السؤال ١١١ - الجواب المنير عبر الأثير (ج ٢)
من WikiSavior، مرجع يستند إلى المصادر
النص العربي الأصلي [رابط]
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم، السيد أحمد الحسن (، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لي صديقة سنيّة وقد طرحت عليَّ بعض الإشكالات التي حيرتني، وهي: إذا كان القائم ( محدّد أنّه التاسع من ولد الحسين لماذا ظن بعض الشيعة المقرّبين أنّه الإمام الكاظم (، وإذا كانت هناك قائمة محددة من رسول الله والزهراء بأسماء الأئمة، لماذا يتحيّر الشيعة بعد وفاة كل إمام حتى إنّ زرارة بن أعين مات ولم يومن بإمامة الإمام الكاظم (؟ المرسل: شيماء حسن علي
إجابة أحمد الحسن (ع):
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً. قبل الإجابة يجب أن تعلمي أنّ زرارة بن أعين كان مريضاً بمرض الموت قبل شهادة الإمام الصادق (، ولبث بعد الصادق ( أياماً لم تجز الشهرين ثم مات بمرضه، ومات مؤمناً موالياً لأهل البيت / ولم يكفر بإمامة الكاظم ( ([218]). أمّا كفر الناس بالأنبياء والأوصياء رغم ذكر من سبقهم لهم، فهو ليس من مختصات من ادعى مشايعة الأئمة /، بل هذا سبيل كثير من بني آدم في متابعة إبليس (لعنه الله) في التكبر على حجة الله وخليفته سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾([219]). ألم يُذكر محمد / في التوراة والإنجيل وباسمه وصفته، بل إنّ اليهود أسسوا المدينة المباركة لانتظاره، وكانوا يعلمون أنّها موضع هجرته، ومع هذا كفر به معظم اليهود والنصارى إلاّ القليل ممن وفوا بعهد الله. ألم يُذكر عيسى ( في التوراة باسمه وصفته، ومع هذا كفر به معظم اليهود. إنّ مسألة الكفر بالأنبياء والأوصياء / حمل شعارها العلماء غير العاملين في كل زمان، وتابعهم عبيدهم الذين يرفضون أن يكونوا أحراراً. وأنا أنصحك بقراءة وصية رسول الله / وعشرات الروايات الدالة على المهديين الإثني عشر وعلى أولهم وهو مذكور باسمه وصفته، فلماذا كفر به علماء آخر الزمان ؟ فحجج العلماء غير العاملين اليوم هل تعتقدين أنّها كانت مستعصية على علي بن حمزة البطائني عندما أنكر إمامة الإمام الرضا ( وادعى الوقوف عند الإمام موسى بن جعفر(، وإنّه القائم، ولم يكن هذا الإدعاء إلاّ لحب الدنيا وحب الرئاسة الباطلة من علي بن حمزة البطائني وأشباهه. ثم هناك كثير من الروايات عن الرسول / التي وردت في مصادر السنّة، منها حديث الغدير الذي أمر به رسول الله المسلمين بمبايعة علي (، وبايعه أبو بكر وعمر، ومنها حديث الوصية وأحاديث مدحه / شيعة علي (، ومع هذا لم يؤمن السنّة أنّ علياً ( هو وصي رسول الله / وخليفة الله سبحانه بعد رسول الله /، وتأولوا المولى بأنّه الناصر لا غير، وإنّهم هم شيعة علي الممدوحون، وإنّ الوصية تخص الميراث ودَينه / لا غير ....، وتأولوا حديث: إنّ علياً ( من رسول الله / كهارون ( من موسى ( ...، وتأولوا ...، وتأولوا. ثم هم يصححون ما ورد عن رسول الله /: (إنّ فاطمة / سيدة نساء العالمين) ثم لا يجدون حرجاً في تصحيح عمل عمر وجماعة من المنافقين في الهجوم على بيت فاطمة /، حتى إنّهم يفتخرون بأشعارهم بما فعله عمر من الهجوم على دار فاطمة / فلذة كبد محمد /، وهذه أبيات لحافظ إبراهيم المعروف بشاعر النيل: وقولـه لعلـي قالـها عـمر أكرم بسامعها أعظم بملقيـها حرقتُ دارك لا أبقي عليك بـها إن لـم تبايع و بنت المصطفى فيها ما كان غير أبي حفص يفوه بـها أمام فـارس عدنـان وحامـيها وأنا أقول لحافظ إبراهيم صدقت في هذا، ما كان أحد يجرؤ على حرق بيت فاطمة /؛ لأنّه بيت محمد /، إلاّ عمر أبو حفصة، وصدقت ياحافظ إبراهيم عندما وصفت عمر في صدر بيتك: قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بنعمة الله حصنا من أعاديها فأنت صادق في هذا، فقد كان عمر أعدى أعداء رسول الله /، ولكن متى كان عمر حصناً من أعاديها ؟ هل عندما فر في أحد وهو يصرخ بالمسلمين ويخذّلهم عن نصرة رسول الله، وترك رسول الله / وعلياً ( في أرض المعركة ؟ أم لما رجع عن فتح خيبر خوفاً من اليهود وهو يجبن أصحابه ؟ أم أنّك تراه حصناً من أعاديها لما هجم على بيت فاطمة بنت محمد /وعصرها خلف الباب وأسقط جنينها وضربها، وأراد حرق دارها ؟؟ نحن لم نسمع أنّ عمر بارز الفرسان أو قتل الشجعان من كفار قريش وغيرهم، ولكننا سمعنا وأيقنا أنّ عمر قتل فاطمة بنت محمد / وجنينها المحسن (، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾([220])، فهل من عاقل فينقذ نفسه من النار. ولا أقول إلاّ كما قال رسول الله /: (إنّ المفتتن ملقى حجته حتى تلقيه فتنته في النار). وإن كانت صاحبة الإشكالات تطلب الحق، فهذا قانون معرفة الحجة من القرآن الكريم، وهذا نص شرح له كتبته في كتاب إضاءات من دعوات المرسلين ج ٣ القسم الثاني، والكتاب منشور ويمكنها قراءته. إضاءة ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾([221]). ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾([222]). الآيات التي رافقت يوسف ( بإذن الله لم تكن عصا تتحول أفعى، ولم تكن يداً تشع نوراً، ولم تكن بحراً ينشق، بل كانت قميصاً أظهر حق يوسف( ، وكانت توفيقاً وتسديداً إلهياً لمسيرة يوسف (. فمن هم وكم هم الذين يرون أنّ القميص الذي تمزّق بل تَمزّقه بالذات كان آية، وأين هم الذين يرون توفيق وتسديد الله ليوسف (، ليعرفوا أنّه مرسل من الله سبحانه، تلك الآيات رافقت يوسف ورآها أولئك الذين رافقوا مسيرة يوسف( ، ولكنّهم لم يروها كآيات، وكان أن ّقرروا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. عن أبي جعفر ( في قوله: (﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فالآيات شهادة الصبي والقميص المخرّق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إيّاه على الباب، فلما عصاها فلم تزل ملّحة بزوجها حتى حبسه، وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، يقول: عبدان للملك أحدهما خباز، والآخر صاحب الشراب، والذي كذب ولم ير المنام هو الخباز)([223]). لم تكن هذه الآيات هي كل ما رافق دعوة ومسيرة يوسف (، بل ما جاء به كل الأنبياء المرسلين / كدليل على الدعوة الإلهية التي كلفوا بها، جاء به يوسف ( فهو ( لم يكن شاذاً عن المرسلين وعن طريقهم الواحد للدلالة على رسالاتهم: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾([224])، طريقهم المبين: (الوصية أو النص، العلم والحكمة، راية البيعة لله أوالملك لله أو حاكمية الله). هذه الآيات الثلاث البيّنة جاء بها يوسف (: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وقبل أن نعرف كيف ومتى وأين جاء بها يوسف ( نحتاج إلى معرفة ما تمثله هذه الأمور الثلاثة في خط الدعوة الإلهية عموماً: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾([225]). دعوة الحق لا يمكن أن تكون وحدها دون وجود دعوات باطلة تعارضها، فمنذ اليوم الأول الذي كان فيه نبي يوصي لمن بعده بأمر الله سبحانه وجدنا مدعياً مبطلاً يعارض دعوة الحق، فآدم ( أول أنبياء الله مبعثاً يوصي لهابيل (، ويقوم قابيل بمعارضة دعوة الحق، وادعاء حق الخلافة، وحتى القربان الذي كان الفيصل في تحديد وصي آدم ( لم يقبل به قابيل كآية دالة على هابيل وصي آدم، وأقدم قابيل على تهديد هابيل الوصي ثم قتله دون تردد أو خوف من الله سبحانه. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([226]). وهذا حصل مع يوسف ( لما حسده أخوته، بل وجرى مع كل الأوصياء / فكما أنّ الله سبحانه وتعالى يصطفي رسله كذا فإنّ إبليس (لعنه الله) يختار من جنده من يعارض دعوة الحق. فالله سبحانه وتعالى يختار هابيل (، وإبليس (لعنه الله) يختار قابيل ليعارض داعي الله، والله يختار محمداً /، وإبليس يختار مسيلمة وسجاح والأسود وغيرهم ليعارضوا داعي الحق محمداً /. وهنا أوجه السؤال: هل يعذر من ترك إتباع محمد / بحجة وجود أكثر من دعوة في الساحة، وإنّه لا يستطيع تمييز المحق من المبطل ؟! والحق أنّه لا يعذر ويكون مصيره إلى جهنم، تماماً كأولئك الذين اتبعوا من ادعوا النبوّة أو الرسالة كذباً وزوراً. ثم هل أنّ الله سبحانه وتعالى وضع قانوناً يعرف به داعي الحق في كل زمان، وهو حجة الله على عباده وخليفة الله في أرضه، وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، والإيمان به والتسليم له هو الإيمان بالله والتسليم لله، والكفر به والإلتواء عليه هو الكفر بالله والإلتواء على الله ؟؟ أم أنّ الله ترك الحبل على الغارب (حاشاه سبحانه وتعالى) وهو الحكيم المطلق وقدَّر كل شيء فأحسن تقديره: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾([227])، وهو ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾([228]). فالنتيجة أنّ مقتضى الحكمة الإلهية هو وضع قانون لمعرفة خليفة الله في أرضه في كل زمان، ولابد أن يكون هذا القانون وضع منذ اليوم الأول الذي جعل فيه الله سبحانه خليفةً له في أرضه. فلا يمكن أن يكون هذا القانون طارئاً في إحدى رسالات السماء المتأخرة عن اليوم الأول، لوجود مكلفين منذ اليوم الأول، ولا أقل أنّ القدر المتيقن للجميع هو وجود إبليس كمكلف منذ اليوم الأول، والمكلف يحتاج هذا القانون لمعرفة صاحب الحق الإلهي، وإلاّ فإنّه سيعتذر عن اتباع صاحب الحق الإلهي بأنّه لم يكن يستطيع التمييز، ولا يوجد لديه قانون إلهي لمعرفة هذا الخليفة المنصب من قبل الله سبحانه وتعالى. والقدر المتيقن للجميع حول تاريخ اليوم الأول الذي جعل فيه الله خليفة له في أرضه هو: إنّ الله نص على آدم، وإنّه خليفته في أرضه بمحضر الملائكة / وإبليس. بعد أن خلق الله آدم ( علمه الأسماء كلّها، ثم أمر الله من كان يعبده في ذلك الوقت الملائكة وإبليس بالسجود لآدم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾([229]). ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([230]). ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾([231]). ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾([232])، ([233]). هذه الأمور الثلاثة هي قانون الله سبحانه وتعالى لمعرفة الحجة على الناس وخليفة الله في أرضه، وهذه الأمور الثلاثة قانون سنّه الله سبحانه وتعالى لمعرفة خليفته منذ اليوم الأول، وستمضي هذه السنّة الإلهية إلى انقضاء الدنيا وقيام الساعة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾([234])، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾([235]). كما أنّه - وببساطة - أي إنسان يملك مصنعاً أو مزرعة أو سفينة أو أي شيء فيه عمال يعملون له فيه، لابد أن يعيّن لهم شخصاً منهم يرأسهم، ولابد أن ينص عليه بالإسم وإلاّ ستعم الفوضى، كما لابد أن يكون أعلمهم وأفضلهم، ولابد أن يأمرهم بطاعته ليحقق ما يرجو، وإلاّ فإن قصّر هذا الإنسان في أي من هذه الأمور الثلاثة فسيجانب الحكمة إلى السفه. فكيف يُجَوِّز الناس على الله ترك أي من هذه الأمور الثلاثة وهو الحكيم المطلق ؟! وإذا تعرضنا إلى هذا القانون الإلهي بشيء من التفصيل نجد أنّ النص الإلهي على آدم ( تحول إلى الوصية، لعلة وجود الخليفة السابق فهو ينص على من بعده بأمر الله سبحانه وتعالى، وهذا من ضمن واجبه كخليفة لله في أرضه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾([236]). أمّا تعليم الله سبحانه لآدم الأسماء فالمراد منه معرفته بحقيقة الأسماء الإلهية وتحليه بها وتجلّيها فيه؛ ليكون خليفة الله في أرضه، وهو عليه السلام أنبأ الملائكة بأسمائهم، أي: عرَّفهم بحقيقة الأسماء الإلهية التي خُلقوا منها، فالله سبحانه عرَّف آدم كل الأسماء الإلهية وبحسب مقامه (، أمّا الملائكة فلم يكن كل منهم يعرف إلاّ الاسم أو الأسماء التي خُلق منها، وبهذا ثبتت حجية آدم ( عليهم بالعلم والحكمة. والأمر الثالث: في هذا القانون الإلهي هو أمر الله سبحانه وتعالى للملائكة وإبليس بالسجود لآدم. وهذا الأمر هو بمثابة ممارسة عملية للخليفة ليقوم بدوره كمستخلف، وممارسة عملية لعمال الله سبحانه (الملائكة) ليقوموا بدورهم كعمال ومتعلمين عند هذا الخليفة (آدم (). وهذا الأمر ثبَّت أنّ حاكمية الله وملك الله في أرضه يتحقق من خلال طاعة خليفة الله في أرضه. وهكذا فإنّ جميع المرسلين ومنهم محمد / كانوا يحملون هذه الراية (البيعة لله أو حاكمية الله أو الملك لله)، ويواجهون الذين يقرّون حاكمية الناس ولا يقبلون بحاكمية الله وملكه سبحانه وتعالى. وهم دائماً متّهمون بسبب هذه المطالبة وهذه المواجهة، فعيسى( قيل عنه إنّه جاء ليطلب ملك بني إسرائيل ليس إلاّ، وقيل عن محمد /: (لا جنّة ولا نار ولكنّه الملك)، أي: إنّ محمداً جاء ليطلب الملك له ولأهل بيته، وقيل عن علي ( إنّه حريص على الملك. والحقيقة أنّه من تابع أحوال عيسى أو محمد / أو علي ( يجد أنّهم معرضون عن الدنيا وزخرفها وما فيها من مال أو جاه، لكن هذا هو أمر الله لهم بأن يطالبوا بملكه سبحانه وتعالى، ثم هم يعلمون أنّ الناس لن يُسلموهم الملك، بل سيتعرضون لهم بالسخرية والاستهزاء والهتك ومحاولة القتل أو السجن. فهذا شبيه عيسى ( يُلبسونه تاجاً من الشوك، وهم يسخرون منه قبل صلبه. وعلي ( يُكسر باب داره ويكسر ضلع زوجته الزهراء / ويجر من داره والسيوف مشرعة بوجهه. وموسى بن جعفر ( الذي حدد فدكاً بأنّها الملك وخلافة الله في أرضه يسجن حتى الموت، ومع هذا فإنّ كثيراً من الجهلة جعلوا ما تشابه عليهم من مطالبة صاحب الحق بملك الله سبحانه وتعالى عاذراً لسقطتهم، وهم يصرخون بوجه صاحب الحق الإلهي أنّه جاء ليطلب الملك ليس إلاّ، والحق أنّه لو كان خليفة الله في أرضه طالباً للدنيا أو الملك لما طالب به أصلاً، وهو يعلم أنّ هذه المطالبة ستكون حتماً سبباً لانتهاك حرمته والاستهزاء والتعريض به على أنّه طالب دنيا. ثم لسلك طريقاً آخر يعرفه كل الناس، ولكنّهم يتغافلون وهو طريق كل أُولئك الذين وصلوا إلى الملك الدنيوي بالخداع والتزوير أو القتل والترويع. فعلي ( يطالب بالملك ويقول: أنا وصي محمد وأنا خليفة الله في أرضه، وفي المقابل ذاك الذي وصل إلى الملك الدنيوي أبو بكر بن أبي قحافة يقول: أقيلوني فلست بخيركم. فهل أنّ علياً طالب دنيا ؟ أو إنّ ابن أبي قحافة زاهد بالملك الدنيوي، وهو الذي أنكر حق الوصي ( وتنكّر لوصية رسول الله / لأجل الملك الدنيوي ؟! مالكم كيف تحكمون ؟؟!! والوصية بالخصوص جاء بها كل الأوصياء / وأكّدوا عليها، بل وفي أصعب الظروف، نجد الحسين ( في كربلاء يقول لهم ابحثوا في الأرض لا تجدون من هو أقرب إلى محمد / منّي: (أنا سبط محمد الوحيد على هذه الأرض) هنا أكّد ( على الوصية والنص الإلهي: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾([237])، فالذين يفهمون هذه الآية يعرفون أنّ الحسين ( أراد أنّ الوصاية محصورة به (؛ لأنّه الوحيد من هذه الذرية المستخلَفة. والآن نعود إلى يوسف لنجد: الوصية: في قول يعقوب ( ليوسف (: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([238]). فيعقوب يبيّن أنّ يوسف ( وصيه، وإنّه امتداد لدعوة إبراهيم ( وبكل وضوح، وفي قول يوسف (: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾([239]) ، فيوسف ( يؤكد انتسابه إلى الأنبياء / وإنّه الخط الطبيعي لاستمرار دعوتهم /. العلم: في قوله: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾([240]). وفي قوله: ﴿.. تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾([241]). وفي قوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾([242]). البيعة لله: في قوله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾([243]). * * * إضاءة بعد أن عرفنا وجود قانون إلهي لمعرفة خليفة الله في أرضه، وهو مذكور في القرآن الكريم، بل وجاء به كل الأنبياء والمرسلين /، ويوسف ( أيضاً جاء به، نحتاج أن ننتفع ونعمل بهذا القانون الإلهي في زمن الظهور المقدّس (زمن يوسف آل محمد /)؛ لأنّ من لا يعمل بهذا القانون يكون من أتباع إبليس (لعنه الله) كما تبيّن. وأنت تجد حتى في الإنجيل أنّ عيسى ( يؤكد على أنّ الأنبياء السابقين من بني إسرائيل قد ذكروه وبشّروا به وأوصوا به، وكذا جاء بالعلم والحكمة، وأيضاً رفع راية البيعة لله وطالب بملك الله وحاكميته، ومحمد أيضاً أكد هذا الأمر وبيَّن أنّ الأنبياء السابقين ذكروه وبشّروا به وأوصوا به، وإنّه مذكور في التوراة والإنجيل، وجاء / ليُعَّلِم الكتاب والحكمة، ورفع راية البيعة لله وطالب بملك الله وحاكميته سبحانه وتعالى في أرضه. وكذا آل محمد /، وتوجد أكثر من رواية عنهم / أكدوا بها هذا القانون الإلهي لكي لا يضل شيعتهم. ولكن للأسف من يدَّعون أنّهم شيعتهم اختاروا في آخر الزمان الكفر بروايتهم والإعراض عنها وعن القرآن الكريم، وإتباع العلماء غير العالمين فأضلوهم وخلطوا عليهم الحق بالباطل، فلم يعد عندهم قانون لمعرفة الحجة من الله وخليفة الله، مع أنّ هذا القانون الإلهي لمعرفة الحجة من الله وخليفة الله والوصي الذي يمتحن به الناس موجود في القرآن الكريم، وقد بيَّنته بوضوح، لعل من يدَّعون أنّهم شيعة آل محمد وعامة أصحاب الأديان الإلهية يلتفتون إلى هذا القانون فينقذون أنفسهم من النار. إذاً فصاحب الحق الإلهي الوصي المعزّي ([244]) لأنبياء الله ورسله الذي يأتي في آخر الزمان أذا جاء بهذه الأمور الثلاثة وهي: الوصية: أي إنّ الماضيين / أوصوا به ونصوا عليه بالاسم والصفة والمسكن، كما كانت الوصية بالرسول محمد من الأنبياء الماضيين / باسمه وبصفته أنّه راكب الجمل، وبمسكنه فاران، أي مكة وما حولها (عرفات)، والروايات الدالة على الوصي في آخر الزمان باسمه وصفته ومسكنه كثيرة. وجاء أيضاً بالعلم والحكمة: كما جاء رسول الله / محمد بالعلم والحكمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾([245]). وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله / المرسل في الأوليين من هذه الأمة، ثم يقول تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([246]). وهذا الرسول في الآخرين هو المهدي الأول من ولد الإمام المهدي (، ومرسله هو الإمام المهدي (، وأيضاً يعلمهم الكتاب والحكمة مما جاء به رسول الله محمد /. وكان اسمه / في السماء أحمد، والمهدي الأول اسمه في الأرض أحمد وفي السماء محمد. فهو صورة لرسول الله محمد /، ويبعث كما بعث محمد /، ويعاني كما عانى محمد /. فلابد من وجود قريش وحلفائها، وأم القرى والهجرة والمدينة، وكل ما رافق دعوة رسول الله محمد /، فقط المصاديق والوجوه تتبدل، إنّما هي وهم كتلك وأُولئك. أمّا الأمر الثالث: وهو المطالبة بحاكمية الله والملك الإلهي: فلابد أن يتحقق في الواقع المعاش بشكل يتوضّح فيه صاحب الحق الإلهي وحكمته وعلمه ومعرفته بعاقبة الأمور، والحمد لله تم هذا بفضل الله سبحانه وتعالى فكل أُولئك العلماء غير العاملين دعوا إلى حاكمية الناس والانتخابات وشورى وسقيفة آخر الزمان إلاّ الوصي، بفضل من الله عليه لم يرضَ إلاّ حاكمية الله وملك الله سبحانه، ولم يحد عن الطريق الذي بيَّنه محمد وآل محمد /. أمّا العلماء غير العاملين فقد خرجوا وحادوا عن جادة الصواب، وتبيَّن بفضل خطة إلهية محكمة: أنّ رافع راية رسول الله محمد / (البيعة لله) هو فقط الوصي. أمّا من سواه فهم قد رفعوا راية الانتخابات وحاكمية الناس، وهي بيعة في أعناقهم للطاغوت وبملئ إرادتهم، بل وهم قد دعوا الناس لها وانخدع الناس بسبب جهلهم بالعقيدة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى، مع أنّ أهل البيت / قد بيَّنوا هذا الأمر بكل وضوح وجلاء، ودم الحسين في كربلاء خير شاهد على ذلك، وإن كانت فاطمة الزهراء / لما نحّى القوم الوصي علياً ( خاطبتهم قائلة: (أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثما ننتجوا ([247])، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وزعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفساً، واطمأنوا للفتنة جأشاً وأبشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً وزرعكم حصيداً. فيا حسرتي لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) ([248]). فهم اليوم علموا بأنفسهم غبّ ما سَنّوا واحتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً. فهل هذا الحال الذي أنتم فيه عذاب من الله سبحانه أم لا ؟! في قرارة أنفسكم تقرّون أنّه عذاب من الله، ولكن تخافون أن تقرّوا بألسنتكم لئِّلا يقال لكم فهذا أحمد الحسن مرسل من الإمام المهدي (، وهذه رسالة إلهية، والله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أمّا المعجزة المادية فهي لا يمكن أن تكون وحدها طريقاً لإيمان الناس، بل الله لا يرضى بهكذا إيمان مادي محض، ولو كان يُقبل لقُبل إيمان فرعون بعد أن رأى معجزة مادية قاهرة لا تؤوّل، وهي انشقاق البحر، ورأى كل شق كالطود العظيم ولمسه بيده، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾([249]). ولكن الله لا يرضى هذا الإيمان: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ([250]). وقد ترك الله بدن فرعون آية للناس ليتفكروا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾([251]). ولكن قليل من انتفعوا بهذه الآية و ﴿كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ كما أنّ المعجزة لا يمكن أن تكون لكل من يطلبها، وإلاّ لآمن الناس جميعاً إيماناً قهريّاًُ أجبروا عليه بما يرون من قدرة قاهرة لا طاقة لهم على مواجهتها، ولن يكون هذا إلاّ استسلاماً للأمر الواقع وليس إسلاماً وتسليماً للغيب، والله سبحانه هو الغيب، ولعل من تدّبر في معجزات الأنبياء يجدها جميعاً جاءت مشابهة لما انتشر في زمانهم، فموسى يأتي بالعصا التي تصبح أفعى في زمن فيه عشرات يلقون عصيهم فإذا هي أفعى كما يخيل للناس، وكذا عيسى جاء ليشفي المرضى في زمن انتشر فيه الطب، ومحمد / يأتي بالقرآن لقوم اشتهروا بالكلام والشعر، فالأمر وما فيه أنّها جاءت كذلك للبس، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾([252]). وما هذا اللبس والمشابهة إلاّ لتكون هناك مساحة لتأول المتأولين، الذين لا يؤمنون بالغيب، ولتبقى مساحة للإيمان بالغيب، وإلاّ فالإيمان المادي المحض ليس إيماناً ولا إسلاماً ولا يقبله الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾([253]). فالإيمان الكامل هو الإيمان بالغيب مائة بالمائة وهو إيمان الأنبياء والأوصياء، وكلّما كان الإيمان مشوباً بآية أو إشارة أو كرامة أو معجزة مادية كان أدنى وأقل، حتى إذا كانت المعجزة قاهرة وتامّة ولا يمكن تأويلها، عندها لا يقبل الإيمان والإسلام، كما لم يقبل إيمان وإسلام فرعون؛ لأنّ هكذا إيمان هو إيمان مادي مائة بالمائة. والله وصف المؤمنين بأنّهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾([254]). ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾([255]). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾([256]). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾([257]). ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾([258]). ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾([259]). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾([260]). والحمد لله رب العالمين
هوامش المصدر
تُحفظ الهوامش منفصلة عن السؤال والجواب الرئيسيين مع ارتباطها بسجل المصدر.
[٢١٨] والدليل على ذلك ما روي عن الإمام الرضا (: عن إبراهيم بن محمد الهمداني - رضي الله عنه - قال: (قلت للرضا (: يا ابن رسول الله أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك ( ؟ فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) ؟ فقال: إن زرارة كان يعرف أمر أبي ( ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي ( هل يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قوله في أبي ( فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف، وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليهما السلام) ) كمال الدين وتمام النعمة: ص75.
[٢١٩] الأعراف: 11.
[٢٢٠] الشورى: 23.
[٢٢١] يوسف: 35.
[٢٢٢] غافر: 34.
[٢٢٣] تفسيرالقمي: ج ٢ ص344.
[٢٢٤] الاحقاف: 9.
[٢٢٥] لقمان: 20 – 2.
[٢٢٦] المائدة: 27 – 30.
[٢٢٧] الرعد: 8.
[٢٢٨] سـبأ: 3.
[٢٢٩] البقرة: 30.
[٢٣٠] البقرة: 31.
[٢٣١] الحجر: 29.
[٢٣٢] الكهف:50.
[٢٣٣] هنا فقط أريد لفت الانتباه أن هذه الآية الكريمة هي نص يبين حاكمية الله ويبين من قبلها وهم الملائكة / ومن رفضها وهو إبليس (لعنه الله)، فالذين يرفضون حاكمية الله اليوم ينطبق عليهم آخر الآية أي إنهم اتخذوا إبليس وذريته أولياء من دون الله (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (من السيد).
[٢٣٤] الأحزاب: 62.
[٢٣٥] الفتح: 23.
[٢٣٦] النساء: 58.
[٢٣٧] آل عمران: 34.
[٢٣٨] يوسف: 6.
[٢٣٩] يوسف: 38.
[٢٤٠] يوسف: 37.
[٢٤١] يوسف: 47 – 49.
[٢٤٢] يوسف: 55.
[٢٤٣] يوسف: 39 – 40.
[٢٤٤] قال عيسى (: (وأما الآن فأنا ماضي للذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي، ولكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكن أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أُرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئة، وعلى بر، وعلى دينونة. أما على خطيئة: فـ (لأنهم لا يؤمنون بي)، وأما على بر: فـ (لأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً)، وأما على دينونة: فـ (لأن رئيس هذا العالم) قد دين. إن لي أمور كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك (روح الحق) فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به) إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر. (من السيد).
[٢٤٥] الجمعة: 2.
[٢٤٦] الجمعة: 3.
[٢٤٧] في بعض المصادر (تنتج).
[٢٤٨] معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص355.
[٢٤٩] يونس:90.
[٢٥٠] يونس: 91.
[٢٥١] يونس: 92.
[٢٥٢] الأنعام: 9.
[٢٥٣] السجدة: 29.
[٢٥٤] البقرة: 3.
[٢٥٥] الانبياء: 49.
[٢٥٦] فاطر: من الآية 18.
[٢٥٧] يّـس:11.
[٢٥٨] قّ: 33.
[٢٥٩] الحديد: 25.
[٢٦٠] الملك: 12.
المزيد في مسائل متفرقة
- استخرت بالقرآن الكريم بخصوص السيد أحمد الحسن فظهرت لي سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، وكانت الاستخارة مرّتان على التوالي ([211])، مع الشكر الجزيل. المرسل: أم رغد
- بسم الله الرحمن الرحيم، السيد أحمد الحسن (، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لي صديقة سنيّة وقد طرحت عليَّ بعض الإشكالات التي حيرتني وهي: توجد عندنا روايات عن الصادق ( ما مفاده إنّ الأنبياء لا يورثون فكيف نقول إنّ هذه الرواية موضوعة. المرسل: شيماء حسن علي
- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد والأئمة والمهديين وسلم تسليماً. وبعد: إلى أبي ومولاي، إلى الركن الشديد، إلى المظلوم المهتضم، إلى نهر طالوت الذي ابتليت به أمّة محمد /، وإلى أصحابه الأفذاذ الذين هم خير أمّة أخرجت للناس إلى من تفتخر بهم أركان المدينة الملكوتية والباب ظاهرها وباطنها، سلام من الله تعالى عليكم ورحمة منه وبركات. مؤدّى هذه الرسالة المتواضعة التي صدرت من أبسط وأحقر إنسان يمشي على وجه هذه البسيطة، ألا وهي (البيعة) إلى أبي وها أنا أقولها أو قلتها أمام الله تعالى وأمام رسوله / وأمير المومنين والأئمة والمهديين /. ليت شعري ياسيدي أأقول فرحة لقاء؛ لأنّها المرّة الأولى التي يخط بها قلمي لكم هذه الكلمات واه لها من كلمات، أم هي ساعة حزن وأسى وأنا أنظر بأم عيني كيف يخذلك الورى. أقول: ياهارون ما تظن من أمّة قد قدّست عجلها وأصبح خواره هو الرب الأعلى إنّا لله وإنّا إليه راجعون، بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. أمّا سادتي الأنصار فأقول صبرًا يا بني عمومتي إنّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين. هذا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. المرسل: العبد الحقير المقصر أبو أحمد الجبوري
- السلام عليكم أيّها الأخ العزيز: الدعاء إلى الله الواحد الأوحد الذي لا شريك له أن يرشدني طريق الصواب. كتابنا المقدّس يخبرنا إنّ المعين هو الروح القدس الذي لازال لحد الآن معنا يساعدنا لفهم كلمة الله، ويساعدنا أن نبقى أمناء لله رغم كل الاضطهاد من قبل المسيحية واليهودية والإسلام التي بعض متبعيها لا يريدون أن يعرفوا الله الحق، الله هو الذي أعطى البشر الحياة، وهو الوحيد الذي من حقه أن يستردها إليه، ونحن نتعرّض للقتل من أتباع الديانات الثلاثة. وسؤالنا إذا كانوا يؤمنون بالله السلام، فلماذا هذا القتل ؟ ونشر دياناتهم مع أنبيائهم بالقتل والسيف على عكس المسيح الذي بعثه الله إلى الأرض من أجل السلام، والمدعين المسيحية اليوم بعيدين كل البعد عن السلام في الماضي والحاضر ؟ أرجو دوام المراسلة. المرسل: عادل الموحد
المراجع
- ↑ أحمد الحسن. الجواب المنير عبر الأثير (ج ٢). السؤال ١١١; الصفحة غير متوفر. AL-JAWAB-AL-MUNIR-V2-Q111.
الاستشهاد بهذه الصفحة
الجواب المنير عبر الأثير (ج ٢) - أحمد الحسن. السؤال: ١١١. الصفحة: غير متوفر. AL-JAWAB-AL-MUNIR-V2-Q111. https://ahmedalhasan.org/ar/Library/BookContent/52