الفصول
٢) الرجعة امتحان آخر:
الرجعة ثالث أيام الله الكبرى · علاء السالم
٢) الرجعة امتحان آخر:
بعد أن توضح أنّ الرجعة يوم من أيام الله الثلاثة، إذن فهي عالم آخر وامتحان آخر يخوضه بعض الخلق ممن محض الايمان محضاً أو محض الكفر محضاً.
عن المفضل، عن أبي عبد الله( فيقوله: ﴿َيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾، قال: (ليس أحد من المؤمنين قتل إلا يرجع حتى يموت، ولا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً) ([٣٣]).
وهو عالم له قوانينه الخاصة به:
قال الامام الصادق ( بعد أن ذكر مقتل ابليس على يد رسول الله / في الرجعة: (.. فعند ذلك يعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً، ويملك أمير المؤمنين ( أربعاً وأربعين ألف سنة حتى يلد الرجل من شيعة علي ( ألف ولد من صلبه ذكراً، وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله) ([٣٤])
وواضح أنّ ولادة ألف ولد ذكر للرجل الواحد سوى الأناث أمر لا يمكن عادة أن يكون ضمن هذا العالم الجسماني بقوانينه الحاكمة فيه ([٣٥]). كما أنّ المدد الزمنية التي ذكرتها الروايات لحكم خلفاء الله في الرجعة تدل هي الأخرى على أنّ الرجعة عالم آخر له قوانينه الخاصة به، وهي مختلفة عن قوانين هذا العالم.
يقول السيد أحمد الحسن (: [إنّ عالم الرجعة عالم آخر غير هذا العالم الذي نعيشه، وهذا واضح من خلال الروايات، فمثلاً: الروايات الدالة على أنه عالم آخر من خلال منافاة صفات عالم الرجعة لهذا العالم كأن يعيش الانسان مدة طويلة أو يولد له عدد كبير، وأيضاً النص القرآني في الرجعة وأنها حياة بعد موت، فكيف ستكون الحال والناس ترى أنّ هناك من يخرجون من القبور أمام أعينهم وبأعداد كبيرة، فأين الامتحان ولماذا إذن يتمرد بعض الناس ؟!].
ويقول أيضاً: [سألفت انتباهك إلى مسألة في الرجعة، فالعاقل عندما يطلع على روايات الرجعة وكيف تكون الحياة فيها، وكم يولد للشخص الواحد ... الخ، يحكم بأنها عالم آخر، فالعقل والواقع لا يقبل أنّ هذا يكون في هذه الدنيا بحدودها هذه، وهذا الفهم غير مقبول عند العقلاء ولكن ماذا نفعل لهؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً !!].
وفي توضيح مثل هذا الفهم البدائي السقيم للروايات الذي مارسه بعض المدعين للعلم سواء كان ما يتصل بالرجعة أو غيرها من العقائد، يقول (:
[مثل هذا الفهم البدائي للروايات نراه في تصوير بعضهم أنّ الدجال شخص رغم أنّ خطوة حماره مسافة بعيدة جداً وبين أُذني حماره أربعون ذراعاً أو سبعون ذراعاً في بعض الروايات، ورغم أنّ معه جبل من طعام وجبل من نار كما ورد في الرواية، كيف يعني حمار طول أُذنه ثلاثون ذراعاً أو بين أُذنيه أربعون ذراعاً ؟! وكيف يكون جبل من نار وجبل من طعام ؟! هل يقبل العقل أو الإنسان السوي أنّ هذا الحديث كما هو وليس فيه رمز أو شفرة؟!! هم بهذا التفسير الساذج للأحاديث يجعلون الناس تعيش في خيال وأوهام بعيدة عن الواقع.
فمثلاً: بحسب فهم هؤلاء الساذج للروايات فإنّ أصحاب المهدي يُفقدون من فرشهم ويجتمعون بمكة هكذا دون مقدمات، كأنه فلم كارتون للأطفال، هكذا بدون تهيئة عقائدية، وبدون أن يُسلِّحهم المهدي بالعلم، هكذا يصورون للناس أنه في ليلة يطيرون أصحاب المهدي بالهواء ويجدون أنفسهم في الكعبة وفقط المهدي ومعه ثلاث مائة وثلاثة عشر يجدون أنفسهم في مكة محاطين بمئات آلاف الوهابية.
هذا الفهم أقرب للسفه، وهكذا هم يخدّرون الناس ويمنعونهم من نصرة المهدي بحجة أنه سيظهر هو وأصحابه الثلاث مائة وثلاثة عشر في مكة وينتصرون، وأنتم انتظروا ظهوره وانتصاره ولا تفعلوا شيئاً !! طيب، كيف سينتصر على مئات آلاف الوهابيين إن حاربوه في مكة ؟! كيف سيسيطر على الحجاز ؟! هل ببضع مئات فقط، أم بالمعجزات القاهرة ؟ وإذا كانت المسألة مسألة معجزات وإهلاك الناس فقط إذن لا داعي للمهدي والله سبحانه هو من يهلك الناس وينتصر عليهم بالمعجزات ويجعلهم يؤمنون بالقهر وينتهي الأمر !!
إنّ هذا الفهم الساذج للمسائل العقائدية سواء المرتبطة منها بالمهدي ( أم الرجعة يُبيِّن سفاهة من يتبنونه ومدى ضعف إدراكهم، ولابد من تبيين ذلك ليعرف من يسمعهم مستواهم الفكري والعلمي ولا ينخدع بهم].
هذا، وربما وردت روايات متشابهة ويبدو من ظاهرها أنّ الرجعة جزء من هذا العالم الجسماني، وكمثال: روى الشيخ الصدوق رحمه الله سؤال المأمون العباسي للإمام الرضا ( في حديث طويل، ورد فيه: (... فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة ؟ فقال الرضا (: إنها لحق قد كانت في الأمم السالفة ونطق به القرآن وقد قال رسول الله / يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ..) ([٣٦]).
وعن هذا الحديث سُئل السيد أحمد الحسن (: عن أي رجعة هنا يتحدث الإمام الرضا ( ؟
فأجاب: [الرجعة عموماً سواء كانت عالماً آخر كما قلنا، أو لم تكن كما يدعي بعض المخالفين فهي بالنتيجة إحياء بعد موت كما تعلم، وبالتالي يصح أن يُضرب لها مثلاً ما حصل من إحياء بعض الأموات في السابق؛ لأنه حدث يقره المخالف للقول بالرجعة.
فالمأمون مخالف، وبالتالي فبما يمكن أن تحتج عليه ؟ أليس بما يقره ؟ والمأمون مخالف للرضا ( وبالتالي فالإمام يحتج عليه بما يقولون به هم من إحياء بعض الموتى بعد الموت في الأمم السابقة].
الهوامش
- ↩[٣٣] . تفسير القمي: ج ٢ ص١٣١، بحار الأنوار: ج ٥٣ ص٥٣.
- ↩[٣٤] . مختصر بصائر الدرجات: ص٢٧.
- ↩[٣٥] . هو ليس مستحيلاً عقلاً وإن كان غير ممكن عادة، والظاهر من الرواية أنها تصور حصول هذا الأمر على نحو المعتاد والطبيعي وليس المعجز والاستثنائي، فهي عبّرت بصورة الرجل من شيعة علي (، وواضح أنّ هذا المعتاد لا يتناسب مع عالمنا الجسماني، بل هو فيه معجز خارق.
- ↩[٣٦] . عيون أخبار الرضا (: ج ١ ص٢١٨.