الفصول
الفصل الثاني: لا مناص عن قبول التطور
وهم الإلحاد · أحمد الحسن
الفصل الثاني
لا مناص عن قبول التطور
نظرية التطور في الحقيقة تنقسم إلى قسمين أو نظريتين منفصلتين تقريباً تفسران نشوء
وارتقاء الحياة وتطورها على هذه الأرض، فالقسم الأول أو النظرية الأولى هي في تفسير نشوء
الحياة الأولى أو نشوء الحياة الأرضية من المادة غير الحية، والقسم الثاني أو النظرية الثانية
هي في تفسير تطور وارتقاء الحياة من تلك البذرة الأولى، ولذا فمن الطبيعي أننا نعرض أولاً
للنشوء ثم نعرج على الارتقاء.
يعتبر علماء الأحياء أنّ في كل خلية حية يوجد سر الحياة المادية والذي بواسطته يحصل
النسخ والنمو والتكاثر وهو الكروموسومات أو مواضع حفظ المعلومات، والكروموسومات أو
الحمض النووي- DNA يتكون من سلسلة من النوكليوتيدات وهي سلاسل غير متجانسة بها
أربعة أنواع من النوكليوتيدات (G-C-T-A)، وهذه الأنواع الأربعة تمثل أحرف اللغة الجينية
حيث تكتب وتخزن بها المعلومات التي تنقل في عملية النسخ عند تضاعف الحمض النووي
وبالتالي يمكن اعتبار الـ DNA أنه العنصر الذي يمثل الحياة، لأنه العنصر الذي يحمل
المعلومات لنسخ نفسه وانتاج البروتينات وبالتالي يسبب التكاثر والنمو، وبعض التمايز يحصل
نتيجة امتزاج الـ DNA للذكر والأنثى أو نتيجة الطفر الحاصل أثناء عملية النسخ بالتحديد أو
الطفر نتيجة قصف اشعاعي، وهناك حمض نووي آخر هو الـ RNA يستخدم كوسيط لنقل
المعلومات أثناء عملية نسخ الـ DNA أو إنتاج البروتينات، فالمعلومات التي في الـ DNA يتم
قراءتها بواسطة الـ RNA وترجمتها إلى نسخة جديدة من DNA ليحصل التكاثر أو سلاسل
بروتين تؤثر بشكل الخلية وسلوكها ليحصل النمو، فالذي يجعل خلايا الكبد تختلف عن خلايا
الأمعاء هو الجينات التي نفذت كخريطة لبنائها، وهذه المعلومات أو الجينات مكتوبة بصورة
قانونية ولغوية دقيقة لتوصل المعنى إلى الـ RNA فيحصل نسخ الـ DNA أو انتاج سلاسل
البروتينات، فلدينا إذن مصانع وصناعة وفق خريطة قانونية لغوية وهي المعلومات أو الجينات.
وهناك أكثر من فرضية أو نظرية نشوء، فمنها: نظرية أنّ هناك مجموعة نيازك تحمل
أحماضاً أمينية ضربت الأرض قبل مليارات السنين وتكون في ماء الأرض حساء من حوامض
أمينية يسارية ومن ثم حصل أن تكوّن بروتين قادر على نسخ نفسه أو تكون ANR، ومنها: نشوء
مواد كيميائية في البداية تنسخ نفسها وهكذا حتى نصل للحياة أو الـ.DNA
في الحقيقة لا توجد نظرية للنشوء مثبّتة بأدلة علمية إنما توجد نظريات أو فرضيات غير مثبتة.
فالـ DNA و الـ RNA الموجودة في الخلايا الحية والتي تعتبر ناسخات والبروتينات التي من
الممكن أن تنسخ نفسها مكونة من أعداد كبيرة جداً من الوحدات أو الجزيئات بحيث لو أردنا
فرض احتمالية تكونها أو تركبها مرة واحدة فقط بصورة صحيحة قابلة للنسخ صدفة فإننا
سنحصل على رقم غير قابل للتحقق علمياً ضمن حدود الزمان التي نعرفها على هذه الأرض.
وحتى لو فرضنا أنّ بداية نشوء الحياة كانت بأبسط بروتين يوفر عملية النسخ الذاتي
ولنقبل فرض أنه بسيط جداً ويتكون من سلسلة فيها ٣٢ حامضاً أمينياً فقط، وبما أننا لدينا
٢٠ نوعاً من الأحماض الأمينية لتكوين هذه السلسلة فسيكون لدينا عدد احتمالات هو:
𝟒𝟏 𝟒 𝟒 × 𝟏𝟎𝟒𝟏 𝟒.𝟐𝟗𝟒𝟗𝟔𝟕𝟐𝟗𝟔𝐞+𝟒𝟏
أي تقريباً أي رقم وأمامه صفراً، وهذا رقم كبير
جداً ويمثل نسبة احتمالية تحقق ضئيلة جداً.
وحقيقة هذا الأمر جعل د. دوكنز في كتابة (صانع الساعات الأعمى) يتخبط في فروض غير
واقعية في محاولة يائسة لتقليل عدد الأصفار مرة ولزيادتها في الجانب الآخر مرة أخرى، وهكذا
يقوم معظم الملحدين بإزالة عشرات الأصفار هنا وإضافة عشرات أخرى هناك بصورة غير
علمية وعشوائية وفروض خيالية لعلهم في النهاية يصلون إلى رقم يقولون عنه إنه رقم مقبول
وقابل للتحقق في حدود الزمن المتاح على الأرض وهو مليار سنة تقريباً في أحسن الأحوال.
والآن، لنفرض أنّ المعجزة الأولى تحققت، وأنّ هناك أحماضاً أمينية تكونت على الأرض
بظروف استثنائية مناسبة لنشوئها أو وصولها، وأنها وضعت في ظروف مناسبة بحيث أصبح
لدينا على الأرض في كل ثانية وطوال مليار عام محاولة لنشوء بروتين قادر على النسخ الذاتي،
فسيكون عدد المحاولات المتاحة هي: (𝟑𝟏𝟒𝟒𝟗𝟔𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎𝟎) أو لنقل تقريباً × 𝟑
𝟏𝟎𝟏𝟔
وعندما نطرح هذا الرقم من عدد المحاولات المطلوبة سنجد أننا لا زلنا بحاجة لـ
)𝟑.𝟗 ×𝟏𝟎𝟒𝟏 𝟑.𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟗𝟕𝐞+𝟒𝟏
محاولة تقريباً (ليكون
الأمر ممكناً. وكما نرى فإن محاولة بالثانية طوال مليار عام لم تؤثر بالرقم تقريباً، ولو أردنا
حساب الزمن اللازم لتحقق الاحتمالية إذا كانت لدينا محاولة كل ثانية فستكون فترة زمنية
𝟑𝟒 𝟏𝟎𝟑𝟒 𝟒 × 𝟏𝟎𝟒𝟏 ٤e+٤١
هي تقريباً ثانية () أي تقريبا سنة، أي رقم واحد وأمامه صفراً
وهو رقم كبير جداً يزيد عن عمر الأرض بل وحتى عمر الكون بكثيرجداً، فعمر الأرض رقم أمامه فقط تسعة مراتب ويقدر بأنه 𝟒.𝟔 مليار سنة، وعمر الكون أمامه فقط عشرة مراتب ويقدر
بأنه 𝟏𝟑.𝟕 مليار سنة.
ولو حسبنا بطريقة أخرى، أي حسبنا كم محاولة في الثانية الواحدة طيلة مليار عام تكفي
ليكون الأمر قابلاً للتحقق ضمن حدود الاحتمالية فسيكون عدد المحاولات في الثانية الواحدة
هو ناتج قسمة عدد المحاولات المطلوبة على الزمن المتاح أي مليار سنة: والنتيجة ستكون
)𝟏𝟎𝟐𝟓 𝟏𝐞+𝟐𝟓 𝟏𝟐𝟕𝟏𝟖𝟕𝟔𝟐𝟕𝟏𝟖𝟕𝟔𝟐𝟕𝟏𝟖𝟕𝟔𝟐𝟕𝟏𝟖𝟕𝟔𝟐.𝟕𝟏𝟖𝟕𝟔𝟑
أي تقريباً (أي أننا
نحتاج إلى واحد وأمامه 𝟐𝟓 صفراً محاولة في الثانية تقريباً أو عشرة مليون مليون مليون مليون
محاولة في الثانية تقريباً طوال مليار عام ليكون الأمر ممكناً وهذا رقم خيالي.
فما بالك إذا عرفنا أنّ احتمالية وجود الأحماض الأمينية الكافية على الأرض هو احتمال
ضئيل جداً أيضاً، وما بالك إذا عرفنا أنّ الأحماض الأمينية هي عبارة عن نوعين؛ أحماض
أمينية يسارية وأحماض أمينية يمينية، والبروتينات التي تدخل في تركيب الحياة تبنى من
الأحماض الأمينية اليسارية فقط، وهذا يعني أن محاولاتنا السابقة للحصول على بروتينات
تنفع فقط عندما تكون الأحماض الأمينية المتجمعة يسارية،وهذا يعني أن احتمالية أن يأتي
البروتين الذي نطلبه هي نصف مرفوع إلى عدد الأحماض الأمينية في ذلك البروتين، فمثلاً: إذا
كان عدد تراكيب الأحماض الأمينية في البروتين المطلوب هي 𝟓𝟎 فاحتمالية أن نحصل عليه
هي نصف مرفوع للأس 𝟓𝟎 وهذا احتمال ضئيل جداً، وباجتماع ضآلة احتمال حدوث هذه
الخطوات المتوالية اللازمة لنشوء البروتين تنتهي تقريباً مسألة الإمكان وتصبح أمراً أشبه ما
يكون بالمستحيل.
ولكن هناك من الملحدين من يعمل حسابات عكسية ويستخرج الأرقام المطلوبة في
المقدمات ليحقق الإمكان في النتيجة، فالمشكلة الأولى وهي توفر مادة البناء أو الحوامض
الأمينية مثلاً يحاولون اللجوء إلى بعض الفروض التي تطرح في الأبحاث لحلها مثل أن تكون
ظروف الأرض والبرق والصواعق الكثيرة في أول نشوء الأرض أدت إلى تكونها أو هناك فرض
خيالي آخر وهو أنّ الأرض كانت تقصف بنيازك محملة بالأحماض الأمينية قبل أربعة مليارات
عام، ولما وجدوا أن نوع الأحماض الأمينية يجب أن يكون فقط يسارية فرض بعضهم فرضاً
خيالياً آخر وهو أن هذه النيازك تعرضت لضوء نجم نيوتروني وهي في طريقها إلى الأرض وهكذا
دواليك، فالأمر كله مبني على فروض خيالية لإثبات أن انتاج البروتين الناسخ لنفسه على الأرض قبل مليارات السنين كان أمراً طبيعياً جداً، ومع أنها كلها فروض خيالية وكل واحد منها
قليل الاحتمال حتى التلاشي فما بالك بحدوثها جميعا متتالية؟! ولكن مع هذا يحلو لبعضهم
أن يقول إنها معقولة ومقبولة.
فعند الملحدين معقول جداً أن عدداً كبيراً جداً من النيازك المحملة بكميات هائلة من
الأحماض الأمينية اختارت كوكب الأرض بالتحديد والذي يمثل للكون حبة غبار في صحراء
حتى لو كانت نسبة احتمال هذا الحدث قليلة إلى حد التلاشي!
ومعقول جداً أنّ هذه النيازك تعرضت وهي في طريقها إلينا لضوء نجم نيوتروني لكي تكون
حوامضها الأمينية يسارية و.. و.. و.. و.. و.. وهكذا كل هذه الفروض والتي نسبة تحققها
ضئيلة إلى حد التلاشي معقولة جداً، ولكن أن يكون وراء القانون الذي أنشأ البروتين الناسخ
لنفسه أو الحمض النووي مقنن، فهذا غير معقول عند الملحدين، وأن يكون وراء الخريطة
الجينية اللغوية متكلم أيضاً غير معقول عند الملحدين!
أعتقد أنّ ما تقدم كاٍف لينهي الأمر، فهل يوجد عاقل يعرف أنّ حدثاً ما نسبة احتمالية
حدوثه هي قليلة إلى حد التلاشي، وعمر الكون كله لا يكفي لوقوعها ثم يذهب للقول إنّ
حصوله خلال مليار أو مليار ونصف سنة التي سبقت وجود الحياة على الأرض هو أمر عادي،
في نفس الوقت الذي يرفض فيه مناقشة أي احتمالية لأن يكون الحدث إعجازياً، ومن ثم
يبحث عن أي قشة ليثبت بها فرضه، فعندما يجد دليلاً علمياً على أن بعض النيازك يمكن
أن تكون قد ضربت الأرض في وقت ما يذهب بهذا الاحتمال بعيداً ليجعل هذه النيازك جاءت
من عمق المجرة، وكانت عبارة عن صهاريج محملة بالأحماض الأمينية، وفقط أحماض أمينية
لا تحقق لهم الغرض، إذن فهذه الصهاريج المليئة بالحوامض الأمينية مرت بنجم نيوتروني وهي
في طريقها إلى الأرض فتسبب ضوؤه باستقطابها وهكذا تسبب في النهاية بتحويل حمولتها من
خليط أحماض أمينية يمينية ويسارية إلى أحماض أمينية يسارية، وهكذا تستمر الفروض
الخيالية للخروج من مأزق الاحتمالية الخانق.
هناك بعض الفروض الأخرى لتكوّن الـ RNA أو الـ DNA مثل أن يفترض بعض الكيميائيين
أو علماء الكيمياء الأحيائية أن البداية لم تكن بالبروتينات أو الحوامض النووية وإنما بمواد
كيميائية غير حية كالبوليمرات أو جزيئات طين تشكلت بصورة معينة قابلة للنسخ:
«قد نقول إن الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين DNA قد أستولى في مرحلة
لاحقة على الات البقاء الخاصة بتلك المتضاعفات. وهذا يعني أن المتضاعفات الأصلية قد
دُمرت كليا، وخصوصا أن لا أثر لها في الات البقاء الحديثة. وفي السياق، عرض اي. دجي.
كيرنز-سميث Cairns-Smith A.G. لفرضية مثيرة للاهتمام مفادها أن أسلافنا المتضاعفات
ألأولى لم تكون ربما جزيئات عضوية وإنما بلورات غير عضوية، أو بمعنى اخر معادن أو
قطع صغيرة من الصلصال»(١).
وهذه فروض غير واقعية وتبقى مجرد فروض ليست مبنية على معطيات علمية دقيقة،
والتعويل على ما يحصل في بعض التفاعلات الكيميائية التي فيها عملية ظاهرها نسخ بلورات
هو مجرد اتكال على ظاهرة بعيدة عن الموضوع المبحوث. والحقيقة إن التفاعلات الكيميائية
لا يوجد فيها شيء اسمه نسخ المعلومات وتوريثها، فضمن حدود العلوم التجريبية والنظرية
هذه مجرد فروض إلى الآن لم تثبت بشيء يعتمد عليه علمياً، ولا فرق بينها وبين الأشباح الهائلة
التي رتبت الحصى على الشاطئ بحسب قبيلة د. دوكنز البدائية (٢)، لذا فلا أرى داعياً لمناقشتها
وردها وهي أصلاً مجرد فروض لا ترقى إلى مستوى علمي يستحق المناقشة والرد عليه.
وعموماً، إذا صار الرأي الانتقال إلى المستوى ما دون الحيوي أي إلى مستوى التفاعلات
الكيميائية فالأفضل عندها أن ينتقل الكلام مع الملحدين في إثبات أصول التفاعلات
الكيميائية وفيزياء الجسيمات الذرية وما دونها والقوى الأربعة النووية الضعيفة والقوية
والجاذبية والكهرومغناطيسية،أي أننا ما دمنا قد انتقلنا إلى القوى الذرية وما دون الذرية
فالمفروض أن يكون نقاشنا في إثبات وجود إله في هذا المستوى أي ما دون الحيوي سواء كان
الجزيئي أو الذري أو ما دون الذري؛ لأنه بحسب فرض أن هناك بوليمراً أو ما شابه كان قد بدأ
ينسخ نفسه بانتظام ويتطور إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه تكون الحياة قد بدأت منه ولا
يكون البروتين أو الخريطة الجينية هو بداية الحياة، وإذا كان الأمر كذلك فالأفضل أن يكون
الكلام في أصل المادة وهذا سنناقشه في موضوع الانفجار العظيم ونثبت وجود الإله في هذا المستوى من البحث والمعرفة، والذي يكفي لإثبات وجود الإله بغض النظر عن الحياة
الجسمانية وتطورها وكونها جاءت بتدخل إله أم لا وأنها تطورت بصورة عشوائية أو لا
عشوائية، هادفة أم غير هادفة.
نظرية أو فرضية أنّ الحياة جاءت جاهزة في قلب بعض النيازك أو الصخور بعد بضعة
مئات ملايين السنين من تكون كوكب الأرض، وهناك تجارب بهذا الخصوص لمعرفة امكانية
أن تنجو كائنات حية أو متضاعفات أولية من البرودة المتطرفة والحرارة المتطرفة والاصدام
الشديد، وقد ثبت أن بعض الكائنات متعددة الخلايا يمكنها أن تعيش في حالة سبات بدون
ماء وفي درجة برودة متطرفة جداً.
نظرية أو فرضية نشوء المتضاعفات الأولى في برك أطراف المياه والمحيطات والتي تعرضت
للتجفيف والتدوير والمد والجزر الشديد الذي كان موجوداً في الماضي نتيجة قرب القمر من
الأرض أكثر مما هو الآن، واحتمالية أن يكون بالاشتراك مع الشمس قد تسبب بتركيز الحوامض
الأمينية في برك صغيرة مما سهل عملية إيجاد الحساء الأولي الملائم لنشوء المتضاعفات الأولى.
نظرية أو فرضية الظروف المتطرفة التي تفترض أن نشوء الحياة كان في ينابيع المياه الحارة
أو المناطق شديدة الحمضية، وجاءت هذه الفرضية نتيجة اكتشاف بعض أنواع الأحياء في
أعماق المحيطات يمكنها أن تمارس الحياة في ظروف درجات حرارة عالية وبعضها في درجات
حمضية عالية، وبهذا فمن الممكن أنّ المتضاعفات الأولى بدأت في ظروف كهذه خصوصاً أنها
ظروف سائدة في مئات الملايين الأولى من حياة الأرض.
حقيقة إنّ كل منصف يرى بوضوح أنّ الطرح في مسألة النشوء حتى الآن ليس طرحاً
علمياً رصيناً مبنياً على حقائق ووقائع أبداً، بل هو بحث مبني على أساس وفرض أنه لا يوجد
غير الطبيعة ولابد أن يفسر كل شيء ضمن حدود الطبيعة فقط حتى وإن كان بسلسلة فروض
خيالية متتالية يكاد يكون تحقق أحدها مفرداً شبه مستحيل فكيف بتحققها جميعاً متتالية،
بل العقل يحكم أنّ هذه الاحتمالات القليلة حد التلاشي إذا تحققت جميعاً بهذا التتالي فإن
تحققها يشير إلى حدوث معجزة تشير إلى أنّ هناك من أجرى الأمور بهذه الصورة لتصل إلى
هذه النتيجة وهي وجود الحياة على الأرض.
ولأنه لا توجد نظرية علمية تفسر النشوء تفسيراً علمياً مقبولاً ومؤيداً بأدلة قاطعة حتى الآن فقد وصل الأمر بدوكنز في كتابه "صانع الساعات الأعمى" إلى مناقشة احتمال حصول ما
يشبه المعجزة كمسألة أن يضرب البرق شخصاً في اللحظة التي توقع أن يضربه فيها أو أن
يضرب البرق الشخص نفسه ست مرات كما في كتاب غينس، أو مناقشة أن ما يكون معجزاً
خلال فترة قصيرة لا يكون معجزاً خلال فترة زمنية طويلة أي عند توفر الزمن الكافي، أي أنه
افترض أنّ نشوء الخلية معجزة ولكنها معجزة نسبية مع الزمن. وهذا الكلام يكفي لرده أنّ
احتمالية مجيء الكائن الناسخ لنفسه هي شبه معدومة ضمن الحدود الزمنية التي نعرفها بل
وحتى لا يؤيدها عدد الكواكب التي يحتمل أنها مناسبة لهذا الحدث لو أراد حساب الاحتمالية
على مستوى الكون ككل، فلديه احتمالية النيازك المحملة بالحوامض الأمينية واحتمالية أن
تضرب الأرض، واحتمالية أن تكون الحوامض الأمينية يسارية، واحتمالية نشوء حمض نووي
أو بروتين ناسخ لنفسه، وهذه أمور تجعل الأمر يستحق بكل جدارة أن يوصف بأنه معجزة (١)
أو خارج حدود الطبيعي أو الاعتيادي، ولهذا فحتى أشد المتمسكين بأن النشوء الأول للحياة
الحالية حصل بصورة طبيعية مئة بالمئة يقولون إنه حصل مرة واحدة فقط ولم يتكرر مرتين،
وهذا اعتراف ضمني بأن النشوء هو عبارة عن معجزة أو على الأقل مسألة صعبة وبعيدة
التحقق:
«ولا يمكن قط أن تكون الكائنات الحية على غير صلة قرابة بالكلية، ذلك أنه يكاد يكون مؤكدا أن الحياة كما نعرفها قد نشأت فحسب مرة واحدة على الارض»(١).
النتيجة مما تقدم: إنه لا يوجد تفسير علمي منطقي مؤيد بأدلة أو حتى مقبول لدى العلماء
حول مسألة نشوء الحياة.
فربما في نظرية الحساء يكون فرض المعجزة أو التدخل الغيبي لفرض توفر الحساء البدائي
المناسب لنشوء الحياة ليس بأبعد من فرض توفر الحساء بالطريق الطبيعي ومن ثم تركب
البروتين فيما بعد.
ويمكن أن نقول: إنّ الطرح سيكون منطقياً أكثر في حالة فرض المعجزة الإلهية - بعد أن
نثبت وجود الإله - من فرض المتضاعفات البلورية أو متضاعفات الصلصال.
وإلا فلو قيل: إنها تشكلت وتضاعفت دون أي تدخل خارجي حتى أنتجت الحياة فهذا يعني
أنها لابد أن تتضاعف مرات كثيرة جداً بعد ذلك التضاعف الأول وتستمر بإنتاج حياة جديدة
أو على الأقل نوع من المتضاعفات الأولية كل مدة من الزمن حتى يومنا هذا مع توفر المواد
الأولية، وبما أن هذا لم يحدث ولا يحدث الآن فهو إذن غير صحيح.
بل الأمر نفسه يسري على فرضية حساء الحوامض الأمينية فحتى لو كررنا إيجاد الحساء
الأولي في المختبر اليوم، فمن غير المتوقع أن ينتج بروتيناً قابلاً لنسخ نفسه أو حامضاً ريبياً دون
تدخلنا لأكثر من صنع الحساء الأولي، فيتوجب إذن فرض تدخل خارجي سحب المركبات
الكيميائية أو البلورات أو جزيئات الصلصال أو الأحماض الأمينية إلى مركب قابل لنسخ نفسه
والتضاعف وانتاج الحياة الأولى، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يكون هذا التدخل الذي أنتج
الحياة هو تدخل غيبي إلهي خصوصاً بعد أن نثبت وجود الإله كما سيأتي؟!
إذن، مسألة النشوء غير مفسرة علمياً، وهي تمثل ثغرة لم يتمكن العلم والعلماء من ملئها
رغم كل الإمكانات المختبرية المتاحة الآن لتوفير كل الظروف المناسبة لتجربة تحاكي ظروف أي
فترة زمنية يتوقع علماء الأحياء أو الكيمياء الأحيائية نشوء الحياة فيها، كأن تكون قبل أربعة مليارات عام أو أقل.
فيما تقدم، ليس غرضي أن أرفض فرضية نشوء الحياة أو تركب البروتين الناسخ لنفسه
بصورة ما فيما لو توفرت المادة والظروف والوقت، بل أعتقد كما ورد في كلام الأئمة (عليهم
السلام) وكما يتوقع علماء الكون والأحياء أن الكون مليء بالكائنات الحية وأننا لسنا الوحيدين
في هذا الكون، ولكن ما أردت بيانه هو أن النشوء معضلة لم يحلها العلم وقد عجز العلم عن
إيجاد مخرج لتوفر مادة وظروف ملائمة لنشوء الحياة أو لنقل كما نعتقد تنفيذ الخريطة
الجينية الأولى أو لنقل بذرة الخريطة الجينية من مواد كيميائية غير حية والتي تطورت حتى
أنتجت هدفها وهو الإنسان والخريطة الجينية للإنسان.
النتيجة: لا توجد فرضية ذات قيمة علمية في تفسير قصة نشوء الحياة على الأرض بشكل
منطقي مقبول دون فرض أمور صعبة التحقق علمياً، وبالتالي فهناك فرصة منطقية ومقبولة
على الأقل حتى الآن لفرض تدخل الإله والجانب الغيبي ليفسر حدوثها في موازاة تلك الفروض
صعبة - أو شبه مستحيلة - التحقق.
ولكن لنرى حتى مع الفرض الذي يتمسك بصحته الطرف المقابل - الملحد - وهو أنّ
متضاعفات كيميائية غير عضوية أولى من البلورات أو الصلصال أنتجت البروتين أو أن الأرض
كانت عبارة عن طبق حساء من الحوامض الأمينية اليسارية وأنّ عدد المحاولات كانت كافية -
هكذا دون أن يكون هناك تفسير علمي منطقي قابل للتحقق لتوفر هذه المادة - وبعد كل هذا
حصلنا على بروتيننا المطلوب المكون من الحوامض الأمينية اليسارية فقط، فهل لو حدث
هذا ينفي الحقيقة التي يحاول د. دوكنز وأمثاله من الملحدين إغفالها وهي أنّ الخريطة الجينية
مركبة ومعقدة وقانونية ولغوية ومنتجة لهدف كما سنبين، وبالتالي دالة على مقنن ومتكلم
فإذا رفضوا أنه هو أو وكيلاً عنه مقننها وأنه السبب الغيبي في ظهورها على هذه الأرض وأصروا
على أنها ظهرت بالأسباب الطبيعية لا غير، فكيف سيلغون أو يغفلون دلالة انتاجها لهدف
وقانونيتها ولغويتها - التي تسبب عملها - على الهادف الذي قننها وتكلم بها؟!!!
هل يمكن أن نقول عن خريطة بناية أو جسر عندما تنفذ وتنجح وتعمل إنها قانونية ولغة
هندسية وإن من كتبها مدرك وعندما نرى الخريطة الجينية منفذة وتعمل لا نقول نفس
الشيء، هل لغتنا دالة على أننا ندرك المعاني ونقصدها ولغة الجينات لا تدل على أنّ من وضعها أو تكلم بها يدرك ويقصد بها الوصول إلى معنى معين أو هدف؟!!!!
أعتقد أنّ أي عاقل سيقول إذا كانت لغتنا دالة على أننا متكلمون ونهدف الوصول إلى
المعاني، فلغة الجينات دالة أنّ وراءها متكلماً هادفاً خصوصاً أنها وصلت إلى أهداف واضحة
ومعروفة لنا الآن كالذكاء أو آلة البقاء الأفضل.
أصدر تشارلس داروين في ٢٤/ ١١/ ١٨٥٩ م كتابه الشهير (أصل الأنواع - نشأة الأنواع
الحية عن طريق الانتقاء الطبيعي أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل
الحياة)، وقد طرح في كتابه هذا نظرية أن الأحياء الأرضية (نباتات وحيوانات) تطورت ولم
توجد جميعها فجأة ومرة واحدة.
ورغم أنّ دارون لم يكن يملك احفوريات كافية تؤيد نظريته في ذلك الوقت ولكنه ساق
أدلة حصل عليها من مراقبة وبحث أمور مثل التهجين والتدجين وبعض الأدلة التي حصل
عليها من رحلته البحثية الشهيرة حول العالم على سفينة البيغل، وبعض الأدلة من مراقبات
علماء الأحياء وبحوثهم، ومعظم أدلة دارون هي أدلة مراقبة وتشريح مقارن وبحث في سلسلة
الأحياء الموجودة حالياً، ولكن تراكمت الأدلة العلمية على التطور بعد دارون من خلال البحث
العلمي - وبمساعدة التطور التكنولوجي - في دراسة الاحفوريات وفي التشريح المقارن وفي
الجينات، وملخص ما جاء به داروين وعلماء الأحياء من بعده في مسألة التطور هو: إنّ مجموع
التمايز بين الأفراد - نتيجة تمايز خرائطهم الجينية مثلاً - مع عملية الانتخاب للطبيعة المحيطة
بهم مع الوراثة ينتج تطوراً يتناسب مع تلك الطبيعة المحيطة، وهذه مسألة لا تحتاج
احفوريات لإثباتها؛ لأنها مسألة قطعية التحقق إذا فهم القارئ معنى تمايز الخرائط الجينية
واحتفاظ أو انتقاء الطبيعة للأعراق المفضلة.
فالمسألة ببساطة؛ عندما يكون لدينا تمايز مع اختيار أو انتقاء مع وراثة فإننا سنحصل
حتماً على تطور، والتمايز موجود ولا يوجد أدنى شك بوجوده بين أفراد النوع الواحد، والاختيار أو الانتقاء أيضاً موجود حتماً؛ لأنه ملازم للطبيعة ومتطلباتها والمتغيرات التي تطرأ باستمرار
كانخفاض مستوى المياه والجفاف وارتفاع وانخفاض درجة الحرارة ودخول مفترس أو طرائد
جديدة، والوراثة أيضاً حتمية ما دام هناك توالد وتكاثر. إذن، فمسألة التطور مسألة حتمية
في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل؛ لأن مقدماتها كلها موجودة وكانت موجودة، فالمسألة
إذن لا تحتمل نعم أو لا؛ لأنها واضحة كوضوح دوران الأرض، وإضافة إلى ما تقدم هناك أدلة
متراكمة من علم التشريح المقارن ومن الاحفوريات وعلم الجينات تؤكد مسألة التطور، هذا
مع أن التطور واضح حتى في سلسلة الأحياء الحالية التي بين أيدينا.
إذن، التطور يحصل عندما يكون هناك تمايز ووراثة نتيجة التكاثر وانتخاب الطبيعة
المحيطة للأنسب لها، فمثلاً: لو أخذنا تطور الأعضاء المركبة كالعين والاذن والأنف ستكون
الخطوات الأولى في التطور هو تطور خلية حسية في حيوان بدائي متعدد الخلايا ومن ثم تكثرت
هذه الخلايا في الأجيال اللاحقة لأن هناك تمايزاً نتيجة الطفر الجيني يوفر هذا التكثر، وإذا
كانت هذه الخلايا الحسية تقدم فائدة وطاقة للحيوان - فتساعده على التخلص من العدو
والحصول على الغذاء - أكثر مما تكلف الحيوان من توفير طاقة لها، عندها؛ فالحيوانات التي
ستحصل على هذه الميزة تكون أقدر على البقاء وينتخبها الوسط الطبيعي، وبهذا تم انتخاب
هذه الخلايا الحسية وهكذا كلما كانت الخطوة التطويرية فيها فائدة أكبر من كلفتها على
الحيوان يتم الاحتفاظ بها؛ وبعد أن تتكثر الخلايا الحسية المتخصصة بخطوات تطويرية نتيجة
التمايز والانتخاب تتوافر مجموعة خلايا تتحسس الضوء وأخرى تتحسس المواد الكيميائية أو
الروائح وهكذا تتابع الخطوات، فعندما تكون مجموعة خلايا في الحيوان تتحسس الضوء
فإنها كلما توفر التمايز ينتخب الوسط الأفضل فتتجه نحو الحالة الأمثل فتفضل الشكل
المقعر؛ لأنه يتحسس الضوء أفضل وتفضل عدسة تركز الضوء وتوضح الصورة وهكذا،
وعندما تتوفر الطفرات التحسينية المناسبة يفضل الحيوان (ليس تفضيلاً واعياً وإنما بحسب
قانون الارتقاء الذي بينته) جهازاً يجمع عمل الخلايا الحسية المختلفة المهام وينظم عملها
كمجموعة وليس على انفراد؛ لأنه يجعل قدرته على البقاء أفضل، فإذا وفره الطفر أو وفر
ارتباطه بها وتنظيمه لعملها تم الاحتفاظ به، وهذا يمثل الجهاز العصبي البدائي ويمكن أن
نقول: إنه أساس للدماغ وهكذا تتطور الخلايا الحسية لتصبح عيناً وأنفاً.... الخ، وعموماً
فالمسألة بالنسبة للحيوان اقتصادية فإذا وفرت له الميزة التي حصل عليها نتيجة الطفر الجيني
فائدة في الحصول على الغذاء بحيث زادت قدرته على الحصول على الطاقة بمقدار ٢ وحدة
وكلفه تشغيل هذه الميزة طاقة قدرها ١ وحدة عندها ستكون هذه الميزة مفيدة فسيتم الاحتفاظ بها عادة، وإذا كلفته طاقة أكثر مما أفادته أي بحسب المثال السابق لو كلفه تشغيل
هذه الميزة ٣ وحدة من الطاقة عندها ستكون مضرة وسيتم التخلص منها، وهنا التخلص ليس
بأن الحيوان المفرد يتخلص منها وإنما النوع الحيواني سيتخلص منها أي ستهلك الحيوانات
التي حصلت على هذه الميزة التي تضر أكثر مما تنفع؛ لأنها لن تكون قادرة على البقاء أو المنافسة
مع أقرانها.
ويوجد اختلاف في الطريق التي سلكها التطور، فهناك عدة نظريات في تفسير سير التطور
وهي تختلف في سرعة التطور، وهل أنه سار بنسق من البطء الشديد دائماً أم أنه متمايز
السرعة، أم أنه متسارع، وتوجد نظرية منبوذة تقريباً وهي نظرية الطفر الجيني الشديد أي أن
يوجد العضو المركب مباشرة ومرة واحدة من خلال طفرة جينية واحدة.
ولتبسيط الأمر نضرب أمثلة:
مثال: الإنسان الأوربي يرجع إلى أصول داكنة البشرة (سوداء)، ومع هذا نجد بشرتهم
اليوم بيضاء بل ومتدرجة في البياض، فمثلاً جنوب أوربا أقل بياضاً من شمالها والسبب هو
أن الطبيعة انتقت الأعراق المفضلة، أما سبب انتقاء الطبيعة للبشرة البيضاء فهو يمكن أن
يكون ببساطة بسبب)فيتامينD(الذي يحتاج أن تخترق أشعة الشمس الجلد ليتكون،
والبشرة الداكنة تمنع أو تقلل أشعة الشمس من الاختراق، وفي أوربا التي تصل فيها أشعة
الشمس أقل سيكون أصحاب البشرة الداكنة معرضين لمخاطر نقص (فيتامينD) الكبيرة
والتي تهدد الحياة والتكاثر، وهكذا يكون البقاء للأصلح، وبما أنّ التمايز في لون البشرة (أو
الصبغة) موجود حتماً فسيتم انتقاء البشرة الفاتحة التي يصلح من يملكها للبقاء في طبيعة
فيها أشعة الشمس قليلة، وهكذا تحصل عملية غربلة حتمية تستمر جيلاً بعد جيل حتى تصل
البشرة إلى لون مناسب للمحيط، والأمر نفسه ينطبق على حجم الأنف والطول وغيرها من الصفات.
«من المؤكد أن التعرض إلى بيئة جديدة سيتسبب في التأقلم. ومنذ بدأ الشتات
الافريقي "من ٥٠ - ١٠٠ الف سنة مضت" اتيحت الفرصة المناسبة لتأقلم جوهري، ثقافي
وبيولوجي. يمكننا أن نشهد اثار التاقلم البايولوجي في لون الجلد وحجم الانف والعينيين
والراس والجسم. ونستطيع ان نقول إن كل مجموعة إثنية قد هُندست وراثيا تحت تأثير
البيئة التي استقرت بها. فالجلد الأسود يحمي من يحيا قرب خط الاستواء من الاحتراق
بأشعة الشمس فوق البنفسجية، التي قد تؤدي أيضا إلى سرطانات جلد مميتة. أما غذاء
الفلاحيين الاوربيين والذي كان يخلو او يكاد من اللبن ومنتجاته، والذي كان يتكون كله
تقريبا من الحبوب الفقيرة في فيتامين د الجاهز، هذا الغذاء كان ليتركهم عرضة للكساح
(لبننا لايزال يحتاج إلى إضافات من هذا الفيتامين)، ولكنهم تمكنوا من البقاء على خطوط
العرض العالية التي هاجروا اليها من الشرق الأوسط، لأن الجسم يمكنه أن ينتج هذا
الفيتامين الأساسي من جزيئات سليفة موجودة بالحبوب، وذلك بمساعدة ضوء الشمس.
ولهذا السبب طور الاوربيون الجلد الأبيض الذي يمكن لأشعة الشمس فوق البنفسجية أن
تخترقه فتحول الجزيئات السليفة إلى فيتامين د. لم يكن إذن بلا سبب أن يزداد لون جلد
الاوريين بياضا كلما اتجهنا شمالا.
تكيف حجم الجسم لدرجة الحرارة والرطوبة. ففي المناخ الحار الرطب - المميز
للغابات الاستوائية - من المفيد أن يكون الانسان قصيرا، لأن مساحة السطح الخارجي
للجلد المفرز للعرق ستكون أكبر بالنسبة لحجم الجسم، كما أن الجسم الصغير يستهلك
طاقة أقل وينتج حرارة اقل. والشعر الجعد يسمح للعرق بالبقاء على فروة الراس وقتا أطول
مما يؤدي الى تبريد أكبر. بهذه التحويرات يقل خطر ارتفاع حرارة الجسم في المناخ
الاستوائي. تكون العشائر التي تحيا بالغابات الاستوائية قصيرة القامة على وجه العموم،
والاقزام الافارقة هم المثال المتطرف»(١).
مثال: تغير لون الفراشات من الأبيض إلى الأسود نتيجة الثورة الصناعية حيث كانت الفراشات تنتفع من اللون الأبيض ليخفيها لحاء الشجر الأبيض فلا تراها الطيور، فلما حدثت
الثورة الصناعية في أوربا أصبح لحاء الشجر في بعض المناطق الصناعية أسودَ نتيجة التلوث
بالفحم فأصبحت الفراشات البيضاء مكشوفة للطيور بينما الفراشات التي تحمل الطفرة
التي تلونها باللون الداكن تمكنت من التخفي والبقاء، وهكذا تغير لون الفراشات وخلال فترة
ليست طويلة لأن دورة حياة الفراشات قصيرة ولا تحتاج فترة طويلة من ملايين السنين، بل
تكفي فترة قصيرة نسبياً لتمر منها مئات وآلاف الأجيال ويحصل التطور البايولوجي.
مثال: أطوال أعناق سلف الزرافات متمايزة فبعضها أطول من بعض نسبياً، فلو فرضنا
تواجدها في بيئة فيها غذاء لذلك السلف على ارتفاع أنسب لذوات الأعناق الطويلة منه لذوات
الأعناق القصيرة، فستحصل عملية انتخاب من الطبيعة للزرافات الأنسب للحياة في تلك
البيئة، فتموت الزرافات ذات الرقبة القصيرة جوعاً أو لا تتمكن من التكاثر والتزاوج لقلة
الغذاء أو لا تتمكن من تغذية صغارها، وهكذا تقل أعداد الزرافات ذات الرقبة القصيرة في
هذه البيئة وربما تنقرض بينما تبقى ذات الرقبة الطويلة وتتكاثر بصورة جيدة، وهكذا تنمو
أعداد الزرافات التي فيها صفة طول الرقبة وتورث هذه الصفات الجينية لمواليدها وتنقى
الخرائط الجينية للزرافات من صفة قصر الرقبة جيلاً بعد جيل.
هذه الأمور تكاد تكون بديهية والاستدلال على صحتها الآن بواسطة الجينات تماماً
كالاستدلال على دوران الأرض حول الشمس بالصور، ومع هذا ينكرها كم هائل من الناس
فقط لأنهم يعتقدون بأنها تتعارض مع النص الديني!
مثال آخر: الحيوانات المفترسة، مثلاً الذئاب تتمايز كغيرها من الكائنات الحية في كل شيء
فلو وجدت الذئاب في بيئة الفرائس فيها سريعة فإنّ الذئاب قصيرة الأقدام والبطيئة السرعة
تهلك جوعاً في هذه البيئة وبالتالي فلن تورث صفاتها لجيل يخلفها، ومع الزمن ستتشكل ذئاب
بالانتخاب الطبيعي ذات أقدام طويلة وسريعة في تلك البيئة. وفي بيئة ثلجية ستبقى الذئاب
البيضاء فقط؛ لأن الداكنة ستراها الطرائد فلا تتمكن من صيد طعامها فتموت جوعاً، وهكذا
شيئاً فشيئاً سينقى لون فراء الذئاب إلى الأبيض وحتى الفرائس ربما يحصل معها نفس الشيء
فسيكون فراء الأرانب مثلاً أبيضاً لينفعها في عملية التخفي. ولعل الدببة القطبية لا تتمكن
من الحصول على طعامها لولا لونها الأبيض الذي يساعدها كثيراً على التخفي فلا تراها
فرائسها إلا بعد فوات الأوان، ولم تحصل على هذا اللون الأبيض بين ليلة وضحاها بل لابد أنه نتاج عملية تطور كعملية تطور فراشات الثورة الصناعية فكلاهما حصل عندما وفرت
الطفرات الجينية الخيار المناسب لبقاء وتكاثر صفة وترسيخها على حساب الأخرى، ولكن
الزمن الذي استغرقه الدب القطبي ليتطور عن الدب البني تقريباً هو 𝟏𝟓𝟎 ألف سنة حسب
د. ايان ستيرلنغ (١) وهذا الزمن أكبر بكثير من الزمن الذي احتاجته فراشات الثورة الصناعية،
والسبب كما بينت هو في طول وقصر دورة حياة الحيوان.
مثال آخر: الآن نحن جميعاً نقول إنه مع تقدمنا الملحوظ في العمران والتكنولوجيا والطب
زادت مشاكلنا الصحية وزادت الأمراض وتعقيداتها بيننا وكلنا نردد - وربما حتى بعض الأطباء
- ما السبب؟!!! بينما أحد الأسباب واضح، وبكل بساطة هو أننا بتقدمنا قد قمنا بإلغاء أحد
طرفي معادلة التطور لنوعنا (الجسماني) وهو طرف الانتقاء الطبيعي.
أوضح أكثر: نأخذ أي مرض وراثي مثلاً مرض السكري، فوجود الرعاية الصحية (الطبيب
+ المختبر + المتخصصين + الصيدلي + الدواء... الخ) التي تطيل حياة مرضى السكري حتى
يبلغوا وينجبوا ويورثوا جيناتهم لأطفالهم، وهذا يسبب تراكم أعداد الذين يحملون هذه
الجينات بيننا، وبهذا فنحن بتقدمنا قمنا بإلغاء الانتقاء الطبيعي فلولا ادخالنا الرعاية
الصحية في المعادلة لحصل انتقاء طبيعي ومات كثير من مرضى السكري قبل أن يبلغوا
ويتمكنوا من الإنجاب، وشيئاً فشيئاً كانت ستقل الأعداد التي تحمل هذه الجينات.
أيضاً: بسبب تواجدنا في بيوت محصنة نوعاً ما أصبح كثيرون غير قادرين على مقاومة
مشاكل العيش في بيئة طبيعية مثل مقاومة الجراثيم أو لسع الحشرات.
وهناك دراسة حول الابادة البايلوجية التي حصلت لسكان القارات الجديدة الأصليين
بسبب جراثيم الحيوانات الأليفة التي حملها المستوطنون الجدد إلى تلك القارات، ففي حين
أن الأوربيين كانوا متكيفين للعيش مع تلك الجراثيم ومقاومتها لم يتمكن سكان القارات
الجديدة الأصليين من مقاومتها فتسببت بإعادة هيكلتهم وفق نظام التطور.
التشريح المقارن يؤكد التطور، وهناك أمثلة كثيرة ولكن سأقتصر على مثال عصب
الحنجرة وهو موجود في السمكة وفي البرمائيات وفي الغزال وفي الإنسان وفي الزرافة، فهذا
العصب في السمكة يتحرك من الدماغ إلى الخيشوم ملتفاً حول القلب.
فالآن لو أنّ كل حيوان صمم جسمه على حدة ولم يتطور عن السمكة فسيكون العصب
فيه متصلاً مباشرة من قرب الدماغ إلى طرف الحنجرة العلوي وهي مسافة قصيرة، ولكن
الموجود في الطبيعة هو أن هذا العصب يأخذ في الحيوانات نفس دورته في السمكة، وهذا
يعني أنه تطور عنها واضطره استطالة الرقبة وابتعاد القلب في غور الجسم الحيواني إلى
التمدد ليلتف حول الشريان الخارج من القلب كما كان في السمكة وحتى أنه أصبح في الزرافة
يسير مسافة كبيرة جداً بدون فائدة فعلية - كما يقول علماء الأحياء والتشريح المقارن - وسبب
سيره هذه المسافة هو أنه يلتف حول الشريان الخارج من القلب ثم يعود أدراجه بنفس المسافة
تقريباً حتى يصل إلى أعلى الرقبة ويتصل بالحنجرة من الأعلى. إذن، التف هذا العصب في
السمكة فتابع نفس السيرة في الالتفاف في بقية الحيوانات، بسبب التطور فهذا الالتفاف
عبارة عن إرث تاريخي.
إذن، فلأنه غير مصمم أصلاً لكل حيوان على حدة أخذ هذه اللفة غير الضرورية فقطع
مسافة من الدماغ إلى بداية الصدر ثم التف عائداً إلى طرف الحنجرة العلوي، وهذا يثبت
التطور والارتقاء ففي كل خطوة تطور كان تمدد العصب مسافة قليلة جداً أسهل بكثير من
الوصلة المباشرة في حين لو كان كل حيوان صمم وخلق جسمه على حدة فالمفروض أن العصب
يوصل مباشرة ولا داعي للهدر الاقتصادي في التصميم بهذا الطول في الزرافة مثلاً.
وأيضاً يساق ما تقدم كاعتراض على التصميم الذكي حيث يعتبرأنّ هذا الخلل في التصميم
الذي ظهر أثناء عملية التطور يثبت أنّ هذا التصميم ليس تصميماً ذكياً ليناسب كل
الحيوانات بصورة مثالية، فالتصميم الأولي قد أدى إلى استطالة عصب الحنجرة بشكل كبير
في الحيوانات وخصوصاً طويلة الرقبة كالزرافة وبدون فائدة، وهذا يبطل القول بالتصميم
الذكي في التطور.
ما تقدم هو ملخص لطرق الاستدلال بالتشريح المقارن لإثبات التطور، وأيضاً إشكال
الملحدين على التصميم الذكي، وعموماً حاولت تبسيط الأمر بالقدر الممكن وأيضاً الصور ربما
تبسط الأمر أكثر.
وإن شاء الله سيأتي الكلام في هذا الإشكال وبيان أنّ الخلل الحاصل في بناء الأجسام أثناء
عملية التطور لا يصلح للإشكال على قانونية التطور وكون التطور هادفاً، فالخريطة الجينية
الأولى هادفة ومقننة وبالتالي فهي دالة على مقنن ومصمم وَضَعها ليحقق نتيجة معينة. نعم،
إشكال عصب الحنجرة المتقدم يلزم من يقول بالخلق دفعة واحدة وينكر التطور؛ لأن
التصميم والتنفيذ دفعة واحدة يلزم منه نفي هذا الخلل الذي نراه في استطالة عصب
الحنجرة، بل حتى لو قلنا إن هناك فائدة لاستطالة عصب الحنجرة فهذا لا ينفي دلالته
الواضحة على أنه إرث تاريخي تطوري ينفي الخلق دفعة واحدة.
وقد جئت بمثال عصب الحنجرة بالذات؛ لأنه يستخدم لأكثر من إثبات نظرية التطور فهو
يستخدم لنقض قانونية التطور وكون التطور هادفاً وسيأتي بيان بطلان هذا الاستدلال وكيف
أنّ عدم مثالية نتائج التطور لا يعني بحال أنه غير مقنن، بل غاية ما يدل عليه هو أنّ الخلق
لم يكن بدفعة واحدة بل كان هناك أطوار وتطور.
شكل١: يوضح أستطالة عصب الحنجرة في الزرافة خلال مسيرة التطور وذلك لكونه يمر ملتفاً
حول أحد الأوعية الدموية ثم يرجع إلى الحنجرة أسفل الرأس
Dawkins, The greatest show on earth: the evidence of evolution المصدر(١):
شكل٢: يوضح استطالة عصب الحنجرة (اللون الأسود) في الزرافة خلال مسيرة التطور وذلك
لكونه يمر ملتفاً حول أحد الأوعية الدموية ثم يرجع إلى الحنجرة أسفل الرأس(١)
وهذه مسألة طويلة عريضة تمتد إلى مئات ملايين السنين إلى الوراء على الأقل، وفيها أدلة
على مسألة التطور عموماً وتطور جسم الإنسان بالخصوص، وفي علم الجيولوجيا التاريخية
فإن تاريخ الأرض الذي يمتد إلى (٤٦٠٠) مليون سنة مسجل بصورة لا بأس بها من الدقة
العلمية، وعلى الأقل فهو مسجل بدقة وبتفصيل لا بأس به بالنسبة لمئات ملايين السنين
الأخيرة التي سُجلت فيها الحياة على الأرض وأمكن حفظ أحافير عضوية خلالها، وهذا السجل
التاريخي العلمي للجيولوجيا التاريخية يؤكد تطور الحياة والكائنات الحية على الأرض بصورة
واضحة.
وعموماً، التاريخ الجيولوجي والأحافير هي إحدى الطرق لإثبات التطور، ومع هذا فبعض
منتقدي نظرية التطور يتصورون نتيجة جهلهم أنها الدليل الوحيد والأقوى بالنسبة لنظرية
التطور بينما هي مجرد حلقة من حلقات الاستدلال على التطور وربما لا تكون الحلقة الأقوى
إذا قورنت بأبحاث الجينات والتشريح المقارن، إضافة إلى أنّ الاحفوريات لم تعد مجرد
احفوريات ينظر فيها المختصون في الجيولوجيا التاريخية والتشريح والانثروبولوجي ليخرجوا
منها بنتيجة يمكن أن يطعن بها جاهل، بل أصبح اليوم بالإمكان إجراء تحليلات مختبرية دقيقة
لتحديد العمر الجيولوجي بدقة، وإجراء تحليلات جينية لاحفوريات تعود إلى عشرات آلاف
السنين إلى الوراء وبالتالي يمكن تشخيصها بدقة.
أولاً: على مستوى الأجزاء والتركيب نجد أنّ الأسماك الطبيعية تتنفس الهواء المذاب في
الماء وأيضاً توجد أسماك رئوية مثل سمكة:
paradoxa(nerisodipeL(، وهي تتمكن من تنفس الهواء الجوي، وهذه تعتبر من
الخطوات الأولى التي خطتها الأسماك نحو حياة اليابسة، وبعض الأسماك الرئوية يعيش في
المياه الضحلة وبعضها يقضي الصيف في جحور طينية ويغطي نفسه بمادة مخاطية تقي جسمه، وهذه كلها خطوات تطور نحو حياة اليابسة ساعدتها عليها قدرتها على تنفس الهواء
الجوي.
والأسماك الرئوية التي تتنفس بواسطة الخياشيم كبقية الأسماك وأيضاً تطورت أكياسها
الهوائية - التي تستخدم للطفو عادة - لتتنفس بواسطتها الهواء الجوي تعتبر قد اتخذت خطوة
واضحة نحو تطور الكيسين الهوائيين إلى رئتين حقيقيتين فيما بعد كما في الحيوانات الفقارية
التي تتنفس الهواء بواسطة الرئتين.
وهناك أيضاً أسماك تسمى الفرخ المتسلق الهندي:
الطين فوق وتزحف تتسلق أن تستطيع gnibmilC)، perch or Anabas testudineus(
وتعيش فوق الطين لمدة طويلة وتعود للماء وهي أسماك بكل معنى الكلمة وحتى إنها تستخدم
أغطية خياشيمها للزحف؛ لأنها لم تطور زعانفها بصورة جيدة للمشي.
كما يوجد حيوان يسمى نطاط الطين الـ (reppiksdum)، وهو سمكة برمائية تمشي على
زعانفها التي طورتها للمشي فوق الطين وتتنفس من الهواء عن طريق الجلد وخياشم سمكية
متطورة، وهذا الحيوان أو السمكة تعيش تحت الماء وفوق الطين وتبيض في الماء وتفقس
أفراخها في الماء. وهذه واضحة أنها خطوة السمك نحو حياة اليابسة والتطور من السباحة إلى
المشي على اليابسة.
إذن، لدينا الآن في سلسلة الأحياء الموجودة على الأرض أسماك تطورت لتتنفس الهواء
الجوي، وأسماك إضافة لتنفسها الهواء الجوي تطورت لتتحمل نقص وانحسار الماء، وأسماك
تتنفس الهواء الجوي وتتحمل انحسار الماء وإضافة إلى ذلك تزحف فوق الطين وأخرى تطورت
زعانفها لتمشي عليها فوق الطين، ومسألة تحور وتطور العضو أو الجزء في الحيوان مسألة
مثبتة علمياً فلا يمكن علمياً ومع هذا التسلسل والمراحل الانتقالية المتوفرة بين أيدينا أن
نقول بعدم وجود التطور، أما كيف حصل هذا التطور فبكل سهولة يمكن أن تسببه منطقة
فيها مياه موحلة حيث إنّ الأسماك التي تعيش في هكذا بيئة ستغربلها هذه البيئة مع مرور
الزمن بحيث تستطيع المرور من هذا الغربال فقط الأسماك التي لها بعض الأوعية الدموية
المتماسة مع الهواء الجوي والتي تمثل جزء رئة هوائية تمكنها من الحصول على الأوكسجين
من الهواء الجوي مباشرة، وكذا ستقوم هذه البيئة بغربلة الأسماك بحيث تتمكن فقط الأسماك التي تزحف فوق الطين لتنتقل من بركة موحلة أصبحت الحياة فيها مستحيلة إلى
بركة أفضل لتستمر الحياة والتكاثر، وهكذا تحصل عملية الغربلة حتى تستقر الخريطة
الجينية المناسبة لهذه البيئة الطبيعية المحيطة، أو بعبارة أخرى: حتى تبقى الأسماك ذات
الصفات الملائمة لهذه البيئة وتتكاثر وتنقي صفاتها إلى الأكثر ملائمة مع الوقت وهكذا تحصل
عملية التطور.
«ومن الممكن اعطاء العديد من الحالات الموجودة في الحيوانات السفلى لنفس
العضو الجسدي الذي يقوم بوظائف متباينة بشكل كامل في نفس الوقت، وعلى سبيل
المثال ففي اليرقانة الخاصة بحشرة اليعسوب وفي سمك الكوبيتس فإن القناة الهضمية
تقوم بالتنفس، والهضم، التبرز. وفي حيوان الهيدرا فإن الحيوان قد ينقلب جوفه إلى
الخارج، وبالتالي فإن السطح الخارجي سوف يقوم بعملية الهضم والمعدة سوف تقوم
بالتنفس. وفي مثل هذه الحالات فإن الانتقاء الطبيعي قد يقوم بتخصيص - إذا كانت هناك
فائدة تجنى من ذلك - العضو الجسدي بأكمله أو جزء من هذا العضو، الذي كان يقوم
قبل ذلك بوظيفتين، للقيام بوظيفة واحدة فقط، وهكذا فإنه عن طريق خطوات غير
محسوسة فإنه يقوم بتغيير طبيعته بشكل هائل...... توجد أسماك مزودة بالخياشيم التي
تستطيع أن تتنفس الهواء الذائب في الماء، وذلك في نفس الوقت الذي تتنفس فيه الهواء
الطلق الموجود في مثانتها الهوائية، ويكون العضو الاخير مقسما بواسطة جدارن داخلية
فاصلة مشبعة بالاوعية الدموية بشكل كبير وله قناة هوائية لإمداده بالهواء.............
والمثال الموضح الذي تم تقديمه عن المثانة الهوائية في الاسماك هو مثال جيد، وذلك
لأنه يظهر لنا بشكل واضح الحقيقة المهمة جدا التي تتلخص في أن عضوا ما كان قد تم
تصميمه في الاصل من اجل غرض واحد، ألاوهو الطفو، من الممكن أن يتحول الى عضو
يستخدم لغرض مختلف تماما ألاوهو التنفس، وقد تم إقحام المثانة الهوائية أيضا كعضو
ملحق بالاعضاء السمعية لبعض الاسماك المعينة. وجميع الخبراء في علم وظائف الاعضاء
يقرون بأن المثانة الهوائية شيء متشاكل، او مماثل بشكل مثالي في الموضع والتركيب
مع الرئات الموجودة في الحيوانات الفقارية العليا، ولهذا السبب فإنه لايوجد أي سبب
للشك في ان المثانة الهوائية قد تم تحويلها بالفعل إلى رئات، أو إلى اعضاء تستخدم على
وجه القصر من أجل التنفس»(١).
ثانياً: على مستوى الغرائز، فالنمل المسترق الذي يستخدم العبيد لخدمته نجده على أنواع، فمنه من تطورت عنده هذه الغريزة إلى درجة متكاملة فهو حتى عاجز عن إطعام نفسه
أو الاعتناء بصغاره ويقوم العبيد بكل شيء من بناء العش إلى العناية بالصغار واطعامهم إلى
إطعام الكبار بل ويقوم العبيد حتى بحمل الأسياد أثناء التنقل، في حين نجد نوعاً آخر لم
تكتمل عنده هذه الغريزة لا يعتمد على العبيد إلا في المساعدة والخدمة المنزلية، ونجد نوعاً
آخر يعمل ربما أكثر من عبيده، وهذه الفروقات تبين بوضوح أن غريزة الاستعباد لدى النمل
الأحمر أو الدموي هي غريزة متطورة.
«أما عن الخطوات التي قد نشأت عن طريقها غريزة النمل الدموي اللون، فأنا لن
أدعي لنفسي الحق في التخمين في هذا الموضوع ولكن بما أني قد رأيت النمل الذي لا
يتبع فصائل النمل المسترق وهو يقوم بنقل الخادرات التابعة لأنواع أخرى، إذا وجدها
منثورة بالقرب من أعشاشه، فأنه من الممكن لمثل هذه الخادرات التي قد تم تخزينها
كمصدر للطعام، ان يكتمل تكوينها، وبالتالي فهذا النمل الغريب الناتج سوف يتم رعايته
بدون قصد، وسوف يتبع حينئذ غرائزه الحقيقية ويقوم بأي عمل قد يكون في استطاعته
القيام به. فإذا ثبت أن وجوده شيء نافع للنوع الذي قد قبض عليه - إذا كانت هناك فائدة
لهذا النوع في أن يقتنص عمالا أكبر من أن ينجبها - فإن عادة جمع الخادرات التي قد كانت
في الاصل لغرض الطعام من الممكن أن يتم تقويتها بواسطة الانتقاء الطبيعي وتصبح
دائمة للغرض المختلف تماما الاوهو تربية العبيد. وبمجرد اكتساب الغريزة، فإنها إذا
استمرت لدرجة اقل كثيرا حتى عما هي عليه في النمل الدموي البريطاني، والذي كما
راينا، هو الاقل استعانة بعبيده من النوع الموجود في سويسرا، فإن الانتقاء الطبيعي قد
يزيد ويعدل من هذه الغريزة - مع الوضع نفسه في الاعتبار دائما أن كل تعديل يكون له
فائدة للنوع - إلى أن يتم تكوين نملة معتمدة بطريقة خسيسة على عبيدها كما هو حال
النمل الاحمر»(١).
فعلى مستوى الكون ككل، نجد - بحسب نظرية الانفجار العظيم - أنّ الكون بدأ من
صورة بسيطة جداً ثم أخذ بالتكثر والتعقيد فتكونت هذه الكميات الهائلة من المادة والنجوم والكواكب والمجرات من مفردة أو نقطة تفرد، وسيأتي تفصيل هذا النشوء إن شاء الله ونرى
بحسب الرصد الفلكي للكون وبإجراء قانون ظاهرة دوبلر على نتائج الرصد أنّ الكون يتوسع
وأنّ المجرات تتسارع متباعدة، إضافة إلى تكوّن كواكب ونجوم ومجرات جديدة باستمرار
فالكون إذن يتكثر ويزداد ويتوسع وبتسارع باستمرار في هذا الوقت ومن قبل، وبالنسبة للحياة
الأرضية فبما أنها جزء من هذا الكون فلا مانع أن يحكمها نفس قانون التطور الكوني التدريجي
فتكون البداية بسيطة جداً ومن ثم نشأ التكثر والتعقيد من هذه البداية البسيطة، وهذا
إضافة إلى أنه موافق للعلم فهو أيضاً موافق للعقيدة الدينية الصحيحة في الخلق وموافق
لسنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير؛ حيث إن السماوات السبع والوجود الممكن أو المخلوق عموماً
بدأ بصادر أول بسيط ثم نشأ بعده التكثر والتعقيد، فمثلاً: نحن كلما تحركنا بعيداً (بعداً
معرفياً) عن مصدر الوجود سنجد أن الموجودات تتكثر وتتعقد ويزيد التنافي بين الموجودات،
فالسماء السادسة أعقد وفيها تكثر أكثر من السماء السابعة والخامسة أكثر من السادسة
وهكذا، وأيضاً لو درسنا وضع السماء الجسمانية على حدة نجدها بحسب نظرية الانفجار
الكبير بدأت بصورة بسيطة واتجهت نحو التعقيد والتكثر، فما المانع أن تكون الحياة الأرضية
محكومة بنفس القانون الكوني أو يمكن أن نسميه السنة الإلهية التي لا تتبدل، بل إن مقتضى
عدم تبدل السنة يقول إنها لابد أن تكون كذلك، وبهذا تكون بدايتها بسيطة ومن ثم نشأ التكثر
والتعقيد من تلك البداية البسيطة كما هي سنة الله في السماوات السبع وكما هي سنة الله في
السماء الجسمانية.
أما ادعاء بعضهم أنّ الكون الجسماني متجه نحو الانهيار والاندثار وبالتالي فالحياة
الأرضية لابد أن تكون كذلك لأنها تخضع لنفس القوانين الكونية وبهذا يعتقدون أنهم قد
أبطلوا قانون التطور أو نظرية التطور، فهذا غير صحيح، وهذا حقيقة إشكال ساذج فحتى لو
فرضنا أن الكون الآن متجه نحو الانهيار - مع أنه في مرحلة الشباب - فهذا لا يعني أن بدايته
معقدة ومتكثرة، بل ثبت علمياً أن بداية الكون بسيطة وحصل الانفجار العظيم ومن ثم حصل
التكثر والتعقيد بالتدريج، وبهذا فلا يضر بصحة نظرية التطور حتى فرض أن الحياة الأرضية
سائرة في النهاية إلى الانهيار والاندثار؛ لأن سيرها نحو الانهيار في فترة زمنية متأخرة مثلاً لا يعني
أن بدايتها متكثرة ومعقدة بحال، فيمكن أن تكون البداية بسيطة جداً بخلية مثلاً وحصل تكثر
وتعقيد وحياة متنوعة ثم يتجه هذا التكثر والتعقيد نحو الانهيار والاندثار كمثل ما يحصل مع
الإنسان في حياته التي تبدأ من خلية بسيطة في رحم الأم ثم تتكثر وتتعقد وينمو ويكبر ويصل
للشباب ومن ثم يتجه نحو الانهيار والاندثار فيضعف وأخيراً يموت، وقد ناقشنا هذا الطرح بتفصيل أكثر في الفصل الأول.
الانتكاس أو ضمور وفقدان الأعضاء يمثل أيضاً دليلاً على التطور في بعض الحالات التي
تبقى فيها آثار هذه العملية بادية نوعاً ما، لأنه عبارة عن عملية تطور وفقدان لعضو أو تقزمه
لانعدام فائدته أو تبدل فائدته ومن أمثلة الانتكاس:
الأعضاء الضامرة: كما في الأقدام الضامرة في بعض الأفاعي وبعض أجنحة الطيور التي
تتقزم لأنها لا تستخدم للطيران، كما في بعض طيور الغاق التي تختص بالغوص إلى أعماق
كبيرة نسبياً لتحصل على طعامها من السمك.
والأعضاء الملغية أو المعمية: كما هو حال العين في سمكة الكهوف العمياء.
وسبب هذه الانتكاسات هو عدم الاستفادة من العضو مع كونه مكلفاً اقتصادياً للحيوان
كما بينت سابقاً، فالعين مثلاً بالنسبة لسمكة الكهوف العمياء لا فائدة منها أو أن فائدتها
قليلة لأن السمكة تعيش في الظلام في حين أن كلفة بقاء العين مفتوحة وتعمل عالية اقتصادياً
حيث تحتاج طاقة باستمرار، فالعين عندما تكون مفتوحة وتستخدم تصرف طاقة كغيرها
من أعضاء الجسم الأخرى، وبالتالي الحاجة لطعام أكثر ومواجهة صعوبة في الحياة والبقاء
والتكاثر أكثر، وهكذا كلما انتفت فائدة العضو الذي تم تطويره سابقاً فإنّ النوع الحيواني
سيتخلص منه بالتدريج سواء بتقليصه أو بإغلاقه بنمو الجلد وهذا عندما تتوفر له الطفرات
المناسبة لذلك، حيث إنّ الحيوانات التي ستحصل على الطفر الجيني المناسب ستتخلص منه
وستكون أجسامها أكثر اقتصادية وبالتالي ستكون أقدر على البقاء؛ لأنها يمكن أن تكتفي بغذاء
أقل فعندما يشح الغذاء سينتخب الوسط الحيوانات الأقدر على البقاء، وهكذا يحصل تغير
في النوع الحيواني، وهذا التغير يحصل أيضاً بالتدريج كما هو الحال في التطور دائماً.
عندما تطورت الحياة مستقلة كما في بعض الجزر المعزولة عن بقية العالم أنتجت
أصنافاً من الحياة مختلفة نوعاً ما عن الأنواع الموجودة في البقاع الأخرى، وهذا أمر يدل على
أهمية الانتخاب الطبيعي ويدل على التطور بوضوح كما هو الحال في جرابيات استراليا
وحيوانات مدغشقر التي تنفرد بها دون بقية الكرة الأرضية مثل حيوان الفوسا assof، فلو لم
يكن وجود الحياة الأرضية نتيجة التطور والانتخاب الطبيعي لما اختصت الأماكن المعزولة
بكائنات مختلفة عن غيرها وغير موجودة إلا فيها، فالسبب الوحيد المنطقي والمعقول هو أن
الحياة تطورت فيها مستقلة عن بقية بقاع الأرض ولهذا اتخذت مسلكاً خاصاً بها لم يتمكن
من مغادرة هذه الأماكن والوصول إلى بقية بقاع الأرض؛ لأنه محصور بمنطقته ومحاط بموانع
طبيعية مثل المحيطات.
مثل تطفل طائر الوقواق على أعشاش الطيور الأخرى ووضع بيوضه فيها، وتطوير طائر
الوقواق لبيوضه لتمرير الخداع على الطير الحاضن، وكذا تطوير صغير الوقواق آلية تساعده
على النجاة وهي عبارة عن نقرة في ظهره لرمي الصغار الأخرى والبيوض من العش مباشرة بعد
أن يفقس صغير الوقواق لكي يستفرد بالغذاء ويتمكن المضيف من اعالته خصوصاً أن الصغير
في بعض الأحيان يكون أكبر من أبويه المضيفين بكثير، فلو بقيت البيوض والصغار الأخرى لما
بقي صغير الوقواق حياً؛ لأن الغذاء الذي يجلبه الأبوان المضيفان صغيرا الحجم لا يكفي لبقاء
ونمو هذا الصغير الكبير الحجم إذا كان هناك منافس له في العش، والمقصود بأن طير المتطفل
طور بيوضه هو أن طيور الوقواق المتطفلة التي تكون بيوضها أكثر تمويهاً ومقاربة لبيوض
المضيف أو لنقل بيوض يتقبلها المضيف فهذه الطيور تنجح في تمرير جيناتها إلى الجيل التالي
بعكس الطيور التي تكون بيوضها مميزة ويرفضها المضيف، فهذه تفشل بتمرير جيناتها إلى
الجيل التالي وهكذا يتم تطوير البيوض، وبينت هذا الأمر هنا لكي لا يتبادر إلى ذهن القارئ فهم
ساذج لمعنى أنّ الطير يطور بيوضه أو أنّ الصوص يطور نقرة في ظهره، وهذه المقولات التي هي
واضحة لدارسي البيولوجيا التطويرية ولكنها ربما تسبب إرباكاً في الفهم لغير المتخصص.
التدجين والتربية عبارة عن عملية تطور صناعي يتم بواسطة الإنسان، فالإنسان يقوم
بأخذ مجموعة حيوانات لها صفات متمايزة ويختار الصفات الأفضل ويبقيها من خلال تكثير
هذه الحيوانات التي تحمل الصفات المفضلة للمربي، وأما الحيوانات التي تحمل صفات سيئة
فلا يتم تكثيرها وهكذا مع الوقت يتوفر القطيع على الصفات المفضلة للمربي ويتخلص من
الصفات غير المرغوب فيها، وهذا أمر واضح لمربي الماشية مثلاً، ونفس هذا الأمر يمكن تصوره
مع الزمن يصل إلى أنواع دجاج تحمل صفات مختلفة بشكل كبير فيما بينها أو أنواع من الكلاب
مختلفة بشكل كبير جداً سواء بالحجم أو الشكل أو حتى الشراسة وأنواع حمام مختلفة وهكذا.
وعملية ترسيخ الصفات المفضلة في التربية مقيدة بطفرات التحسين المتاحة التي جعلت
بعض أفراد القطيع مفضلة على غيرها لدى المربي، ولكن الآن بعد تطور علم الجينات فيمكن
توفير طفرات تحسين في المختبر وحسب الطلب ومن ثم تكثيرها في قطعان الماشية مثلاً.
وهي كثيرة، منها:
وهو عبارة عن حاصل اندماج زوجين من الكروموسومات لا تزال مفصولة لدى
الشمبانزي والاورنجوتان والغوريلا، فالإنسان لديه ٢٣ زوجاً في حين لدى بقية القردة العليا
٢٤ زوجاً.
“The data we present here demonstrate that a telomere-to-telomere fusion of
ancestral chromosomes occurred, leaving a patho-gnomonic relic at band ٢q١٣.
This fusion accounts for the reduction of ٢٤ pairs of chromosomes in thegreat apes (chimpanzee, orangutan and gorilla) to ٢٣ in modern human and must,
therefore, have been a relatively recent event. Comparative cytogenetic studies in
mammalian species indicate that Robertsonian changes have played a major role in
karyotypeevolution (٢٣,٢٤). This study demonstrates that telomere-telomere fusion,
rather than translocation after chromosome breakage, isresponsiblefor the evolution
of human chromosome ٢ from ancestral ape chromosomes.”
«توضح المعطيات التي نقدمها هنا ان اندماجا حدث بين التيلومير (وهي اطراف
الكروموسومات) في كروموسومات الاسلاف تاركا بصمة ثابتة قديمة في العصبة.٢q١٣
وكان هذا الاندماج سببا في تقليل ال٢٤ زوجا من الكروموسومات لدى الشمبانزي
والاورانكوتان والغوريلا الى ٢٣ زوجا لدى الانسان الحديث، ومن هنا يتوضح ان هذا لابد
ان يكون حدث حديث نسبيا.
تشير دراسات المقارنة الخلوية في اصناف الثدييات ان التغييرات الروبرتسونية (وهي
الكروموسومات التي تحتوي سنترومير {وسط الكروموسوم} مركزي والناتجة من
كروموسومين يحتويان سنترومير غير مركزي) قد لعبت دورا كبيرا في تطور النمط النووي.
توضح هذه الدراسة ان الاندماج بين التيلومير - عوضا عن تغيير موضعي بعد انكسار
الكروموسوم- هو السبب في تطور الكروموسوم ٢ من كروموسومات الاسلاف القردة»(١).
بحث لـ د. جاكوب اجيدو(٢) من جامعة ايوا الامريكية.
أيضاً: هذا فيديو توضيحي لـ د.كينث ميلر(٣) يوضح فيه مسألة اندماج الكروموسوم الثاني
لدى الإنسان.
قناة فيديو كتاب وهم الإلحاد (٢٠١٣/٠٩/١٤). الكروموسوم الثاني - كينث ميلر. متاح
https://www.youtube.com/watch?v=wySVojm2x3Q على:
شكل٣: صورة توضح اندماج الكرموسوم الثاني لدى الإنسان
“All but two (CERV ١/PTERV١ and CERV ٢) of the ٤٢ families of chimpanzee
endogenous retroviruses were found to have orthologs in humans”
«وُِجد ان لكل ال ٤٢ فصيلة من الفيروسات القهقرية داخلية المنشأ ERV
Retroviruses) (Endogenous عند الشمبانزي ارثولوغات)Orthologs(مع الانسان ما عدا
اثنان منهم وهم ١/PTERV١ CERV و ٢.)١(»CERV
بحث للبروفيسور جون مكدونالد(٢).
ولتوضيح هذه المسألة وكيف أنها دليل على التطور لنتصور أنّ هناك شريط تسجيل
لأحداث حياة النوع الإنساني وبقية القردة العليا وعندما قرأنا هذا الشريط وجدنا أنّ الجميع
يحملون نفس الإشارات على إصابات معينة تركت فيهم آثاراً قبل ملايين السنين، فلا يوجد
تفسير لوحدة هذه الآثار غير أنها أصابت أصلاً مشتركاً لهذه الأنواع اليوم، وإلا فمن شبه
المستحيل بحساب الاحتمالية أن يصابوا بنفس هذا الكم والنوع من الإصابات ويحصلون على
نفس الآثار وفي نفس الوقت وفي نفس المكان.
مثال للتقريب:
لنفرض أنّ لدينا شخصين هما (س) و(ص)، ولدينا سجلات فيها تاريخ سلف كل واحد
منهما وقمنا بمراجعة هذا التاريخ فوجدنا التالي:
إنّ أحد أجداد (س) ولنفرض أنه المئة قد جرح بجرح طوله سنتمتر واحد، في موضع كذا، في ذراعه الأيمن، في تاريخ كذا.
إنّ أحد أجداد (ص) وتسلسله المئة أيضاً قد جرح بجرح طوله سنتمتر واحد أيضاً، في
نفس الموضع في ذراعه الأيمن، وفي نفس التاريخ.
ووجدنا أنّ أحد أجداد (س) ولنفرض أنه السبعون قد ضربت عينه اليسار فصار أعوراً
في تاريخ كذا.
ووجدنا أنّ أحد أجداد (ص) وتسلسله السبعون أيضاً قد ضربت عينه اليسار فصار
أعوراً في نفس التاريخ.
وهكذا تكررت هذه الأحداث المشتركة المتطابقة تماماً بين أجدادهما عشرات المرات.
فالآن، أي شخص يطلع على هذا التاريخ سيحكم أن هؤلاء الأجداد عبارة عن نفس
الأشخاص، وأنهم سلف مشترك يربط بين هذين الشخصين (س) و(ص).
والحقيقة إنّ أدلة علم الجينات على التطور كثيرة، ولست هنا بصدد استقصائها جميعاً،
ولهذا سأختم بترك أحد علماء الجينات يتكلم عن بعض الأدلة التي وجدها بنفسه أثناء دراسته
للخريطة الجينية للإنسان وبعض الثديات والكائنات الأخرى وهو الدكتور فرانسيس كولنز(١):
“WhenI contracted malaria in West Africa in ١٩٨٩, that was despite having
taken the recommended prophylaxis (chloroquine). Randomly occurring natural
variations in the genome of the malarial parasite, subjected to selection over many
years of heavy use of chloroquine in that part of the world, had ultimately resulted
in a pathogen that was resistant to the drug, and therefore spread rapidly. Similarly,
rapid evolutionary changes in the HIV virus that causes AIDS have provided a major
challenge for vaccine development, and are the major cause of ultimate relapse in
those treated with drugs against AIDS. Even more in the public eye, the fears of a pandemic influenza outbreak from the H٥N١ strain of avian flu are based upon the
high likelihood that the current strain, devastating as it already is to chickens and a
few humans who have had close contact with them, will evolve into a form that
spreads easily from person to person. Truly it can be said that not only biology but
medicine would be impossible to understand without the theory of evolution.”
«عندما اُصبت بالملاريا في غرب افريقيا في ١٩٨٩، حصل ذلك مع اني اخذت الوقاية
اللازمة (الكلوروكين). ان التغيرات الطبيعية والعشوائية التي حدثت في جينوم طفيلي
الملاريا نتيجة للانتقاء عبر سنين طويلة من استخدام الكلوروكين في ذلك الجزء من
العالم اسفرت عن مسبب مرض مقاوم للعقار، وبالتالي انتشر بسرعة. وبنفس الطريقة
هناك تغييرات تطورية سريعة في فايروس الVIH المسبب لمرض الايدز وضعت عوائق
كبيرة أمام تطوير اللقاح، وهي السبب الرئيسي لعدم نجاح العقارات المضادة للايدز. وأكثر
من هذا على الساحة العامة هو أن المخاوف من انتشار مرض انفلونزا وبائي بسبب سلالة
فيروس H٥N١ (المسبب لانفلونزا الطيور) مستندة على الاحتمال العالي أن السلالة
الحالية (المدمرة للدجاج وللأشخاص المسؤولين عن تربيتها) ستتطور الى شكل ينتشر
بسهولة من شخص لاخر. بالفعل يمكن القول بأنه ليس فقط علم الأحياء وإنما علم الطب
أيضا يستعصى فهمه من دون نظرية التطور...........................».
“The study of genomes leads inexorably to the conclusion that we humans
share a common ancestor with other living things.”
«دراسة الجينوم يؤدي لا محالة الى الاستنتاج باننا (البشر) و الاحياء الاخرى ننحدر
من نفس السلف....................».
“This evidence alone does not, of course, prove a common ancestor; from a
creationist perspective, such similarities could simply demonstrate that God used
successful design principles over and over again. As we shall see, however, and as
was foreshadowed above by the discussion of "silent" mutations in protein-coding
regions, the detailed study of genomes has rendered that interpretation virtually
untenable-not only about all other living things, but also about ourselves.”
«من وجهة نظر المتدينين، فان هذه الادلة لوحدها لا تكفي طبعا لاثبات الاصل
المشترك بين المخلوقات وهذا التشابه (الجيني) يمكن ان يعزى الى استخدام الخالق لتصميم ناجح لعدة مرات. لكن سنرى, وكما تم التمهيد له في اعلاه في مناقشة "الطفرات
الصامتة " mutations" "silent في الاجزاء المرمزة للبروتين فان دراسة الجينوم التفصلية
جعلت هذا التفسير (الذي يتبناه الدينيين) لا يمكن الدفاع عنه ليس فيما يخص الاحياء
الاخرى بل حتى بالنسبة للإنسان».
“As a first example, let us look at a comparison of the human and mouse
genomes, both of which have been determined at high accuracy. The overall size of
the two genomes is roughly the same, and the inventory of protein-coding genes is
remarkably similar. But other unmistakable signs of a common ancestor quickly
appear when one looks at the details.”
«كمثال على ذلك، لنطلع اولا على مقارنة جينوم الانسان مع جينوم الفارة، وقد تم
تحديد كل منهما بدقة عالية. الاثنين متقاربين في حجم الجينوم عموما كما ان المخزون
من الجينات المرمزة للبروتين مثماثل في الاثنين. كما ان النظر في تفاصيل الجينوم يدلل
بصورة لا تقبل الشك على الاصل المشترك بين الاثنين..............................».
“Unless one is willing to take the position that God has placed these decapitated
AREs in these precise positions to confuse and mislead us, the conclusion of a
common ancestor for humans and mice is virtually inescapable. This kind of recent
genome data thus presents an overwhelming challenge to those who hold to the idea
that all species were created ex nihilo”
«من لا يقبل بالقول ان الله وضع هذه العناصر المتكررة القديمة في تلك المواضع
لارباكنا واضلالنا فانه لا مناص له من الخلاص الى وجود اصل مشترك للانسان والفئران.
كما ان نوعية المعلومات التي تم استحصالها مؤخرا عن الجينوم تشكل تحدي كبير امام
من يقول ان المخلوقات خلقت مباشرة من العدم........................».
“When one compares chimp and human, occasional genes appear that are
clearly functional in one species but not in the other, because they have acquired one
or more deleterious mutations.”
«عندما يقارن المرء الشمبانزي والإنسان، تظهر أحياناً جينات تعمل بوضوح في
احدهم ولكن ليس في الاخر، وذلك لان هذه الجينات تعرضت لضرر من خلال احد الطفرات الوراثية على الأقل».
“The human gene known as caspase-١٢, for instance, has sustained several
knockout blows, though it is found in the identical relative location in the chimp.
The chimp caspase-١٢ gene works just fine, as does the similar gene in nearly all
mammals, including mice. If humans arose as a consequence of a supernatural act
of special creation, why would God have gone to the trouble of inserting such a
nonfunctional gene in this precise location?”
«الجينات البشرية المعروفة باسم كاسباس ١٢، على سبيل المثال، قد تكبد عدة
ضربات قاضية ولكنها وجدت في مكان مطابق نسبيا في الشمبانزي. جين الشميانزي
كاسباس ١٢ يعمل بصورة جيدة كما هو حال نظيرة في جميع الثدييات تقريبا بضمنها
الفارة. لو كان الانسان نشأ كنتيجة فعل خارق لخلق خاص فلماذا يضع الله هذه الجينات
الغير فعالة في هذه المواقع الدقيقة؟»(١).
وبعد أن يسرد عالم الجينات فرانسيس كولينز الأدلة التي وفرها علم الجينات لإثبات
نظرية التطور يعلق قائلاً:
“At this point, godless materialists might be cheering. If humans evolved
strictly by mutation and natural selection, who needs God to explain us? To this, I
reply: I do.”
«الملاحدة هنا قد يكونون في نشوة. فاذا كان الانسان تطور من خلال الطفرات
الوراثية والانتقاء الطبيعي فمن يحتاج الله ليعلل وجودنا كبشر؟ وانا اجيب على هذا....انا
احتاج الله ليعلل ذلك».
“The comparison of chimp and human sequences, interesting as it is, does not
tell us what it means to be human. In my view, DNA sequence alone, even if
accompanied by a vast trove of data on biological function, will never explain certain
special human attributes, such as the knowledge of the Moral Law and the universal search for God. Freeing God from the burden of special acts of creation does not
remove Him as the source of the things that make humanity special, and of the
universe itself. It merely shows us something of how He operates.”
«مقارنة الترتيب الجيني عند الانسان والشمبانزي لا تخبرنا ماذا يعني ان تكون
انسانا؟ بالنسبة لي فان ترتيب الحامض النووي بحد ذاته (حتى لو يرافقه كم هائل من
المعلومات عن الوظائف البايلوجية) سوف لن يبين سمات الانسان الخاصة مثل معرفته
بالقانون الاخلاقي وسعيهم جميعا للبحث عن الله. اعفاء الله من ممارسة الخلق لا يلغي
كونه مصدر الاشياء والتي تجعل من الانسان مميز. هذا ببساطة يبين لنا شي من تدبيره»
.)١(
الأدلة على صحة نظرية التطور كثيرة جداً، والإشكالات التامة على القول بالخلق دفعة
واحدة كثيرة، كما تقدم إشكال عصب الحنجرة ومثله غيره من إشكالات التشريح المقارن،
وإشكالات الجيولوجيا التاريخية التي أثبتت بشكل قطعي أنّ الحيوانات والنباتات وجدت في
صورة مترقية في فترات زمنية متتالية، فوجدت البكتريا وبعد زمن طويل وجدت خلية حقيقية
النواة، ومن ثم وجدت كائنات متعددة الخلايا، وهكذا تطورت الحياة شيئاً فشيئاً، فإذا كان
الخلق دفعة واحدة، وكان الله هدفه الإنسان والبيئة والكائنات التي تحيط به، والإنسان لم
يوجد إلا في فترة قريبة جداً بالنسبة للتاريخ الجيولوجي للأرض، فما هو الداعي أن يخلق
الدفعات الأولى ويجعلها مرتبة، بحيث إنّ كل دفعة خلق أحدث تكون مشابهة وأكثر رقياً وتطوراً
من الدفعة الأقدم، هل مثلاً أن الله خلقهم بهذا التدريج الزمني والارتقائي لأنه أراد أن يخدع
الإنسان ويجعله يعتقد بالتطور عندما يرى أن الخلق مرتب بصورة مترقية بالتدريج في
الطبقات الجيولوجية؟ أكيد لا، فالله يريد أن يعرف الإنسان الحقيقة كما هي، ويريد أن يؤمن الإنسان بالله وبالخلق كما أوجده الله.
الجواب الوحيد المقنع والمنطقي والمقبول لما نراه في الجيولوجيا التاريخية هو: أنّ الحياة
بدأت بسيطة ثم تطورت وارتقت بالتدريج.
وإذا كان لدى القائلين بالخلق دفعة واحدة جواباً منطقياً ومقنعاً وله قيمة علمية وتؤيده
الأبحاث الجينية والتشريح المقارن وسلسلة الأحياء الموجودة و.. و.. و.. و.. و.. و.. الخ
فليقدموه، أما أن يرفضوا نظرية التطور هكذا؛ لأنها لا تعجبهم، أو لأن بعض الملحدين
يستغلونها لإنكار وجود الله سبحانه ويعجز هؤلاء عن ردهم فيلجأون إلى العناد ورفض نظرية
التطور رغم الأدلة القائمة على صحتها، ورغم الإشكالات العلمية التامة على القول بالخلق
دفعة، ورغم أنه حتى النص الديني يدل على التطور، فهذا يكون تعسفاً وعناداً مقيتاً.
ماذا بقي للمجادلين الذين يرفضون بجهل أو عناد نظرية التطور؟! بقي: أن أي شخص
يمكنه نقض نظرية بحيث إنها إما تسقط من الاعتبار العلمي أو تعدّل بمجرد أن يعثر على
مشاهدة تتعارض مع تنبؤات تلك النظرية، ونظرية التطور واقفة تتحدى كل الرافضين لها أن
يقدموا مشاهدة واحدة فقط، واحدة لا غير، تتعارض مع تنبؤات نظرية التطور. والحقيقة
إنّ هذه المشاهدة مفقودة ولم تثمر آلاف الأبحاث والتجارب في علم الأحياء والتشريح المقارن
والجينات منذ ظهرت نظرية التطور إلى اليوم في العثور على مشاهدة واحدة في عالم الأحياء
الأرضية تتعارض مع تنبؤات نظرية التطور، وهذا يعني أنّ نظرية التطور صحيحة لا غبار
عليها، فأكثر من مئة سنة مليئة بآلاف التجارب والأبحاث والمشاهدات العينية المطابقة دون
استثناء واحد لنظرية معينة كفيلة بإثبات صحة تلك النظرية.
مفاد هذا الإشكال أنّ التراكيب الحية المعقدة لو حسبنا أو أحصينا إمكانية أو احتمال تركبها رياضياً فإننا سنخرج بأرقام فلكية، بحيث إنّ هذه الأرقام تخبرنا بوضوح استحالة أن
تكون هذه التراكيب الحية المعقدة قد جاءت من الصدفة.
وكمثال لتقريب الصورة: نأخذ جزيء الهيموجلوبين، فهو يتكون من أربع سلاسل
مضفورة معاً، وكل سلسلة تتكون من 𝟏𝟒𝟔 حامضاً أمينياً، وهناك عشرون نوعاً من الأحماض
الأمينية، وبالتالي فلتركيب سلسلة واحدة فقط بالصورة المطلوبة دون أن تكون عارفاً
بالخريطة الصحيحة لديك عدد محاولات أو احتمالات يساوي 𝟐𝟎 مضروب في نفسه 𝟏𝟒𝟔
𝟏𝟗𝟎 𝟏)𝟖.𝟗𝟐𝐞+𝟏𝟖𝟗
مرة، وهذا عدد هائل (أي تقريباً وبعده صفراً، والنتيجة تكون
استحالة أن يكون قد حدث هذا الأمر بهذه الصورة نتيجة التطور؛ لأنه يحتاج لفترة زمنية
أطول حتى من عمر الكون ككل 𝟏𝟑.𝟕 مليار سنة تقريباً، وليس فقط عمر الأرض 𝟒.𝟔 مليار
سنة تقريباً، فلو فرضنا أن الفترة المتاحة للتطور مليار سنة فستكون لدينا عدد محاولات في
)𝟑.𝟏𝟕𝟗𝐞+𝟏𝟕𝟐 𝟏𝟖𝟏 𝟏
كل سنة قدره وبعده صفراً تقريباً، وهذا يعني (محاولة في الثانية أي
(𝟏 وبعده 𝟏𝟕𝟐 صفراً) محاولة في الثانية الواحدة تقريباً وطوال مليار سنة، وهذا كله للحصول
على عدد المحاولات التي تتضمن الحل الصحيح لسلسلة واحدة في الهيموجلوبين، وهذا أمر
أكيد أنه خارج عن حدود الإمكان ومستحيل التحقق ضمن حدود الحياة التي نحياها.
ولكن ما تقدم يتكلم عن التطور بخطوة واحدة، وهذا غير موجود في الطبيعة، فالموجود
هو التطور بخطوات متراكمة وكل خطوة تستفيد من سابقتها ولا تبدأ من الصفر كل مرة،
وهذا يعني أن الأرقام المتقدمة ستتحول إلى أرقام معقولة وممكنة التحقق.
«يتكون جزيء الهيموجلوبين من أربع سلاسل من الأحماض الامينية مظفورة معا
ولننظر في سلسلة واحدة فحسب من الاربع إنها تتكون من ١٤٦ حامضا أمينيا وهناك
عشرون نوع مختلف من الاحماض الامينية ويشيع وجودها في الاشياء الحية وعدد الطرق
الممكنة لتنظيم ٢٠ نوعا لشيء في سلاسل يبلغ طولها ١٤٦ حلقة هو عدد هائل لا يمكن
إدراكه يسميه أسيموف (عدد الهيموجلوبين) ومن السهل حساب الاجابة، ولكن يستحيل
تصورها إن الحلقة الاولى من السلسلة التي يبلغ طولها ١٤٦ حلقة قد تكون أي حمض
من الاحماض الامينية العشرين المحتملة، والحلقة الثانية قد تكون أيضا أي حمض من
العشرين، وهكذا فإن العدد المحتمل للسلاسل التي من حلقتين هو ٢٠ ∗ ٢٠، أو
٤٠٠ والعدد المحتمل لسلاسل من ثلاث حلقات هو ٢٠∗٢٠∗٢٠ أو ٨٠٠٠ والعدد
المحتمل للسلاسل التي من ١٤٦ حلقة هو العشرين مضروبة في ذاتها الى ما يبلغ ١٤٦ مرة وهذا عدد كبير لحد الاذهال إن المليون هو واحد يتبعه ستة أصفار والبليون هو واحد
يتبعه تسعة اصفار والرقم الذي نطلبه (عدد الهيموجلوبين) هو (على وجه التقريب) واحد
يتبعه ١٩٠ صفرا وهذه هي نسبة الفرص ضد أن يتفق الوقوع على الهيموجلوبين بالحظ
وجزيء الهيموجلوبين ليس فيه إلا جزء صغير جدا من تركب الجسم الحي. ومن الواضح
ان الغربلة البسيطة بذاتها لا تقترب أدنى اقتراب من ان تكون قادرة على توليد مقدار
النظام الموجود في شيء حي. فالغربلة عنصر ضروري في توليد النظام الحي، ولكنها أبعد
كثيرا من ان تكون كل القصة. ثمة شيء اخر مطلوب. ولتفسير هذه النقطة، سوف أحتاج
لوضع فارق يميز بين الانتخاب (بخطوة واحدة)، والانتخاب (التراكمي) فالغرابيل
البسيطة التي نظرنا امرها حتى الان في هذا الفصل هي كلها امثلة للانتخاب (بخطوة
واحدة) اما التنظيم الحي فهو نتاج الانتخاب التراكمي» (١).
ويضع دوكنز مثالاً لبيان عدم تمامية الإشكال المتقدم:
«هاملت: أترى تلك السحابة هنالك تكاد تتخذ شكل الجمل؟
بولونيوس: إجمالا، إنها لتشبه الجمل حقا.
هاملت: أظنها تشبه ابن عرس.
بولونيوس: اوافقك أنها تشبه ابن عرس.
هاملت أو أنها تشبه الحوت؟
بولونيوس: تشبه الحوت تماما.
لست اعرف من هو أول من أشار إلى أن القرد، لو اتيح له الزمن الكافي، وهو يضرب
عشوائيا فوق الة كاتبة فإنه سيتمكن من انتاج كل أعمال شكسبير. والعبارة الفعالة هنا
بالطبع لو أتيح له الزمن الكافي. دعنا نحدد نوع المهمة التي يواجهها قردنا هذا لنفرض أن
عليه، لا ان ينتج اعمال شكسبير كلها، وإنما أن ينتج فحسب جملة قصيرة "أظنها تشبه
ابن عرس"، weasel” a like is it “thinks “ eM، وسنجعل الأمر اسهل نسبيا بأن نعطيه الة كاتبة لها لوحة مفاتيح محدودة، الة فيها فحسب ٢٦ حرف كبيرا ومفتاح
للمسافات، ما الزمن الذي سيستغرقه لكتابة هذه الجملة الواحدة الصغيرة؟
إن الجملة فيها ٢٨ حرفا وإذن فلنفترض ان القرد سيقوم بسلسلة من المحاولات
المنفصلة، تتكون كل منها من ٢٨ دقة على لوحة المفاتيح. ولو طبع الفقرة صحيحة يكون
هذا نهاية التجربة. وإذا لم يفعل، فإننا نسمح له بمحاولة اخرى من ثمانية وعشرين حرفا.
ولست على معرفة بأي قرد، ولكن لحسن الحظ فإن ابنتي التي تبلغ من العمر أحد عشر
شهرا هي اداة تمرس للعشوائية، وقد أثبتت طموحها الشديد لأن تسلك دور القرد الطابع.
وهاك ما طبعته على الكمبيوتر:
UMMK JK CDZZ F ZD DSDSKSM
S SS FMCV PU I DDRGLKDXRRDO
RDTE QDWFDVIOY udskzwdccvyt
H CHVY NMONBAYBAYTDFCCVD D
RCDFYYRM N DFSKD LD K WDWK
JJKAUIZMZI UXDKIDISFU MDKUODXI
ولما كان لابنتي اهتمامات اخرى تشغل وقتها، فقد اضطررت أن ابرمج الكمبيوتر بما
يشبه الطفل او القرد الطابع عشوائيا:
WDLDMNLTDT JBKWIRZR EZL MQCO P
Y YVMQKZPGXWVH GLAW FVCHQ YOPY
MWR SWTNUXMLCDLEUBX TQH NZ VJQF
......... وهكذا وهكذا دواليك وليس من الصعب حساب الزمن الذي ينبغي توقعه
على نحو معقول في انتظار ان يطبع الكمبيوتر العشوائي أو الطفل او القرد
ME THINKS IT IS LIKE A WEASEL
............ وفرصة وصوله بصواب الى العبارة الكاملة المكونة من ٢٨ حرفا هي ٢٧ للأس ٢٨ بمعنى انها ٢٧ مضروبة في نفسها ٢٨ مرة. وهذه نسبة احتمال ضئيلة جدا
تقترب من ١ من ١٠٠٠٠ مليون مليون مليون مليون مليون مليون. ولإيضاح الامر بصورة
أخف فإن العبارة التي نطلبها لن تاتي إلا بعد مرور زمن طويل، دع عنك الحديث عن
مؤلفات شكسبير الكاملة.
ويكفي هذا بالنسبة للانتخاب بخطوة واحدة من التباين العشوائي. فماذا عن
الانتخاب التراكمي بأي قدر ينبغي أن يكون هذا اكثر فعالية؟ إنه لأكثر فعالية إلى حد أكبر
كثيرا جدا جدا، ولعله هكذا باكثر مما ندركه اول وهلة، وإن كان الامر مما يكاد يتضح
عندما نتأمل به أكثر. وسنستخدم مرة أخرى جهازنا الكمبيوتر القرد، ولكن مع فارق حاسم
في برنامجه.إنه مرة أخرى يبدا باختيار تعاقب عشوائي من ٢٨ حرفا، كما في السابق تماما:
WDLMNLT DTJBKWIRZREZLMQCOP
ثم هو الان يستولد من هذه العبارة العشوائية. فهو يكرر إعادة نسخها، ولكن مع
وجود نسبة لفرصة معينة من الخطأ العشوائي في النسخ - طفرة. ويفحص الكمبيوتر
عبارات الهراء الطافرة. ذرية العبارة الاصلية، ويختار إحدهما التي تشبه العبارة المطلوبة
شبها أكثر WEASEL" A LIKE IS IT THINKS "ME مهما كان هذا الشبه بسيطا. وفي
مثلنا فإنه يحدث أن العبارة الفائزة في الجيل التالي هي:
WDLTMNLT DTJBSWIREZLMQCOP
ليس هذا بالتحسن الملحوظ! على ان العملية تتكرر، ومرة أخرى فإن الذرية الطافرة
تتولد من العبارة ويتم اختيار عبارة جديدة فائزة ويستمر هذا جيلا بعد جيل. وبعد عشرة
أجيال كانت العبارة المختارة للتوالد هي:
MDLDMNLS ITJISWHRZREZ MECS P
وبعد ٢٠ جيلا كانت هي:
MELDINLS IT ISWPRKE Z WECSEL
وعندها، فإن العين تخال واثقة أنها تستطيع أن ترى مشابهة بالجملة المطلوبة. وبعد
ثلاثين جيلا لا يمكن أن يكون ثمة شك:
ME THINGS IT ISWLIKE B WECSEL
ويصل بنا الجيل الأربعين إلى الهدف عدا حرف واحد:
ME THINKE IT IS LIKE I WEASEL
وقد تم التوصل نهائيا إلى الهدف في الجيل الثالث والاربعين ثم بدأت تشغيله أخرى
للكمبيوتر بعبارة:
Y YVMQLZP FJX WVHGLAWFVCHQX YOYPY
لتمر عبر التالي "ومرة اخرى بتسجيل العبارة كل عاشر جيل فحسب".
Y YVMQKSPF TX WSHLIKE FA HQYSPY
YE THINK SPI TX ISHLIKE FA WQYSEY
ME THINKS IT ISSLIKE A WEFSEY
ME THINKS IT ISBLIKE A WEASES
ME THINKS IT ISJLIKE A WEASEO
ME THINKS IT IS LIKE A WEASEP
ووصلت الى العبارة المطلوبة في الجيل الرابع والستين. وفي تشغيلة ثالثة بدأ
الكمبيوتر التالي:
G EWRGZRPB CTP GQMCKHFDBGW ZCCF
ووصل إلى
ME THINKS IT IS LIKE A WEASEL
بعد ٤١ جيلا من التوالد الانتخابي.
ولا يهم هنا ما استغرقه الكمبيوتر بالضبط من الزمن ليصل الى الهدف. وإذا كنت
تريد أن تعرف فإنه قد أنهى لي التمرين كله أول مرة بينما كنت في الخارج للغداء. فأستغرق
ما يقرب من نصف الساعة وقد يعتقد بعض المتحمسين للكمبيوتر أن في هذا بطء مفرط
والسبب ان البرنامج بلغة BASIC وهي نوع من حديث للكمبيوتر كحديث الاطفال.
وعندما أعدت كتابة البرنامج بلغة LACSAP، أستغرق إحدى عشرة ثانية فالكمبيوترات أسرع بعض الشيء من القرد بالنسبة لهذا النوع من الامور، على أن الفارق ليس في الواقع
بذي مغزى فما يهم هو الفارق بين الزمن الذي يستغرقه الانتخاب التراكمي والزمن الذي
سيستغرقه نفس الكمبيوتر للوصول إلى العبارة المطلوبة. وهو يعمل بنفس السرعة
المحددة، بينما هو مجبر على استخدام الطريقة الاخرى أي الانتخاب بالخطوة الواحدة
فالزمن هنا يقرب من مليون مليون مليون مليون مليون سنة وهذا اكثر مليون مليون
مليون مرة عن زمن وجود الكون حتى الان. والواقع أنه سيكون أكثر إنصافا أن نقول
فحسب، أنه بالمقارنة بالزمن الذي يستغرقه القرد أو الكمبيوتر المبرمج عشوائيا حتى
يطبع عبارتنا المطلوبة، يكون عمر الكون كله حتى الان كما صغيرا تافها، يبلغ من صغره
أنه في حدود هامش الخطأ لحسابات كتلك التي تكتب على ظهر مظروف. في حين أنه
بالنسبة للكمبيوتر الذي يعمل عشوائيا ولكن بقيد من الانتخاب التراكمي فإن الوقت الذي
يستغرقه لأداء نفس المهمة هو من نفس نوع الوقت الذي يمكن للبشر عادة أن يفهموه ما
بين ١١ ثانية الى الوقت الذي يستغرقه تناول وجبة الغذاء.
هناك إذن فارق كبير بين الانتخاب التراكمي حيث يستخدم كل تحسين مهما كان
صغيرا كأساس للبناء في المستقبل، والانتخاب بخطوة واحدة حيث كل محاولة جديدة
هي محاولة حديثة ولو كان على التقدم بالتطور ان يعتمد على الانتخاب بالخطوة الواحدة
لما وصل إلى شيء أما إذا كان ثمة طريقة حيث يمكن ان تقام الظروف الضرورية للانتخاب
التراكمي بقوى الطبيعة العمياء، فإن النتائج قد تصبح غريبة ومدهشة وواقع الامر ان هذا
هو ما حدث بالضبط فوق هذا الكوكب ونحن انفسنا نعد من أحدث هذه النتائج إن لم
نكن اغربها واكثرها إدهاشا» (١).
وهنا أود أن أشير إلى ملاحظة مهمة وهي: إنّ إشكال الإحتمالات المتقدم لو أنه وجه إلى
نظرية النشوء فسيكون إشكالاً وجيهاً، ولكنه لن يكون إشكالاً على نظرية التطور والارتقاء
ضمن حدود الحياة.
ومفاد هذا الإشكال: إنّ العين جزء معقد ومركب من عدة أجزاء وبصورة دقيقة ومنظمة وتعمل بانتظام كفريق عمل مصمم لأداء وظيفته على أحسن ما يرام، فلا يمكن تصور أن
تحصل قفزة أو طفرة وراثية تؤدي إلى نشوء العين.
وحقيقة هذا الإشكال أنه مبني على أنّ التطور يحصل بخطوة واحدة بالنسبة للعين،
وهذا غير صحيح ولا علاقة له بنظرية التطور، حيث إنّ التطور في الواقع يحصل بصورة
تدريجية، فمثلاً يمكن تصور أنّ العين تطورت خلال مئات ملايين السنين وبآلاف أو حتى ملايين
الخطوات التطويرية التدريجية التراكمية، فيمكن أن نقول: إنّ الأمر بدأ بخلية تحسس الضوء
قبل مئات ملايين السنين واستمرت عملية التطور حتى وصلنا إلى العين الحالية، وأكيد أن
جهازاً يتحسس الضوء يعطي للكائن أفضلية على غيره ليستمر بالتكاثر والبقاء، وأيضاً كلما
زادت قدرة الإبصار أعطت للحيوان أفضلية على غيره على الأقل من جهة التخلص من العدو،
وأيضاً الحصول على الغذاء، وهكذا فكل خطوة تقدم في تحسس الضوء والإبصار تعطيه
أفضلية البقاء والتكاثر على منافسيه ممن لا يملكون هذه الخطوة التطويرية.
فبالنتيجة لا يمكن القول: إنّ جزء عين لا يعمل ولا ينفع من يملكه، فعين بدون عدسة
مثلاً توفر لمن يملكها رؤية ضبابية وتعطيه أفضلية للبقاء والتكاثر على الأعمى، وهكذا يمكن
أن نقول: إنّ تطور جهاز معقد ومركب مثل العين أمر طبيعي جداً. وكذا الأمر بالنسبة لسونار
الخفاش الذي يؤهل بعض أنواع الخفاش لقياس المسافة بينه وهو طائر وبين هدف متحرك
آخذاً بنظر الإعتبار ظاهرة دوبلر.
«ما تكون فائدة نصف جناح؟ كيف اتخذت الأجنحة بدايتها؟ إن حيوانات كثيرة تقفز
من غصن إلى غصن وتسقط أحيانا إلى الارض. وعند الحيوانات الصغيرة بخاصة،
ويتمسك سطح الجسم كله بالهواء ويساعد على القفزة، اوهو يتغلب على السقوط بأن
يعمل كما لو كان رقيقة هوائية فجة وأي اتجاه لزيادة نسبة مساحة السطح إلى الوزن
سيكون فيه ما يساعد، كما في الثنايا الجلدية التي تنمو في زوايا المفاصل. ومن هنا،
تكون سلسلة متواصلة من التدرجات إلى الاجنحة المنزلقة، ثم بعدها إلى الاجنحة
المرفرفة. ومن الواضح أن هناك مسافات لم يكن من الممكن أن تقفزها الحيوانات الأقدم ذات الأجنحة البدائية. ومما يساوي ذلك وضوحا أنه بالنسبة لأي درجة من صغر أو بدائية
أسطح الإمساك بالهواء عند السلف، هناك ولابد مسافة ما مهما كانت قصيرة، ويمكن
قفزها بواسطة الثنايا ولا يمكن قفزها بغير الثنايا.
أو أنه إذا كانت النماذج البدائية للثنايا- الأجنحة تعمل على التغلب على سقوط
الحيوان فإنك لا تستطيع القول بانه عندما تكون الثنايا أقل من حجم معين فإنها تصبح
بلا فائدة على الاطلاق. ومرة أخرى فليس يهم كم كانت الثنايا - الاجنحة الاولى صغيرة
وغير شبيهة بالجناح. فلابد وان هناك ارتفاعا ما: لنسمية "ع" بحيث أن الحيوان يكسر
رقبته لو سقط من هذا الإرتفاع، ولكنه ينجو لو سقط بالضبط من ارتفاع أقل قليلا. وفي
هذه المنطقة الحرجة،فإن أي تحسن في قدرة الجسم على التمسك بالهواء والتغلب على
السقوط، مهما كان تحسنا بسيطا، قد يكون فيه الفارق بين الحياة والموت، فالانتخاب
الطبيعي سيحبذ وقتها الثنايا- الأجنحة البدائية البسيطة وعندما تصبح هذه الثنايا-
الاجنحة الصغيرة هي المعيار، فإن الارتفاع الحرج "ع" سيصبح أكبر قليلا والان فإن زيادة
أكثر قليلا في الثنايا - الاجنحة سيكون فيها فارق بين الحياة والموت وهكذا دواليك،
حتى يصبح لدينا أجنحة صحيحة. وهناك حيوانات تعيش اليوم بشكل جميل كل مرحلة
في المدى المتصل. فهناك ضفادع تنزلق بثنايا جلدية كبيرة بين أصابع أقدامها، وثعابين
شجر ذات أجساد مفلطحة تتمسك بالهواء. وسحالي ذات ثنايا بطول أجسادها، وانواع
عديدة مختلفة من الثديات التي تنزلق بأغشية تمتد بين أطرافها، وتبين لنا نوع الطريق
التي لابد وان الخفافيش اتخذت بدايتها به. وعلى النقيض مما في الادبيات ضد التطويرية،
فإن الحيوانات ذات نصف جناح ليست شائعة فحسب وإنما تشيع ايضا حيوانات ذات
ربع جناح وثلاثة ارباع جناح، وهلم جرا. وفكرة المدى المتصل للطيران تصبح حتى أكثر
إقناعا لو تذكرنا أن الحيوانات الصغيرة جدا تميل الى ان تطفو برقة في الهواء، مهما كان
شكلها. وسبب أن هذا امر مقنع هو ان هناك مدى متصل يتدرج تدريجا رهيفا من الصغير
الى الكبير.
وفكرة التغيرات الضئيلة التي تتراكم عبر خطوات كثيرة هي فكرة لها قوة هائلة،
يمكنها تفسير مدى هائل من الاشياء التي تكون بغير ذلك مما لا يفسر.
كيف كانت بداية سم الثعبان؟ إن كثيرا من الحيوانات تعض، وأي بصقة لحيوان
تحتوي بروتينات، عندما تدخل في جرح، قد تسبب تفاعلا تحسسيا reaction allergic
وحتى ما يسمى بالثعابين غير السامة قد تعض عضة تسبب تفاعلا مؤلما عند بعض الناس.
وثمة سلسلة متصلة متدرجة من البصقة العادية حتى السم القاتل.
كيف كانت بداية الاذن؟ إن أي قطعة جلد تستطيع اكتشاف الذبذبات لو لامست
الاشياء المتذبذبة. فهذا نتاج طبيعي لحاسة اللمس. والانتخاب الطبيعي يستطيع بسهولة
تقوية هذه الملكة بدرجات متدرجة حتى تصبح حساسة بما يكفي لالتقاط ذبذبات
التلامس الضئيلة جدا.وعند هذه النقطة فإنها تصبح أتوماتيكيا حساسة بما يكفي لالتقاط
الذبذبات المنقولة في الهواء والعالية بما يكفي أو ذات المصدر القريب بما يكفي. سيحبذ
الانتخاب الطبيعي وقتها تطور اعضاء خاصة - الاذان لالتقاط الذبذبات المنقولة بالهواء
والصادرة عن مسافات تتزايد باطراد، ومن السهل أن نرى أنه سيكون هناك مسار مستمر
من التحسن خطوة بخطوة على طول الطريق.
كيف كانت بداية تحديد الموضع بالصدى؟ إن أي حيوان يستطيع السمع باي حال
يمكنه أن يسمع الاصداء والعميان من البشر كثيرا ما يتعلمون الاستفادة من هذه الاصداء
والصورة البدائية لهذه المهارة في الثديات السلف هي مما يمد بمادة خام فيها ما يكفي لأن
يبني عليها الانتخاب الطبيعي بحيث يؤدي بدرجات متدرجة الى ما عند الخفافيش من
إتقان كبير.
إن الإبصار بخمسة في المائة لأفضل من عدم الابصار على الاطلاق. والسمع بخمسة
في المائة أفضل من عدم السمع على الإطلاق. وكفائة طيران بخمسة في المائة افضل من
عدم الطيران على الاطلاق. ومما يمكن الإيمان به تماما ان كل عضو او جهاز نراه بالفعل
هو نتاج مسار ناعم لمنحنى قذيفة في فضاء الحيوان، مسار قذيفة حيث كل طور توسطي
قد ساعد على البقاء والتكاثر»(١).