الفصول

الفصل الأول: سلاحف على طول الطريق

وهم الإلحاد · أحمد الحسن

المصدر ↗

الفصل الأول

)١(

سلاحف على طول الطريق

رسل السماء حاربهم رجال الدين المنتفعون من الدين في زمانهم، فمتى ينتبه الناس ولا
يكرّروا الوقوع في نفس الفخ؟!

عاش جوردانو برونو بين (١٥٤٨- ١٦٠٠ م)، وهو فيلسوف ايطالي اعتقد بدوران الأرض
حول الشمس، وقام بنشر نظرية كوبرنيكوس حول دوران الأرض، فسجنه رجال الدين المسيحي
الكنسي ثم قطعوا لسانه وقتلوه بعد تعذيبه؛ لأنه قال إنّ الأرض تدور حول الشمس في حين
أنّ رجال الكنيسة كانوا يعتقدون أنّ الشمس والكواكب هي التي تدورحول الأرض.

عاش جاليلو جاليلي بين (١٥٦٤-١٦٤٢)، كان يدرس الرياضيات في جامعة بيزا، وفي بداية
القرن السابع عشر راقب السماء بتلسكوب صنعه بنفسه واكتشف أنّ الأرض تدور حول
الشمس، ولكن الكنيسة الكاثوليكية اعتبرت هذا القول مجرد نظرية معارضة للكتاب المقدس،
فحاكموا جاليلو واتهموه بالهرطقة، تهمة الكنيسة التي لا تتغير لكل من يخالفها، وسجن جاليلو
ثم وضع قيد الاقامة الجبرية ومنع من التدريس أو إلقاء أي محاضرة، ومنعت كتبه حتى مات
في منزله مضطهداً من رجال الدين العباقرة الذين يفهمون في كل شيء ويعرفون جيداً أنّ
الأرض لا تدور أبداً! وهل يعتقد أحد من المسيحيين في ذلك الزمان أنّ جاليلو المهرطق - بحسب
الكنيسة - يفهم أكثر من علماء الدين المسيحيين أصحاب المعادلة اللاهوتية السحرية التي لا
يمكن أن يفهمها أحد والتي تقول: إنّ الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متمايزة وكل واحد منها لاهوت
مطلق ويرسل أحدها الآخر ومع ذلك فهم واحد! معادلة لاهوتية سحرية بلا لون ولا طعم ولا
رائحة استطاعوا تمريرها حتى اليوم على أكثر من مليار مسيحي مع أنّ بطلانها واضح كوضوح

(𝟐 = 𝟏+𝟏)! فكيف لا يمكنهم إقناع الشعب المسيحي ببطلان قول مهرطق صغير جداً -

يقول إنّ الأرض تدور- مثل جاليلو لبضعة مئات من السنين؟!

النتيجة، اعتذرت الكنيسة رسمياً من جاليلو ولكن بعد أن مات بمئات السنين، وبعد أن
تبيّن لكل الناس حقيقة دوران الأرض فاقتنعت الكنيسة أخيراً رغم أنفها أنّ الأرض تدور قبل
أن يتركها أتباعها.

اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية لجاليلو في القرن العشرين وبرأته من جريمته الكبرى التي
كانت قوله: "إنّ الأرض تدور".

تقريباً أربعة قرون، أربعمائة عام والنتيجة أنّ جاليلو مجرم برأوه من جريمته! جريمته التي كانت قوله إن الأرض تدور حول الشمس! الآن لم يعد جاليلو مهرطقاً! الآن وبحسب
الكنيسة لم تكن أقوال جاليلو هرطقة! إذن، جوردانو برونو قتل لأنه قال الحق والكنيسة
سفَّاح يسفك دماء الأبرياء! إذن، النتيجة الحتمية إنّ الهرطقة هي أقوال الكنيسة التي كانت
تعارض أقوال جاليلو، إذن الكنيسة كانت مهرطقة طوال أربعة قرون تقريباً.

والسؤال الآن: هل يمكن إذن يا مسيحيي العالم أن تكون كنيستكم أيضاً مهرطقة في
قضية لاهوت يسوع وروح القدس والاب وأنهم أقانيم ثلاثة خصوصاً أنّ هناك مسيحيين
عارضوها، فهل يمكن أن تكتشفوا في يوم من الأيام أنّ القديس آريوس الذي اتهمته الكنيسة
بالهرطقة لأنه نفى لاهوت يسوع المطلق لم يكن مهرطقاً، ويظهر لكم أنّ الكنيسة التي حاربت
آريوس مهرطقة أيضاً كما في قضية برونو وجاليلو؟!

الخوف هو أن يكون هذا اليوم متأخراً جداً عن أن تكون فيه فرصة للتصحيح أو أن يتم
فيه التصحيح. أليس جديراً بكل مسيحي أن يبحث اليوم عن الحقيقة وهو لا زال على قيد
الحياة؟ ابحثوا بأنفسكم بدل اتباع رأي الكنيسة التي ثبت الآن وباعترافها أنها هرطقت في
قضية جاليلو لمدة أربعة قرون تقريباً.

وعلى طريقة من يأخذ عنزاته للرعي عندما يعود الرعاة وقت الغروب، نجد لكبار علماء
الوهابية قصة طريفة مع جاليلو في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع أنهم بحسب ما
أعتقد لا يعرفون عنه شيئاً وإلا لاتهموه بالشرك الأكبر؛ لأنه يخالفهم ويقول إنّ الأرض تدور،
وقصتهم تتلخّص في فتاوى تنمّ عن جهل مطبق فبعد أن صعد الإنسان إلى القمر في القرن
العشرين وأتى روّاد الفضاء بصور الأرض وهي تدور تبين لكبار علماء الوهابية أنّ الأرض لا
تدور أبداً، وإليكم الفتاوى:

«السؤال: بارك الله فيكم هذا سؤال من المستمعة ابتسام محمد احمد من العراق
الأنبار تقول ما معنى قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع
الله الذي أتقن كل شيء) وهل يستدل بهذه الاية على صحة القول بدوران الأرض؟

الجواب: الشيخ ابن عثيمين:..... نحن نقول إن نظرية كون اختلاف الليل والنهار
من أجل دوران الأرض على الشمس هذه النظرية باطلة لمخالفتها لظاهر القران............
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه وقد غربت
الشمس (أتدري أين تذهب قال الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب فتسجد تحت العرش) إلى اخر الحديث وهذا دليل على أنها هي التي تتحرك نحو الأرض لقوله أتدري أين تذهب
وفي الحديث المذكور قال فإن أذن لها وإلا قيل ارجعي من حيث شئت فتخرج من مغربها
وهذا دليل على أنها هي التي تدور على الأرض وهذا أمر هو الواجب على المؤمن اعتقاده
عملاً بظاهر كلام ربه العليم بكل شيء دون النظر إلى هذه النظريات التالفة والتي سيدور
الزمان عليها ويقبرها كما قبر نظريات أخرى بالية هذا ما نعتقده في هذه
المسألة............والمهم أنه يجب علينا في هذه المسألة أن نؤمن بأن الشمس تدور على
الأرض وأن اختلاف الليل والنهار ليس بسبب دوران الأرض ولكنه بسبب دوران الشمس
حول الأرض»(١).

انظروا إلى ابن عثيمين في القرن العشرين يقول عن دوران الأرض حول الشمس إنها نظرية
تالفة، وسيدور الزمان عليها ويقبرها، ولكن النتيجة أننا رأينا الزمان دار على ابن عثيمين وتلفه
وقبره، أما دوران الأرض حول الشمس فكل الناس تصدقه اليوم إلا بعض المساكين الذين
يستغفلهم ابن عثيمين وأشباهه، وللأسف بعضهم درس الفيزياء وهو لا يزال يعتقد بأن الأرض
لا تدور!!!!!

وابن باز يقول نفس قول ابن عثيمين:

«من عبد العزيز بن عبد الله بن باز..... كما أني قد أثبت في المقال فيما نقلته عن
العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض، أما دورانها فقد أنكرته وبينت
الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به، وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير
جارية؛ لأن هذا القول مصادم لصريح القران الكريم والسنة المطهرة الصحيحة الدالين
على أن الشمس والقمر يجريان»(٢).

واضح من كلامه أنه يقصد بدوران الشمس أنها تدور حول الأرض كالقمر، لأنه يعتقد
بثبات الأرض وعدم دورانها باعتقاده هذا فلا سبيل لحدوث الليل والنهار غير أنّ الشمس تدور
حول الأرض.

ينبغي لمن يتبع هؤلاء ويدين بدينهم مراجعة نفسه، فقد قالوا عن دوران الأرض حول
الشمس إنها نظرية تالفة وباطلة وغير صحيحة ثم تبيّن لكم الآن أنّ التالف هو قولهم
واعتقادهم، فهلاّ راجعتم أنفسكم قبل فوات الأوان فربما كان قولهم في بطلان خلافة الله في
أرضه بعد رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) كقولهم: إنّ الأرض لا تدور أبداً..... الأرض
التي قال عنها ابن عثيمين وابن باز وعلماء الوهابية لا تدور دارت، فاحذروا أن يتبيّن لكم غداً
في القيامة حيث لا ينفعكم الندم صحة خلافة الله في أرضه بعد الرسول محمد (صلى الله
عليه وآله) والتي يقول عنها ابن عثيمين وابن باز إنها لا تصح، وهم قد قلبوا الأمر رأساً على
عقب وجعلوا الشمس تدور على الأرض فقالوا:

«والمهم أنه يجب علينا في هذه المسألة أن نؤمن بأن الشمس تدور على الأرض وأن
اختلاف الليل والنهار ليس بسبب دوران الأرض ولكنه بسبب دوران الشمس حول
الأرض».

فأصلح الله أحوالكم يا من تتبعون أمثال هؤلاء، انتبهوا ربما أنّ القوم قد قلبوا لكم أمر
الدين رأساً على عقب كما فعلوها مع الأرض والشمس.

أتوقف هنا في قضية الثلاثي الشهير (جاليو - دوران الأرض - رجال الدين الكنسي والدين
الوهابي)، وفقط ما أطلبه ممن قرأها أن يستحضرها بكل ما تحمله من عبرة عندما سنصل
إلى نقاش آراء رجال الدين في نظرية التطور أو الارتقاء.

للأسف، فإنّ أكثر فقهاء الأديان الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلامية)
نهجوا مع نظرية دارون نهجهم مع سلفه جاليلو، وكما مرت الأيام على نظرية دوران الأرض
لجاليلو وانتهت بمأساة مفجعة لفقهاء الأديان الذين حاربوها وسفكوا دماء العلماء فتراكمت
الأدلة على دوران الأرض حتى كانت النهاية بصور الأرض وهي تدور في الفضاء، فالآن مرت الأيام
والأدلة العلمية على التطور كالأدلة الجينية تراكمت إلى درجة أنّ إنكار التطور أصبح سفهاً
وعناداً مقيتاً، ولكن كثيراً من فقهاء الأديان معوّلين على جهل من يسمعهم ويتبعهم، وللأسف إلى الآن يهزون رؤوسهم بـ (لا) للتطور، الأدلة الجينية، والأدلة من التشريح المقارن، والأدلة من
الحيوانات المكتشفة ودراستها، وفوق كل هذا احفوريات متسلسلة حتى تصل إلى كائنات تمشي
مستقيمة على قدمين اثنين فقط ومنذ ملايين السنين، كل هذه الأدلة بالنسبة لعلماء الأحياء
أكثر من كافية لإثبات التطور، وهو الآن حقيقة علمية تدرس في المدارس والجامعات، وعلماء
الأحياء الآن لا يبحثون عن أدلة لإثبات التطور بل يبحثون في آليات التطور وتاريخ التطور،
ومع هذا لا زال كثير من فقهاء الأديان يرفضون التطور بدون أي حجة أو دليل علمي، وليتهم
يكتفون برفض التطور بل بعضهم يكفر ويهدر دم من يقول بالتطور!

عموماً، سنعرض لمسألة التطور وأدلتها ولو باختصار، ولكن فقط ليت من يسمي نفسه
عالم دين عندما يرفض التطور يعطي نظرية بديلة متوافقة مع الحقائق العلمية الثابتة من
الجينات والتشريح المقارن ومن الاحفوريات، وليتهم أيضاً يلقون نظرة على الأسماك الرئوية
والسمكة البرمائية ويقولون لنا: هل هذه السمكة تطورت عن السمك المائي أم لا، وما هو
الدليل على رأيهم؟ أيضاً: عليهم أن يحدّدوا عمر الحياة الإنسانية منذ خلق آدم (عليه السلام)
إلى اليوم، فهذا أمر مهم ولابد أن يكون التاريخ متلائماً مع أطروحتهم في نفي التطور والحقائق
العلمية المكتشفة عن تاريخ الهومو في الأرض، فالآن معروف علمياً بما لا يقبل الشك أنّ البشر
الموجودين هم هومو سابينس، وأصل الهومو سابينس معروف وتاريخ هجرة الهومو سابينس
خارج أفريقيا معروف وطريق هجرتهم معروف أيضاً، فعلى من ينكرون التطور أن يعطونا
تاريخاً تقريبياً على الأقل لخلق آدم، وأيضاً مكان حياته الأولى، وأيضاً لا بأس أن يكون مكاناً
تقريبياً. وبالطبع لابد أن تكون تواريخهم مستندة إلى النصوص الدينية التي يدعون أنها تنفي
التطور، وعندها سيجدون أنهم ينقضون غزلهم بأيديهم وسيجدون أنهم فارغون من أي حجة
ودليل غير استفزاز أنا وتكبر الإنسان بأقوال من مثل: "إنّ التطور يقول إنّ سلف الإنسان
قرد".

الكنيسة الكاثوليكية رفضت نظرية التطور طيلة عقود، ولكنها ربما لم تصدر بياناً رسمياً
أو على الأقل لم تعط أي رأي أو موافقة على ما طرحته نظرية التطور رغم مساسها المباشر بأهم قضية يطرحها الدين وهي قضية الخلق، فنظرية التطور مخالفة تماماً لقصة الخلق
التوراتية.

والموقف نفسه تقريباً تبنّته بقية المذاهب الكنسية، فهم يرفضون نظرية التطور ولكن
بعضهم لا يصرحون، ولعل السبب واضح؛ فالزمن قد تبدل ولم تعد هناك محاكم التفتيش
أو امكانية لقطع لسان دارون كما فعلوا مع جوردانو برونو، أو سجنه واضطهاده كما فعلوا
مع جاليلو ولهذا لاذوا بالصمت، وأخيراً لما وجدوا أنّ الأدلة على التطور قد تراكمت بصورة
كبيرة خصوصاً بعد توسع علم الجينات اضطرت الكنيسة الكاثوليكية إلى الاعتراف بنظرية
التطور وأخذ قساوسة الكنيسة الكاثوليكية يقولون: إنهم لم يكونوا يوماً ضد نظرية التطور
أو دارون، والحقيقة إنهم لم يقطعوا لسان دارون أو يحرقوه في حينها لسبب بسيط وهو أن
سلطتهم كانت قد انتهت في أوربا، هم اليوم قد اضطروا للموافقة على نظرية التطور؛ لأن
الأدلة لم تعد قابلة حتى للجدل فيها، اللهم إلا جدل بعض الجهلة الذين لا يفهمون ما هو
التطور وكيف يكون، مع أن موافقتهم على نظرية التطور تعني حكم إعدام للدين المسيحي
الكنسي فنظرية التطور لم تعد كما طرحها دارون، فربما لم يبقَ مما طرحه دارون إلا الفكرة
العامة أما التفاصيل وطريقة التنظير والأدلة والاثباتات فكلها ظهرت بصورة جديدة مع تطور
العلم والأبحاث، وهي اليوم لدى أصحابها تمثل أطروحة كاملة تفسر قصة الخلق علمياً دون
حاجة لوجود أي قوة خارقة تتدخل لإتمام هذه العملية أو حتى لبدايتها، وبهذا فنظرية التطور
اليوم تمثل نظرية تنقض الدين ووجود الإله ولا يمكن لأحد القول إنه يقبلها ويقبل الدين
دون أن يقوم برفع هذا التناقض الذي يلزمه من قبول القولين، فنظرية التطور كما تطرح
اليوم وكما يفهمها وينظر لها علماء علم الأحياء التطوري تقول: إنّ التطور غير هادف على
المدى البعيد، وهي بهذا لا يمكن أن تجتمع مع الدين فلا يمكن لأحد أن يقول: نعم أنا أقبل ما
تقوله نظرية التطور والنتائج المترتبة عليها مئة بالمئة بما في ذلك أنّ التطور غير هادف على
المدى البعيد، وفي نفس الوقت: أنا أقبل الدين، فهذا القول على المستوى الأرضي يمثل تناقضاً
صارخاً ولا يصدر من عالم عاقل ما لم يقم أولاً برفع هذا التناقض ليكون قوله صحيحاً
ومقبولاً ومنطقياً، ولهذا قلت: إنّ قبول الكنيسة بنظرية التطور الذي اضطروا إليه دون أن
يتمكنوا من رفع هذا التناقض ويثبتوا أن التطور هادف على المدى البعيد هو بمثابة حكم
إعدام على الدين المسيحي الكنسي.

وبالطبع هم لا يفهمون هذا؛ لأن كثيراً من رجال الدين وللأسف لا يفهمون ما هو التطور وكيف تطرح نظرية التطور الآن، وهذا جزء من مناظرة بين د. ريتشارد دوكنز(١) والكاردينال
جورج بيل، وهو كاردينال استرالي تابع للكنسية الرومانية الكاثوليكية ورئيس أساقفة مدينة
سدني في استراليا.

«كاردينال بيل: يجب ان تفكر بالحقائق العلمية وتتسائل ان كان اعتقادك ب "الانتقاء
العشوائي" كافي.

كما ان معظم علماء الاحياء التطويرية اليوم لا يعتقدون بذلك.

ريتشارد دوكنز: لا يعتقدون بماذا؟

كاردينال بيل: لا يعتقدون بالاصطفاء العشوائي الصريح ولا يعتبرونه من الاصول كما
تعتقد انت.

ريتشارد دوكنز: أنا لا اعتقد بذلك! وانا انفي بشدة بان التطور هو اصطفاء عشوائي..
التطور هو اصطفاء لا عشوائي.

كاردينال بيل: اذن هل هناك هدف لهذا الاصطفاء؟

ريتشارد دوكنز: لا.

كاردينال بيل: هل يمكنك تفسر معنى لا عشوائي.

ريتشارد دوكنز: نعم بالطبع يمكنني ذلك..هذه مهنتي!

يوجد تمايز جيني عشوائي.. وبقاء لا عشوائي.. وتكاثر لا عشوائي لذا نرى مع تقدم الاجيال ان الحيوانات تتحسن وتدير امورها بشكل افضل.. هذا امر ليس عشوائيا في
جوهره وهذا لا يعني ان هناك هدف وراء ذلك بمعنى غرض انساني او مبدأ مدروس تم
تخطيطه مسبقا مثلا جناح الطائر قد يبدو بانه موجود لسبب ومثلا عين الانسان هي
موجودة لسبب.. ولكنها موجودة عن طريق الاصطفاء الطبيعي اللاعشوائي.. لا يوجد
سبب انساني.. وانما يوجد سبب زائف ولكنه ليس سببا انسانيا بمعنى ارشاد واع لكن
قبل كل شيء لابد لي من التاكيد على ان نظرية التطور الداروينية هي عملية غير عشوائية،
واحدة من اكبر حالات سوء الفهم التي يؤسفني القول بان رجال الدين دلسوا فيها بان
التطور هي عملية عشوائية.. بينما العكس هو الصحيح.. التطور هو عملية لا عشوائية»(١).

واضح أنّ الكاردينال جاء لمناظرة د. دوكنز دون أن يفهم التطور أو ما يقوله بعض علماء
علم الأحياء التطوري مثل دوكنز عن التطور وأنه لا عشوائي لأنه محكوم بمنظومة الانتخاب
الطبيعي، ولكنه غير هادف على المدى البعيد.

جواب ابن باز:

«سؤال: دائماً أقرأ وأسمع أن الإنسان قد كان قرداً في البداية، ثم مر بمراحل وتحول
إلى الإنسان العادي المعروف اليوم، هل هذا من المعقول أم لا، وهل عناصر قرد، أي
عناصر تكوين جسمه هي نفس العناصر المكونة لجسم الإنسان؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

جواب الشيخ عبد العزيز بن باز: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله
وسلم على رسول الله، وعلى اله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: هذا القول الذي
ذكره السائل قولٌ منكر وباطل ومخالف لكتاب الله -عز وجل- وسنة الرسول -عليه الصلاة
والسلام- ولإجماع سلف الأمة، وقد أشتهر هذا القول للمدعو داروين وهو كاذب فيما قال، بل أصل الإنسان هو من أصله على حاله المعروف، ليس أصله قرداً ولا غير قرد، بل هو
إنسان سويٌ عاقلٌ خلقه الله من الطين من التراب، وهو أبونا ادمْ -عليه الصلاة والسلام-
، خلقه الله من تراب؛ كما قال -جل وعلا-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا اِلإنسَانَ ِمن سُلاَلٍَة ِمنً
ِطينٍ ١٢]، وهو مخلوق من هذا التراب خلقه الله على صورته طوله ستون ذراعا،

[المؤمنون:

أي ستون ذراعا في السماء ثم بدأ الخلق ينقص حتى الان، وهو مخلوق على........ فأولاده
كأبيهم مخلوقون على خلقة أبيهم، لهم أسماع ولهم أبصار ولهم عقول ولهم القامة التي
ترونها الان يمشون على أرجلهم فيتكلمون ويسمعون ويبصرون ويأكلون بأيديهم........
وليسوا على شكل قردة، وليس تكوين قردة، فلهم تكوين خاص يليق بهم، وهكذا كل
أمة: القردة أمة مستقلة، والخنازير أمة مستقلة، وهكذا الكلاب والحمير والقطط وهكذا
غيرها أمم: وَمَا ِمنُ دَاَبٍَّة ِفي الاَرْضِ وَلاَ طَاِئرٍ يَِطيرُ بِجَنَأحَيِْه ِإلاَّ اُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا ِفي
الِكتَاِب ِمن شَيٍْء ثمَّ ِإلى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨]، هذه امم كلها تحشر إلى الله تجمع يوم

[الأنعام:

القيامة، يقتص لبعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني ترابا، فتكون ترابا، ما عدا الجن
والإنس فلهما شأن اخر، يحاسبون يجزون بأعمالهم، فمن أطاع ربه فإلى الجنة، ومن كفر
بربه فإلى النار، أما هذه الحيوانات الأخرى فهي أمم مستقلة، فالقردة أمة مستقلة لها
حقيقتها ونشأتها وخصائصها، والخنازير كذلك، والكلاب كذلك، والحُمر كذلك، والإبل
كذلك، والبقر كذلك، والغنم، وهكذا أمم لها خلقتها وميزتها التي أنشأها الله عليها -
سبحانه- وهو الحكيم العليم، وهو أبصر بدقائق........ ودقائق تكوينها هو أبصر بهذا
وأعلم -سبحانه وتعالى-، لكن يجب يؤمن العبد أن خلق ادم غير خلق القردة، وأن أصل
ادم هو أصله الذي هو عليه الان، وليس أصله قرداً ولا غيره، بل هو إنسان سويٌ على
خلقته....... هو ذو عقلٍ وذو سمعٍ وذو بصر وذو حواس معروفة شٍم ومسٍ وذوٍق وغير ذلك
مما كونه الله عليه، فقول بأن أصله قردٌ قول منكر قول باطل لو قيل بكفر صاحبه لكان
وجيهاً، فالأظهر والله أعلم أن من قاله مع علم له بما جاء به الشرع أنه يكون كافراً لأنه
يكذب بالله وبرسوله يكذب بكتاب الله -سبحانه وتعالى-»(١).

ابن باز كما هو حال كثير من مشايخ الوهابية للأسف لا زالوا في مرحلة متأخرة من القدرة
على الادراك، فهو يرد على مسألة علمية مثبتة بالأدلة العلمية بالنص الديني المتشابه الذي
يمكن أن يفهم بمعنى موافق للعلم، فابن باز يجتر هنا ما قاله في مسألة دوران الأرض سابقاً، فماذا يمكن أن نسمي هذا؟!

ومع أنّ ابن باز يرفض نظرية التطور، ولكنه يعود ويثبتها من حيث لا يعلم فيقول عن
الإنسان: (مخلوق من هذا التراب خلقه الله على صورته طوله ستون ذراعاً، أي ستون ذراعاً
في السماء ثم بدأ الخلق ينقص حتى الآن)، وبغض النظر عن كون هذا الكلام مليئاً بالجهل
وغير صحيح، ولكن ما يهمني هنا أنّ ابن باز بقوله: "إن طول الإنسان تغير من ستين ذراعاً إلى
الطول الحالي" قد أثبت نظرية التطور؛ حيث إنّ تغيّر حجم الجسم يحصل نتيجة قوانين
التطور. وأكرر أنّ قوله: "إن طول جسم الإنسان كان ستين ذراعاً" باطل وغير صحيح، كما أنّ
قوله: "إنّ جسم آدم مخلوق على صورة الله" تجسيم باطل ومن يعتقده فهو منحرف العقيدة.

ولا أجد حاجة لسطربقية أقوال فقهاء الوهابية من أمثال ابن عثيمين حيث يصرون على
أن نظرية التطور باطلة ويكفّرون من يقول بها، ولكنهم لا يطرحون أي دليل علمي ذي قيمة
يبطلونها به، وهذا ليس غريباً عليهم فهذه هي طريقة شيوخ الوهابية الهمجية البهيمية في تكفير
الآخرين وإعطاء إذن لأتباعهم الذباحين والقتلة لذبح الآخرين، وهي أكبر دليل على أنهم
مهزومون عقائدياً وفكرياً وعلمياً وليس لديهم أي قدرة على فهم ما يطرح من بقية البشر فضلاً
أن يكونوا قادرين على الرد العلمي.

عموماً المعروف عن الأزهر الذي يمثل العقيدة السنية الأشعرية والماتريدية أنه يرفض
نظرية التطور. وهذه بعض أقوال أحد خريجي الأزهر، والذي يدعي أنه بهذا يرد على نظرية
التطور:

من كتاب (العقيدة في الله) للدكتور عمر سليمان الأشقر(١):

يبدأ الأشقر بشرح ما فهمه من نظرية دارون أو نظرية التطور فيقول:

«شرح "دارون" لعملية التطور وكيف تمت:

١- الانتخاب الطبيعي: تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء
على الكائنات القوية، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون "البقاء للأصلح"، فيبقى الكائن
القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن
مكونة صفة جديدة في الكائن، وذلك هو "النشوء" الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك
الصفات الناشئة إلى كائن أعلى، وهكذا يستمر التطور، وذلك هو الارتقاء»(١).

رد: نظرية النشوء هي نظرية تفسّر بداية المتضاعفات الأولى وكيفية نشوئها على الأرض،
ولا علاقة لنظرية النشوء بصفات الكائنات الحية أو بقانون الانتخاب الطبيعي، فنظرية
النشوء موضوعها هو كيفية نشوء البروتين الأول أو المتضاعف الأول القادر على نسخ نفسه
والذي يمثّل أبسط بداية للحياة، أما تطور الكائنات الحية وحملها لصفات جديدة أثناء عملية
التطور فلا يسمى (نظرية النشوء) بل هذا هو عملية التطور والارتقاء، وأما ظهور كائن جديد
أثناء عملية التطور بعد أن يحمل صفات كافية لافتراقه عن أقربائه فهذا يسمى انتواعاً أو
تنويعاً.

وحقيقة العجب لا ينقضي من أمثال هذا الأشقر وهم يخوضون في علم لا يعرفون عنه
شيئاً، فهو حتى غير قادر على تمييز نظرية النشوء عن نظرية التطور، ولا تمييز الارتقاء عن
الانتواع، ثم يأتي ليقول نظرية التطور باطلة وينبري للرد عليها!

ثم يقول الأشقر:

«يقول الأستاذ (نبيل جورج) أحد ثقات هذا العلم: إن الانتخاب الطبيعي لأجل هذا
لا يصلح لتعليل مذهب النشوء، أو مذهب التطور؛ لأنه يعلل زوال غير الصالح ونشأة
المزايا الموروثة بين الأفراد، والقائلون بالطفرة يقصدون أن الحيوان الذي لم يكن له عين تتكون له العين فجأة بوساطة بعض الأشعة.

فقد ثبت لدى المختصين أن الأشعة السينية تغير العدد في الناسلات، لكن أثر
الأشعة تغيير لما هو موجود، لا إنشاء ما ليس له وجود، فعدد ناسلات القرد غير عدد
ناسلات الإنسان، والأشعة لا تؤثر إلا في الناسلات الموجودة فضلاً من أن تحدث هذه
الأشعة التي لا عقل لها ولا إدراك عقلاً للإنسان يتميز به عن القرد وغيره من سائر
الحيوانات.

إن الأشعة تؤثر في الناسلات تأثيراً أقرب إلى التشويه منه إلى الإصلاح كما يحدث من
الأشعة الذرية. وإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية دارون) فإن التجربة تنقضه، فها
هم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم، ولكن ذلك كله لم يسبب أن وُلد
أطفالهم بعد مرور السنين مختونين، وهكذا فكلما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية
(دارون)»(١).

والقائلون بالطفرة يقصدون أن

رد: هنا أيضاً يطرح فهمه المغلوط لنظرية التطور فهو يقول: "

الحيوان الذي لم يكن له عين تتكون له العين فجأة بوساطة بعض الأشعة"

، وهذا الكلام غير صحيح
فالعين بحسب نظرية التطور لم توجد فجأة بل وجدت في البداية خلايا تحسس محيط الكائن
الحي وتخصصت بتحسس الضوء ومن ثم بدأت تتكثر وتتقوس وتصغر فتحة دخول الضوء
ومن ثم جاءت العدسة، وهكذا إلى أن وصل الأمر إلى العين التي نعرفها اليوم عبر خطوات
صغيرة جداً وتراكمية حدثت خلال مئات ملايين السنين وأجيال عديدة.

أما طرحه لمسألة الختان فهذا يعني أنه لم يفهم شيئاً من نظرية التطور، وإلا فما علاقة
الختان أو العادات بنظرية التطور، فالتطور يحصل نتيجة وجود صفة جينية مفضلة يكتسبها
الكائن، والختان ليس صفة جينية بل هو عملية جراحية اعتاد قوم على عملها، والعادات
والعمليات الجراحية لا تورث بل الصفات الجينية هي التي تورث، وبالتالي يكون لها أثر في
التطور.

عجباً والله من شخص لا يفهم شيئاً في نظرية التطور ثم يكتب كتاباً يرد عليها ويعتبره رداً علمياً، لا حول ولا قوة إلا بالله.

ويقول الأشقر:

«النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:

١- لو كانت النظرية حقا لشاهدنا كثيراً من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن
طريق التطور، لا عن طريق التناسل فقط. وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك
لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى ادميين في صورة دفعات متوالية.

٢- لو سلمنا أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي؛ قد طورت قرداً إلى رجل -
مثلاً - فإنا لن نسلم أبداً بأن هذه الظروف قد قررت أيضاً أن تكون امرأة لذلك الرجل،
ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما.

٣- إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات كالحرباء التي تتلون بحسب
المكان، هي مقدرة كائنة في تكون المخلوقات، تولد معها، وهي عند بعضها وافرة، وعند
بعضها الاخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوز
حدودها، فالقدرة على التكيف صفة كامنة، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم
أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من
الجمادات.

٤- تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء، كما تمتاز الطيور
عليه بمقدرة الطيران والانتقال السريع وذلك بدون الة، كما أن أنف الكلب أشد حساسية
من أنف الإنسان، فهل أنف الكلب أكثر رقياً من أنف الإنسان؟

وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب؟

كما أنَّ عين الجمل أو الحصان أو الحمار ترى في النهار وفي المساء على السواء، في
حين تعجز عين الإنسان عن الرؤية في الظلام، كما أن عين الصقر أشد حدة من عين
الإنسان. فهل الصقر أو الحمار أرقى من الإنسان؟ وإذا أخذنا الاكتفاء الذاتي أساساً للرقي
كما هو بالنسبة لحال الدول فإن النبات يفوق الإنسان وجميع الحيوانات، لأنه يصنع
طعامه وطعام غيره دون أن يحتاج لغذاء من غيره.

وإذا أخذنا الضخامة أساساً للرقي، عندئذ يجب أن يكون الجمل والفيل وحيوانات ما قبل التاريخ الضخمة أرقى من الإنسان»(١).

رد: الأشقر يعتقد أنّ الإنسان الحالي الهومو سابينس قد تطور من القردة الحالية في حين
أنه ليس كذلك، بل غاية ما في الأمر أن هناك أصلاً مشتركاً بين الإنسان والقردة العليا الحالية،
وبسبب جهله أو خطئه في فهم التطور يطلب أن تتطور القردة الحالية إلى إنسان، لأنه يتصور
أنها نفسها قد تطورت في السابق إلى إنسان في حين أنه حصل افتراق بين الإنسان وبين القردة
الحالية قبل ملايين السنين، أي أنّ القردة العليا الحالية والإنسان تجتمع بأصل واحد ولكنها
فروع مختلفة عن ذلك الأصل، ولهذا فمن المستحيل علمياً تصور تطور قرد من القردة
الحالية إلى إنسان؛ لأنها أصلاً سلكت طريقاً تطورياً آخر مختلفاً عن طريق الإنسان التطوري
منذ ملايين السنين، فمن شبه المستحيل تصور عودتها قهقرياً في التطور إلى الوراء إلى نقطة
الافتراق لتعود وتسلك نفس طريق تطور الإنسان.

أما الأصل الذي افترق عن الشمبانزي وتطور منه الإنسان فلا يوجد منه أفراد الآن غير
هذا الإنسان الحالي الهومو سابينس ليقول شخص لماذا لم يتطور جميع أفراده إلى بشر،
فالحقيقة أنه تطور بقضه وقضيضه إلى الإنسان الحالي وبقية الأنواع كذلك. أما مسألة هل
أنّ التطور مستمر الآن فنعم هو مستمر في الطبيعة ولكنه أكيد غير مرئي بالنسبة لنا - لكثير
من الأحياء - لقصر أعمارنا وطول دورة حياة تلك الأحياء، ولكنه مرئي لنا بالنسبة لبعض
الحشرات مثلاً لقصر دورة حياتها، فرأينا حشرات تتطور وتتبدل صفاتها بشكل كبير في
الطبيعة، وهذه أمور مثبتة ويمكن لأي أحد أن يتأكد منها.

أما أنه يطلب أن تتطور أنثى كما يقول، فهذا حقاً غاية الجهل؛ لأن التطور يحصل للنوع
ككل فأحد أركان التطور هو التكاثر ونقل الجينات للجيل اللاحق فعندما تحصل طفرة مثلاً في
تعديل استقامة الساق لأنثى فإنها تنقلها لذريتها من الذكور والأناث، وكذا إذا حصلت طفرة
لذكر فإنه ينقلها لذريته من الأناث والذكور، وهذه الطفرات هي طفرات صغيرة بحيث إنها لا
تخرج الفرد عن نوعه ليطلب له زوجاً يمتلك نفس الطفر ليتزاوج معه حيث إنه يبقى قادراً
على التزاوج مع بقية أفراد النوع الذين لا يمتلكون تلك الطفرة، وعندما تكون الطفرة صفة تفضيلية يثبتها الانتخاب الطبيعي وبالنهاية يهيمن من يمتلكونها بشكل كلي على النوع.

وأيضاً لا يوجد تطور دون تكاثر، فكيف يمكن تصور أن يحصل تطور للذكور دون الأناث
إلى أن يحصل انفصال نوعي للذكور دون الأناث لكي يطالب الأشقر بتطور أنثى بعد تطور
الذكر، والله إنّ هذه مصيبة أن يرد هؤلاء على نظرية التطور بهكذا جهالات لا قيمة لها.

أما النقطة الثالثة، فهي تكشف بوضوح جهل الأشقر بالتطور إلى أبعد الحدود، فالرجل
لا يكاد يفقه شيئاً عن الموضوع الذي تصدى للرد عليه.

أما مقارنته لمتحسسات بعض الكائنات بمثيلتها لدى الإنسان، فلا أدري ما هو وجه
استغرابه أن تكون آلات تحسس بعض الحيوانات أرقى من مثيلتها لدى الإنسان، وهذا أمر
مفروغ منه ولا يوجد فيه خلاف، فالخفاش يمتلك جهاز سونار لا يمتلكه الإنسان، والصقر
يمتلك نظراً لا يمتلكه الإنسان، فهل هو مثلاً يرى خلاف هذه الحقائق العلمية التجريبية
والتشريحية؟!

«وهكذا فرض التعليم الاستعماري هذه النظرية بعد أن حطم دينها في مناهج
الدراسة، وقدمها في ثوب (علمي) حتى يستطيع أن يقنع الطلاب بصدق هذه النظرية
ليقرر ما ألقي في أذهان الطلاب من خلاف بين العلم الذي زيفوه والدين، فيكفر الناس
بدينهم.

ويكفي أن يعرف القارئ أنه بوساطة هذه النظرية انحرف كثير من أبناء الإسلام عن
دينهم، ولذلك فقد حرص الاستعمار على تعليم هذه النظرية لأبناء المسلمين في مدارسنا
في الوقت الذي يحرم فيه القانون الأمريكي تعليم هذه النظرية في المدارس منذ سنة
١٩٣٥م.

ولكن أوربا بعد أن قضت على دينها المحرف عادت لتعلن أن نظرية (دارون) التي
استخدمتها في المعركة لدعم موقفها ليست حقيقة علمية، وإنما هي نظرية كلما تقدمت
العلوم كشفت عن باطلها»(١).

نظرية التطور نظرية علمية، وهي الآن النظرية الوحيدة المعتبرة في كل الجامعات العريقة
والمراكز البحثية حول العالم لتفسير الحياة الأرضية، والجامعات الأوربية والأمريكية تدرس
نظرية التطور إلى اليوم ولم تتخلَ الجامعات الأوربية والأمريكية ولا أي جامعة لها تقييم علمي
معتد به عن تدريس نظرية التطور، فلا أدري من أين جاء الأشقر بهذه الكذبة أنهم أعلنوا أنّ
(نظرية التطور كلما تطورت العلوم كشفت عن باطلها)!

والحقيقة إنّ العكس هو الصحيح، فتطور علم الجينات جعل نظرية التطور مثبتة بأدلة
علمية غير قابلة للنقض ولا حتى الإشكال المعتد به، مثل الريتافيرس واتحاد الكروموسوم
الثاني في الإنسان.

لم يرفض جميع فقهاء الشيعة نظرية التطور بل ربما يستفاد من عبارات بعضهم أنه
يقبلها، ولكن لم أجد تصريحاً جلياً واضحاً في قبولها وبيان كيف أنها متوافقة مع الدين عموماً
أو النص الديني والقرآن بالخصوص.

وهنا سأكتفي بمناقشة آراء بعض الرافضين لنظرية التطور، وسنضع أقوالهم في ميزان
علمي لنرى قدرها:

قال الشيخ جعفر سبحاني في كتابه المناهج التفسيرية:

«نشر جارلز داروين كتابه "تحول الأنواع" عام ١٩٠٨م فأثبت فيه وفق تحقيقاته ان الإنسان هو النوع الأخير من سلسلة تطور الأنواع، وان سلسلته تنتهي إلى حيوان شبيه
بالقردة، فذكر اباءه وأجداده بصورة شجرة خاصة مترنماً قول الشاعر:

اُولئك ابائي فجئني بمثلهم...

كان لنشر هذه النظرية رد فعل سيئ في الأوساط الدينية دون فرق بين الأوساط
المسيحية والمسلمة واليهودية الذين اتفقوا على أن الإنسان كائن إبداعي وان سلسلته
تنتهي إلى ادم أبي البشر الذي خُلق بهذه الصورة من دون أن يكون له صلة بسائر
الحيوانات.

ثم إن بعض السُّذَّج من الناس اتخذوا تلك الفرضية ذريعة لتعارض العلم والدين
وفصله عن الاخر، فزعموا ان منهج الدين غير منهج العلم، فربما يجتمعان وربما يفترقان.

وهناك من لم يؤمن بفصل العلم عن الدين فحاول إخضاع القران الكريم للفرضية،
فأخذ يفِسر ما يرجع إلى خلقة الإنسان في سور مختلفة على وجه ينطبق على تلك الفرضية.

هذا وكان السجال حاداً بين المتعبدين بالنص والمتأولين له إلى أن أثبت الزمان
زيف الفرضية والفروض التي جاءت بعده حول خلقة الإنسان»(١).

الشيخ جعفر - هداه الله إلى الحق - يبدو أنه يحب المزاح فكتب (أُولئك آبائي فجئني
بمثلهم)، وهو غير ملتفت إلى أنّ هؤلاء الآباء كما سماهم شيخ جعفر هم سلف جسماني مشترك
بينه وبين عالم الأحياء تشارلز دارون لا محالة، فإن ثبت أنهم سلف دارون فهم سلف جعفر
سبحاني وسلف كل إنسان على هذه الأرض، وإن لم يثبت أنهم سلف أو آباء الشيخ جعفر
سبحاني فهم أيضاً ليسوا سلف أو آباء دارون، ومسألة الإثبات من عدمه مسألة علمية ولا
أظن أنّ الشيخ جعفر وأقرانه من مراجع الشيعة الآخرين لديهم القدرة العلمية للخوض فيها
ومناقشتها علمياً، فشيخ جعفر كتب سطراً عن نظرية دارون مليئاً بالأخطاء حيث قال: (نشر
جارلز داروين كتابه "تحوّل الأنواع" عام ١٩٠٨م) في حين أنّ تشارلز دارون توفي عام ١٨٨٢م،
ولا يوجد لدى تشارلز دارون أي كتاب اسمه "تحول الأنواع"، فتشارلزدارون لديه كتاب اسمه "أصل الأنواع" نشره عام ١٨٥٩، وهذا الكتاب لم يتعرض فيه لأصل الإنسان، وكتاب دارون
الذي تعرض فيه إلى أصل الإنسان هو كتاب آخر اسمه: نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي (The
Man of tnecseD)، وفي هذا الكتاب تعرض لنشأة الإنسان وعلاقته بالقردة العليا.

حقيقة لا أدري ما أقول، والأفضل أن أترك التعليق للقارئ.

موقع مركز الأبحاث العقائدية التابع للسيستاني: وهو يمثل الواجهة العقائدية لمرجعية
السيستاني الذي يرعاه؛ حيث كتب في صفحة التعريف بالمركز في موقع هذا المركز(١):

«هذا، ونجد مرجعية سماحة اية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني "مد
ظله" ببرامجها ومشاريعها، هي النموذج الأمثل في هذا المضمار، للدفاع عن مذهب
التشيع ونشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) في شتى أنحاء العالم.

و"مركز الأبحاث العقائدية" هو واحد من هذه المشاريع المباركة، حيث اُسس بإشراف
ودعم سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد الشهرستاني، وقد تمت الافتتاحية
الرسمية اقتراناً مع ذكرى مولد الإمام الرضا (عليه السلام) في الحادي عشر من شهر ذي
القعدة عام ١٤١٩ ه، ليتصدى للذب عن حمى العقيدة وتنمية المفاهيم الرصينة ونصرة
مذهب أهل البيت (عليه السلام) بشتى نشاطاته المتنوعة................

وتلبية للتوجيهات الصادرة من سماحة المرجع الديني الأعلى اية الله العظمى السيد
علي الحسيني السيستاني "دام ظله الوارف" بضرورة التصدي لأفكار العلمانية ورد شبهاتها
قرر مركزنا أن يضطلع بالمهمة المشار إليه»(٢).

وفي الموقع كتب أيضاً:

«الاراء الواردة في موقع مركز الابحاث العقائدية لا تمثل بالضرورة رأي سماحة السيد
السيستاني»(١).

أي أنها يمكن أن تمثل رأيه ويمكن أن لا تمثل، وعموماً في هذه المسألة المهمة هذا ما
وجدته في الموقع العقائدي التابع للسيستاني، فإذا كان لا يمثل رأيه فيمكنه أن ينكره ويبين
رأيه، وإلا فهو رأيه وهذا الرد يلزمه.

ورد في مركز السيستاني العقائدي المسمى مركز الأبحاث العقائدية:

«سؤال: بطلان نظرية التطور

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

أود بأن أسأل سماحتكم عن نظرية دارون العلمية في التطور والارتقاء والتي تقول
أن الكائنات الحية قد نشأت من كائنات أبسط منها، كالحيوانات مثلا قد تعرضت
للطفرات عبر العصور وتحولت الى كائنات أكثر تعقيدا، فما رأيكم بهذه النظرية هل
تخالف الاسلام وهل هي تنطبق على الانسان؟

وشكرا لكم سائلين المولى بأن يحفظكم ويوفقنا لأخذ المفيد منكم على الدوام
مصطفى - امريكا

الجواب:

الاخ مصطفى المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد ثبت علمياً بطلان هذه النظرية، ولعل أبسط ما يفند به تلك النظرية ان تحول
خليه بسيطه الى اخرى أكثر تعقيداً منها وبحساب الاحتمالات يحتاج الى ملايين السنين، هذا هو حال خليه واحدة فكيف حال تحول حيوان الى اخر؟!! فانه يحتاج الى مليارات
السنين، وهو ما ثبت بطلانه. هذا أحد الوجوه التي ترد بها هذه النظرية وهناك وجوه
اخرى كلها لا تجعل نظرية التطور تصمد أمام النقد العلمي.

على اننا في عقيدتنا الإسلامية لدينا رأي واضح عن كيفيه بدأ خلق الإنسان، وهذا هو
القران الكريم يصرح بذلك يقول تعالى: (الَّذي اَحسَنَ كلَّ شَيء خَلَقَه وَبَدَاَ خَلقَ الأنسَان
من طين) (السجدة:٧) فبداية خلق الإنسان كانت هي الطين وليس كما يقول
أصحاب نظرية التطور من أن الانسان عن حيوان اخر، يقول تعالى: (خَلَقَ الأنسَانَ من
صَلصَال كَالَفخَّار) ويقول ايضاً: (وَلَقَد خَلَقنَاكم ثمَّ صَوَّرنَاكم ثمَّ قلنَا للمَلائكَة

(الرحمن:١٤)

اسجدوا لادَمَ فسَجَدوا إلاَّ إبليسَ لَم يَكن منَ السَّاجدينَ) (الأعراف:١١) ويقول تعالى: (إنَّا
خَلَقنَاهم من طين لازب) (الصافات:١١) ويقول تعالى: (إذ قَالَ رَبكَ للمَلائكَة إني خَالقٌ
بَشَراً من طين) (فإذَا سَوَّيته وَنَفَخت فيه من روحي فقَعوا لَه سَاجدينَ (

(الحجر:٢٩).

وهناك من الاخبار عن الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) توضح كيفية خلق ادم الذي هو
أبو البشر.

فما جاءت به نظرية التطور لا ينسجم

ودمتم في رعاية الله.

ابو حسين

تعليق على الجواب)وفقكم الله لكل خير، نرجو التوسع بالجواب ولكم جزيل
الشكر)

الجواب:

الأخ ابا حسين المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في كتاب ثمار الأفكار - للشيخ علي الكوراني العاملي: ص ٣٥٤ - ٣٥٧

نظرية التطور تتناقض مع جملة من العلوم الحديثة.. هذا يضعها في موقف لا
تحسد عليه.

أحد هذه التناقضات هي تناقضها مع الحقائق الفيزيائية.. وإليك هذا التناقض:
الشمس والنجوم الأخرى تحترق وتبعث بكميات هائلة من الطاقة الحرارية والاشعاعية
والضوئية إلى أغوار الكون، ولكن لا يمكن توقع رجوع هذه الطاقات الهائلة إلى الشمس
وإلى النجوم الأخرى بحركة تلقائية. إن تركت أي شئ مدة معينة أسرع إليه التلف.. لو
تركت قطعة لحم أو كمية من الفاكهة أو الطعام تراه يفسد بعد مدة معينة، وتضطر إلى
اتخاذ تدابير معينة للحفاظ عليه من الفساد (كأن تضعه في ثلاجة)، وحتى هذا التدبير لا
ينفع إلا مدة معلومة فقط، وإن تركت بيتا أو قصرا أسرع إليه البلى بعد سنوات.. وهكذا.
. فكل شئ يسير في اتجاه واحد نحو البلى والتحلل والفساد. الإنتروبيا، ولكي يستطيع
العلماء شرح مفهوم النظام أو الفوضى في الكون أو في أي منظومة)System(فقد
استعانوا بمصطلح (الإنتروبيا.))Entropy(فالإنتروبيا تشير إلى مقدار الفوضى، أي مقدار
الطاقة التي لا يمكن الاستفادة منها، لذا يعرف القانون الثاني للديناميكا الحرارية بأنه
قانون زيادة الإنتروبيا. يقول البروفسور (ف. بوش): (تحدث جميع التغيرات التلقائية
بحيث تزداد الفوضى في الكون، وهذه ببساطة هي صيغة القانون الثاني مطبقة على الكون
ككل). يقول العالم الأمريكي "إسحاق أزيموف Asimov "Isaac حسب معلوماتنا فإن
التغيرات والتحولات بأجمعها هي باتجاه زيادة "الإنتروبيا"، وباتجاه زيادة عدم النظام
وزيادة الفوضى، ونحو الانهدام والتقوض). ويتناول الموضوع نفسه في المقالة نفسها
بشكل أكثر تفصيلا فيقول: (هناك طريقة أخرى لشرح القانون الثاني، وهي أن الكون
يسير بوتيرة ثابتة نحو زيادة الإنتروبيا، ونحن نرى تأثير القانون الثاني حوالينا في كل
شيء، فنحن نعمل بكل جد لكي نرتب غرفة وننسقها، ولكن ما أن نتركها لشأنها حتى
تنتشر فيها الفوضى من جديد بسرعة وبكل سهولة، حتى وإن لم ندخلها، إذ سيعلوها
الغبار والعفن، وكم نلاقي من الصعوبات عندما نقوم بأعمال صيانة البيوت والمكائن
وصيانة أجسادنا ونجعلها في أفضل وضع، ولكن كم يكون سهلا تركها للتلف وللبلى،
والحقيقة هي أن ما يتعين علينا عمله هنا هو لا شئ، فكل شئ يسير ذاتيا نحو التلف ونحو
الانهدام ونحو التفكك والانحلال والبلى، وهذا هو ما يعنيه القانون الثاني.

نستطيع تلخيص القانون الأول والقانون الثاني في الشكل التالي: يقول
العالم التطوري " جيرمي رفكنnikfiR Jeremy " عن القانون الثاني: (لقد قال "البرت
انشتاين": إنه أي هذا القانون القانون الأساسي للعلم بأجمعه، وأشار السير "ارثر
أدنجتون" إليه باعتباره القانون الميتافيزيقي للكون بأجمعه). إذن فإن هذا القانون الشامل يؤكد أن جميع التغيرات والتبدلات الحادثة والجارية في الكون تسير نحو زيادة "
الإنتروبيا".. أي نحو زيادة الفوضى، ونحو زيادة التحلل والتفكك..

أي أن الكون يسير نحو الموت، والفيزيائيون يقولون: "إن الكون يسير نحو الموت
الحراري". ذلك لأن انتقال الحرارة من الأجسام الحارة (من النجوم) إلى الأجسام الباردة
(الكواكب والغبار الكوني مثلا) سيتوقف يوما ما عندما تتساوى حرارة جميع الأجرام
والأجسام في الكون..

في هذه الحالة يتوقف انتقال الحرارة بين الأجسام، أي تتوقف الفعاليات بأجمعها..

وهذا معناه موت الكون.

نستطيع أن نجمع معا نظريتي فرضية التطور وعلم الفيزياء، في شكل بياني واحد:
إذن فهناك تناقض تام بين النظرتين: تقول فرضية التطور إن التغيرات والتبدلات
الحاصلة في دنيانا وفي الكون تؤدي إلى زيادة التعقيد وإلى زيادة النظام، أي هناك تطور
متصاعد إلى أعلى بوتائر مستمرة.

أما علم الفيزياء فيقول إن جميع التغيرات والتبدلات الجارية في الكون (وفي دنيانا)
تؤدي إلى زيادة (الإنتروبيا)، أي إلى زيادة الفوضى والتحلل والتفكك.

أي أن الكون لا يسير نحو الأفضل ونحو الأحسن، بل يسير نحو الأسوأ ونحو
الأسفل، أي يسير إلى الموت، وأنه لا توجد أي عملية تلقائية تؤدي إلى زيادة النظام،
وإلى زيادة التعقيد والتركيب.

ويتبين من هذا أن الزمن عامل هدم وليس عامل بناء، مع أن جميع التطوريين
يلجؤون إلى الزمن لتفسير جميع الاعتراضات والمصاعب التي تواجه فرضية التطور،
فعندما تستبعد قيام الصدف العمياء بإنتاج كل هذا النظام والتعقيد والجمال الذي يحفل
به الكون يقولون لك: "ولكن هذا الأمر لم يحصل خلال مليون سنة، بل خلال مئات بل
الاف الملايين من السنوات"! كأنهم عندما يذكرون شريطا طويلا من الزمن يحسبون
أنهم يحلون بذلك جميع المصاعب ويقدمون حلا لجميع المعجزات التي يحفل بها الكون!

وهذا جهل، بل جهل مركب، ونحن ندعو هؤلاء إلى تصفح بعض كتب الفيزياء لكي
يعلموا أن الزمن الذي حسبوه عامل بناء وتطوير، ليس في الحقيقة إلا عامل هدم وتحلل
وتفكك! فإلى جانب أي نظرة نقف؟! أنقف بجانب فرضية (أو نظرية في أحسن الأحوال) لم تثبت صحتها حتى الان، والتي يعارضها العديد من العلماء؟! أم نقف بجانب قانون
علمي ثابت بالاف التجارب المختبرية (كل جهاز مستعمل شاهد على صحة هذا القانون)
والذي يقبله جميع العلماء دون أي استثناء؟

إذن ففرضية التطور تصادم العلم في صميمه.

إذن لا يمكن حدوث أي تطور نحو الأفضل في عالم يسير في جميع فعالياته وحركاته
وتبدلاته نحو التفكك والانحلال. إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية. (بل نقذف
بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) (الأنبياء:١٨).

ودمتم في رعاية الله»(١).

رد: ما تقدم يمثل رأي السيستاني في نظرية التطور وردّه عليها أو على الأقل هو رد مرضي
عند السيستاني، وبما أنه كذلك فلا بأس من بيان قدر الجواب ومستواه.

١- قال:

«لقد ثبت علمياً بطلان هذه النظرية، ولعل أبسط ما يفند به تلك النظرية ان تحول
خليه بسيطه الى اخرى أكثر تعقيداً منها وبحساب الاحتمالات يحتاج الى ملايين السنين،
هذا هو حال خليه واحدة فكيف حال تحول حيوان الى اخر؟!! فانه يحتاج الى مليارات
السنين، وهو ما ثبت بطلانه».

يقول: لقد ثبت علمياً بطلان نظرية التطور، ولا أدري أين ثبت علمياً؟!! اللهم إلا في
أوهامهم، وإلا ففي الواقع ثبتت صحة نظرية التطور علمياً وخصوصاً بعد ظهور علم الجينات
وتقدمه والآن هي التي تدرس في مدارس الدول المتقدمة وفي كل الجامعات العريقة حول العالم،
بل كثير من اللقاحات والعلاجات الطبية تنتج وتطور على أساس نظرية التطور.

ومن ثم جاءنا بإثباته العلمي وهو عبارة عن كلام سطحي جداً وينم عن جهل كاتبه بنظرية
التطور، فنظرية التطور لا تقول بالطفر من نوع إلى نوع ومن حيوان إلى حيوان ولا بنشوء الأعضاء المركبة فجأة، أي من حيوان ليس له عين إلى حيوان له عين.... الخ لكي تكون هنا
إشكالية احتمالات رياضية من هذا الجانب في طريق نظرية التطور.

بل التطور يحصل بخطوات بطيئة وكثيرة جداً، وبما أنها خطوات تراكمية فلا يوجد أي
إشكال رياضي في احتمالية وقوع كل خطوة من خطوات التطور منفردة، بل إنّ احتمالية وقوع
كل خطوة بعد التي سبقتها هي احتمالية عالية جداً؛ لوجود التمايز والتكاثر والانتخاب الطبيعي
على طول الخط، وإذا وجدت هذه الثلاثة وجد التطور لا محالة، فهذه مسألة علمية لا ينكرها
إلا من يجهلون التمايز والتكاثر والانتخاب وما تعنيه، فأنصح السيد السيستاني ومركز
الدراسات بقراءة ما كتبه علماء التطور لعلهم يفهمون نظرية التطور قبل أن يسطروا هذا
الكلام الذي يحكي جهلهم بنظرية التطور وآلياتها.

٢- ايرادهم الآيات القرآنية المتشابهة لرد نظرية علمية - مثبتة بأدلة علمية - لا قيمة
علمية له عند علماء الأحياء ولا حتى دينياً، فهذه الآيات كلها لا تعارض نظرية التطور بشكل
قطعي ليقال مثلاً: إنّ الدين لا يجتمع مع نظرية التطور، فمثلاً قولهم: "إنّ بداية خلق الإنسان
من طين" وايرادهم الآيات القرآنية في ذلك يمكن أن يرد عليه ببساطة إنها في خلق نفسه؛
حيث إنّ الخلق الطيني كان في الجنة كما في الآيات القرآنية نفسها التي تذكر قصة الخلق،
وأيضاً ذكر هذا في الروايات، والجنة عالم أنفس وليس عالماً جسمانياً مادياً كهذا العالم، وهذه
مسألة سنبينها إن شاء الله. كذلك يمكن أن يرد بأنّ خلق الإنسان بدأ منذ خلق الله الخريطة
الجينية الأولى أو البروتين الأول القابل للنسخ؛ حيث إنه خلق من المواد الكيميائية المتوفرة في
هذه الأرض أو في ترابها أو من جزيئات الصلصال، وبهذا يصدق أن الله خلق الإنسان من طين
ومن تراب ومن صلصال ومن الأرض؛ لأن الإنسان هو هدف الخلق المراد الوصول إليه، فالآيات
التي تتكلم عن خلق آدم من طين وتراب يمكن أن تفهم بوجه موافق للتطور تماماً، وفيَ نفس
الوَقت فنحن نجد آيات أخرى واضحة في تأييد نظرية التطور، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أطْوَاراً
* ألَمْ تَرَوَْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاٍت طبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَفيهنَّ نُوَراً وَجَعَلَ الشَّمْسََ سرَاجاً
* وَاللَّهُ أنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾(١)، فالآيات واضحة ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أطْوَاراً.... وَاللَّهُ أنبَتَكُم مّنَ
الأْرَْض نَبَاتاً﴾، وسيأتي تفصيل معنى الآيات.

٣- أما الكلام الذي نقلوه عن كتاب الكوراني وملخصه: أنّ الانتروبيا تحتم سير النظم
المركبة نحو الانهيار، وأن الكون ككل يسير نحو الانهيار والأرض كذلك وما فيها كذلك، وهذا
يعني بحسبهم أنّ هناك انتكاساً وتراجعاً وليس تطوراً، والخلاصة التي أنهوا بها كلامهم المتقدم:

«إذن ففرضية التطور تصادم العلم في صميمه.

إذن لا يمكن حدوث أي تطور نحو الأفضل في عالم يسير في جميع فعالياته وحركاته
وتبدلاته نحو التفكك والانحلال. إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية "بل نقذف
بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون" "الأنبياء:١٨" ودمتم في
رعاية الله».

وفي الحقيقة إنّ هذا الإشكال أول من طرحه د. هنري موريس(١)، حيث قال:

«ان قانون الثرمودينمك الثاني يقول أن كل شيء يميل الى الفوضى مما يجعل من
عملية التطور مستحيلة».

“The second law of thermodynamics says that everything tends
toward disorder, making evolutionary development impossible”.

(٢)

وقد تلاقفه منه المسيحيون المتدينون في أمريكا وأوربا لرد نظرية التطور واجتر هذا
الإشكال بعض العرب بعد ترجمته، وصاحب الكوراني قام بنقل الإشكال وليته تركه على حاله
بل أضاف له كلاماً ينم عن جهل مطبق، وبالنتيجة تلقّفه الكوراني ووضعه في كتابه وأخذه
منه الموقع العقائدي التابع للسيستاني وتبنّوه على أنه حقيقة ودليل ينقض نظرية التطور.

وعموماً، فهو إشكال تافه وغير تام ولا صحيح علمياً، ومع أنه سيأتي أنّ ما انتهت إليه
نتائج المشاهدات والمقبول علمياً وبشكل واسع الآن هو أنّ الكون مسطح ومفتوح ويتوسع
بتسارع، ولكن تنزلاً معهم هنا فلنفرض أنّ الكون الجسماني نظام مغلق وينطبق عليه قانون الثرموداينمك الثاني، حيث إنه في نظام مغلق لا يمكن للانتروبي أن يقل، ولنفرض أنّ الانتروبي
في الكون في ازدياد، ولكن هذا لا يعني أن كل جزء في الكون يسير بهذا الاتجاه أي زيادة
الانتروبي؛ حيث لا مانع أن تكون هناك أجزاء في الكون (النظام المغلق بحسب الفرض) كالأرض
تتجه - في زمن ما - لتكون أكثر تنظيماً طالما أن الأجزاء الأخرى تتجه لمعادلتها بزيادة الانتروبي،
فالمهم أن يكون النظام كوحدة كاملة لا يخرق قانون الثرموداينمك الثاني، وهكذا تبيّن أنّ
الإشكال مبني على أرض هشة وفهم سطحي لقانون الثرموداينمك الثاني.

هذا مع العلم أنّ الأرض نفسها ليست نظاماً مغلقاً، بل هناك أكثر من نظام تبادل للطاقة
في الأرض، ومع الأرض، فالشمس تعطي الأرض حرارة وضوءاً، وأجزاء الأرض تمر بليل ونهار
بالتوالي وهذا يقسمها إلى عدة أنظمة ويجعلها تمر بعملية تبادل حراري متغيرة ومستمرة
باعتبارها عدة أنظمة وليس نظاماً واحداً. وباطن الأرض ساخن وهو عبارة عن صهارة وهناك
عمليات تبادل طاقة بصورة غير منتظمة بين باطن الأرض وقشرتها والغلاف الجوي.

والفضاء المحيط بالأرض أيضاً نظام ويحصل تبادل حراري بينه وبين الأرض.

والقمر كذلك يؤثر بجاذبيته على الأرض بل إنّ أثره متغير مع الزمن لأنه يبتعد باستمرار(١).

إذن، بحسب حالتنا الأرضية المتقدمة سيكون قانون الثرموداينمك بالنسبة لنظامين هو:
(أن الانتروبي الكلي لنظامين لا ينقص عند حدوث تبادل حراري بين النظامين)، وهذا يعني أنّ
زيادة النظام في الأرض ممكن؛ لأنها تتبادل الطاقة مع الكون المحيط بها، وزيادة النظام في
بعض الأرض ممكن أيضاً؛ لأنها عدة أنظمة تتبادل الطاقة فيما بينها، والمهم هو أنّ الانتروبي
الكلي للنظامين لا ينقص وليس الانتروبي لأحد النظامين.

فالأرض نفسها ليست نظاماً مغلقاً ولا نظاماً واحداً بل هي أنظمة متعددة، ولا مانع أن
يزيد الانتروبي في موضع منها ويقل في آخر، ولا مانع أن يحصل تدهور للحياة أو هدم وزلازل
وفيضان في موضع من الأرض وبناء ونمو وازدهار حياة في آخر في نفس الوقت، وهذا نراه كل يوم ولا يخرق قانون الثرموداينمك الثاني.

هذا مع العلم أنّ مسألة الكون وكونه لا يتجه في السابق أو الآن نحو الانهيار محسومة،
فقد ثبت علمياً بواسطة مراقبة أحد أنواع المستعرات العظمى واشعاع الخلفية الكوني
وظاهرة دوبلر أن الكون مسطح ويتمدد بتسارع وسيستمر كذلك لزمن طويل بعد، وسيأتي
نقاش هذه المسألة عند التعرض للطاقة المظلمة.

أعتقد أنّ ما بيّنته فيما يخص الانتروبي وقانون الثرموداينمك الثاني يكفي لنسف الإشكال
الساذج المتقدم، ولكن لزيادة التبسيط لنترك الانتروبي وننتقل إلى النتيجة التي توصلوا لها
واعتمدوا عليها وهي ادعاؤهم أنّ الكون يسير الآن وقبل الآن نحو التفكك والانحلال والانهيار،
فاستنتاجهم هذا غير صحيح بل إنّ الأمر معكوس تماماً بحسب المشاهدات والرصد الفلكي
الدقيق والذي أثبتت نتائجه، وبحسب ظاهرة دوبلر واشعاع الخلفية الراديوي ومراقبة
المستعرات العظمى أنّ المجرات تتباعد وبتسارع، والكون المادي الذي نعيش فيه كان ولا زال
يتسع ويتكثر ويزداد، وحتى مجرتنا التي نعيش فيها وهي مجرة درب اللبانة لا تزال فيها سحب
غاز وغبار ولهذا تتكون وتولد فيها نجوم جديدة وستستمر فيها ولادة النجوم لزمن طويل بعد،
وهذه الحقيقة العلمية المثبتة بما لا يقبل الشك كافية لنقض ما سطّره الكوراني في كتابه.

أضف إلى ذلك أنّ الكون لم يبدأ مركباً معقداً بحسب النموذج القياسي - أو نظرية
الانفجار العظيم - المثبت علمياً وبأدلة علمية مثل تباعد المجرات وبرودة الكون مع الزمن،
فالكون بدأ من نقطة تفرد - أو حدث كمومي - ومن ثم حصل الانفجار وبدأت المادة تتكون
شيئاً فشيئاً، ولا زال الكون في عمر الشباب وهو في اتساع وزيادة ولا يتجه حالياً أو في الماضي
نحو الانهيار بحسب حسابات علمية دقيقة تعتمد على مراقبات دقيقة، بل هو الآن يزداد
ويتسع.

وحتى لو فرضنا أنّ الكون ليس مسطحاً بل موجب التقوس أي كسطح الكرة وأنه سيتجه
في النهاية نحو الانكماش والانهيار فهذا لن يكون علمياً حتى يصل الكون إلى أقصى مداه في
الاتساع ثم بعدها يتجه نحو النقصان والانهيار عندما تصبح الطاقة التي تدفعه للتوسع أو
الطاقة الموجبة الكونية عاجزة عن مقاومة جاذبية المادة.

والكون إلى الآن لم يصل إلى أقصى اتساع ممكن، بل هو لا زال يتسع بتسارع.

إذن، فقولهم إنّ الكون متجه الآن ومن قبل نحو الانهيار بناءً على قانون الثرموديناميك
الثاني قول غير دقيق علمياً ولا يطابق الواقع الذي وفره الرصد الفلكي الدقيق والحسابات
العلمية الرياضية وبحسب ظاهرة دوبلر واشعاع الخلفية الكوني، فالكون الآن غير متجه نحو
الانهيار، والكون لم يبدأ معقداً مركباً ومن ثم اتجه نحو النقصان والانهيار بل العكس فهو
بدأ بسيطاً ومن ثم اتجه نحو الازدياد والتركيب والتعقيد ولا يزال هذا هو اتجاهه إلى الآن.

ولو أننا أجرينا ما حصل ويحصل في الكون ككل - حيث بدأ من الصفر ثم ازداد - على
الأرض وما فيها من أحياء كما أراد الكوراني وصاحبه والسيستاني ومركزه فستكون النتيجة
أنّ التطور على الأرض والاتجاه نحو تكثر الحياة أو الكائنات الحية وزيادة تركيبها وتعقيدها لا
إشكال فيه ويتوافق مع مسيرة الكون العامة في الاتساع والتكثر من قبل وإلى الآن تماماً.

ومع أني رددت بما تقدم وبيّنت خطأ ما سطّره الكوراني في كتابه والسيد السيستاني في
موقعه العقائدي وبينت أنّ الكون كان ولا يزال في ازدياد واتساع وسيبقى هكذا إلى مدى بعيد
جداً،

ولكن أيضاً يكفي للرد عليهم بأنّ النمو والزيادة والتكثر، والاتجاه من البساطة إلى التعقيد
والتكثر ونحو الأفضل والتحسين نراه كل يوم في الحياة الأرضية، فلو كان التطور يخرق قانون
الثرموداينمك الثاني لكان نمو النباتات وتكثرها كذلك يخرقه، ولو كان يستحيل التطور لهذا
السبب لاستحال نمو النباتات وتكثرها، فالنباتات تبدأ من بذرة وهي عبارة عن خريطة جينية
ثم تنمو وتزداد مع الزمن ونمو الجنين والصغير الحيواني كذلك، ولا فرق بين النمو الجنيني
ونمو النبات ونمو الطفل وبين التطور، فجميعها عبارة عن تكثر وزيادة واتجاه من البساطة
إلى التعقيد مع الزمن. فخرق التطور لقانون الثرموداينمك الثاني كما يدعون ليس بأكثر من
خرق نمو الجنين والنباتات والأطفال له، ومع هذا فلا زلنا نرى الأجنة والنباتات والأطفال تنمو
وتزداد وتتكثر.

ملاحظة: لا أعرف كيف سيجعل الكوراني ومركز السيستاني العقائدي والسيستاني -
الذين تبنّوا الكلام المتقدم - علم الفيزياء أحد محاور الرسم البياني، فهذا الأمر حقيقة أول
مرة أسمع به أن يكون علم الفيزياء بقضه وقضيضه محوراً في هكذا رسم بياني، وأرجو أن لا
يبخلوا بعبقريتهم على الناس ويقوموا بإرسال هذا الرسم البياني للجامعات العريقة حول العالم لكي تعلم هذه الجامعات كيف يكون علم الفيزياء محوراً في هكذا رسم بياني وتعم
الفائدة. وإذا كانوا لا يعرفون ما هو علم الفيزياء فلا بأس أن أعرفه لهم تعريفاً بسيطاً، فعلم
الفيزياء: هو علم يبحث في سلوك المادة والطاقة والأبعاد (كالأبعاد المكانية الثلاثة وبعد الزمن)
وتفاعلاتها والعلاقات القانونية التي تربطها.

ولست هنا مستهزئاً بهؤلاء وما سطّروه من جهل فما أصابنا يجعلنا في شغل عن السخرية
من أحد، وإنما فقط وددت لفت انتباه شيعة أهل البيت المظلومين المخدوعين بهؤلاء إلى قدر
ما يحسن هؤلاء، وكيف أنهم لا يتحرجون من الكلام بغير علم، ولهذا فعلى كل مؤمن بمحمد
وآل محمد (صلوات الله عليهم) - يخاف على دينه وآخرته - أن لا يتكل على مثل هؤلاء ليقرروا
له أمر آخرته.

السيد محمد الشيرازي رد على نظرية دارون في كتأب أسماه (بين الإسلام ودارون)، وقد

«سماحة المرجع الديني الاعلى الإمام الشيرازي "دام ظله"»،

عرف نفسه في بداية كتابه بأنه:

ولا بأس أن نمر على بعض إشكالاته على علم الجيولوجيا التاريخية وعلى نظرية التطور
لنرى هل أن لها قيمةعلمية أم أنه "أساء سمعاً فأساء إجابة"، مع العلم أنه سيكتب باسم
دارون وينسب كلاماً له ثم يرد الشيرازي على ما توهمه هو أنه قول دارون باسم اختاره لنفسه
في قصته واسم الشيرازي هو "مسلم":

كتب الشيرازي في كتابه(١):

«دارون: التجربة هي: الاستقراء وأدلة

(ما تصوره الشيرازي أنه قول دارون)

أخرى.

الاستقراء:

إن الإنسان، إذا استقرأ طبقات الأرض، يجد فيها متحجرات النبات والحيوان
والإنسان، ومتحجرات كل طبقة تختلف عن متحجرات سائر الطبقات غالباً وكلما كان
المتحجر أقرب إلى قشرة الأرض، كان أقرب إلى الكمال، وبالعكس كلما كان المتحجر
أبعد عن قشرة الأرض، كان أبعد عن الكمال.

المسلم وأي ربط لهذا الكلام

(الشيرازي يرد على ما زعم أنه قول دارون):

بالتطور، ومعرفة أصل الأشياء، وكون الإنسان كان قرداً؟

دارون الان أقول: الربط وهو:

(ما تصوره الشيرازي أنه قول دارون):

١ إن الطبقة السفلى من الأرض اشتملت على متحجرات (المحار)، (الإسفنج)،
(المرجان)، (الجنبري)، (السمك)، (حيوان صدفي ذو خلية واحدة) و(نبات الجت).

٢ والطبقة الثانية اشتملت على (الصنوبر)، (النخل)، (الزواحف)، (الطيور)،
(الأسماك) و(الحيوانات الكيسية).

٣ والطبقة الثالثة اشتملت على (الثعابين)، (القياطس)، (القردة) و(الأشجار
الموجودة الان).

٤ والطبقة الرابعة اشتملت على (الفيل الأشعر المنقرض)، (ذوات الأربع الصوفية)،
(الإنسان) و(جميع الأشجار الحاضرة)

............

المسلم:

(الشيرازي)

أولاً: من أين تثبت هذه المتحجرات الطبقية التي زعمتها؟ ومن أين تثبت مدعاك بأن
متحجر كل طبقة متطور من متحجرات الطبقة السابقة؟

...................

خامساً: لو فرضنا عدم وجود الإنسان إطلاقاً في الطبقات السفلى، فهل هذا التدرج في المتحجرات، يدل على التطور الذي زعمت؟ وإذا قال لك قائل: إن الله خلق في
الطبقات السفلى إسفنجاً... وهكذا، فما جوابك؟

وهل أن وجود سيارة صغيرة في الطابق الأول من العمارة، وسيارة أكبر في طابق
ثان، وسيارة أكبر في طابق ثالث... وهكذا، مع اختلاف الهيئات، يدل على تطور السيارة
بنفسها، من دون أن تكون كل سيارة قد صُنعت مستقلة؟

وإذا فرضنا: أن نيويورك خُسف بها، ثم بعد ألف عام جاء شخص وكشف عن عمارة
كانت السيارات في طوابق إحدى بناياتها، فهل يحق له أن يقول مثل مقالك؟ وما تجيبه
أنت إذا قال هذا المقال؟ وما هو الفرق بين مقالك ومقاله؟»(١).

رد: هكذا بجرّة قلم وبإشكالات غاية في التفاهة يريد إلغاء علم الجيولوجيا التاريخية بهيله
وهيلمانه وقدرته على تحديد عمر الطبقات الأرضية وبالتالي عمر ما تحتويه من كائنات حية
متحجرة تبعاً لذلك، فيقول الشيرازي:

«من أين تثبت هذه المتحجرات الطبقية التي زعمتها؟»،

ثم يزعم بحواره أن العلم أو دارون أو الطرف الآخر في حواريته عجز ولم يتمكن من رد هذا
الإشكال أو السؤال!

والظاهر من مثال البناية الذي طرحه السيد محمد الشيرازي أنه يتصور أنّ علماء
الجيولوجيا يصنفون الطبقات الأرضية بناءً على وقوع بعضها فوق بعض فقط هكذا بدون
أي ضوابط علمية أو قوانين تمنع الوقوع في الخطأ بدرجة كبيرة فيمر عليهم أمر طبيعي
كالخسف أو الزلازل والثورات البركانية أو حركات الطبقات التكتونية الأرضية دون أن ينتبهوا
لحدوثها من خلال الضوابط العلمية التي وضعوها للتصنيف، وكان عليه أولاً أن يطلع على
كيفية تصنيف الطبقات الأرضية في علم الجيولوجيا، وكيفية تحديد عمر الطبقات، وما هي
الآليات المتبعة وطرق الفحص المتبعة، وهل أنها دقيقة علمياً أم لا لكي لا يطرح إشكالاً بهذا المستوى من السذاجة والتفاهة في نفس الوقت الذي يسمي نفسه إماماً وآية الله!

وعموماً، كل باحث عن الحقيقة ما عليه إلا أن يطلع ليجد أن تصنيف عمر الطبقات
الأرضية يتم وفق طرق علمية منها:

:(Relative Dating Method) النسبي العمر ١-طريقة

وهي تعتمد على أمور، منها: أن أي تتابع للصخور المتطبقة التي لم تتعرض للتشويه
بالتفلق أو الطي الشديد، فإن الطبقة التي في الأسفل تكون أقدم من الطبقة التي تعلوها
وهكذا، فتحديد الطبقة السابقة ليس عشوائياً كما يتصور الشيرازي، بل هو تصنيف خاضع
لضوابط علمية. وعموماً هذه الطريقة تحدد عمر الطبقات الصخرية بالنسبة لبعضها البعض
دون معرفة العمر الحقيقي لكل طبقة.

:(Absolute Dating Method(الحقيقي العمر ٢-طريقة

وهي تستخدم النظائر المشعة للعناصر، حيث مع مرور الزمن تنحل نواة الذرة ويتكون
نظير مشع، وهذا الانحلال يحصل بمعدل زمني ثابت بالنسبة إلى أي عنصر، وبهذا يمكن
حساب الفترة الزمنية للطبقة الصخرية الحاوية على نظير مشع بمقارنته بأصله المعروف،
ومنذ عشرات السنين وقبل أن يكتب الشيرازي كتابه بفترة طويلة هذه الطريقة معروفة وهي
مستخدمة الآن في تحديد عمر الطبقات بدقة عالية، وهناك عدة نظائر مستخدمة لتحديد
عمر الصخور والمتحجرات والمواد العضوية منها: نظير الكاربون (C) ونظير الأركون......(Ar)
الخ.

أما قول الشيرازي لعلماء التطور أو لدارون:

«ومن أين تثبت مدعاك بأن متحجر كل طبقة متطور من متحجرات الطبقة
السابقة؟».

فهذا جوابه بسيط جداً، فنحن لدينا طبقات أرضية يقع بعضها فوق بعض فحصناها
بطرق علمية دقيقة جداً لا تقبل الخطأ فتبين أنّ أسفلها هو أقدمها وأعلاها أحدثها، وفارق
العمر بينها يصل أحياناً إلى مئات ملايين السنين، ووجدنا أنّ هذه الطبقات كلما كانت قديمة احتوت على كائنات بدائية وكلما توجهنا باتجاه الزمن الحالي فإنها تحتوي على كائنات أرقى
وأكثر تطوراً وتعقيداً وبالتالي فلا يمكن أن يقال: إنّ كل الخلق تم بدفعة واحدة؛ لأن بعض
هذه الكائنات أتت بعد بعضها بمئات ملايين السنين. إذن، فلا مناص بناءً على المعطيات
العلمية الدقيقة من الحكم بأنها أتت بعضها بعد بعض، بل والتكثر والتعقيد في الأجسام أتى
بعد بساطة سبقته بمئات ملايين السنين.

ثم جرى تحليلها وتصنيفها ومقارنتها بواسطة علوم دقيقة كالتشريح المقارن وبأحدث
أجهزة الفحص فتبيّن أنها أجيال متطورة من بعضها البعض بحسب الأدلة العلمية والبحثية.

فالآن، من يرفض نتيجة هذا الفحص والتحليل العلمي سيقول: إنها خلقت مباشرة كل
دفعة في زمن، ولكنه يحتاج أن يفسر لماذا خلقها الله على دفعات وجعلها تبدو كأنها متطورة
من بعضها البعض، هل ليخدع البشر وحاشاه سبحانه؟!

إذن، المسألة بسيطة وهي أنها تطورت بعضها من بعض،

وهذا أمر يمكننا الآن أن نختبره في المختبر ونجري تلاعباً في الجينات ونوجد أنواعاً جديدة
من الكائنات الحية.

ويقول الشيرازي:

«تاسعاً: فرض الخلية الأولى حية، لا يكفي للحياة في ملايين الملايين من الأحياء،
فمن أين توجد الحياة في هذه الأحياء؟ أرأيت لو كانت هناك قطعة من الحديد، فهل
يكفي ذلك لتعليل وجود ملايين الأطنان من الحديد؟ كلا!»(١).

رد: لا أدري هل يعرف الشيرازي شيئاً اسمه التكاثر أم لا؟! وهل يعلم أنه يمكن أن تتكاثر
خلية بكتيرية واحدة في المختبر إلى ملايين الخلايا البكتيرية؟! وأظن هذا يكفي لبيان أن تكثر
الحياة مسألة طبيعية وعادية جداً لو وجدت المواد الأولية والظروف المناسبة لهذا الأمر،
وأعتقد أنه لا يختلف اثنان على أنّ الأرض توفر ما يكفي لتكثر الحياة عليها، وهذه مسألة يمكن اختبارها في المختبر بسهولة. أما مسألة تنوع الحياة فهي أيضاً مسألة طبيعية جداً وحتمية
الوقوع لو علمنا أنّ هناك أساساً للحياة الجسمانية وهو الخريطة الجينية، وأنّ هناك طفراً
في هذه الخريطة يمكن أن يحصل دائماً ويؤدي إلى التمايز، وإذا وجد التمايز والتكاثر ووسط
طبيعي ينتخب الأقدر على العيش فيه ونَقَلَ الكائن الحي جيناته للأجيال التالية بالتكاثر حصل
التطور حتماً.

ويقول الشيرازي:

«ثانياً: لو كانت الطبيعة تنتخب الأصلح، فلماذا بقيت النباتات والحيوانات
البدائية؟ ولماذا بقيت القرود؟ وِلمَ لم تبدلها الطبيعة إلى الأفضل؟

ثالثاً: لماذا ترى (١) غير الأصلح يسطو على الأصلح فيعدمه، كما يفترس الأسد
الإنسان، والحيوانات السامة كالعقرب والحية تلدغ الإنسان أو الحيوان الأفضل فتقتله؟
والجراثيم (الميكروبات) تفتك بالإنسان الذي هو أصلح؟

رابعاً: لماذا تنتكس الأشياء التي هي أصلح، إلى أشياء غير أصلح، كما يضعف
الإنسان ثم يموت ثم يصير تراباً. وهكذا في النبات والحيوان؟

خامساً: لماذا توجد في الحفريات حيوانات بائدة، هي من أعلى صفوف الحيوان، في
كبر الجثة وإتقان البنية.........

سادساً: ما هي الطبيعة التي تنتخب؟

إذا كانت هي ذات عقل وإدراك وشعور، فما هي؟

وإذا كانت بلا عقل ولا إدراك، فكيف تنتخب؟

أرأيت لو قال أحد: (قد انتخب هذه الحديدة تلك الاجرة قرينة لها)، كان ذلك مثار
ضحٍك واستهزاء؟

فكيف يمكن أن تنسب إلى الطبيعة مثل هذا الانتخاب (المزعوم)، الذي يقع أفضل
من انتخاب قاطبة العلماء والحكماء والفلاسفة أصحاب العلم والإدراك والتجربة؟!»(١).

رد:

قول محمد الشيرازي: "إنّ القرود والنباتات لم تتطور"، غير صحيح وهذه المسائل تاريخية
ويمكن أن تحسم بسهولة بالمقارنة مع الاحفوريات، فهذه أمور يمكن أن يرجع فيها إلى الحقائق
الاثارية والاحفورية المكتشفة، والتي على سبيل المثال أثبتت عدم وجود نباتات لها أزهار سابقاً
فالنباتات إذن تطورت، والقرود تبدلت وتطورت فهذه القرود التي نراها اليوم تختلف تماماً
عن القرود الأولى ولم يكن لدينا قردة عليا بل قبل سبعين مليون سنة مثلاً لم يكن هناك أي
قرد بل كانت موجودة لبائن صغيرة تطورت منها اللبائن الأخرى ومنها القرود بعد انقراض
الديناصورات.

أما ايراده قضاء فرد من أفراد الحيوان الأدنى رتبة على فرد من أفراد الحيوان الأعلى رتبة
في قوله:

«كما يفترس الأسد الإنسان، والحيوانات السامة كالعقرب والحية تلدغ الإنسان أو
الحيوان الأفضل فتقتله؟ والجراثيم (الميكروبات) تفتك بالإنسان الذي هو أصلح»،

واعتباره هذا المثال نقضاً على الانتخاب الطبيعي، فهذا يدل على أنه لم يفهم شيئاً من
الانتخاب الطبيعي وإلا فالأسد والعقرب والحية والبكتريا والفايروسات كلها تمثل جزءاً من
أدوات الطبيعة المحيطة بالنوع المعرض للانتخاب - وهو الإنسان في مثاله - والتي تقوم بانتخاب
الأفراد الأصلح للبقاء من ذلك النوع أو القادرين على النجاة واجتياز تلك العقبات وتمرير
جيناتهم للجيل التالي، بل حتى بعض أفراد النوع يمارسون هذا الدور على الأفراد الآخرين من
النوع نفسه وبضراوة أشد من الأنواع الأخرى؛ لأن مشتركاتهم البيئية أكبر باعتبارهم أفراد نوع
واحد.

وسأضرب مثلاً ضمن حدود أمثلة الشيرازي لعل من خدعهم قوله يفهمون ما أقول:

لو فرضنا أننا رجعنا إلى قبل مليوني عام وفي ذلك الوقت يوجد نوع إنساني هو الهومو
اريكتس وهذا النوع دماغه صغير (أكبر من دماغ الشمبانزي وأصغر من دماغ الهومو سابينس
أو الإنسان الحالي)، والمفروض أنّ نوعنا الإنساني الهومو سابينس تطور عنه حتى استقل نوعاً
برأسه قبل ٢٠٠ ألف عام تقريباً، الآن لنتصور أننا نراقب مجموعة من الهومو اريكتس تتكون
من عشر إناث غير بالغات وعشرة ذكور غير بالغين تحيط بهم حيوانات مفترسة قاتلة كالأسد
وأخرى سامة قاتلة كالأفعى والعقرب وبكتريا قاتلة، وهؤلاء العشرون المفروض أنهم متمايزون
كما هو الحال دائماً فمنهم من هو طويل وآخر قصير ومنهم من هو مستقيم الساق تماماً وآخر
ساقه لا يزال فيها قليل من الانحناء كإرث سابق يقلل من سرعته ومنهم من هو قوي البنية
وآخر ضعيف البنية ومنهم من لديه مقاومة ذاتية للجراثيم بدرجة أعلى ومنهم من لديه مقاومة
بدرجة أدنى ومنهم من يمتلك دماغاً أكبر من المعدل ومنهم من يمتلك دماغاً أصغر، فالآن إذا
تعرضوا لهجمات الحيوانات المفترسة والقاتلة فسينجو عادة الأقوى والأسرع والأذكى ويهلك
عادة الأغبى والأضعف والأبطأ فالأذكياء مثلاً سيجدون سبيلاً لتجنب لدغة الأفعى بمعدل
أعلى من الأغبياء، وبهذا سيبقى الأذكى (الأكبر والأفضل دماغاً) ويبلغ ويتزاوج ويعبر جيناته
لجيل جديد، وهكذا جيلاً بعد جيل بالتمايز والانتخاب والتكاثر سيزداد حجم الدماغ والسيقان
المستقيمة رسوخاً، ومقاومة الجسم للبكتريا... الخ، وبنفس الطريقة فالإنسان والغزال
والعقرب والأفعى والبكتريا ستشكل جزءاً من أدوات الطبيعة للانتخاب بالنسبة للأسد، فلو
كان لدينا أسدان وأحدهما قوي وسريع والآخر أضعف وأبطأ بحيث إنّ سرعته أقل من معدل
سرعة الغزلان والأبقار الوحشية الموجودة في الطبيعة المحيطة به فإنه في الغالب سيهلك أو
سيكون ضعيف البنية بحيث إنه لن يتمكن من المنافسة مع الذكور الأخرى والتزاوج والانجاب
وتمرير جيناته الى جيل بعده بينما الأسد الآخر القوي والسريع في الغالب سيتمكن من التزاوج
والانجاب وتمرير جيناته، وهكذا تنتخب الطبيعة الأقدر على النجاة والبقاء فيها، وبالنسبة
للغزال سيكون الأسد هو أداة من أدوات انتخاب الطبيعة وبهذا ستنتخب الطبيعة الغزال
الأسرع والأقدر على التملص والنجاة من فكوك المفترسات وهكذا تبقى الجينات الأقدر على
مجاراة محيطها وتخرج الجينة التي تعجز عن مجاراة محيطها، هذا هو الانتخاب الطبيعي وبقاء
الأصلح وليس كما فهمه الشيرازي على أنه يعني عجز الفرد من النوع الأدنى رقياً عن إلحاق
الأذى بأي فرد من النوع الأرقى وطرح إشكاله على هذا الأساس من الفهم الخاطئ.

أما بقية إشكالات الشيرازي فهي مبنية على فهمه الخاطئ للانتخاب الطبيعي، ولو أنه عرف
أنّ الانتخاب الطبيعي هو عبارة عن بقاء الأقدر على العيش والتكاثر في الوسط الطبيعي المحيط
بالكائنات لما طرح هذه المجموعة الساذجة من الإشكالات، فمعنى الانتخاب الطبيعي مثلاً
للحيوان الطويل في بيئة يتوفر فيها الغذاء بمستوى ارتفاع معين هو بقاء الحيوان الذي يكفي
طوله لينال الغذاء بوفرة وتوريثه صفة الطول لأبنائه، وأيضاً موت القصير أو عدم حصوله
على غذاء وافر ليتمكن من التكاثر ويمرر جيناته لجيل بعده، وأيضاً البيئة التي توفر غذاءً
وافراً لحيوان معين تتركه يتضخم عندما يوفر الطفر الجينات المناسبة لتضخم الحجم. فمعنى
انتخاب الطبيعة للأصلح هو أنّ ظروفها تسمح ببقاء بعض أفراد النوع ذات الجينات المفضلة
ولا تسمح ببقاء أخرى، بسبب ملائمة هذه الظروف للباقين ومنافاتها للهالكين أو الذين لم
يمرروا جيناتهم لجيل بعدهم بسبب عدم التكاثر.

أيضا كتب الشيرازي حواراً تخيّل أنه دار بينه وبين دارون تحت عنوان التطور، فلنرى ما
كتبه محمد الشيرازي في هذا:

«دارون: الدليل الثاني، التطور: الذي يحصل في كثير من أنواع الحيوانات، فإنا نرى
الإنسان إذا ولد في المناخ البارد صار أبيضاً، وهكذا بالنسبة إلى الحيوان، فنوع واحد من
الحيوان له في كل بيئة حالة خاصة وشكل خاص وعادات خاصة، وكذا بالنسبة إلى
النبات. وإذا تحقق ذلك لم نجد فرقاً بين التطور العرضي، باختلاف لون وحجم وعادة
حيوان واحد بسبب اختلاف المناخ ونحوه وبين التطور الطولي، بسبب انقلاب الخلية
نباتاً، والنبات حيواناً، والحيوان إنساناً.

المسلم: استدلالك عجيب جداً، فإن هناك أمرين:

(الشيرازي)

١ أن يختلف الحيوان الواحد أو النبات الواحد أو الإنسان الواحد حسب اختلاف
البيئة والمناخ، اختلافاً يسيراً، مع دخول جميع الأفراد تحت نوعية واحدة، كأن يكون
إنساناً لكن هذا أسود، وذاك أحمر، وذاك أصفر.

أو يكون جميع احاده دباً، لكن جميع أفراد دب القطب لها صفات معينة. ودب
المناطق الحارة له صفات اُخرى.

أو يكون جميع احاده قمحاً، فللقمح العراقي مميزاته، وللقمح الإسترالي مميزاته.

٢ أن يختلف الشيء الواحد، حسب اختلاف البيئة، اختلافاً جوهرياً، كأن يكون
هذا قرداً، وذاك إنساناً، وذلك نباتاً، مع كون الجميع من أصل واحد.

والذي نشاهده ويعلمه الجميع هو القسم الأول.

أما القسم الثاني فما دليلك عليه؟

وهذا مثل أن تقول:

إن الطين كما يمكن أن يُصنع منه الاجر والخزف واللبن، كذلك يمكن أن يُصنع منه
الحديد والعاج والماء.

فهل يمكن هذا القياس؟

دارون: اُفكر!

المسلم: إذن بطل دليلك الثاني، فما هو الدليل الثالث؟»(١).

(الشيرازي)

رد: هناك افتراء على دارون في الحوار الذي تخيّله الشيرازي، فدارون لا يقسم التطور إلى
عرضي وطولي كما أنه لا يقول بانقلاب الخلية نباتاً والنبات حيواناً والحيوان إنساناً أبداً، ولا
يقول بالطفر النوعي، ولا يوجد من علماء علم الأحياء التطوري الحاليين من يقول بالطفر
النوعي وحتى الترقيميين لا يقولون بالطفر النوعي.

«والذي نشاهده ويعلمه الجميع هو القسم الأول»،

أما قول الشيرازي:

فيعني أنّ الشيرازي أقرّ التطور دون أن يدرك ذلك ولكنه أقره بحدود الفصيلة كفصيلة
الدبيات ويرفضه عندما يصل إلى مرحلة افتراق تصنيفي أعلى، وهذا يجعله هو المطالب بتقديم
الدليل على توقف التطور الذي قبله عند حدود الفصيلة، فلماذا لا يصل إلى مرحلة افتراق
أعلى وهي مرحلة لابد أن يصل لها مع الزمن؛ لأنها تحصيل حاصل لتراكم التطور مع الزمن.

فنحن لدينا طفر جيني يؤدي إلى التمايز قطعاً، ومجموع هذا الطفر الجيني والانتخاب
الطبيعي عندما يكون هناك تكاثر يؤدي إلى إحداث صفات جديدة مميزة للكائن الحي مثل
اختلاف في الحجم والشكل ونوع الشعر والمخالب... الخ، ومع الزمن تكون اختلافات كبيرة
نتيجة تراكمها، وهذه كلها مقبولة عند الشيرازي وأشباهه في حدود الفصيلة الواحدة، أي
بتراكم مئات آلاف السنين أو بضعة ملايين ربما، ولكنها غير مقبولة عند الشيرازي عندما تصل
إلى حد تمايز فصيلة!! مع أن هذا التمايز نتيجة حتمية وطبيعية لتراكم التمايزات لفترة زمنية
أطول، عشرات ملايين السنين مثلاً بحيث تكون كافية لإبراز هذا الافتراق بشكل كبير يجعل
الكائن الحي يصنف في علم الأحياء كفصيلة مختلفة.

فهو قبل أنّ هناك إعادة تشكيل وهيكلة للكائن الحي مستمرة تبعاً لمحيطه بحيث إنّ هذه
الهيكلة وإعادة التشكيل مسؤولة عن تمايز الدب القطبي ودب الشمس مع الاختلاف الفاحش
بينهما شكلاً وحجماً ووزناً ولوناً وفي نوع الغذاء والأيض، ولكنه يرفض أن تصل إعادة التشكيل
والهيكلة إلى حد التمايز الذي يجعلهما فصيلتين مختلفين مثلاً، وهذا يحتاج أن يُقدم الشيرازي
دليلاً عليه؛ لأن التصنيف هو تحصيل حاصل لتراكم إعادة التشكيل والهيكلة فهي عملية
تعتمد على الطفر الجيني، والطفر الجيني في الطبيعة قابل لتشكيل الأنواع والأجناس
والفصائل نظرياً عندما يتوفر له الوقت الكافي.

وتغيير التركيبة الجينية مسألة مثبتة في المختبر، وهو أمر ممكن سواء بصورة غير مسيطر
عليها كما في القصف الاشعاعي، أو بصورة مسيطر عليها كما هو حاصل حالياً بشكل واسع.

بل وصل الأمر إلى بناء خريطة جينية كاملة لبكتريا من مواد كيميائية غير حية، وبهذا
فيمكن نظرياً أن ننتج في المختبرات إنساناً من بويضة شمبانزي وحيمن شمبانزي أو من نواة
خلية شمبانزي فقط وبويضة امرأة منزوعة النواة، وما نحتاجه فقط تعديل لشجرة
كروموسومات الشمبانزي لتصبح بنفس عدد وصورة كروموسومات الإنسان وهو أمر ممكن
نظرياً.

بل الأمر يتجاوز هذا بكثير، فكما تم انتاج خريطة جينية كاملة للبكتريا في المختبر من مواد
كيميائية غير حية وتم زرعها في سايتوبلازم بكتريا وتمكنت الكروموسومات من الحياة والتكاثر(١) كذلك يمكن انتاج خريطة كروموسومات كاملة لإنسان من مواد كيميائية غير حية،
فلا فرق بين كروموسومات البكتريا وكروموسومات الإنسان إلا بقدر الفرق بين بناية صغيرة
الحجم وأخرى كبيرة تشتركان بنفس مواد البناء.

هذا مع العلم أنّ في علم الأحياء يصنف الإنسان والشمبانزي والغوريلا والاورنجوتان على
أنها جميعاً من فصيلة واحدة وهي فصيلة القردة العليا، تماماً كما أنّ الدببة تصنف ضمن
فصيلة واحدة وهي فصيلة الدبيّات، ولا يوجد افتراق بين الإنسان وبين الشمبانزي إلا كافتراق
دب الشمس عن الدب القطبي بل ربما كانت بعض الفروقات بين جسم الشمبانزي وجسم
الإنسان أقل منها بين جسم الدب القطبي وجسم دب الشمس، وهذا يعني أن إقرار الشيرازي
المتقدم بأن التطور موجود ويراه ضمن حدود الفصيلة يجعله دون أن يعي ما يقول قد أقر
بأن الشمبانزي والبونوبو والإنسان قد تطوروا من أصل مشترك؛ لأنهم أفراد فصيلة واحدة.

أما قوله:

«وهذا مثل أن تقول:

إن الطين كما يمكن أن يُصنع منه الاجر والخزف واللبن، كذلك يمكن أن يُصنع منه
الحديد والعاج والماء.

فهل يمكن هذا القياس؟».

فهو بلا معنى؛ لأن صناعة الآجر من الطين لا يمس ذراته على مستوى الجسيمات النووية
ليقال: هل يمكن أن نقيس على هذا تحوله إلى عنصر آخر كالحديد مثلاً؛ لأن التحول من
عنصر إلى عنصر آخر يحتاج هيكلة الجسيمات النووية وبالتالي فهنا لدينا مستويان مختلفان
أصلاً فلا معنى لهذا القياس، ولا معنى لمقارنة الشيرازي لهذا المثال الساذج مع ما يحصل في التطور؛ حيث إن التنويع في التطور يكون على مستوى جزيئي واحد وهو هيكلة الكروموسومات
التي لها تركيبة جزيئية واحدة في كل الأحياء وما يختلف فقط ترتيبها في كل كائن حي عن الآخر،
حقيقة لو أنه ترك هذا القياس لكان خيراً له. إلى هنا انتهى الرد، ولكن لا بأس بزيادة توضيح:

الشيرازي كما هو ظاهر لا يعرف عما يتكلم، وإلا فنحن في تطور الحياة نتكلم عن إعادة
هيكلة وحدات بناء الحياة وهي الكروموسومات وما يمكن أن يقابلها مثالاً في العناصر هو إعادة
هيكلة وحدات بناء العناصر وهي أنوية الذرات، والعناصر الكيميائية قابلة لإعادة التشكيل
والهيكلة، وكان يمكنه أن يسأل أي عالم كونيات أو فيزياء عن الحديد ليعرف أنه ينتج من
عناصر أخرى في الكون حولنا وبكميات هائلة، وهو وغيره كثير من العناصر عبارة عن ناتج
عملية الاندماج النووي في النجوم حولنا والتي تؤدي إلى هيكلة وتشكيل العناصر، فعندما
يكون كلامنا في المستوى ما دون الذري وإعادة تشكيل نوى الذرات لا يوجد فرق بين الحديد
والاوكسجين والكربون والهليوم والهيدروجين، فكلها مبنية من نفس وحدات البناء وبالتالي
يمكن إعادة تشكيلها وهيكلتها لإنتاج مواد أخرى من نفس مواد البناء الأولية للعناصر، وهذا
هو ما يحصل في النجوم حيث تحرق الهيدروجين والهليوم ونتيجة لاندماج نوى العناصر
الخفيفة تنتج نوى عناصر أثقل فيها بروتونات ونيوترونات أكثر، وهكذا يتم انتاج الكربون
والاوكسجين وبقية العناصر وصولاً إلى العنصر الأكثر استقراراً وهو الحديد، ثم إذا حصل
انفجار مستعر أعظم للنجم تندفع عملية الاندماج النووي أبعد من الحديد نحو عناصر أثقل
مثل اليورانيوم.

إذن، يمكننا أن نصنع الحديد من عنصر آخر في حال تحكمنا في جسيمات بناء نواة الذرة
(البروتونات والنيوترونات)، وما نحتاجه هو طاقة كبيرة تقربها من بعضها إلى مسافة تعمل
عندها القوة النووية القوية وتحصل عملية اندماج نووي وهذا يتوفر في النجوم مثلاً، ولهذا
فإنتاج عنصر من عنصر آخر يحدث حولنا في الكون دائماً، بل هناك طريقة أسهل لإنتاج أنوية
أخف من أنوية أثقل وهي عملية الانشطار النووي وفيها لا نحتاج إلى طاقة كبيرة للتقريب بين
الجسيمات بل ما نحتاجه فقط تشجيع نواة غير مستقرة كنواة اليورانيوم ٢٣٥ على الانشطار،
وهذا ما يحصل في مفاعلات الطاقة النووية ولكن بصورة مسيطر عليها مثلاً بإضافة مادة مثل
سبيكة الكادميوم لتمتص النيوترونات الزائدة عن الحاجة لتسير عملية الانشطار النووي
بمعدل مقبول ولا تسير عملية الانشطار بمعدل أسي غير مسيطر عليه وتصبح قنبلة نووية.

حقيقة من لديه خلفية علمية ولو بسيطة في مسألة التطور وكيف تحصل علمياً، أو أنه
قرأ كتباً لعالم مختص في التطور ونظر إلى رده على الإشكالات، أو حتى قرأ كتاب دارون الذي
كتبه في القرن التاسع عشر وضمّنه عدداً كبيراً من الإشكالات ورد عليها ثم يطالع ما يكتبه
هؤلاء ممن يسمون أنفسهم مراجع ورجال دين يجدهم قوماً يتكلمون فيما لا يعلمون، فهم
حتى لا يفهمون التطور وكيف يحصل كما يطرحه علماء التطور، بل فهموه بصورة مقلوبة ثم
أخذوا يشكلون على فهمهم المقلوب، وبصورة غاية في السطحية والسذاجة أو أنهم يعيدون
طرح إشكالات دارون التي طرحها هو بنفسه في كتابه ورد عليها كما مر في بيان إشكالهم الساذج
والسطحي على قوانين وآليات الجيولوجيا التاريخية لتحديد الطبقة الأقدم بدقة مع أنّ هذا
أمر مفروغ منه، أو الإشكال على نظرية التطور بختان الأطفال ولماذا لا يورث، وبقرد يدرب
على المشي لماذا لا يورث صفة المشي إلى أبنائه، وهذه مسائل عندما يقرأها عامة الناس الذين
لا يعرفون معنى التطور ربما تنطلي عليهم، ولكنها إشكالات ساذجة عند من يعرف نظرية
التطور وكيف يحصل التطور فالصفات التي تورث للجيل التالي هي الصفات المكتوبة في
الخريطة الجينية للكائن الحي وليس الصفات المكتسبة كمشي قرد مدرب أو ختان طفل، وهذا
أمر بديهي عند علماء علم الأحياء التطوري.

أو أنّ هؤلاء الذين يردون على نظرية التطور يفترضون أنّ علم الأحياء التطوري يقول بأنّ
الأعضاء المركبة والمعقدة كالعين وجدت بطفرة واحدة، وهذا لا يقول به حتى دارون فما بالك
الآن، والمفروض أنهم الآن يردون على ما يدرس في الجامعات العريقة حول العالم ولا يُدرس في
هذه الجامعات أن الأعضاء المركبة والمعقدة مثل العين وجدت بطفرة واحدة ولا حتى بعشرات
أو مئات الطفرات، والحقيقة أنّ هؤلاء يجهلون أبجديات نظرية التطور ثم يقومون بعرضها
بصورة مشوهة ويردون على فهمهم الخاطئ لنظرية التطور، وهذا يثير الاشمئزاز عند من يقرأ
كتبهم ويدفعه ليحكم بأنهم مهزومون هزيمة تامة أمام التطور، بل وأمام التيار الإلحادي الذي
يحاولون مواجهته بنظرية الخلق دفعة دون تطور التي لا تعارض علم الأحياء وعلم الجيولوجيا
التاريخية وعلم الآثار فحسب، بل تعارض حتى النص الديني الصريح كما سيتبين عندما
سنصل إلى النصوص الدينية (كالقرآنية) الدالة بوضوح على أن الخلق حصل بمراحل،
وبالتطور.

سؤال واحد يسقط نظرية الخلق دفعة ودون تطور وهو: لقد ثبت قطعاً ويقيناً من
الجيولوجيا التاريخية أنّ طبقات الأرض كلما كانت أقدم كانت تحتوي أحياء برتبة أدنى وكلما
كانت أحدث كانت تحتوي على كائنات أرقى من سابقتها والأمر متدرج من البكتريا إلى حقيقة
النواة إلى متعدد الخلية وصولاً إلى أسماك العالم القديم مروراً بالفقريات والأسماك ثم
البرمائيات والحيوانات البرية ثم اللبائن ثم تنوع اللبائن وتضخمها... الخ، فلماذا خلق الله
الخلق بدفعات في فترات زمنية مختلفة وكل فترة يخلق فيها مجموعة مخلوقات أكثر رقياً من
سابقتها بحيث من يراها يتصور أنها متطورة عن سابقتها، هل يريد الله أن يخدعنا مثلاً برأي
هؤلاء منكري نظرية التطور؟! تعالى الله عن ذلك.

وهل لديهم تفسير علمي منطقي غير التطور لهذه الدفعات المتوالية زماناً ورقياً وتعقيداً؟
ولو أخذنا كمثال: الحيتان والدلافين التي تعيش الآن في الماء وتعتبر متطورة عن لبائن كانت
تعيش على اليابسة، فسنجد في الاحفوريات المكتشفة حتى الآن سلسلة كائنات متوسطة
متوالية الظهور زماناً يفصل بعضها عن بعض ملايين السنين تبدأ كلبائن برية ثم تتدرج للنزول
في الماء والعيش فيه، وكل مجموعة نجدها تتطور أكثر للعيش في الماء بكل سلاسة حتى وصلنا
في النهاية إلى الحوت، فهل هناك تفسير معقول أو جواب معقول عن سبب خلق الله لهذه
الكائنات وبفترات زمنية متوالية بحيث إنّ من يراها يجزم أنّ الحوت هو نتيجة حتمية لهذه
السلسلة من الكائنات المتوالية الظهور زماناً والمتوالية التطور نحو الحياة في الماء؟!!

أعتقد أنه لا يوجد جواب منطقي إلا القول بالتطور، وإلا فالجواب الآخر المخالف للعلم
سيكون اتهاماً لله سبحانه بأنه فعل كل هذا وبهذا الترتيب ليخدع الناس وحاشاه سبحانه.

ثم ننظر للحيتان والدلافين نجدها تسبح بتموج جسمها إلى الأعلى والأسفل أي تماماً
كحركة ركض اللبائن البرية وليس كما تفعل الأسماك حيث تسبح عادة بالتموج إلى الجانبين
وننظر للحيتان نجدها تلد وترضع صغارها اللبن من غدد لبنية تماماً كاللبائن.

نجدهم بعض الأحيان يحيلون إلى كُتُب وكُتّاب من علماء الأحياء والجينات الذين عارضوا
أو انتقدوا نظرية التطور دون أن ينتبهوا إلى أنّ بعض هؤلاء لا يقولون ببطلان نظرية التطور
بل هم يرون أن نظرية التطور مسيَّرة، أو أنهم يطرحون نظرية تطور بصورة وحلّة جديدة،
مثلاً: يختلفون في آلية الطفر (سرعته، توقفه،..) المؤثر في التنويع البيولوجي، والفرق كبير بين من يقول إنّ نظرية التطور صحيحة ولكن هناك إله يُسيّر عملية التطور وبين من يقول إنّ
نظرية التطور غير صحيحة، فما يجمع بين الاثنين هو الاعتراف بوجود إله وليس القول ببطلان
نظرية التطور. هذا إضافة الى أنه ليس كل قول لعالم أحياء هو قول ذو قيمة علمية،
فالمفروض أن لا يطرح الرأي فقط خصوصاً عندما يعرضه شخص ويتبناه بل لابد أن يعرض
الاستدلال عليه ليرى الناس إن كان الرأي ذا قيمة علمية أم أنه رأي تم رده علمياً وانتهى أمره،
فهناك جامعات ومراكز بحوث حول العالم وهي تعتمد مقاييس علمية دقيقة وفيها من يقيمون
البحوث والكتب والانتقادات الموجهة للنظريات العلمية، ولو كان هناك نقد علمي ذا قيمة
علمية من متخصص لتلاقفته هذه الجامعات وهذه المراكز العلمية ولتم نشره والترويج له
وعقدت حوله الندوات العلمية، ولكن ما نراه هو عكس هذا تماماً فنظرية التطور الآن في كل
الجامعات الرصينة والعريقة حول العالم هي المفسر الوحيد لوجود الحياة على الأرض، فعلى
الأقل بالنسبة لمن يريد أن يبحث بنفسه عن الحقيقة وبصورة علمية بحثية فعليه أولاً أن
يتسلح بمعرفة لا بأس بها في علم الجيولوجيا التاريخية وعلم الأحياء التطوري وعلم الجينات
والانثروبولوجي (علم الإنسان) والاركيولوجي (علم الآثار) ومن ثم يقرأ الانتقادات العلمية
لنظرية التطور والرد عليها ليكون موقفه علمياً رصيناً ذا قيمة عند العقلاء، أما أن يأتي ويقول
قام فلان عالم أحياء بالرد على نظرية التطور بكتاب كذا ولهذا فهي باطلة، أو قال فلان عالم
كذا عن نظرية التطور ولهذا فهي باطلة، أو حتى يصل الأمرإلى الاستدلال بغير أهل الاختصاص
لتقييم النظرية، فهذه حقيقة مواقف ارتجالية وغير علمية؛ لأن هذه الردود عندما تقرأ نقدها
العلمي تجدها بعض الأحيان ردوداً فاقدة للمصداقية بحيث إن بعضهم يعرضون نظرية
التطور بصورة محرفة ومقلوبة ثم يقومون بالرد عليها وكأنها ردود وضعت للعامة التي لا تعرف
شيئاً عن نظرية التطور، وأداة تسويق هكذا بحوث تافهة بين العامة ليس كونها ردوداً علمية
بل كون مؤلفها يحمل شهادة عليا في علم الأحياء أو حتى بعيداً عن الاختصاص كالكوزمولوجي.

وخلاصة القول: من يدعي أنه يريد الرد على نظرية التطور، فلا داعي أن يذهب بها عريضة
بل يكفيه أن يرد على نظرية التطور كما هي مطروحة الآن في الجامعات العريقة والرصينة
حول العالم وليس كما يتوهمها هو بناء على طرح خاطئ لها يعرضه بعض معارضيها.

تنبيه: لاحظت لدى كل المعترضين على نظرية التطور أنهم يكررون الإشكالات نفسها التي
طرحها ويطرحها علماء التطور أنفسهم وأجابوا عنها، وهذا أمر غير لائق بمن يدعي العلم ويدعي
أنه يردعلى نظرية التطور رداً علمياً، فالمفروض أن يقرأ ويرى أنّ إشكالاته قد رد عليها علماء التطور وبعضها طرحها دارون بنفسه وردها منذ القرن التاسع عشر، فأما أن يكون من يكرر
الإشكالات عاجزاً عن مناقشة ردود علماء التطور على الإشكالات وتفنيدها أو أنه لم يقرأ ما
كتبه علماء التطور ولم يطلع على أنهم كانوا أول من طرح هذه الإشكالات وعشرات غيرها
وردوها، وفي كلا الحالين ما كان له أن يكتب بجهل.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الفصل الأول: سلاحف على طول الطريق - وهم الإلحاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.