الأسئلة ٤

كيف تم التبشير بعيسى ومحمد

الحَوَاريُّ الثالث عشر · السيد أحمد الحسن

المصدر ↗

-كيف تم التبشير بعيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله)

س٤/ إنّ أنبياء العهد القديم بشَّروا بالمسيح (، فأين التبشير بمحمد / فيه إن كان هو صاحب الدين الأزلي ؟ الجواب: هل المطلوب تبشير بالاسم الصريح أم بالرمز ؟! أعتقد أنّ مسألة خلوّ العهد القديم من اسم عيسى أو يسوع كمبشَّر به مسألة مفروغ منها، فلم يبقَ إلا الرمز. ونحن بيَّنا نصوصاً رمزية من العهد القديم تأويلها بالرسول محمد /، كما أنهم أوّلوا نصوصاً رمزية بعيسى ( ([٢٦]). وقبل عرض بعض هذه النصوص، أقول: الدليل على الحجة أو خليفة الله في أرضه أو النبي المرسل بيَّناه واستدللنا عليه بالعقل والحكمة والنقل من التوراة والإنجيل والقرآن ([٢٧]). فمن يطلب الحق من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو المسيحيين فلينظر إلى قانون معرفة الحجة الذي بيناه وفقراته الثلاث: (الوصية أو النص، والعلم والحكمة، والراية أو حاكمية الله)، ولينظر هل العقل والحكمة تقول بغيرها ([٢٨]). وأيضاً: يُقلِّب التوراة وينظر هل أوصى الرسل لمن يخلفهم أم لم يوصوا ؟ وهذه بعض النصوص كمثال على وصايا الأنبياء بمن يخلفهم ([٢٩]): التثنية - الأصحاح الواحد والثلاثين: «وقال الرب لموسى هوذا أيامك قد قربت لكي تموت. أدع يشوع وقفا في خيمة الاجتماع لكي أوصيه. فانطلق موسى ويشوع ووقفا في خيمة الاجتماع ١٥ فتراءى الرب في الخيمة في عمود سحاب ووقف عمود السحاب على باب الخيمة». التثنية - الأصحاح الثالث والثلاثون: «١ وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته ٢ فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم ٣ فأحب الشعب. جميع قديسيه في يدك وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك» ([٣٠]). الملوك الأول - الأصحاح الأول: «وقال الملك داود ادع لي صادوق الكاهن وناثان النبي وبناياهو بن يهوياداع. فدخلوا إلى أمام الملك. ٣٣ فقال الملك لهم خذوا معكم عبيد سيدكم وأركبوا سليمان ابني على البغلة التي لي وانزلوا به إلى جيحون ٣٤ وليمسحه هناك صادوق الكاهن وناثان النبي ملكاً على إسرائيل واضربوا بالبوق وقولوا ليجي الملك سليمان. ٣٥ وتصعدون وراءه فيأتي ويجلس على كرسيي وهو يملك عوضا عني وإياه قد أوصيت أن يكون رئيساً على إسرائيل ويهوذا. ٣٦ فأجاب بناياهو بن يهوياداع الملك وقال آمين. هكذا يقول الرب إله سيدي الملك. ٣٧ كما كان الرب مع سيدي الملك كذلك ليكن مع سليمان ويجعل كرسيه أعظم من كرسي سيدي الملك داود». الملوك الأول - الأصحاح الثاني: «١ ولما قربت أيام وفاة داود أوصى سليمان ابنه قائلاً ٢ أنا ذاهب في طريق الأرض كلها. فتشدد وكن رجلاً. ٣ إحفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجهت. ٤ لكي يقيم الرب كلامه الذي تكلم به عني قائلاً إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم قال لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل» ([٣١]). ولينظروا أيضاً: هل استدل الأنبياء المرسلون بعلمهم وكونهم ينطقون بالحكمة، أم لا ([٣٢]) ؟ وهل طالب الأنبياء بحاكمية الله في التوراة، أم لا ([٣٣]) ؟ وينظروا إلى موسى ماذا فعل مع الذين آمنوا به وقبلوه غير أنه هاجر بهم من أرض الطاغوت ليطبّق فيهم حاكمية الله في أرض أخرى ([٣٤]). إذن، المسألة محسومة لكل عاقل يطلب الحق، وهي لا تتعدى القانون الذي بيَّناه واستدللنا عليه من العقل والنقل من الأديان الإلهية الثلاثة. ومحمد / جاء بالوصية والنص من الذين قبله كما في التوراة والانجيل، وجاء بالعلم والحكمة، وبراية البيعة لله أو حاكمية الله التي طالب بها وشاء الله له أن يطبقها في بقعة من هذه الأرض. وهذا مثال من النص على رسول الله محمد / في العهد القديم: التكوين - الأصحاح الحادي والعشرون: «فبكر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. ١٥ ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. ١٦ ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس. لأنها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. ١٧ فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر. لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. ١٨ قومي احملي الغلام وشدي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. ١٩ وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. ٢٠ وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. ٢١ وسكن في برية فاران». ولا أعتقد أنّ عاقلاً يقول إنّ عند الله كفاراً ومشركين وعبدة أصنام أمة عظيمة، أو أنّ الله يعتبر كثرة العدد أمة عظيمة، فالمراد من الأمة العظيمة - والعظمة لله سبحانه - هم الأنبياء والأوصياء /، أي المقصود بالأمة العظيمة من إسماعيل ( هم أنبياء وأوصياء / من ذريته، وهؤلاء هم محمد وآل محمد / بالخصوص خلفاء الله في أرضه ([٣٥]). وهذا مثال من النص على رسول الله محمد / من العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل): حبقوق - الأصحاح الثالث: «١ صلوة لحبقوق النبي على الشجوية ٢ يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة ٣ الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه. ٤ وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى». المعنى: (الله جاء من تيمان): أي الله جاء من اليمن. و(القدوس من جبل فاران): أي القدوس جاء من مكة ([٣٦]). وتعالى الله أن يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض ؟! لأنّ الإتيان والمجي تستلزم الحركة، وبالتالي الحدوث، وبالتالي نفي الألوهية المطلقة. فلا يمكن أن يعتبر أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو القدوس سبحانه وتعالى. هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد تعالى الله عنها علواً كبيراً «وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى». بل الذي يجيء هو عبد الله محمد /، وآله / من بعده حيث إنهم من مكة ومحمد وآل محمد / يمانيون أيضاً. فمجيء محمد / هو مجيء الله؛ لأنّ محمداً هو الله في الخلق، ومحمد هو ظهور الله في فاران كما بيَّنته سابقاً في أكثر من موضع. وكون تيمان هي اليمن قد ورد حتى في الإنجيل على لسان عيسى ( عندما وصف ملكة اليمن بملكة التيمن (أو تيمان) ([٣٧]). إنجيل متى - الأصحاح الثاني عشر: «ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وهوذا أعظم من سليمان ههنا». إنجيل لوقا - الأصحاح الحادي عشر: «ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان». والعلم والحكمة التي جاء بها محمد / في القرآن لا يزال كل منصف يقول إنه حكمة بالغة لا يمكن أن تكون إلا منه سبحانه ([٣٨]). وأيضاً محمد / طالب بحاكمية الله، بل ولما سنحت له الفرصة طبّق حاكمية الله وبيَّن بوضوح أنّ الحق في حاكمية الله، وأنّ كلَّ فرق المسلمين التي ستخرج عن حاكمية الله هي فرق ضالة. وحديث الفرقة الناجية أشهر من نار على علم، ومشهور في كتب السنة (تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل يا رسول الله ! ما هذه الفرقة ؟ قال: من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ([٣٩]). إذن، صفة الفرقة الناجية هي أنها عبارة عن قائد منصّب من الله كما كان رسول الله /، ومؤمنين بهذه القيادة الإلهية كما كان أصحاب رسول الله /. تبقى مسألة الإشكال والجدال، فهذا يقول لماذا محمد فعل كذا، ولماذا قال كذا، ولو كان رسول لما قال هذا ولما فعل ذاك، والقرآن مخالف لقواعد العربية، وإشكالات يمكن أن توجه نفسها إلى أيِّ رسول أو كتاب أو دين إلهي آخر، وهي مردودة ([٤٠]). في حين أننا لابد أن نلتفت إلى أنّ من ينتقل إلى الإشكال قبل أن يرد الدليل وينقضه ويبيِّن أنه ليس دليلاً، فهو في الحقيقة قد أقرَّ الدليل والعقيدة التي يشكل عليها وأنفذها، وإنما هو بإشكاله في طور تجليتها وإظهارها؛ لأنّ الإشكالات لا تعدوا كونها إشكالات ترد ولا قيمة لها في الحقيقة، غير أنها أداة استخفاف طاغوتية يستعملها علماء الضلال والطواغيت لاستخفاف أتباعهم وإبقائهم على اتّباعهم وتقليدهم الأعمى ليحتفظوا بمناصبهم ودنياهم. وهم بعد أن تهدم عقيدتهم الباطلة وتسقط كل إشكالاتهم يعودون إلى أتفه إشكال هدفهم منه إثارة عواطف أتباعهم تجاه آبائهم وسلفهم، وهو إشكال فرعون على نبي الله موسى ( حيث كان قول فرعون: ﴿... فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]، فكان جواب موسى (: ﴿...عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] ([٤١]).

الهوامش

  1. ↩[٢٦] . فمثلاً: من النصوص الأساسية التي يذكرها المسيحيون للتبشير بعيسى ( في العهد القديم، هو ما ورد في سفر اشعيا (٧: ١٤)، ولكنه بالنهاية رمز ولا يتضمن تصريحاً بالاسم، قال المفسر د. وليم ماكدونالد في بيان اسم عيسى: (عندئذ أعلن الملاك جنس الطفل الذي سيولد، واسمه ومهمّته. ذلك أنّ مريم كانت ستلد ابنًا، وتدعو اسمه يسوع الذي يعني "يهوه (الربّ) هو الخلاص" أو "يهوه (الربّ) المخلص". فهو سيخلّص شعبه من خطاياهم تمامًا كما يُعلن اسمه). وعن نبوءة اشعيا يقول: (إنّ نبوّة إشعياء ٧: ١٤ تضمّنت التنبؤ بميلاد فريد: «هوذا العذراء تحبل» وبجنس الطفل، «وتلد ابنًا»، وباسم الطفل، «وتدعو (هي) اسمه عمّانوئيل». وأضاف متّى قائلاً «عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا». هذا ولا يوجد أي دليل يشير إلى أنّ الرب يسوع دُعي عمّانوئيل أثناء وجوده على الأرض، فلقد كان دائمًا يُدعى يسوع ..) معهد عمواس للكتاب المقدس. فيتضح أن "عمانوئيل" رمز أوّلوه في"يسوع". وأما التصريح باسمه في العهد القديم فهو غير موجود، يقول قاموس الكتاب المقدس: (الصيغة العربية للاسم العبري "يشوع" لشخصين في العهد الجديد). وأما القديم فلا وجود له فيه.
  2. ↩[٢٧] . أوضح السيد أحمد الحسن ( قانون معرفة خلفاء الله في أرضه في الكثير من كتبه المنشورة، وفي هذا الكتاب أشار إلى بعض النصوص أيضاً من التوراة والإنجيل. وأما من القرآن فهذا قوله ( في بيانه: (.. مقتضى الحكمة الإلهية هو وضع قانون لمعرفة خليفة الله في أرضه في كل زمان، ولابد أن يكون هذا القانون وضع منذ اليوم الأول الذي جعل فيه الله سبحانه خليفة له في أرضه، فلا يمكن أن يكون هذا القانون طارئاً في إحدى رسالات السماء المتأخرة عن اليوم الأول؛ لوجود مكلفين منذ اليوم الأول، ولا أقل أن القدر المتيقن للجميع هو وجود إبليس كمكلف منذ اليوم الأول، والمكلف يحتاج هذا القانون لمعرفة صاحب الحق الإلهي، وإلا فإنه سيعتذر عن إتباع صاحب الحق الإلهي بأنه لم يكن يستطيع التمييز، ولا يوجد لديه قانون الهي لمعرفة هذا الخليفة المنصب من قبل الله سبحانه وتعالى. والقدر المتيقن للجميع حول تاريخ اليوم الأول الذي جعل فيه الله خليفة له في أرضه هو: ١/ إن الله نص على آدم وإنه خليفته في أرضه بمحضر الملائكة وإبليس. ٢/ بعد أن خلق الله آدم ( علَّمه الأسماء كلها. ٣/ ثم أمر الله من كان يعبده في ذلك الوقت الملائكة وإبليس بالسجود لآدم ..) ثم ذكر الآيات من سورة البقرة (آية ٣٠ فما بعد) وهي توضح ذلك. انظر: اضاءات في دعوات المرسلين/ الجزء الثالث - السيد أحمد الحسن.
  3. ↩[٢٨] . يقول السيد أحمد الحسن ( في بيان قانون معرفة خليفة الله من جهة العقل والحكمة: (.. كما أنه وببساطة: أي إنسان يملك مصنعاً أو مزرعة أو سفينة أو أي شيء فيه عمال يعملون له فيه، لابد أن يُعيِّن لهم شخصاً منهم يرأسهم، ولابد أن ينص عليه بالاسم وإلا ستعمّ الفوضى، كما لابد أن يكون أعلمهم وأفضلهم، ولابد أن يأمرهم بطاعته ليحقق ما يرجو، وإلا فإن قَصَّر هذا الإنسان في أيٍ من هذه الأمور الثلاثة فسيجانب الحكمة إلى السفه، فكيف يُجِّوز الناس على الله ترك أيٍ من هذه الأمور الثلاثة وهو الحكيم المطلق) المصدر السابق.
  4. ↩[٢٩] . الملاحظ للنصوص المذكورة يراها تشمل نوعين من النصوص: الأول: النص المباشر من قبل خليفة الله على من يليه مباشرة كما في المثال الأول والثالث والرابع في نص موسى على وصيه يوشع ونص داود على خليفته سليمان. والثاني: النص غير المباشر، أي نص الخليفة الإلهي على من يأتي من بعده ولو بعد زمن كما في النص الثاني. وواضح أنّ كلا النوعين كافٍ في إثبات أحقية خليفة الله عند بيان حقه للناس، وقد رأينا تصريحات علماء الكنيسة بكفاية نص إشعيا وبشارته في المولود من العذراء في إثبات حق عيسى (. والقرآن يؤكد ذلك أيضاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الصف: ٦، مع أنّ أحمد / ليس الخليفة المباشر بعد عيسى (.
  5. ↩[٣٠] . ذكر النص مجيء الرب وإشراقه وتلألؤه الحاصل في أماكن معينة (سيناء، ساعير، فاران). وتعالى الإله المطلق عن الإتيان والمجيء الملازم للحدوث، فلا يبقى إلا أن يكون ذلك بتجليه وظهوره بخاصة من خلقه. والآن، لو تجاوزنا سيناء التي كانت محل ظهور مجد الرب لموسى (، لنعرف إشراقه وطلوعه في ساعير (وهي القدس وما حولها)، فالحقيقة أنه لم يحصل ذلك في زمن موسى (، بل أنّ علماء الكنيسة يعتبرون النبوءة التي تذكر ساعير أمراً مستقبلياً ونصاً رمزياً في عيسى (. وأما فاران فهي (مكة وما حولها)، التي نشأ فيها إسماعيل ( وبنى فيها مع أبيه الكعبة المشرفة وكانت موضع سكناه وبنيه، ومنها كان ظهور رسول الله محمد /، وسيتضح هذا أكثر عند بيان النص الأخير. قال السيد أحمد الحسن (: (وردت هذه العبارة في دعاء السمات الوارد عن الأئمة /: ".. وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء، فكلّمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران (، وبطلعتك في ساعير، وظهورك في فاران ..". وطلعة الله في ساعير بعيسى (، وظهور الله في فاران بمحمد /. ولابد من الالتفات إلى أنّ عبارات الدعاء مرتّبة تصاعديّاً، فمن نبي "كلّمه الله" وهو موسى (، إلى نبي مثّل "طلعة الله" وهو عيسى (، إلى نبي مثّل "ظهور الله" وهو محمد /) كتاب النبوة الخاتمة - السيد أحمد الحسن.
  6. ↩[٣١] . إنّ هذه السنة الإلهية (وصايا خلفاء الله بمن يأتي بعدهم) الواضحة في النصوص المذكورة التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون، قد أكدها القرآن كذلك، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ البقرة: ١٣٢، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ١٨٠، وعمل بها محمد / إذ أوضح في وصيته عند وفاته خلفاء الله من بعده وحددهم بأسمائهم.
  7. ↩[٣٢] . نذكر هنا بعض الأمثلة من القرآن الكريم والعهدين القديم والجديد لإثبات ذلك: * استدلال يوسف ( بالعلم والحكمة في تأويله رؤيا فرعون مصر، إذ ورد في سفر التكوين - الأصحاح ٤١: «١٥ فقال فرعون ليوسف: حلمت حلماً وليس من يعبره. وأنا سمعت عنك قولاً، إنك تسمع أحلاماً لتعبرها ١٦ فأجاب يوسف فرعون قائلاً: ليس لي. الله يجيب بسلامة فرعون»، ثم عبّرها له وقال: «٣٣ فالآن لينظر فرعون رجلاً بصيراً وحكيماً ويجعله على أرض مصر». ومثله كانت رؤيا نوبخذنصر التي عجز أدعياء العلم وغيرهم عن تعبيرها فانزعج جداً وغضب، وبعد أن عبّرها له دانيال ( قال له: «... الله العظيم قد عرف الملك ما سياتي بعد هذا الحلم حق وتعبيره يقين ٤٦ حينئذ خر نبوخذنصر على وجهه وسجد لدانيال وأمر بأن يقدموا له تقدمة وروائح سرور» سفر دانيال - الأصحاح ٢. * علم عيسى وحكمته، في إنجيل متى - الأصحاح ١٣: «٥٤ ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوات ٥٥ أليس هذا ابن النجار أليست أمه تدعى مريم ..». والنصوص في العهدين القديم والجديد كثيرة جداً. وأما القرآن فالآيات كثيرة أيضاً، فبالعلم والحكمة عُرف إبراهيم (: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ مريم: ٤٣. وموسى (: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ القصص: ١٤. وعيسى (: ﴿وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ الزخرف: ٦٣. ومحمد /: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الجمعة: ٢.
  8. ↩[٣٣] . حاكمية الله تعني بعبارة موجزة: أنّ الله سبحانه بيده أمر التشريع وكذلك تعيين المنفذ له، ولهذا كان خلفاء الله جميعاً كلهم معيّنون من الله ليس للناس في ذلك دخل أبداً، وواجبهم تجاههم هو الطاعة والتسليم، وهذه أمثلة من العهد القديم تشير إلى ذلك، فعن موسى ( ورد: «١٤ متى أتيت إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها فان قلت اجعل علي ملكاً كجميع الأمم الذين حولي ١٥ فانك تجعل عليك ملكاً الذي يختاره الرب إلهك من وسط اخوتك تجعل عليك ملكاً لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك»سفر التثنية - الأصحاح ١٧. وعن يشوع ( ورد: «١ وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى .... ١٠ فأمر يشوع عرفاء الشعب ...قائلاً ١٣ اذكروا الكلام الذي أمركم به موسى عبد الرب ... ١٦ فأجابوا يشوع قائلين كل ما أمرتنا به نعمله وحيثما ترسلنا نذهب ١٧ حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك إنما الرب إلهك يكون معك كما كان مع موسى ١٨ كل إنسان يعصى قولك ولا يسمع كلامك في كل ما تأمره به يقتل إنما كن متشدداً وتشجع» سفر يشوع - الأصحاح ١. وبمثله صرح القرآن الكريم في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمران: ٢٦، وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة﴾ البقرة: ٣٠. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ النساء: ٥٤.
  9. ↩[٣٤] . ووعدهم أنهم إن أطاعوه كانوا أمة مقدسة: «٥ فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فإن لي كل الأرض ٦ وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة ..» سفر الخروج - الأصحاح ١٩. ولكنهم تمردوا عليه ورفضوا أوامره، فكان نتيجة هذا العصيان أن الله عاقبهم بالتيه أربعين سنة: «١١ لن يرى الناس الذين صعدوا من مصر من ابن عشرين سنة فصاعداً الأرض التي أقسمت لإبراهيم واسحق ويعقوب لأنهم لم يتبعوني تماماً ١٢ما عدا كالب بن يفنة القنزي ويشوع بن نون لأنهما اتبعا الرب تماماً ١٣فحمي غضب الرب على إسرائيل واتاههم في البرية أربعين سنة حتى فني كل الجيل الذي فعل الشر في عيني الرب» سفر العدد - الأصحاح ٣٢. يقول السيد أحمد الحسن (: (وكان نتيجة هذا التيه العقوبة الإصلاحية خروج أمة ربانية صالحة، وهم أبناء هؤلاء الفاسقين وأحفادهم، وقد حملوا كلمة لا إله إلّا الله مع يوشع بن نون وصي موسى (، وقاتلوا الجبابرة والطواغيت ونصروا دين الله في أرضه) كتاب العجل - الجزء الأول.
  10. ↩[٣٥] . وليس بوسع أحد أن يصور أنّ كل بني إسرائيل هم المقصودون بالأمة العظيمة، إذ ورد في سفر العدد - الأصحاح ١٤: «١١ وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم ١٢ إني أضربهم بالوبا وأبيدهم وأصيرك شعباً أبر وأعظم منهم». ومن الإنجيل نذكر مثالاً لمصداق العظمة عند الله سبحانه وتعالى: «٣٠ فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله ٣١ وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع ٣٢ هذا يكون عظيماً، وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه» إنجيل لوقا - الأصحاح١. ومثل هذه العظمة ذكرت ليوحنا المعمدان (يحيى () أيضاً، فهما عظيمان لأنهما خليفتان لله. فالأمة العظيمة من ذرية اسماعيل ( هم محمد وآل محمد /، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ النساء: ٥٤.
  11. ↩[٣٦] . ورد في سفر التكوين (٢١: ٢١) عن سكن إسماعيل (: «سكن في البرية وكان ينمو رامي قوس وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر». وفي (٢٥: ١٨) منه ورد: «وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر». وحويلة كما في قاموس الكتاب المقدس: (مقاطعة في بلاد العرب .. والصلة بين حويلة وحضرموت وأماكن أخرى تشير إلى موقع في وسط البلاد العربية أو جنوبها). وكون حضرموت في اليمن لا شك فيه، وأما شور فهي جنوب فلسطين بمحاذاة مصر. فالمنطقة اذن محصورة بين حدود دولة اليمن الحالية وجنوب فلسطين. وهو ما كان يعرفه اليهود جيداً، لذا نجدهم استوطنوا تلك المنطقة وبنوا خيبر في المدينة المنورة شمال مكة التابعة يومذاك لليمن جغرافياً استقبالاً منهم للنبي المنتظر الموصوف بأنه يماني. تعلّق الترجمة اليسوعية الكاثوليكية للكتاب المقدس على سفر التكوين (٢٥: ١٨) قائلة: (أحفاد إسماعيل هم عرب الصحراء وحياتهم حياة الترحال والاستقلال وهذا يذكرنا بالعصر الجاهلي وشعره) هامش صفحة ٩١ - الطبعة السادسة. وهذا هو حال شبه الجزيرة العربية التي منها ظهر وجاء الرسول الأكرم محمد / وتلألأ نوره. ثم إنّ تحديد برية فاران أمر غير محسوم لدى مفسري العهدين، وعلى من يصر منهم أنها جنوب سيناء أن يخبرنا عن حدث مهم غيَّر وجه الإنسانية ظهر من هناك بعد موسى وعيسى عليهما السلام بحيث استحق صاحبه أن يكون ظهوره ومجيئه بمثابة ظهور الله ومجيئه، وعليه أن يجيب عما ورد في سفر التكوين (١٧: ٢٠): «وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة»، فأين آثار تلك الأمة العظيمة في جنوب سيناء أو أنّ الله وحاشاه أخلف وعده بنظرهم ؟!! قال السيد اليماني أحمد الحسن (: (إنّ مسألة اليماني ليست جديدة، بل محمد / أيضاً كان معروفاً عند أهل الكتاب ومبشراً به على أنه اليماني، لهذا ترك اليهود أرض الميعاد المهمة جداً عندهم واستوطن كثير منهم أرض اليمن، أي المسماة باليمن تاريخياً وليس حالياً فقط، والمدينة أيضاً من اليمن. ولا يزال اليهود في اليمن مستوطنين إلى اليوم؛ لأنهم أيضاً مبشرون باليماني وينتظرونه، أي بمحمد / وباليماني من ذريته، تماماً كالبشارة بأحمد وأنها تنطبق على أكثر من مصداق في أزمان مختلفة. فاليماني الأول محمد بُعث في اليمن أي في مكة لأنها من اليمن، واليماني الثاني من ذرية اليماني الأول يُبعث في المشرق في مسيرة عودة الإبراهيمية إلى موطنها الأصلي العراق. ولذا كان أكثر قبور الأئمة في العراق مع أنهم لم يولدوا في العراق، هذه مشيئة الله، ليثبتوا عودة الدين الإبراهيمي إلى العراق باليماني الموعود به في الديانات الثلاث..) رسالة في إثبات وحدة شخصية المهدي الأول والقائم واليماني - علاء السالم.
  12. ↩[٣٧] . جاء في قاموس الكتاب المقدس: ("تِيمن": الصحراء الجنوبية، انظر تيمان) وفي شرح كلمة تيمان: (تَيْمان: اسم عبري معناه "اليميني أو الجنوبي").
  13. ↩[٣٨] . كمثال: يقول الكاتب الفرنسي (موريس بوكاي) في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم): «أما الوحي القرآني الذي نزل عقب ستة قرون من المسيح، فقد احتفظ بالعديد من تعاليم التوراة والإنجيل اللذين أكثر من ذكرهما، بل وفرض على كل مسلم الإيمان بالكتب السابقة (سورة ٤ آية ١٣٦) كما أبرز المكانة المهمة التي شغلها في تاريخ الوحي رسل الله كنوح وإبراهيم وموسى؛ وعيسى الذي كان له من بينهم مقام مرموق؛ وقد أظهر القرآن ولادته - كما في الإنجيل - كحدث معجز، كما كرم والدته مريم تكريماً خاصاً وأطلق اسمها على السورة رقم "١٩". ولا مفر من الاعتراف بأن هذه التعاليم الإسلامية مجهولة على العموم في بلادنا الغربية، وقد يعجب البعض من هذا ! ولكن سرعان ما يزول ذلك إذا ذكرنا الطريقة التي لُقن بها العديد من الأجيال الغربية قضايا الإنسانية الدينية، والجهالة التي تُركوا فيها تجاه كل ما يخص الإسلام..».
  14. ↩[٣٩] . حديث الفرقة الناجية مشهور وصحيح عند كل المسلمين (شيعة وسنة)، وقد ورد في: سنن أبي داود، وابن ماجة، وسنن البهيقي، والترمذي، وصحيح ابن حبان، ومسند أحمد بن حنبل، وغيرها الكثير.
  15. ↩[٤٠] . وقد أجاب السيد أحمد الحسن وأنصاره الكثير من الشبهات في الكتب المنشورة في موقع الدعوة الرسمي، والإشكال مهما بلغ لا يمكن أن يواجه به دليل رسل الله، انظر: www.almahdyoon.org
  16. ↩[٤١] . (ما بال القرون الأولى، أي هل كان آباؤنا على خطأ ؟!) السؤال الذي يتردد على ألسنة المعترضين على أنبياء الله ورسله دائماً، فبدل أن يذعن الكبراء وأتباعهم لأدلة المرسلين يحملون الناس على مواجهة الرسل بهذه الكلمات، في ذات الوقت الذي يعجزون فيه على مواجهة بينات الرسل وحججهم، أو إقامة الدليل على ما هم عليه سوى إرث الآباء والأجداد.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
كيف تم التبشير بعيسى ومحمد - الحَوَاريُّ الثالث عشر - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.