليون للبكاء على الإله الشاب دموزي والتي كانت تقرأ في مواكب العزاء في المدن المختلفة] [عشتار ومأساة تموز - د. فاضل عبد الواحد علي].
رثاء السومريين لتموز أو دموزي:
« لقد سقط القدح مهشما
ولم يعد دموزي على قيد الحياة
وذهبت الحظيرة أدراج الرياح » [عشتار ومأساة تموز - د. فاضل عبد الواحد علي].
وفي قصيدة أُخرى يرثي بها الشاعر السومري دموزي (الابن الصالح)، فيقول:
« راح قلبي إلى السهل نائحاً نائحاً
إني أنا سيدة أي - أنا التي تحطم بلاد الأعداء،
إني أنا ننسونا أم السيد العظيم
إني أنا كشتن - أنا أخت الفتى المقدس
راح قلبي إلى السهل نائحاً نائحاً
راح إلى مكان الفتى،
راح إلى مكان دموزي،
إلى العالم الأسفل، مستوطن الراعي
راح قلبي إلى السهل نائحاً نائحاً
إلى المكان الذي ربط فيه الفتى،
إلى المكان الذي احتجز فيه دموزي ...
راح قلبي إلى السهل نائحاً نائحاً » [عشتار ومأساة تموز - د. فاضل عبد الواحد علي].
حقيقة إنّ ظلماً كبيراً يطال السومريين الذين علّموا الإنسانية الكتابة ووضعوا القوانين وأُسس العلوم، وهم أوّل من صنع العجلة ووضع نظم الحساب والجبر والهندسة عندما يصورهم د. كريمر ويتبعه بعض المختصين بالحضارة السومرية: إنهم ينوحون على شيء أُسطوري أو قصة أُسطورية هم من ألّفها، وهي مجرد تعبير عن الخصب والجدب اللذين يتعاقبان على السنة.
وكأنهم شعب تعاطى كل أفراده مادة مخدرة أفقدتهم عقولهم بحيث إنهم وورثتهم البابليون ينوحون ويقيمون مجالس العزاء آلاف السنين على رمز في قصة هم ألّفوها من ألفها إلى يائها.
آلاف السنين وسكان بلاد ما بين النهرين جيلاً بعد جيل وكل سنة يصورون جثة دموزي، وكل سنة يبكون على دموزي، وكل سنة يقرؤون قصائد رثاء دموزي.
كل هذا مجرد أوهام ؟!
ومجرد قصة هم ألّفوها !!
ولأجل ماذا ؟!
لأجل التعبير عن خصب يأتي في الربيع وجدب يتبعه في فصل آخر من السنة !!!.
المفروض أن يكون هناك جواب معقول لنواح أوّل حضارة عرفتها الإنسانية وطيلة آلاف السنين على دموزي (الابن الصالح) أو تموز.
وفيما يخص التراث الديني فإنّ الروايات عن الأئمة / تخبرنا بوضوح تام أنّ السومريين قد ناحوا وبكوا على الحسين ( من خلال نقل بكاء وحزن الأنبياء السومريين؛ نوح ( وإبراهيم ( على الحسين (:
عن الفضل بن شاذان، قال: سمعت الرضا ( يقول:
(لما أمر الله عز وجل إبراهيم ( أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم ( أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم، من أحب خلقي إليك ؟ فقال: يا رب، ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ من حبيبك محمد /، فأوحى الله تعالى إليه: أفهو أحب إليك أم نفسك ؟ قال: بل هو أحب إليّ من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال: يا رب، بل ذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم، فإنّ طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي. فجزع إبراهيم ( لذلك، وتوجع قلبه، وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم، قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول الله عز وجل: "وفديناه بذبح عظيم". شيئان قائمان وشيئان جاريان وشيئان مختلفان وشيئان متباغضان) [الخصال - الشيخ الصدوق: ص٥٨ - ٥٩، عيون أخبار الرضا: ج ٢ ص١٨٧].
عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( في سقم إبراهيم (: (فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ"، قَالَ: حَسَبَ فَرَأَى مَا يَحُلُّ بِالْحُسَيْنِ (، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ لِمَا يَحُلُّ بِالْحُسَيْنِ () [الكافي: ج ١ ص٤٦٥].
وروى العلامة المجلسي في البحار:
(إنّ آدم لما هبط إلى الأرض لم ير حواء، فصار يطوف الأرض في طلبها، فمر بكربلاء فاغتم وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين حتى سال الدم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي، هل حدث مني ذنب آخر فعاقبتني به، فإني طفت جميع الأرض وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض. فأوحى الله إليه: يا آدم، ما حدث منك ذنب ولكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال دمك موافقة لدمه. فقال آدم: يا رب، أ يكون الحسين نبياً ؟ قال: لا، و لكنه سبط النبي محمد. فقال: ومن القاتل له ؟ قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض. فقال آدم: فأي شيء أصنع يا جبرئيل ؟ فقال: العنه يا آدم. فلعنه أربع مرات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حواء هناك).
(وروي أنّ نوحاً لما ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا، فلما مرت بكربلاء أخذته الأرض وخاف نوح الغرق، فدعا ربه وقال: إلهي، طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض، فنزل جبرئيل وقال: يا نوح، في هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء، فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل ؟ قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين. فلعنه نوح أربع مرات، فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت عليه.
وروي أنّ إبراهيم ( مرَّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً، فعثرت به وسقط إبراهيم وشج رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي، أي شيء حدث مني ؟ فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم، ما حدث منك ذنب ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء فسال دمك موافقة لدمه. قال: يا جبرئيل، ومن يكون قاتله ؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربه، فأوحى الله تعالى إلى القلم أنك استحققت الثناء بهذا اللعن، فرفع إبراهيم ( يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً، وأمّن فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أي شيء عرفت حتى تؤمّن على دعائي ؟ فقال: يا إبراهيم، أنا أفتخر بركوبك عليّ، فلما عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى) [بحار الأنوار: ج ٤٤ ص٢٤٣] ([٢٣]).
ما تقدم يجعل القارئ المتدبر يلتفت بقوة إلى أنّ ملاحم سومر وأكاد هي إخبارات دينية وبعضها غيبي مستقبلي بالنسبة للزمن الذي دوّنت فيه.
ويجعلنا لا نشك أنّ الدين يشكل جزءاً كبيراً من محتوى الملاحم والقصص السومرية - الاكادية (البابلية والآشورية).
وما دمنا قد وصلنا إلى هنا فأرى من المناسب جداً أن نمرَّ على ملحمة أوروك الخالدة أو ملحمة جلجامش، وسنحاول معاً قراءتها بصورة أُخرى ربما ليست معهودة، سنحاول قراءتها على أنها قصة قصها آدم لأبنائه، وقصها نوح لأبنائه، وقصها إبراهيم لأبنائه، وانتشرت بين السومريين وبين شعوب العالم القديم وخصوصاً في الشرق الأدنى، وأصبحت القصة المفضلة لسكان بلاد ما بين النهرين (mesopotamia) وتناقلتها الأجيال حتى وصلتنا عبر آلاف السنين، ولكنها ربما شُوِّهت وحُرِّفت - كما تبيَّن لنا سابقاً - عندما تداولها الناس.
قصة جلجامش الذي سيأتي يوماً ليحقق العدالة وينقذ النوع الإنساني من حيوانيته، وفي الآثار المصرية القديمة (رجل قائم ممسك بكل وقار ثورين قائمين واحد عن يمينه والآخر عن يساره) [أساطير بابل - شارل فيروللو].
جلجامش الذي تنتظره بلاد ما بين النهرين (سومر) أو جنوب العراق ليظهر فيها يوماً ما منذ آلاف السنين ([٢٤]).
* * *
الهوامش
- ↩[٩] . بعد أن عرفنا أنّ (عشتار = أنانا) هي الدنيا، لا نتفاجئ الآن من وصفها بالطاهرة، والذي هو بكل تأكيد وصف يطلقه أهلها وعبّادها عليها، كالعلماء غير العاملين الذين يحرِّفون الحق والحقيقة، ولذا فإنّ حقيقتهم أنهم أموات ولا نصيب لهم من حياة القلوب التي يدعوا لها خلفاء الله ولا حظَّ لهم من طعام السماء وموائدها.
- ↩[١٠] . ولأجل تأكيد القرب بين ما موجود في النصوص السومرية المبيِّنة لمأساة دموزي وأُخته وبين ما جرى فعلاً على الحسين وأُخته زينب (عليهما السلام)، ستكون هناك مقارنة مختصرة بين بعض فقرات النص السومري وما ذكرته الروايات.
- ↩[١١] . إطلاق وصف الراعي على (دموزي) باعتباره ملكاً إلهياً (أي خليفة من خلفاء الله في أرضه)، ولذا يقول عيسى (: (١٤ أنا الراعي الصالح أعرف خرافي وخرافي تعرفني) الكتاب المقدس - مجمع الكنائس الشرقية: ص٣٢٢. عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( قال: (قال أمير المؤمنين (: أنا الراعي؛ راعي الأنام، أفترى الراعي لا يعرف غنمه، قال: فقام إليه جويرية قال: يا أمير المؤمنين فمن غنمك ؟ قال: صفر الوجوه ذبل الشفاه من ذكر الله) فضائل الشيعة للصدوق: ص٢٥.
- ↩[١٢] . روى الصدوق قول الامام الحسن ( لأخيه الحسين (: (إن الذي يؤتى إليّ سم يدس إليّ فاقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد /، وينتحلون دين الاسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار) الأمالي: ص١٧٨.
- ↩[١٣] . عن أبي بصير قال: (كنت عند أبي عبد الله ( وأحدثه فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً وضمّه وقبّله وقال: حقّر الله من حقركم، وانتقم ممن وتركم، وخذل الله من خذلكم، ولعن الله من قتلكم، وكان الله لكم ولياً وحافظاً وناصراً، فقد طال بكاء النساء وبكاء الأنبياء والصديقين، والشهداء، وملائكة السماء. ثم بكى وقال: يا أبا بصير إذا نظرت إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أتى إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير إن فاطمة لتبكيه وتشهق ..) بحار الأنوار: ج ٤٥ ص٢٠٨.
- ↩[١٤] . قال الامام علي بن الحسين ( لعمته زينب عليها السلام بعد خطبتها لأهل الكوفة: (يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة ..) الاحتجاج للطبرسي: ج ٢ ص٣١.
- ↩[١٥] . عن الامام الصادق ( أنه قال: (إن زين العابدين ( بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نهاره قائماً ليله، فإذا حضر الافطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه فيقول: كُل يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول الله جائعاً، قتل ابن رسول الله عطشاناً، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل) بحار الأنوار: ٤٥ ص١٤٩.
- ↩[١٦] . يقول أبو مخنف بعد مقتل أنصار الحسين (: (وقف الحسين على أصحابه، وأخذ يدعوهم بأسمائهم واحداً واحداً، يا مسلم بن عقيل، ويا هاني بن عروة، ويا حبيب بن مظاهر، ويا زهير بن القين، يا فلان ويا فلان، يا ابطال الصفا ويا ليوث الهيجاء، ما لي أناديكم فلا تجيبون وأدعوكم فلا تسمعون، أنتم نيام أرجوكم تنتبهون أم حالت مودتكم عن أمامكم فلا تسمعون، هذه نساء الرسول لفقدكم قد علاهن النحول ولكن صرعكم والله ريب المنون وغدر بكم الدهر الخؤون) مقتل الحسين: ص١٣٣.
- ↩[١٧] . تقدم قول الامام الحسن (: (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، .. فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً ..).
- ↩[١٨] . قال الشيخ المفيد عن الحسين (: (دعا ابنه عبد الله (الرضيع) قالوا: فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه، ثم رمى به إلى السماء) بحار الأنوار: ج ٤٥ ص٤٦.
- ↩[١٩] . هذا مقطع يصور فيه الامام المهدي ( حال عمّته زينب عليها السلام وأخواتها بعد مصرع الحسين (: (.. فلما رأين النساء جوادك مخزياً وأبصرن سرجك ملوياً، برزن من الخدور للشعور ناشرات، وللخدود لاطمات، وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات) بحار الأنوار: ج ٩٨ ص٢٤١.
- ↩[٢٠] . يصوّر لنا الامام المهدي ( حال أطفال الحسين ( وعياله فيقول: (.. وسُبي أهلك كالعبيد، وصفدوا في الحديد، فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حرور الهاجرات، يساقون في الفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يطاف بهم في الأسواق) بحار الأنوار: ج ٩٨ ص٢٤١.
- ↩[٢١] . هذا كان نداء زينب عليها السلام بعد مقتل أخيها الحسين (: (يا محمداه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء ..) بحار الأنوار: ج ٤٥ ص٥٩.
- ↩[٢٢] . هذا مقطع يصور فيه الامام المهدي ( حال جده الحسين ( يوم عاشوراء: (.. وقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات، وأحدقوا بك من كل الجهات، وأثخنوك بالجراح وحالوا بينك وبين ماء الفرات، ولم يبق لك ناصر، وأنت محتسب صابر، تذب عن نسوانك وأولادك. فهويت إلى الأرض طريحاً، ظمآن جريحاً، تطؤك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك، واختلفت بالانبساط والانقباض شمالك ويمينك، تدير طرفاً منكسراً إلى رحلك، وقد شغلت بنفسك عن ولدك وأهلك، وأسرع فرسك شارداً، وإلى خيامك قاصداً، محمحماً باكياً. فلما رأين النساء جوادك مخزياً، وأبصرن سرجك ملوياً، برزن من الخدور للشعور ناشرات، وللخدود لاطمات، وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات، وشمر جالس على صدرك، مولغ سيفه في نحرك، قابض شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، وقد سكنت حواسك، وخمدت أنفاسك، وورد على القناة رأسك، وسبي أهلك كالعبيد، وصفدوا في الحديد فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حرور الهاجرات، يساقون في الفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يطاف بهم في الأسواق ..) بحار الأنوار: ج ٩٨ ص٢٤١.
- ↩[٢٣] . وللمزيد انظر: ملحق رقم (١).
- ↩[٢٤] . واضح في نصوص الأديان، والآن أُضيف لها نصوص الألواح السومرية، أنّ أمر المنقذ والمخلص العالمي الموعود أمره يرتبط بالشرق وبالعراق تحديداً، انظر: ملحق رقم (٢).