الفصول
تجلي الالوهية في الخلق للخلق
كتاب التوحيد · السيد أحمد الحسن
-تجلي الالوهية في الخلق للخلق
الألوهية كالربوبية ([٢٥٣])، فإذا كان معنى الرب هو المربي فالإله هو الذي يؤله إليه في سد النقص وتحصيل الكمال، وكما أن الرب يمكن أن يصدق على الأب بالنسبة لأبنائه فيقال رب الأسرة إذا كان المنظور من علاقته مع أبنائه هو وما يفيضه عليهم، كذا يمكن أن تصدق صفة الإله على الأب إذا كان المنظور من علاقة أبنائه به هم وما يطلبونه منه ، فصورة اللاهوت يمكن أن تصدق على خاصة من أنبياء الله ورسله الذين كانوا بحق صورة الله سبحانه وتعالى في الخلق. قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾([٢٥٤])، السجود في الأصل إنما هو لحقيقته وكنهه سبحانه وهو الرد الواجب على تجلي الحقيقة وظهورها للعابد، فالسجود نتيجة حتمية للمعرفة كما فعل رسول الله / في المعراج، قال الصادق (: (... فلما رفع رأسه تجلت له العظمة فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أمر به ...) ([٢٥٥]). وسجود مخلوق لمخلوق يعني تجلي حقيقته سبحانه وتعالى في المسجود له، والحقيقة إنما تتجلى باللاهوت كما بينت سابقاً. إذن، فالمسجود له إنما سُجِدَ له لتجلي اللاهوت فيه، إذن فالآية تدل على أن اللاهوت قد تجلى في آدم ( ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، والآية أيضاً واضحة في أن اللاهوت تجلى في آدم ( عند نفخ روح الله فيه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، إذن فروح الله هو صورة اللاهوت (الله خلق آدم على صورته)، فكان من الطبيعي أن يُسجد لآدم عندما نفخ روح الله فيه، فهو في الحقيقة سجود لصورة اللاهوت التي تجلت في آدم وبالتالي فهو سجود للاهوت الحقيقي الذي مثلته هذه الصورة وخليفته في خلقه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. والتجلي الأول للاهوت المطلق في الخلق وصورة الله الأوضح وخليفة الله الحقيقي والمخلوق الأول والعقل الأول والكلمة الأولى هو محمد /. فيكون معنى الآية: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، أي إذا نفخت في آدم من نور محمد ([٢٥٦]) / فاسجدوا لآدم وأطيعوه، فسمى سبحانه وتعالى محمداً / ﴿رُوحِي﴾ أي تجلي ألوهيتي وحيـاتي ([٢٥٧]). فمحمد / صورة الله في الخلق والمطلوب من الخلق النظر فيها ليعرفوا الله، فإذا كانت علة الخلق هي المعرفة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([٢٥٨])، أي ليعرفون فيجب أن نعلم أن سبيل المعرفة الحقيقي هو محمد / وبقية الأنبياء والأوصياء /، كل منهم تجل وظهور لهذا السبيل، وكل بحسبه ليُعَرِّفوا الخلق بالله ([٢٥٩]) سبحانه، فالسجود في الحقيقة لم يكن لآدم ( بل لمحمد /، ولهذا أُشتُرِط بتجلي حقيقة محمد / في آدم ( ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، بل إنه سجود للاهوت الحقيقي الله سبحانه وتعالى بعد أن عرفنا أنه سجود لصورة أظهرت اللاهوت في الخلق ([٢٦٠]). فمحمد / وعلي ( والأئمة / وعيسى ( فقراء إليه سبحانه وتعالى، ويحملون صفة اللاهوت أي أنهم يؤله إليهم في قضاء الحوائج وسد النقص وتحصيل الكمال، وهم يقضون الحوائج ويسدون النقص ويكملون الخلق ولكن بحول وقوة وبإذن الله فلا حول ولا قوة لهم إلا بالله، كما لا يقدرون على تحريك ساكن إلا بإذن الله، فاتصافهم بصفة اللاهوت كما تبين ليست من نوع ألوهيته المطلقة سبحانه بلى هم صورته سبحانه وأسماؤه الحسنى ووجهه الذي واجه به خلقه، فبصفة اللاهوت التي اتصفوا بها تعرف ألوهيته الحقيقية سبحانه، فهم ليسوا آلهة تعبد من دونه ولا آلهة تعبد معه سبحانه كما تبين بل هم عباد مخلوقون يسدون النقص ويهبون الكمال بالله وبإذن الله سبحانه، وهذا معنى اتصافهم بصفة الألوهية، فهم ليسوا آلهة من دونه وليسوا شيئاً من دون الله، فهم خلق من خلقه قائمون به سبحانه وليسوا آلهة معه، أي أنهم ليسوا في مرتبة الألوهية الحقيقية بل هم في مرتبة الخلق، فهم تجلي الألوهية الحقيقية في الخلق، وهذا هو معنى أنهم الله في الخلق ومعنى أنهم صورة الله ومعنى أنهم وجه الله وأسماؤه الحسنى وأيضاً معنى أن الله معنا، وهذا يبين أيضاً أن من عرفهم عرف الله ومن جهلهم جهل الله؛ لأن الله سبحانه واجه سواهم من الخلق بهم /؛ ولأنهم الصورة التي تحاكي اللاهوت الحقيقي. ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾([٢٦١])، أي من محاكاة اللاهوت وبالتالي تعريف الخلق به سبحانه. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾([٢٦٢])، أي يكاد أن يكون نوراً لا ظلمة فيه ويكاد أن ينير من نفسه ولكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن نوره من الله وليس من نفسه /، ولذا اشتبه إبراهيم الخليل ( ([٢٦٣])، وكذا الملائكة في المعراج ([٢٦٤]) بمحمد /، فمحمد وآل محمد / بهذه المرتبة، وغاية الخلق الوصول إلى هذه المرتبة، وهم / نهاية الكمال الممكن للإنسان ولذا ختم الدين بمحمد وآل محمد وتختم الدنيا بمحمد وآل محمد. * * *الهوامش
- ↩[٢٥٣] - كلاهما تحكيان العلاقة بين الغني والفقير بين الكامل والناقص من حيث سد فقر الفقير وتكميل الناقص، ولكن الفرق أن الربوبية ناظرة من الأعلى إلى الأدنى أي من الغني الكامل إلى الفقير الناقص من المُربي (الرب) إلى المُربى (المربوب)، أما الألوهية فبالعكس أي من الأدنى إلى الأعلى، من الفقير الناقص إلى الغني الكامل من الذي يتأله إلى الإله الذي يؤله إليه، فالربوبية تشير إلى غنى وكمال الغني الكامل ، بينما الألوهية تشير إلى فقر ونقص الفقير الناقص ولذا واجه سبحانه وتعالى وتجلت حقيقته سبحانه بالألوهية للعباد ليُعرف، فيَعرِف الخلق غناه وكماله وهم يتألهون إليه ليسد فقرهم ويكمل نقصهم.
- ↩[٢٥٤] - ص : ٧٢.
- ↩[٢٥٥] - الكافي : ج ٣ ص٤٨٢ ، أنظر الرواية في الملحق رقم (٥).
- ↩[٢٥٦] - ولعله لا يفوت المتدبر أن هناك كثيراً من الأنبياء والأوصياء / هم أفضل من آدم ( وأعلى رتبة، فصورة الله التي خلق عليها آدم هي ليست الصورة الأولى (محمد /) وروح الله التي نفخ منها في آدم هي ليست الروح الأولى (محمد /)، إنما هي تجل من تجيلياتها في الخلق، حيث إن بين آدم وبينها كل الخلق الذين هم أعلى رتبة من آدم ( ولكن يمكن أن نقول إنها هي لأنها تمثلها وتظهرها ولأنها تجل من تجلياتها.
- ↩[٢٥٧] - محمد / هو خليفة الله الحقيقي المراد الوصول إليه من هذا الخلق وبه يعرف الله، لهذا نفخ في آدم من الحقيقة المراد الوصول إليها. ولهذا فمن يستحق أن يسمى حقاً بروح الله وبصورة الله وبخليفة الله وبالعقل هو محمد /، أما آدم عندما يسمى صورة الله أو خلق على صورة الله فلأنه خلق على صورة الله محمد /؛ ولأن آدم مثل تجلياً لمحمد / وعيسى ( عندما يسمى روح الله ؛ فلأنه تجل لروح الله الحقيقي محمد / (وتجد تفصيل ذلك في كتاب النبوة الخاتمة).
- ↩[٢٥٨] - الذاريات : ٥٦.
- ↩[٢٥٩] - الله سبحانه وتعالى فطر كل إنسان ليصل إلى هذه المرتبة (الله في الخلق) حيث إن نفس كل إنسان مخلوقة ومفطورة على إظهار صورة اللاهوت، وهذا هو معنى (الله خلق آدم على صورته) فكل إنسان مؤهل لهذا والباب مفتوح فيما مضى والآن وفيما يأتي.
- ↩[٢٦٠] - الإعراض عن السجود لآدم ( هو إعراض عن السجود لله سبحانه وتعالى، وإعراض عن المعرفة وركون إلى الجهل، وهو سفه ومنافٍ للحكمة بعد أن أصبح آدم ( يحمل آلة التعريف بالله سبحانه وتعالى.
- ↩[٢٦١] - النجم : ٩.
- ↩[٢٦٢] - النور : ٣٥.
- ↩[٢٦٣] - (لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) الأنعام : ٧٦ – ٧٨.
- ↩[٢٦٤] - قال أبو عبد الله ( : (إن الله العزيز الجبار عرج بنبيه / إلى سمائه سبعاً، أما أولهن فبارك عليه، والثانية علمه فيها فرضه ……. ثم عرج إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء، ثم خرت سجداً فقالت: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل (: الله أكبر الله أكبر, فسكتت الملائكة وفتحت أبواب السماء واجتمعت الملائكة، ثم جاءت فسلمت على النبي /) الكافي: ج ٣ ص٤٨٢، انظر الرواية كاملة في ملحق رقم (٥).