الفصول
محمد ص الداعي إلى الله في مكة
العجل - الجزء الأول · أحمد الحسن
-محمد ص الداعي إلى الله في مكة
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾([١٢٣]).
كان المجتمع المكي ينقسم إلى فئتين أو ثلاث:
الأولى: هم الذين يقودون عملية الانحراف بالشريعة الحنيفية وأتباعهم. وهؤلاء قد تلبسوا بالعبادات الباطلة، سواء في عقائدهم كعبادة الأصنام أو أحكامهم الشرعية، كتحريم البحـيرة والحام([١٢٤])، وهؤلاء هم سادة القوم وعلماؤهم، فمن الطبيعي أن يكون أتباعهم معظم أهل مكة.
أمّا الفئة الثانية: فهم الذين وجدوا آباءهم ضالين، أو الذين ضلوا في ذلك المجتمع المنحرف عن الصراط المستقيم، ولكنهم كانوا غير راضين عن حالهم المزري، بل إن بعضهم كان في حالة ثورة داخل نفسه على تلك الأوضاع الفاسدة.
أمّا الفئة الثالثة: فهم شرذمة قليلون مرابطون على الحق، أي الديانة الحنيفية الصحيحة، أو ما وصل لهم منها، وعلى أقل تقدير منهم موحدون. فلما بعث النبي كان بشرى بالنسبة لهؤلاء المؤمنين الذين كانوا يترقبون بعثه ويتضرعون إلى الله ليريهم مناسكهم، كما كان النبي ملجأً حصيناً وكهفاً أميناً لكل ضال يتخبط في ظلمات الجاهلية، ويبحث عن نور الحق وميزان العدل والصراط المستقيم.
وهكذا بعث النبي في مكة أم القرى المدينة التي يحج إليها الناس، والمدينة التي تمثل المرجعية الدينية للأحناف، ليبدأ بالإصلاح من المركز الديني في الجزيرة العربية، المركز الذي طاله كثير من الفساد في العقائد والأحكام، وبعث النبي بالشريعة الإسلامية المجددة للحنيفية والناسخة لبعض أحكامها. فشريعة إبراهيم ( هي الأقرب للنفوس والأوفر حظاً أن ينظم تحت لوائها اليهود والنصارى الذين يقدسون إبراهيم ( ويعتبرونه أباً للأنبياء العظام ، وبدأ النبي محمد الشجاع الذي لا يخشى في الله لومة لائم بإنذار المنحرفين من عشيرته بأمر الله سبحانه، وكانت حادثة الدار المعروفة ([١٢٥])، وبلّغ النبي أقرباءه ببعثه ونبوته، كما عيّن في ذلك اليوم بأمر الله سبحانه وتعالى وصيه ووزيره وخليفته في حياته وبعد موته علي بن أبي طالب (، وبدأت الدعوة إلى الله تنتشر في مكة وبدا لسادة مكة أن مصالحهم مهددة، فأخذوا يخططون بشتى الطرق لإيذاء النبي وقتله لو أمكن وضرب الإسلام، والنبي ووصيه والمؤمنون يدعون إلى الله دون توقف، وهكذا أخذ عدد المسلمين بالازدياد. كما أنّ أذى المشركين اشتد وبدؤوا يعذبونهم ويمنعون النبي من تبليغ رسالة السماء.
وهكذا دُفِعَ النبي إلى المرحلة الثانية (الهجرة إلى الله). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾([١٢٦]).
وبدأ النبي يبحث عن قاعدة إسلامية ومدينه يهاجر إليها، وأخذ يلقى الناس في مواسم الحج، ويقول لهم: (هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريش قد منعوني أن ابلغ كلام ربي)([١٢٧])، وقريش لم يتركوه حتى في موسم الحج، بل كانوا يحملون الناس على تكذيبه والاستهزاء به، وهو يقابلهم بالتسامح والصبر.
روي أنّه كان يقول ما معناه: (ربي اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) ([١٢٨]).
وفي ظل تلك الظروف المؤلمة جاء لرسول الله وفد من نصارى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ( عند عودته إلى مكة بعد هجرته، وجماعة من أصحاب رسول الله إلى الحبشة، وكان النصارى بضعاً وثلاثين رجلاً: (فلما جلسوا إلى رسول الله واطّلعوا على صفاته وأحواله وسمعوا ما تلي عليهم من القرآن آمنوا كلهم، فلما علم بذلك أبو جهل اقبل إليهم قائلاً: ما رأينا ركباً أحمق منكم! .. أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً، فنزل في حقهم قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾([١٢٩])…) ([١٣٠]).
* * *
الهوامش
- ↩[١٢٣] - التوبة : ١٢٨ ـ ١٢٩.
- ↩[١٢٤] - روى العياشي: عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ( في قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾، قال: (وان أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشراً جعلوها سائبة فلا يستحلون ظهرها ولا أكلها، والحام: فحل الإبل لم يكونوا يستحلون، فأنزل الله إن الله لم يحرم شيئاً من هذا) تفسير العياشي: ج ١ ص٣٤٧.
- ↩[١٢٥] - روى أحمد في المسند وغيره: عن شريك بن الاعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبدالله الأسدي، عن علي رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: (جمع النبي من أهل بيته فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: فقال لهم: من يضمن عنى ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي، فقال رجل لم يسمه شريك : يا رسول الله أنت كنت بحراً من يقوم بهذا!! قال: ثم قال الآخر، قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي رضي الله عنه: أنا) ج ١ ص١١١. وروى الصدوق في العلل: عن علي بن أبي طالب ( قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَرهْطِكَ المُخْلصِينَ﴾ دعا رسول الله بنى عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال : أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً: كلهم يأبى ذلك، حتى أتى عليّ، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام) ج ١ ص١٧، ولاحظ : الإرشاد للشيخ المفيد: ج ١ ص٤٩، مناقب ابن شهر آشوب: ج ١ ص٣٠٥، وغيرها.
- ↩[١٢٦] - النساء : ١٠٠.
- ↩[١٢٧] - مسند احمد: ج ٣ ص٣٩٠، وراجع : سنن الدارمي: ج ٢ ص٤٤٠، سنن ابن ماجة: ج ١ ص٧٣، وغيرها.
- ↩[١٢٨] - إقبال الأعمال: ج ١ ص٣٨٤، بحار الانوار: ج ٩٥ ص١٦٧، مسند احمد: ج ١ ص٤٢٧، صحيح البخاري: ج ٤ ص١٥١.
- ↩[١٢٩] - القصص : ٥٢ ـ ٥٥.
- ↩[١٣٠] - فقه السيرة للبوطي: ص١٢٦، سيرة ابن إسحاق: ج ٤ ص٢٠٠، تفسير القرطبي: ج ٦ ص٣٥٦، تفسير ابن كثير: ج ٣ ص٤٠٥، البداية والنهاية: ج ٣ ص١٠٣.