الفصول
خلافة محمد (صلى الله عليه وآله):
عقائد الإسلام يليه: يسألونك عن الروح · السيد أحمد الحسن
-خلافة محمد (صلى الله عليه وآله):
-أولاً - النص:
خلافة الله في أرضه ممتدة منذ أنْ بعث الله آدم (عليه السلام)، وبالنسبة لنا لن نتعرض هنا لإثبات خلافة خلفاء الله الذين سبقوا محمداً (صلى الله عليه وآله)، وسنكتفي بالتعرض لإثبات خلافة محمد (صلى الله عليه وآله). وبما أنّ إثبات خلافة أي خليفة إلهي يحتاج للنص، لهذا سنعتمد النصوص في الكتب الإلهية المعتمدة في الديانتين الإبراهيميتين اللتين سبقتا الإسلام أي اليهودية والمسيحية، وهذه الكتب هي العهدان القديم والجديد.
التكوين - الأصحاح الحادي والعشرون:
«فبكر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. ١٥ ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. ١٦ ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس. لأنها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. ١٧ فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر. لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. ١٨ قومي احملي الغلام وشدي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. ١٩ وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. ٢٠ وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. ٢١ وسكن في برية فاران».
وعند الله كثرة العدد لا تمثل أمة عظيمة، فالمراد من الأمة العظيمة - والعظمة لله سبحانه - هم الأنبياء والأوصياء، أي المقصود بالأمة العظيمة من إسماعيل (عليه السلام) هم أنبياء وأوصياء من ذريته، وهؤلاء هم محمد وآل محمد بالخصوص خلفاء الله في أرضه، وهم فقط الأمة العظيمة المعروفة اليوم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، فمن ينكرهم ينكر ما بشرت به التوراة، وينكر أهم أسفارها؛ سفر التكوين.
حبقوق - الأصحاح الثالث:
«١ صلوة لحبقوق النبي على الشجوية ٢ يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة ٣ الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه. ٤ وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».
تيمان تعني اليمن، وفاران تعني مكة، فيكون معنى النص أعلاه:
«الله جاء من تيمان»: أي الله جاء من اليمن.
و «القدوس من جبل فاران»: أي القدوس جاء من مكة.
وتعالى الله أنْ يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض؟! لأنّ الإتيان والمجي تستلزم الحركة، وبالتالي الحدوث، وبالتالي نفي القدم والأزلية، وبالتالي نفي الألوهية المطلقة. فلا يمكن اعتبار أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو الله سبحانه وتعالى. هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد والأرجل تعالى الله عنها علواً كبيراً، «وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».
وبالتالي فالذي جاء وينطبق عليه الوصف الذي في النص أعلاه تماماً هو عبد الله ورسوله محمد، وآله من بعده؛ حيث إنهم من مكة (فاران) ومحمد وآل محمد يمانيون أيضاً؛ لأنّ مكة تهامية وتهامة من اليمن (تيمان). ومجيء محمد هو مجيء الله؛ لأنّ محمداً هو الله في الخلق، كما بيَّنته سابقاً في كتاب التوحيد ([١٠٩]).
ومسألة أنّ تيمان تعني اليمن قد ورد في الإنجيل أيضاً على لسان عيسى (عليه السلام) عندما سمى ملكة اليمن بملكة التيمن (أو تيمان).
إنجيل متى - الأصحاح الثاني عشر:
«ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وهو ذا أعظم من سليمان ههنا».
إنجيل لوقا - الأصحاح الحادي عشر:
«ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان».
إشعيا- الأصحاح الحادي عشر:
«١ ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ٢ ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ٣ ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. ٤ بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ٥ ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه ٦ فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها. ٧ والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تبناً. ٨ ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. ٩ لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ١٠ ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً ١١ ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماة ومن جزائر البحر. ١٢ ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض».
النص أعلاه من العهد القديم وهو يتكلم عن المنقذ في آخر الزمان، وقد فسره المسيحيون بعيسى (عليه السلام) (يسوع)، لكن تفسير المسيحيين للغصن بأنه عيسى (عليه السلام) غير صحيح؛ حيث إنّ النص يأبى تفسيرهم ويناقض عقيدتهم. فعيسى (عليه السلام) بحسب معتقدهم هو الرب المطلق نفسه، فكيف يخاف من الرب وتكون لذته في مخافة الرب؟!! وربما يعلِّلون هذا باللجوء إلى عقيدة الأقانيم الثلاثة الباطلة والمتناقضة والتي بيَّنت بطلانها بالدليل في كتاب التوحيد.
كما أنّ عيسى لم يحكم ولم يقضِ بين الناس، فهو لم يتمكّن من إقامة العدل أو إنصاف المظلومين، فكيف ينطبق عليه النص أعلاه؟!
وعيسى (عليه السلام) لم يتحقق في زمنه ما يصوّره النص من أنّ الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر، ويكون لهذه المعرفة أثر وهو أنّ الأغنياء يواسون الفقراء، وأنّ القوي يعين الضعيف، وأنّ تخلو الأرض من الظلم تقريباً، فلم يتحقق هذا حتى على مستوى منطقة أو مدينة صغيرة.
فالنص كله تقريباً بعيد كل البعد عن عيسى (عليه السلام) وعن دعوته، فهو لم يجمع منفيي إسرائيل (يعقوب عندهم)؟؟ ولم يضمَّ مشتتي يهوذا (ابن يعقوب عندهم) من أطراف الأرض؟؟ ولو قالوا: جمعهم وضمّهم بالإيمان به، أيضاً لا يصح؛ لأنّ دعوة عيسى (عليه السلام) إلى حين رفعه لم تتجاوز حدود مدن قليلة على مستوى التبليغ بها فضلاً عن الإيمان والاعتقاد بها. بينما نجد النص يقول: إنّ هذا الشخص يضم مشتتي يهوذا من أطراف الأرض، أي أنّ معنى النص: أنّ هذا الشخص يؤمن به ويعتقد به في زمن بعثته أناس كثيرون من مختلف دول العالم ومن الدول النائية عن مكان بعثته بالخصوص (أطراف الأرض).
«ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض»:
كلمة يهوذا معناها بالعربي: (حمد) أو أحمد.
في التوراة في سفر التكوين - الأصحاح التاسع والعشرون:
«٣٥ وحبلت أيضاً وولدت ابناً وقالت هذه المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا. ثم توقفت عن الولادة» ([١١٠]).
وكلمة إسرائيل معناها بالعربي: عبد الله.
فيكون النص: «ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل "عبد الله" ويضم مشتتي يهوذا "أحمد" من أربعة أطراف الأرض».
ومحمد عند بعثه نزل القرآن في أنه هو أحمد أو (يهوذا) المبشّر به في الكتاب، أي أنه ادعى أنّ هذا النص ينطبق عليه، وكما أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله) قال: أنا عبد الله وأنا إسرائيل وما عناه عناني.
إذن، فأحمد (يهوذا) وعبد الله (إسرائيل) المبشر به في الكتاب المقدس قد جاء وادعى النص وهو محمد (صلى الله عليه وآله).
أيضاً: في الإسلام (المشتتون) الذين يجتمعون كقزع الخريف من أطراف الأرض لنصرة القائم (المهدي الأول أحمد) هم أنصار الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، كما هو معلوم من روايات محمد وآل محمد.
أما النص من الله سبحانه وتعالى، فالله في القرآن بيّن أنه سبحانه وتعالى نص على محمد لمن طلبوا نص الله سبحانه، وقدّم نفسه شاهداً لمن يطلبون شهادته. وطريق شهادة الله للناس هو الملكوت، أي الرؤى المحكمة التي يراها الإنسان ويتضح له منها طريق الحق.
قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: ٩٦].
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
ومن يطلبون شهادة الله لمحمد (صلى الله عليه وآله)؛ فالله بالأمس واليوم وغداً يقدم نفسه شاهداً لمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله). فعلى الإنسان فقط الإخلاص في طلبه لله لمعرفة الحق، وسيكلّمه الله بالرؤى والطرق الملكوتية الروحية، ويبيّن له الحق وأنه مع محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله).
وفي زمن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) طلب كثير من الناس شهادة الله لهم بالرؤى، وقد شهد الله لهم وآمنوا نتيجة رؤاهم المحكمة التي رأوها والتي بيّن فيها الله لهم حق محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله). وهذه بعض الرؤى التي شهد الله فيها لرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله):
١. عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال:
«دخل جندب ابن جنادة اليهودي من خيبر على رسول الله، فقال: يا محمد، أخبرني عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله. فقال رسول الله: أما ما ليس لله فليس لله شريك، وأما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد، وأما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود "إنه عزير ابن الله" والله لا يعلم له ولداً. فقال جندب: أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله حقاً. ثم قال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران ع فقال لي: يا جندب أسلم على يد محمد واستمسك بالأوصياء من بعده...) ([١١١]).
٢. أخرج ابن عساكر في قصة إسلام سعد بن أبي وقاص بسنده:
«عن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئاً إذ أضاء لي قمر فاتبعته فكأني أنظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر فأنظر إلى زيد بن حارثة وإلى علي بن أبي طالب وإلى أبي بكر وكأني أسألهم: متى انتهيتم إلى ها هنا ؟ قالوا: الساعة، وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مستخفياً، فلقيته في شعب أجياد وقد صلى العصر فقلت: إلى ما تدعو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: قلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله» ([١١٢]).
٣. روى ابن سعد والحاكم وغيرهما:
«قال محمد بن عمر قال حدثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كان إسلام خالد بن سعيد قديماً وكان أول إخوته أسلم وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله به أعلم ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها ويرى رسول الله آخذا بحقويه لئلا يقع ففزع من نومه فقال أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق ... فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال: يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فسر رسول الله بإسلامه..»([١١٣]).
أيضاً يضاف إلى النص المعجزات التي أيد الله بها دعوة محمد (صلى الله عليه وآله).
-ثانياً - العلم والحكمة:
في الكتاب المقدس هناك الحكمة والعلم والدعوة إلى الله، وبيان أنّ دعاة الشيطان يتكلمون بالسفه، بينما دعاة الله يتكلمون بالحكمة، وقد جاء محمد (صلى الله عليه وآله) بالحكمة والعلم.
قال عيسى (عليه السلام):
«... وكان يخرج شيطاناً وكان ذلك أخرس. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس. فتعجب الجموع. ١٥ وأما قوم منهم فقالوا ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين. ١٦ وآخرون طلبوا منه آية من السماء يجربونه. ١٧ فعلم أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وبيت منقسم على بيت يسقط. ١٨ فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته ...» ([١١٤]).
فمن يؤمنون بالإنجيل ليقرأوا نصوصاً من القرآن ويتدبروها بإنصاف، ثم على ضوء النص الإنجيلي السابق؛ هل يمكنهم اعتبار هذه النصوص شيطانية كما يفعل الموتورون الذين لا همَّ لهم إلا سبّ محمد؟
وهذه أمثلة من النصوص القرآنية:
﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء: ٣٦].
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣].
فليقرأوا هذه الآيات من سورة الإسراء ويسألوا أنفسهم:
هل الشيطان يدعو لعبادة الله وحده؟ هل الشيطان يدعو لمكارم الأخلاق، والإحسان للوالدين وللفقراء، وإنفاق المال ومساعدة من يحتاج للمساعدة، وينهى عن القتل، وعن الزنا، وعن الاعتداء على مال اليتيم، ويأمر بالإيفاء بالوعد، والإيفاء بالكيل؟
وإذا كان الشيطان يأمر بهذه الأخلاق الطيبة فالله سبحانه وتعالى يأمر بماذا عندهم؟
أليست هذه هي وصايا كل الأنبياء وحكمتهم التي جاءوا بها من عند الله:
﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ [الإسراء: ٢٢ - ٣٩].
عيسى (عليه السلام) قال:
«كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وبيت منقسم على بيت يسقط. ١٨ فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته».
أليس المفروض بالمسيحيين أنْ يجعلوا هذا القول مقياساً يقايسون به ما جاء في القرآن ليعلموا أنه من عند الله.
أليس هذا هو قياس عيسى (عليه السلام)، فلماذا الإعراض عنه؟! اللهم إلا الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه؟
القرآن مليء بالحكمة والدعوة إلى الخير وإلى التحلي بالأخلاق الطيبة الكريمة، فكيف يكون من الشيطان السفيه الذي يدعو إلى الشر وإلى الأخلاق الذميمة، هل الشيطان منقسم على نفسه؟ هل مملكة الشيطان منقسمة على نفسها؟
أليس هكذا يميز الشيطان بأنه يدعو لإقامة مملكته وليس لهدمها.
أعتقد أنّ الناس - لو أرادوا - فهم قادرون على التمييز بين الحكمة والسفه، بين الخير والشر، بين الأخلاق الطيبة وبين الأخلاق الذميمة.
ومملكة الشيطان غير منقسمة على نفسها، فلا تدعو للخير بل للشر؟ ولا تدعو للأخلاق الكريمة بل للأخلاق الذميمة؟
«كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وبيت منقسم على بيت يسقط. ١٨ فإن كان الشيطان أيضاً ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته».
ثم فلننظر إلى التصحيح العقائدي الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه من بعده، والعودة للتوحيد ونقض عقيدة الثالوث، وقد بيّنت كيف أنّ هذه العقيدة باطلة وغير صحيحة من نفس الإنجيل، ومن يأتي بالحق أحق أنْ يتبع فمن أبطل عقيدة الكنيسة ومن الكتاب المقدس بصورة لا لبس فيها أحق أنْ يتبع ([١١٥]).
وأيّ منصف يقرأ القرآن بتجرّد يجد أنّ العلم والحكمة التي جاء بها محمد في القرآن حكمة بالغة لا يمكن أنْ تكون إلا منه سبحانه.
-ثالثاً - حاكمية الله:
محمد (صلى الله عليه وآله) طالب بحاكمية الله، بل ولما سنحت له الفرصة طبّق حاكمية الله في المدينة المنورة ثم مكة والحجاز، وبيَّن بوضوح أنّ الحق في حاكمية الله، وأنّ كلَّ فرق المسلمين التي ستخرج عن حاكمية الله هي فرق ضالة. وحديث الفرقة الناجية وصفتها أشهر من نار على علم.
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قال من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»([١١٦]).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار إلا واحدة قالوا وما تلك الفرقة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ([١١٧]).
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثل بمثل وإنهم تفرقوا على اثنين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم واحدة كلها في النار غير واحدة. قال: قيل: يا رسول الله وما تلك الواحدة؟ قال هو: ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي» ([١١٨]).
إذن، صفة الفرقة الناجية هي أنها فرقة فيها علاقة كما كانت العلاقة بين رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، وهي علاقة واضحة فرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) قائد منصّب من الله وأصحابه مؤمنون بهذه القيادة الإلهية.
تبقى مسألة الإشكال والجدال، فهذا يقول لماذا محمد فعل كذا، ولماذا قال كذا، ولو كان رسول لما قال هذا ولما فعل ذاك، والقرآن مخالف لقواعد العربية والنحو وفيه لحن وركاكة في البلاغة، وإشكالات يمكن أنْ توجه نفسها إلى أيِّ رسول أو كتاب أو دين إلهي آخر، وهي مردودة.
في حين أننا لابد أنْ نلتفت إلى أنّ من ينتقل إلى الإشكال قبل أنْ يرد الدليل وينقضه ويبيِّن أنه ليس دليلاً، فهو في الحقيقة قد أقرَّ الدليل والعقيدة التي يشكل عليها وأنفذها، وإنما هو بإشكاله في طور تجليتها وإظهارها؛ لأنّ الإشكالات لا تعدو كونها إشكالات ترد ولا قيمة لها في الحقيقة، غير أنها أداة استخفاف طاغوتية يستعملها علماء الضلال والطواغيت لاستخفاف أتباعهم وإبقائهم على اتّباعهم وتقليدهم الأعمى ليحتفظوا بمناصبهم ودنياهم.
وهم بعد أنْ تهدم عقيدتهم الباطلة وتسقط كل إشكالاتهم يعودون إلى أتفه إشكال، هدفهم منه إثارة عواطف أتباعهم تجاه آبائهم وسلفهم، وهو إشكال فرعون على نبي الله موسى (عليه السلام) حيث كان قول فرعون: ﴿... فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]، فكان جواب موسى (عليه السلام): ﴿...عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
وقد بيّنت جواب هذا الإشكال أيضاً في مسألة أزمنة الفترات وحال الناس فيها.
الهوامش
- ↩[١٠٩] . "لما كان الله هو الكامل الذي يؤله إليه في سد النقص وكسب الكمال، أصبح الاتصاف بصفة الألوهية عموماً غير منحصر به سبحانه وتعالى عما يشركون، بلى الألوهية المطلقة منحصرة به سبحانه وتعالى، فكلمة لا اله إلا الله كلمة التوحيد لأننا أردنا بها الألوهية المطلقة، فصفة الألوهية عموماً تشمل الكامل من خلقه الذي يأله إليه غيره ليفيض عليه الكمال ويسد نقصه، فأصبح محمد (صلى الله عليه وآله) وهو صورة الله سبحانه وتعالى ووجه الله سبحانه تعالى هو الله في الخلق، ولكن الفرق بين اتصاف محمد (صلى الله عليه وآله) بصفة الألوهية وبين ألوهيته سبحانه وتعالى أن اتصاف محمد (صلى الله عليه وآله) بصفة الألوهية مقيد بالنقص والاحتياج إليه سبحانه وتعالى، وألوهيته سبحانه وتعالى ألوهية مطلقة، ولهذا جاء هذا الوصف الصمد أي الذي لا ثغرة فيه ولا نقص فيه لتسبيحه وتنزيهه، ولبيان أن ألوهيته سبحانه وتعالى منزهة مسبحة لا ثغرة فيها ولا نقص فيها" كتاب التوحيد، من يطلب التفصيل في هذا الموضوع يمكنه الرجوع لكتاب التوحيد.
- ↩[١١٠] . جاء في قاموس الكتاب المقدس في شرح كلمة "يَهوذا ابن يعقوب": "اسم عبري معناه "حمد" وهو رابع أبناء يعقوب من ليئة، وولد في ما بين النهرين "تك ٢٩: ٣٥". وأعطي هذا الاسم لسبب شكر أمه عند ولادته".
- ↩[١١١] . كفاية الأثر - الخزاز القمي: ص٥٧ - ٥٨؛ بحار الأنوار - المجلسي: ج ٣٦ ص٣٠٤.
- ↩[١١٢] . تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر: ج ٢٠ ص٢٩٩؛ أسد الغابة - ابن الأثير: ج ٢ ص٢٩٢؛ الوافي بالوفيات - الصفدي: ج ١٥ ص٩١.
- ↩[١١٣] . الطبقات الكبرى - ابن سعد: ج ٤ ص٩٤؛ المستدرك - الحاكم: ج ٣ ص٢٤٨؛ أسد الغابة - ابن الأثير: ج ٢ ص٨٢.
- ↩[١١٤] . الأصحاح الحادي عشر - إنجيل لوقا.
- ↩[١١٥] . بيّنت بطلان عقيدة ألوهية عيسى المطلقة عقلاً، وكذا بيّنت بطلانها في كتاب التوحيد من نفس نصوص الإنجيل (فصل الخطاب من الإنجيل: عيسى سلام الله عليه يجهل الساعة: عيسى يقول عن نفسه إنه يجهل الساعة التي تكون فيها القيامة الصغرى: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب" [مرقس ١٣]، والجهل نقص بينما اللاهوت المطلق كامل مطلق لا يعتريه نقص أو جهل؛ لأنه نور لا ظلمة فيه فالجهل يعتري المخلوق لوجود الظلمة في صفحة وجوده. إذن، عيسى (عليه السلام) نور وظلمة وهذا يثبت المطلوب أن عيسى ليس لاهوتاً مطلقاً، بل عبد مخلوق من ظلمة ونور، وليس نوراً لا ظلمة فيه، تعالى الله علواً كبيراً. وفي هذا فصل الخطاب وبيان وموعظة لأولي الألباب، وهذا نص كلام عيسى (عليه السلام) كما جاء في إنجيل مرقس: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب. ٣٣ أنظروا. إسهروا وصلوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت. ٣٤ كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله وأوصى البواب أن يسهر. ٣٥ اسهروا إذاً. لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحاً. ٣٦ لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً. ٣٧ وما أقوله لكم أقوله للجميع اسهروا" [مرقس ١٣]) كتاب التوحيد، ومن يطلب تفصيلاً أكثر يمكنه الرجوع إلى كتاب التوحيد.
- ↩[١١٦] . سنن الترمذي: ج ٤ ص١٣٥.
- ↩[١١٧] . مجمع الزوائد - الهيثمي: ج ١ ص١٨٩.
- ↩[١١٨] . معاني الأخبار - الصدوق: ص٣٢٣.