الفصول
النبوة والوحي
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم
![]()

يثير المشككون عدة شبهات تتصل بنبوة الرسول ووحي الله إليه، وقبل استعراض شبهاتهم يحسن بنا الوقوف على معنى النبوة والوحي.
١. معنى النبوة الديني:
روى الصدوق: (عن ابن عباس، قال: قال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وآله: السلام عليك يا نبيء الله. قال: لست بنبيء الله ولكني نبي الله).
ثم قال: (النبوة لفظ مأخوذ من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض فمعنى النبوة الرفعة ومعنى النبي الرفيع، سمعت ذلك من أبي بشر اللغوي بمدينة السلام) (١).
وقال الطوسي: (النبي في العرف هو المؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر ومعنى النبي في اللغة يحتمل أمرين:
أحدهما - المخبر، واشتقاقه يكون من "الإنباء" الذي هو الإخبار، ويكون على هذا مهموزاً. والثاني - أن يكون مفيداً للرفعة وعلو المنزلة، واشتقاقه يكون من "النباوة" التي هي الارتفاع. ومتى أريد بهذا اللفظ علو المنزلة فلا يجوز إلا بالتشديد بلا همز) (٢).
والصحيح إنّ النبوة مأخوذة من "نبأ = خبر"، فالنبي هو من لديه أخبار السماء.
يقول السيد أحمد الحسن في كتاب "النبوة الخاتمة": (معنى كلمة نبي "الديني"؛ هو الشخص الذي يَعرف الأخبار من السماء. فكلمة نبي في الأصل مأخوذة من "نبأ" أي خبر، وليس من كلمة "نبا" أي ظهر وارتفع. والحقيقة أنّ كلمة "نبأ" هي المأخوذة من "نبا"، فالنبأ هو الغيب الذي ظهر وارتفع ليراه الناس، وعُرف بعد أن كان مستوراً ومجهولاً).
أما كيف تصل أخبار السماء إلى الإنسان (النبي بالتحديد)؟
يقول: (وأخبار السماء تصل إلى الإنسان بسبل متعدّدة - وإن كان يجمعها طريق واحد في الأصل - فيمكن أن يكلّم الله الإنسان مباشرة من وراء حجاب، أو يوحي له ما شاء أي يكتب في صفحة وجود الإنسان ما شاء سبحانه وتعالى، أو يرسل ملائكة يكلمون الإنسان مباشرة أو يكتبون في صفحة وجوده ما شاء الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَُّّ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ" [الشورى: ٥١ ].
أمّا طريقة هذا الكلام والوحي والكتابة؛ فهي ربما كانت بالرؤيا في المنام، أو بالكشف في اليقظة. و أقول الكشف؛ لأنّ عالم الأرواح غير هذا العالم الجسماني، فلكي يطّلع عليه الإنسان ويتّصل به لابد أن يكشف عنه حجاب هذا العالم الجسماني) (١).
وأيضاً: أوضح السيد أحمد الحسن في الكتاب المذكور أموراً أخرى تتصل بالنبوة، منها:
١- ليس ضرورياً أن يكون كل نبي (بمعنى: من يعرف أخبار السماء) هو مرسل من الله، بل ربما وجد أكثر من نبي في زمن واحد، ولكن الله سبحانه يرسل أحدهم (أفضلهم بالطبع) ويكون حجة عليهم وعلى غيرهم من الناس.
٢- إنّ النبي المرسل من قبل الله أكيد يعصمه الله ويطلعه على ما يحتاج من الغيب المحفوظ بالرصد الإلهي المسخّر له.
قال تعالى: "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً" [الجن: ٢٧ - ٢٦ ]. "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَِّّ" [الرعد: ١١ ].
قال السيد أحمد الحسن: (يكونون من بين يديه، ومن خلفه ليحفظونه بأمر الله سبحانه وتعالى من شر شياطين الإنس والجن، ومن إلقاءاتهم وباطلهم. فهذا الرصد الملائكي يكون مانعاً وصاداً للشياطين من التدّخل أو الإلقاء في رسالة السماء عند نزولها إلى هذا العالم السفلي الجسماني، وبالتالي تصل رسالة السماء إلى النبي المُرسل صحيحة ونقيّة ومحفوظة من إلقاء الشيطان:
- "لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت:
٤٢ ].
- "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ) (١). وَ [الحجر: ٩]
بهذا يتضح أنّ أخبار السماء والغيب الذي يصل إلى الأنبياء المرسلين يختلف في نقاوته ودقته عن الغيب الذي يطلع الله عليه غيرهم من الناس وإن كانوا مؤمنين ومخلصين.
يقول السيد أحمد الحسن في بيان هذه الحقيقة في موضع آخر: (قال تعالى: "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً *عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً" [الجن: ٢٨ - ٢٥ ].
يعني: يطلع رسله على الغيب، وكما بيّنت سابقاً: يطلعهم بقدر وليس كل الغيب "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً" أي: لا أعلم متى هو.
وأيضاً: حتى الاطلاع على الغيب بصورة صحيحة ودقيقة ليس بأمر هيّن أو ممكن لكل أحد حتى وإن أخلص لله سبحانه؛ لأنها معلومات تنزل إلى هذا العالم السفلي، وبالتالي يمكن أن تختلط بوساوس الشيطان وما شابه من باطل، لهذا فالغيب النقي الذي لا يمكن أن يمسه وساوس الشيطان وما شابه فقط عند الرسل؛ لأن جهتهم محميّة من قبله سبحانه، قال تعالى: "إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً".
"فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً"؛ أي: لأنه توجد حماية للغيب النازل للرسول فلا يمكن أن يختلط بكلام الشيطان أو الباطل، ولهذا فهو صحيح ودقيق) (١).
٣- عند بعثة النبي المرسل يصبح الجميع ممتحناً به ومطالب بتصديقه بما في ذلك بقية الأنبياء (الذي يعرفون أخبار السماء) الموجودين في زمانه، والمفروض أنّ الامتحان بالنسبة لهم أسهل من غيرهم نتيجة إطلاع الله لهم بسبب تميّزهم على غيرهم بالطاعة والعبادة، ولكن مع هذا تبقى لديهم نسبة من الجهل لأجل تحقق الامتحان لديهم.
٤- واحدة من سبل وحي الله للأنبياء المرسلين هي الرؤى الصادقة، وأنّ وحي الله لهم بدأ بالرؤيا، مع الالتفات إلى أنهم كانوا يرون الرؤى قبل وبعد إرسالهم. وبخصوص الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فقد كان يرى الرؤى قبل وبعد إرساله وكانت تقع كما يراها.
(محمد بن كعب وعائشة: أول ما بدأ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة وكان يرى الرؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلا فكان يخلو بغار حري) (٢).
يقول السيد أحمد الحسن: (ولولا أنّ الأنبياء المرسلين عليهم السلام صدّقوا وآمنوا وعملوا بتلك الرؤى التي رأوها قبل إرسالهم؛ لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من المقام العالي، والقرب من الله سبحانه وتعالى؛ ولما اصطفاهم الله أصلاً لرسالاته: " قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ") (٣).
وهذا ما يفسّر شدة اهتمام الرسول بالرؤى الصادقة، بل وكان يعتبرها نبوة ومن مبشراتها (١).
بهذا يكون قد اتضح لنا:
١- معنى النبوة الديني، وسبل وصول الغيب وأخبار السماء إلى النبي المرسل، وعلى رأسها الرؤى الصادقة. ٢- إنّ أخبار السماء والوحي الواصل إلى النبي المرسل محفوظ ومحمي برصد إلهي يضمن معه وصول رسالة الله ووحيه نقياً ودقيقاً إلى النبي المرسل في هذا العالم الجسماني وتبليغها إلى الناس كما يريد الله، بنحو لا يخالطها شيئاً من دسائس الشياطين وجنودهم.
٢. معنى الوحي الديني:
الوحي دينياً يعني كلام الله، وهو أمر أوضحه الإمام علي (عليه السلام) في جواب السائل المشكك بالقرآن، حيث قال: (..... فأما قوله "ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب" فإنه ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً وليس بكائن إلا من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك وتعالى علواً كبيراً، قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء فيبلغ رسل السماء رسل الأرض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل هل رأيت ربك فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن أين تأخذ الوحي؟ فقال: آخذه من إسر افيل فقال: ومن أين يأخذه إسر افيل؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً، فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ، فهو كلام الله، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله،
فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد فإن منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الأرض، قال: فرجت عني فرج الله عنك وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين) (١).
واضح من النص أنّ الوحي - بشكل عام - على عدة أنحاء:
١- فمنه ما كلّم الله به رسله. ٢- ومنه ما قذفه في قلوبهم. ٣- ومنه رؤيا يُريها الرسل. ٤- ومنه وحي تنزيل يُتلى ويقرأ.
ويجمع الأنحاء كلها صفة واحدة هي أنّ الجميع "كلام الله".
لابد أن نعرف - أيضاً - أنّ الوحي لا يختص بالأنبياء فقط، وإنما يشمل عموم الخلق، فالله سبحانه أوحى إلى النحل، قال تعالى: "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ" [النحل: ٦٨ ]، وأوحى إلى الملائكة، قال تعالى: "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا" [الأنفال: ١٣ ]، وأوحى إلى أم موسى وهي ليست من الأنبياء، قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" [القصص: ٧].
يقول الشيخ المفيد: (وقد يكون ارتباط إنسان مع الله (تعالى) بالوحي أو بنزول الملك لا بعنوان أن يكون نبياً ينبأ عن الله (تعالى) أو رسولاً وسفيراً بينه وبين خلقه بل لتسديده في نفسه أو ليلتذ بمناجاة ربه لأنه يحبهم ويحبونه، أو يعلمه (تعالى) وظائفه الشخصية وإن كانت وظيفته تكميل دين نبيه وحفظ الأمة عن الضلال) (٢).
نعم، ما يختص به الأنبياء هو الوحي الرسالي والتبليغي، أي تبليغ رسالة إلهية إلى العباد والمكلفين.
وأيضاً: الرؤيا الصادقة من الوحي، لذلك عدّها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النبوة كما تقدم في ارتباط النبوة بالرؤيا، و أيضاً: لأن الرؤيا من الوحي والوحي كلام الله وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) رؤيا المؤمن بأنها كلام الله، قال: (رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلم به الرب عنده) (١).
أما بالنسبة للوحي عند علماء المسلمين، فهو - كما قالوا - إعلام في خفاء أو الإشارة السريعة التي قد تحصل بكتابة أو رسالة أو الهام ونحو ذلك.
قال الراغب الأصفهاني: (وحى: أصل الوحي الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحى وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة، ..... ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحى وذلك أضرب حسبما دل عليه قوله "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً - إلى قوله - بإذنه ما يشاء" وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل عليه السلام للنبي في صورة معينة، وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله، وإما بإلقاء في الروع كما ذكر عليه الصلاة والسلام "إن روح القدس نفث في روعي"، وإما بإلهام نحو "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" وإما بتسخير نحو قوله "وأوحى ربك إلى النحل" أو بمنام كما قال عليه الصلاة والسلام "انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن" .....) (٢).
تعقيب: يمكننا أن نقول: إنّ كل الأقسام التي ذكروها للوحي يجمعها أيضاً صفة "كلام الله"، فالإشارة السريعة والكتابة والرسالة والإلهام وما يُلقى في الروع من قبل الملك أو الرسول والتسخير والرؤيا كلها كلام الله، لكن لا بمعنى الكلام بلغة (اللغة التي نعرفها والمؤلفة من حروف وكلمات وأصوات)؛ لأن الله سبحانه منزّه عن أن يتكلم بلغة كهذه، فهي تعبّر عن نقص وحاجة وتتصف بصفات الحوادث، وإنما معنى أنها "كلام الله" هو أنّ الله سبحانه يملأ صفحة وجود المخلوق (الإنسان والملك والجن وحتى النحل وسائر
المخلوقات) بما يريد ويبلغه ويعلمه بما يريد من خلال إثارة ما يحتويه وجود المخلوق وما يختزنه من دفائن في وجوده وكيانه توصله بالنتيجة إلى معرفة مراد الله.
فالله سبحانه يتكلّم مع الملائكة والإنسان بوحيه لهم بأن يملأ صفحة وجود كل منهم وينقش في روحه ما يريد سبحانه، بنحو يستوعب كل منهم رسالة الله له ومراده من وحيه، وكذا الحال بالنسبة للجن والنحل وسائر المخلوقات، كلٌّ بحسبه. لهذا كانت "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق".
ولما أقول إنّ الله يتكلم مع الإنسان بوحيه لا أعني بالضرورة أن يكون كلامه ووحيه له بشكل مباشر من وراء حجاب، وإنما قد يكون - وهو الغالب - من خلال توسط سلسلة من رسل الله "الملائكة مثلاً" يتنزل وحي الله من خلالها حتى يصل إلى الإنسان كما تقدم في بيان طرق وصول أخبار السماء إلى الانسان في هذا العالم.
"عن أبي جعفر عليه السلام في قوله "ذو العرش المجيد" فهو الله الكريم المجيد وقال علي ابن إبراهيم في قوله "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" قال اللوح المحفوظ له طرفان طرف على يمين العرش وطرف على جبهة إسر افيل، فإذا تكلم الرب جل ذكره بالوحي ضرب اللوح جبين إسر افيل فينظر في اللوح فيوحى بما في اللوح إلى جبرئيل عليه السلام" (١).
قال الشيخ الصدوق رحمه الله في "باب الاعتقاد في كيفية نزول الوحي من عند الله بالكتب في الأمر والنهي": (اعتقادنا في ذلك أن بين عيني إسر افيل لوحاً، فإذا أراد الله تعالى أن يتكلم بالوحي ضرب اللوح جبين إسر افيل، فينظر فيه فيقرأ ما فيه، فيلقيه إلى ميكائيل، ويلقيه ميكائيل إلى جبرائيل، فيلقيه جبرئيل إلى الأنبياء. وأما الغشوة التي كانت
تأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها كانت تكون عند مخاطبة الله إياه حتى يثقل ويعرق) (١).
كلام الله وحيه، ووحيه سبحانه ليس بلغة. لهذا وصف حجج الله (صلوات الله عليهم) الوحي ومنه وحي القرآن بـ "وقع الحديد على الصفا (٢)" أو "جر السلسلة على الصفا" أو "صلصلة ورنين الجرس":
(عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحياً فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث محمد فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله فسمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم يقول كشف عن قلوبهم فقال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) (٣).
(الحرث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عني قد وعيت عنه ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول) (٤).
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم. قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق) (٥).
والآن، وقد اتضح لنا باختصار المعنى الديني للنبوة والوحي، نعود إلى طرح شبهات المشككين المتصلة بهذا الجانب.
![]()
يتهم أغلب المشككين الرسول بأنه (وحاشاه) كان شاكّاً ومتردداً في معرفة هوية الوحي النازل عليه والمصدر الآتي منه في أول وقت بعثه وإرساله، ومستندهم في ذلك بعض الروايات الواردة في كتب المسلمين الحاكية لسيرته في تلك الفترة حيث أشارت إلى أنه كان في حيرة من أمره ولم يكن يعلم بنبوّته حتى إنّ ورقة بن نوفل كان يطمئنه!
ويضيف بعضهم: إنّ الوحي النازل عليه في أول بعثته كان عبارة عن رؤى في النوم فقط بما في ذلك ما جرى معه في غار حراء في الحادثة المعروفة عند بلوغه سن الأربعين من عمره، والتي هي لحظة بعثه ونزول الوحي عليه كما يعتقد أغلب المسلمين.

ما ورد في بعض كتب أهل السنة مما يستشف منه أنّ الرسول (وحاشاه) كان متردداً وفي حيرة من أمر نبوّته أو كان خائفاً وشاكّاً بنبوّته وأنّ ورقة بن نوفل كان يطمئنه ويسكّن من روعه وخوفه، فهي روايات تحمل مضامين غير صحيحة ولا نعتقد بها، وهذا مثال لها:
روى البخاري: (عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما انا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما انا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال أقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه
الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي (١) فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أو مخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودي وان يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي) (٢).
أقول: هذه ثمة ملاحظات على هذه الرواية وما شابهها من روايات تخص مسألة بدء الوحي والوحي النازل على الرسول في غار حراء، وهي تتضمن - أيضاً - عقيدتنا التي ندين إلى الله بها في مسألة بدء الوحي للرسول (صلى الله عليه وآله):
١- ابتداء نزول الوحي على الرسول بالرؤيا أمر صحيح وأكدته روايات وردت عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)، لكن القضية لم تقتصر على الوحي بالرؤيا فقط، وإنما ابتدأ الوحي بالرؤيا ثم كان باليقظة بعدها.
٢- لم يكن نزول الوحي على الرسول مقتصراً على غار حراء، بل كان ينزل عليه في غار حراء وفي غيره أيضاً، وكان الوحي بالرؤيا سبق الوحي النازل عليه في غار حراء في الحادثة المشار لها بالرواية، وهذا يعني أنّ الاعتقاد بأنّ بدء نزول الوحي على الرسول بحادثة غار حراء المشهورة اعتقاد غير صحيح.
يقول السيد أحمد الحسن: (بالنسبة لبداية الوحي للرسول صلى الله عليه وآله كان بالرؤيا ثم بعدها باليقظة، وكان بعضه في غار حراء) (١).
روى المجلسي في بحاره: (أن النبي صلى الله عليه وآله لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتياً أتاه فيقول: يا رسول الله، وكان بين الجبال يرعى غنماً فنظر إلى شخص يقول له: يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكتم ذلك، ...) (٢).
وروى الكليني: (عن الأحول قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلاً فيراه ويكلمه فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ونحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل عليه السلام من عند الله بالرسالة وكان محمد صلى الله عليه وآله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبلاً، ...) (٣).
قوله: "ما كان رأى صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي"، "جمع له النبوة وجاءته الرسالة" يمكن أن نفهم منه بأنّ ما حصل مع الرسول في حادثة غار حراء هو وحي رسالي (وحي بمستوى الرسالة) جاء به جبرئيل من عند الله، وما كان ينزل على الرسول قبل هذه الحادثة من وحي هو وحي بمستوى النبوة.
٣- في كل حالات نزول الوحي على الرسول كان الرسول يعرف مصدر الوحي تماماً في كل تلك المو اقف، ولم يخالطه شك ولا ريب في موقف منها إطلاقاً؛ فضلاً عن أن يكون شاكاً أو متردداً في مصدر الوحي الذي حصل معه في غار حراء.
٤- ما ورد في الرواية من تكرار قول الرسول للملك: "ما أنا بقارئ" بعد قوله له: "اقرأ" وتكرار مسألة "الغط" ثلاث مرات أيضاً في غار حراء، قول غير صحيح ولا نعتقد به؛
لأنه يعني أنّ الرسول كان يجهل تماماً حالة الوحي التي واجهها في غار حراء، وهذا يتنافى مع كونه يُوحى له قبل ذلك بالرؤيا وكان يعرف مصدر الوحي في كل حالات الوحي المتقدمة التي أدّت به إلى الانقطاع إلى عبادة الله والتوجه إليه سبحانه كما تشير له الروايات الواردة عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيأتي ذكر بعضها لاحقاً.
٥- مسألة ذهاب الرسول إلى ورقة بن نوفل، لا تعني أنّ الرسول كان متردداً أو شاكّاً في نبوّته كما توهم المشككون، ولا صحة لأيِّ نصٍّ روائي يُستشف منه ذلك، بل الصحيح أنّ ذهابه إلى ورقة وأمثاله من علماء الأديان كان لأجل تبليغهم برسالة الله له وإخبارهم بوحيه إليه ودعوتهم إلى دين الله.
سألت السيد أحمد الحسن عمّا ورد ذكره في روايات سنيّة في بدء بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله) وقول الملك له: "اقرأ" وجواب الرسول له: "ما أنا بقارئ"، ثم رجوعه خائفاً وذهابه مع السيدة خديجة إلى ورقة... إلخ، ممّا ورد ذكره في رواية عائشة المتقدمة وغيرها أيضاً، فأجاب:
(... أما ذهابه لورقة بن نوفل أو غيره من علماء الأديان في وقته فلا مانع في كونه يبلّغهم ويعرّفهم حاله وأنه يوحى له، أما تفاصيل الرواية التي ذكرتها وكونه يجهل تماماً الحالة التي واجهها في غار حراء فهذا الكلام لا يستقيم مع حال الرسول صلى الله عليه وآله و أنه كان قد سبق له الوحي بالرؤيا وكونه كان يذهب لغار حراء للتوجه لله والعبادة، فحادثة غار حراء ليست مفاجئة تماماً وإنما مجرد حالة وحي جديدة واجهها الرسول كما واجه حالات الوحي التي سبقتها وعرفها وعرف مصدرها الذي كان يتوجّه إليه ويتقرّب منه بالعبادة) (١).
٦- أما دور السيدة خديجة (عليها السلام) في بدء بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فنحن نعتقد أنها والإمام علي (عليه السلام) أول من آمنا بالرسول وصدّقا برسالته بمجرد أن دعاهما إلى الإسلام، وهو أمر واضح في روايات أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) وحتى في روايات غيرهم.
آزرت خديجة (عليها السلام) الرسول ووقفت إلى جانبه ونصرته بنفسها ومالها وكل ما لديها، حتى إنّ أم سلمة تذكر أنها - ومعها بعض نساء الرسول - ذكرت خديجة عنده يوماً - بعد رحيل خديجة - فقال: (خديجة وأين مثل خديجة، صدقتني حين كذبني الناس وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إن الله عز وجل أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب [الزمرد] لا صخب فيه ولا نصب) (١).
في أوائل أيام بعثة الرسول أمره الله أن ينقطع عن خديجة لأمر يتعلق بالرسالة، فرضيت لكن فراق الرسول أحزنها، فأرسل الرسول لها عمار بن ياسر لينقل لها رسالته التي يقول فيها: (يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة ولا قلي، ولكن ربي عز وجل أمرني بذلك لينفذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلا خيراً، فإن الله عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً) (٢).
النصوص في فضلها كثيرة جداً، ولست في مقام بيانها الآن؛ لأن البحث مخصص لإجابة شبهات، لكن ما أريد بيانه هنا: إنّ السيدة خديجة لم تتردد إطلاقاً في التصديق ببعث الرسول منذ أول انطلاقته بدعوته، ولا أنها فعلت شيئاً تختبر فيه ما كان يراه الرسول في غار حراء، وهل أنه وحي من الله أو شيء آخر كما تشير إليه بعض روايات أهل السنة كالرواية التالية:
(عن ابن إسحاق [قال]: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك. فقال نعم! فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا خديجة! هذا جبريل فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول [رسول الله صلى الله عليه وسلم] فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: نعم! فتحسرت رأسها فشالت خمارها ورسول الله صلى الله
عليه وسلم جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: لا. قالت ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم فأثبت أبشر، ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هوالحق) (١). و
مضمون الرواية فاسد بلا شك، ليس فقط من جهة طعنه بسرعة تصديق السيدة خديجة وإيمانها بمجرد دعوة الرسول لها وصلاتها خلفه مع علي (عليه السلام) حيث لا رابع يصلي معهم كما تؤكده النصوص الدينية الصحيحة، لكن الأهم من ذلك أنها تتضمن طعناً بتصديق رسول الله بالوحي النازل عليه في كل الفترة السابقة على هذه الحادثة المزعومة بما في ذلك الوحي النازل عليه في غار حراء باعتبار أنّ هذه الحادثة متأخرة عن حادثة الغار، هذا مع أننا أشرنا سابقاً إلى أنّ الرسول كان يُوحى له قبل حادثة غار حراء وكان يعرف مصدر الوحي بالتفصيل ولهذا انقطع إلى ربه بالعبادة والتقرب إليه؛ فضلاً عن تصديقه بالوحي النازل عليه في حادثة الغار، وبالتالي فما تشير إليه هذه الرواية باطل جزماً.
٧- هذه بعض الروايات التي توضح ما نعتقده في مسألة بدء بعث الرسول، والتدبّر فيها يوقفك على الخلل الذي تنطوي عليه الروايتين السنيّتين المتقدمتين وأمثالهما:
- روى المجلسي في بحاره: (أن النبي صلى الله عليه وآله لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتياً أتاه فيقول: يا رسول الله، وكان بين الجبال يرعى غنماً فنظر إلى شخص يقول له: يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكتم ذلك فأنزل جبرئيل بماء من السماء، فقال: يا محمد فتوضأ، فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وعلمه الركوع والسجود، فدخل علي إلى رسول الله صلوات الله عليهما وهو يصلي - هذا لما تم له صلى الله عليه وآله أربعون سنة - فلما نظر إليه يصلي قال: يا أبا القاسم ما هذا؟ قال: هذه الصلاة التي أمرني الله بها، فدعاه إلى الاسلام فأسلم، وصلى معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلي إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام وخديجة عليها السلام خلفه، فلما أتى لذلك أيام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جعفر، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله وعلي بجنبه يصليان، فقال لجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بعض أسواق العرب فرأى زيداً فاشتراه لخديجة ووجده غلاما كيساً، فلما تزوجها وهبته له، فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله أسلم زيد أيضاً، فكان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله علي وجعفر وزيد وخديجة) (١).
- قال الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام): (وأما تسليم الجبال والصخور والأحجار عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغدو كل يوم إلى حرا يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وأنواع عجائب رحمته، وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء و أقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عز وجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لأبواب السماء ففتحت، ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغمرته، ونظر إلى جبرئيل، الروح الأمين، المطوق بالنور، طاووس الملائكة هبط إليه، وأخذ بضبعه وهزه وقال يا محمد: اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمد "اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم" ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عز وجل، ثم صعد إلى علو، ونزل محمد صلى الله عليه وآله من الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله، وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه الحمى والنافض، وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره، ونسبهم إياه إلى الجنون، وأنه يعتريه شياطين، وكان من أول أمره أعقل خلق الله، وأكرم براياه وأبغض الأشياء إليه الشيطان و أفعال المجانين و أقوالهم، فأراد الله عز وجل، أن يشرح صدره، ويشجع قلبه فأنطق الجبال والصخور والمدر ، وكلما وصل إلى شيء منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا رسول الله، ........) (٢).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أربعين سنة قال: سمعت صوتاً من السماء: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل، ولما تراءى له جبرئيل بأعلى الوادي، وعليه جبة سندس، أخرج له درنوكا من درانيك الجنة، وأجلسه عليه، وأخبره أنه رسول الله، وأمره بما أراد، ثم قال: أنا جبرئيل، وقام. فلحق محمد صلى الله عليه وآله بالغنم، وكان يرعى غنم عمه أبي طالب. قال: فما من شجرة ولا مدرة إلا سلمت علي وهنأتني.
وأيضاً: (أن جبرئيل أتاه وهو بأعلى مكة، فغمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت عين، فتوضأ ليريه كيف وضوء الصلاة، ثم تطهر رسول الله، ثم صلى جبرئيل وصلى رسول الله، وإنها الظهر، فهي أول صلاة افترضت. فرجع رسول الله إلى خديجة، فأخبرها، فتوضأت وصلت) (١).
من يقرأ روايات الأوصياء الطاهرين الذين وصفوا حالة جدهم المصطفى عند بدء بعثته يلاحظ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان في قمة اليقين والطمأنينة والتصديق بوحي ربه، وهذا واضح من خلال طاعته وتسليمه، وليس للشك والتردد عيناً ولا أثراً في ساحته المقدسة كما هو واضح.
أعتقد أنّ الوقوف على ما تقدم يكفي في إجابة شبهة المشككين.
ملاحظة: وجدت بعض المشككين يعتبر رواية عائشة المتقدمة - التي تزعم فيها أنّ الرسول رد على الملك: "ما أنا بقارئ" ثلاث مرات لما قال له: "اقرأ" - دليلاً على قصوره (وحاشاه) في الفهم والفطنة، وهو كلام عبثي اتضحت قيمته العلمية من خلال ما مضى من تعليق على الرواية، ومثل هذا الكلام لا يصدر إلا من قبل موتور منزعج نفسياً من انتشار الصدق والطهر والفضيلة وانتصار صاحبها وعلوّ شأنه، على أنّ السفه الذي يتمتع به هكذا تطرح يكفي في تكذيبه شهادة الكثير من فلاسفة الغرب وعلمائهم الذين بحثوا في صفات شخصية الرسول الاستثنائية وعدّوها من بين عظماء العالم، وسيأتي ذكر بعض كلماتهم لاحقاً.
وأيضاً: اتصاف الرسول بالفهم الفطنة والحكمة وحدة الذكاء أمر يعرفه الجميع، وواضح من خلال تعاليمه و أفعاله وتصرّفاته التي صدرت منه طيلة فترة دعوته إلى الله وقيادته للمؤمنين به سواء في مكة أو المدينة المنورة، بل إلى آخر لحظة من عمره الشريف، والحكمة تقول: "من ثمارهم تعرفونهم". والمتتبع لسيرته يجد هذا الأمر أبين من الشمس في رابعة النهار، ومن يعييه التتبع فأعتقد أنّ قراءته لهذا الكتاب تكفيه للوصول إلى هذه النتيجة.
والغريب، أنّ المشككين في ذات الوقت الذي ينسب فيه بعضهم تهمة قصور الفهم للرسول (وحاشاه)، يطرح بعض آخر منهم أنّ الرسول ليس بالضرورة أن يكون مرسلاً من الله وإنما يمكن أن يُعزى تأثر الناس به وبدعوته لما تتمتع به شخصيته الفذة من صفات ومزايا أسرت عقول وقلوب القريبين منه ومن كانوا على احتكاك به!
لله درّ الإنصاف، ماذا يفعل الفاقد له بنفسه!
![]()
بحسب المؤرخين، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) سافر إلى الشام برفقة عمّه أبي طالب (عليه السلام)، وصادف أن التقى هناك براهب مسيحي اسمه "بحيرا"، والمشككون يحاولون تصوير أنّ الرسول تعلّم دين النصرانية منه في تلك السفرة، وبالتالي فما عنده من معلومات إنما هي من ذلك اللقاء وأمثاله وليس نبياً ورسولاً يوحى له من الله!

هذا نص تاريخي يوضح قصة سفر الرسول إلى الشام ولقائه ببحيرا الراهب برفقة عمّه أبي طالب:
(ثم إن أبا طالب خرج إلى الشام فلما أراد المسير لزمه رسول الله فرق له وأخذه معه ولرسول الله تسع سنين فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان ذا علم في النصرانية ولم يزل بتلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم
وبها كتاب يتوارثونه فلما رآهم بحيرا صنع لهم طعاماً كثيراً وذلك لأنه رأى على رسول الله غمامة تظلله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الشجرة وقد هصرت أغصانها حتى استظل لها فنزل إليهم من صومعته ودعاهم فلما رأى بحيرا رسول الله جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها من صفته.
فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل النبي عن أشياء من حاله في يقظته ونومه فوجدها بحيرا مو افقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى خاتم النبوة بين كفيه ثم قال بحيرا لعمه أبي طالب ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما ينبغي أن يكون أبوه حياً قال فإنه ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن له شأن عظيم) (١).
ونحن إذا قارنّا هذا النص التاريخي بشبهة المشككين أمكننا أن ننتهي إلى:
١- إنّ دعواهم تعلّم الرسول على يد بحيرا الراهب مجردة عن الدليل، وإذا فقد الدليل لم يبقَ سوى الظن والوهم والتحامل على الرسول لا أقل ولا أكثر.
٢- بحسب النص فإنّ الرسول كان عمره عند اللقاء ببحيرا تسع سنين، وبعثته لم تكن إلا في سن الأربعين، فالفارق بين اللقاء وبين بعثه من الله أزيد من ثلاثين عاماً.
٣- إنّ القافلة لم تكن على موعد مع بحيرا، ولم تكن قاصدة إليه أساساً، وإنما حصل اللقاء ببحيرا صدفة نتيجة رؤيته بعض الآيات التي رافقت الرسول في مسيره، وإذا دقننا في قصة الحادثة وجدنا الرسول فيها مسؤولاً لا سائلاً.
٤- الحادثة تؤكد أنّ لدى علماء النصارى نصوصاً تؤكد أنّ الرسول مذكور عندهم بوصفه، وهذا أمر صحيح وأشار له القرآن الكريم: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"
[الأعراف: ١٥٧ ].
وهكذا يتضح لنا أنّ دعوى المشككين بأخذ الرسول من بحيرا مجرد وهم وتهمة باطلة نتيجة الموقف السلبي من الرسول مسبقاً، ويفترض بالباحث ترك التحامل وتحرّي الإنصاف في بحثه، وإلا يكون مجرد عابث متحامل لا يهدف الحقيقة أصلاً.
![]()
ذكر المؤرخون شخصية قرشية باسم ورقة بن نوفل (من أقرباء السيدة خديجة، وفي بعض الروايات: عمّها أو ابن عمها)، كان موجوداً عند بعثة الرسول وتوفي أوائل بعثته، يزعم المشككون أنّ الرسول استقى منه العلم الديني وتعلّم على يديه!

١- بصرف النظر عن الدين الذي كان ورقة بن نوفل يدين به، وهل كان موحداً حنيفياً أو متنصراً مسيحياً أو يهودياً ثم تنصّر (وقد اختلف في ذلك المؤرخون) (١)، فإنّ أقصى ما ذكر في النصوص التاريخية والروائية - فيما يتصل به - أنّ ورقة كان يبشّر بقرب ظهور نبي من العرب أو من قريش أو من ذرية إسماعيل يبعثه الله على جميع الأمم (٢). ولما ذكر له حال الرسول وما جرى معه في غار حراء أخبر بأنّ الرسول محمد نبي هذه الأمة، وكان يقول:
- (إنّ محمداً لنبي هذه الأمة) (٣).
- (هذا والله الناموس الذي أنزل على موسى وعيسى و إني أرى في المنام ثلاث ليال أن الله أرسل في مكة رسولاً اسمه محمد وقد قرب وقته وقد قرب وقته ولست أرى في الناس رجلاً أفضل منه) (١).
وليس في النصوص - على فرض صحتها - ما يؤكد أنّ الرسول كان يدرس أو يتعلم عند ورقة ولا غيره من أهل الجزيرة العربية ليكون حجة بيد المشككين تسعفهم على طعنهم وتشكيكهم. وبالتالي، فواضح أنّ قولهم عارٍ عن الحجة والدليل ومجرد تخرّصات وظنون فاسدة.
٢- إنّ روايات بدء البعثة والوحي ليس فيها ما يؤكد زعم المشككين من أنّ الرسول أخذ العلم الديني عن ورقة بن نوفل، وإنما جلّ ما فيها أنه كان يسكّن من روع الرسول ويخبره بأنّ الذي يراه هو وحي نبوة وليس شيئاً آخر، وهو أمر غير صحيح ولا نعتقد به كما أوضحنا في إجابة شبهة "بدء الوحي" المتقدمة، لكن فيما يتصل بالعلم الذي كان الرسول يبثه في الناس منذ لحظة بعثه وإرساله للناس فلم يقل أحد من المسلمين - أو يروي - بأنه كان يأتيه من غير طريق الوحي الإلهي.
![]()
بعض المشككين يزعم أنّ سلمان الفارسي بما كان يحمله من علم بالديانات التي كان يتقلّب بين أهلها بحثاً عن الحق هو الذي علّم الرسول!

هذا الكلام عارٍ عن الصحة ويكذّبه الو اقع، خصوصاً إذا ما عرفنا أنّ سلمان رضوان الله عليه لم يكن قد التقى بالرسول (صلى الله عليه وآله) إلا بعد هجرته إلى المدينة
وفي "قبا" تحديداً (١)، وهذا يعني أنّ الرسول طيلة ثلاثة عشر عاماً قضاها في مكة لم يكن قد رأى سلمان، فمن أين كان يستقي علمه وتعاليمه التي كان يبثّها بين الناس؟!!
![]()
يتّهم بعض المشككين الرسول (وحاشاه) بأنه سعى إلى الانتحار وقتل نفسه نتيجة أمرين: تأخّر نزول الوحي عليه في مطلع بعثته، وكذلك لعدم إيمان قومه به. وحجّتهم بالنسبة إلى الأمر الأول رواية وردت في صحيح البخاري، وأما الأمر الثاني فهو - بحسبهم - يُفهم من قول الله له: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [الشعراء: ٣]. أي: هالك نفسك!

١- مسألة تأخّر الوحي في مطلع البعثة:
قال المجلسي: (قال المفسرون: في سبب نزول سورة الضحى (٢): قال ابن عباس: احتبس الوحي عنه صلى الله عليه وآله خمسة عشر يوما، فقال المشركون: إن محمدا صلى الله عليه وآله قد ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه، فنزلت. وقيل: إنما احتبس اثنى عشر يوما، وقيل أربعين يوما، وقيل: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي هذه الأيام، فاغتم لشماتة الأعداء، فنزلت تسلية لقلبه ... "ما ودعك ربك" ما قطعك ربك قطع المودع، وهو جواب القسم "وما قلى" أي ما أبغضك ...) (٣).
بعض علماء المسلمين بات يفكر في وجه يصور فيه الحكمة من فتور الوحي في مثل حالة الرسول الذي كان قد انطلق بدعوته حديثاً، فمثلاً يقول العيني: (الثاني عشر ما قيل
ما الحكمة في فتور الوحي مدة أجيب بأنه إنما كان كذلك ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العود) (١).
وبصرف النظر الآن عن التحقيق في أقوال المفسرين والمحدثين، لكن موضوع فتور الوحي في مطلع البعثة أخذ أبعاد أخرى في مرويات بعض المفسرين والمؤرخين، فبدل أن تكون مقولة "قد ودعه ربه وقلاه" للمشركين أو لامرأة منهم بالخصوص، نسبها الطبري في تاريخه وتفسيره إلى السيدة خديجة (عليها السلام) ضمن بعض الروايات التي نقلها!
روى الطبري في تاريخه: (عبد الله بن شداد قال أتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فغمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق حتى بلغ علم الانسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أراني إلا قد عرض لي قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لأومنن به قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز وجل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) (٢).
واضح أنّ مسلسل الإساءة للرسول لم يقتصر على شخصه فقط، و إنما تعدّاه ليمس كل عزيز على قلبه! مخجل جداً أن يسطّر مؤرخ محسوب على المسلمين في كتابه رواية فيها مفاسد كبيرة من دون أن يعقّب على نقله لها ولو بتعليق يدافع فيه عن رسول الله على أقل تقدير!
- مقولة: "ما أراني إلا قد عرض لي" لا يصح بحال نسبتها إلى الرسول الذي أوضحنا الاعتقاد الحق في مسألة بدء الوحي له في جواب شبهة سابقة.
- مقولة: "ما أرى ربك إلا قد قلاك" أي: أبغضك، لا يصح بحال نسبتها إلى السيدة خديجة (عليها السلام) التي أسرعت في السبق للإيمان والتي يباهي الله بإيمانها ملائكة السماء!
وعموماً، فإنّ مثل هذه النقولات السقيمة والفاسدة هي التي تسبّبت بالطعن الذي تعرّض له الرسول من قبل المشككين وزعمهم بأنه كان (وحاشاه) شاكّاً ومتردداً في نبوته في أول الأمر. وقد اتضح أنّ هذا الاعتقاد في حق الرسول باطل قطعاً والروايات التي تسبّبت به باطلة ومكذوبة على الرسول وتهدف إلى الإساءة له والنيل من شخصه الشريف، وأنّ الحق في هذه المسألة هو ما أوضحه أوصياء الرسول في رواياتهم و أقوالهم التي أكدت أنّ الرسول كان على يقين كامل ومعرفة تامة بالوحي ومصدره حتى قبل ما حصل معه في غار حراء؛ فضلاً عن الوحي النازل عليه فيه وما تلاه.
ملاحظة: وجدت بعض المشككين الذين يطرحون مسألة أنّ الرسول (وحاشاه) كان شاكّاً في نبوّته أول الأمر يضيفون - إلى الروايات السابقة - قوله تعالى: "قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَُّّ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" [سبأ: ٢٤ ]، معتبرين الآية دليلاً آخر على ما ذهبوا إليه!
والصحيح أنّ الآية لا تدل على مطلبهم من قريب أو بعيد، وإنما هي بصدد إنصاف الخصم أثناء الحوار الدعوي والعقائدي وبيان ضرورة التحلي بالموضوعية عند طرح الحق على الآخرين. وبالنتيجة، فالآية تكشف عن إنصاف ربّاني عظيم وخلق إنساني رفيع يتحلّى به الرسول مع غير المؤمنين بدعوته، ولا تعني أنّ الله أو رسوله لا يعلمون بأحقية الدعوة والرسالة الإلهية من عدمها؛ تعالى الله ورسوله عن ذلك علواً كبيراً.
ومسألة إنصاف الخصم في القول سجيّة يتخلّق بها خلفاء الله عموماً، ولهذا كان للإمام علي (عليه السلام) كلمة ذكرها في مسألة "التحكيم في أمر الخلافة" التي حصلت بينه وبين معاوية، حيث قال للحكمين: "انظرا، فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه"، الأمر الذي اعتبره الخوارج لاحقاً شكّاً منه في إمامته وخلافته الإلهية، لكنه في حقيقة الأمر ليس شكّاً منه (وحاشاه من ذلك) بقدر ما هو إنصاف منه لخصمه.
لهذا قال في محاججته للخوارج: (وأما قولكم: "إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه" فإن ذلك لم يكن شكاً مني، ولكن أنصفت في القول، قال الله تعالى: "وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" ولم يكن ذلك شكاً وقد علم الله أنّ نبيه على الحق) (١).
٢- رواية البخاري:
استعرضنا في شبهة بدء الوحي (شبهة ٧) ما رواه البخاري (في الجزء الأول من صحيحه، وكذا الجزء السادس منه) عن عائشة، وكان خاتمتها: (ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي)، ولكن في (الجزء الثامن) من صحيحه أورد نفس الرواية بزيادة جاء فيها: (ثم لم ينشب ورقة ان توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك) (٢).
هذه الزيادة هي التي سبّبت الشبهة التي تعلّق بها بعض المشككين من أنّ الرسول حاول الانتحار برمي نفسه من شواهق الجبال لما تأخر الوحي عليه!
ونحن اذ بيّنا سابقاً الاعتقاد الصحيح (وفق ما بينه آل محمد) في مسألة بدء الوحي للرسول، وعرفنا شيئاً من حال الرسول وطهره ومعرفته التامة بمصدر الوحي (الله سبحانه) وعبادته له وانقطاعه إليه قبل بعثته وإرساله فضلاً عما بعدها، ففيما يخص هذه الزيادة التي رواها البخاري، أقول: إنها زيادة باطلة جملة وتفصيلاً ولا ربط لها بالرسول من قريب أو بعيد، كما أنها لم ترد عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)؛ القناة الشرعية الممثلة له، ومن ثمَّ فمن نقلها أولى بها وبتحمل وزر الإساءة إلى الرسول الواردة فيها.
٣- آية سورة الشعراء:
قال تعالى: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [الشعراء: ٣].
ما توهّمه المشككون في فهم الآية من أنّ الرسول أراد أن يهلك نفسه (ينتحر، بحسبهم) ليأسه من هداية قومه هو فهم فاسد وسقيم أيضاً؛ إذ ليس المراد بالآية أنّ الرسول - الذي كافح كفاحاً مريراً من أجل دعوة قومه إلى الله والحق وهدايتهم إليه - يُقدِم على قتل نفسه، و إنما لأنه كان شديد الحرص على هداية قومه؛ شفقة ورحمة ورأفة بهم، وكان يغتم كثيراً من إصرارهم على العناد والتكذيب والتمسك بالضلال الذي كانوا عليه، أراد الله سبحانه أن يخفّف عليه من شدة الهم والغم الذي كانت يعتري قلبه.
الآية تشبه تماماً قوله تعالى: "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللََّّ عَلِيمٌ بِمَا
يَصْنَعُونَ" [فاطر: ٨].
وصف ربه الكريم رأفته بالناس، فقال تعالى: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" [التوبة: ١٢٨ ].
وللإنصاف أقول: إنّ الآية تثبت منقبة للرسول وكمالاً رفيعاً يتمثل بشدة رحمته بالناس وعطفه وحرصه على هدايتهم وتعريفهم بالحق ومن ثمَّ نجاتهم، وليس كما فهمها المشككون الذين أعماهم الحقد عن رؤية كل خلق رفيع يتمتع به الرسول الكريم.
والعجيب حقاً، إننا في الوقت الذي نجد بعض المشككين يصف الرسول بأنه كاد أن يهلك نفسه من أجل هداية قومه، نجد قسماً آخر منهم يتهمه بعدم الحرص على هداية قومه، بحجة أنه دعا على بعضهم وماتوا وهم كفّار مثل: عقبة بن أبي معيط وأبي جهل وأمية بن خلف الذين أهلكهم الله جميعاً يوم بدر!
ولا أعرف ماذا بوسع الرسول أن يصنع لهم أكثر مما صنع، وهل اطلع المشككون فعلاً على سيرة الرسول مع قومه، وهل اطلعوا على سيرة هؤلاء المجرمين وما فعلوه بالرسول ومن آمن به في مطلع البعثة؟! هؤلاء هم من قاد جميع حملات العداء الذي جوبه به الرسول من قبل قومه، فما تعرّض له الرسول في مكة من تسقيط واتهام وأذى جسدي
بما في ذلك حمل الصبية والسفهاء على رميه بالحجارة والقاذورات، كان يصدر من هؤلاء، بل كان أبو جهل بنفسه يحمل القذارة ويقوم بطرحها على الرسول أثناء صلاته أكثر من مرة. كانوا يمنعون الناس من الإيمان برسالة الله ويصدونهم عن الاستماع إلى الرسول وما يدعو إليه، ولم يكونوا يمنعون أهل مكة فقط بل كانوا يحولون بين الرسول وبين سائر قبائل العرب. وأيضاً: كل محاولات الاغتيال المتعددة التي تعرّض لها الرسول في مكة - وسيأتي ذكر بعضها لاحقاً - كان لهؤلاء المجرمين النصيب الأوفر فيها، ومع كل هذا الأذى الذي لاقاه الرسول منهم طيلة ثلاثة عشر عاماً لم يصدر منه أكثر من أنه رفع يديه ذات يوم بالدعاء إلى ربه ليخلّصه منهم ومن أذاهم بعد تماديهم في العداء والإجرام واليأس من هدايتهم تماماً، وهذه قصة دعائه عليهم:
قال عبد الله بن مسعود: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله نصلي في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل نحروا جزوراً في ناحية مكة، فبعثوا فجاءوا بسلاها (أي: أحشاؤها) فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عنه، فلما انصرف قال: "اللهم عليك بقريش، بأبي جهل وبعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وبعقبة بن أبي معيط". قال عبد الله: ولقد أيتهم قتلى في قليب بدر) (١). ر
![]()
تاريخياً، لا شك في وجود أهل الكتاب (يهود ونصارى) في شبه الجزيرة العربية، ويزعم المشككون أنّ الرسول اختلط بهم وأخذ عنهم، وليس بالضرورة أن يكون رسولاً يُوحى له من الله!
وبعضهم يستشهد لتأثّر الرسول بهم بأمرين:
- وردود الأحرف المقطعة وبعض المفردات المستعملة لدى اليهود مثل "فرقان" في القرآن الكريم. - معرفة الرسول باللغة العبرية والسريانية.

١- أصل وجود أهل الكتاب في شبه جزيرة العرب أمر مسلّم، والسرّ في وجودهم في يثرب وما حولها كخيبر وفدك هو أنهم - بحسب النصوص الدينية التي يعتقدون بها - كانوا موعودين بنبي يُبعث تكون يثرب مهاجره، ولهذا لما تعرّضوا للاضطهاد الروماني في فلسطين نزحوا باتجاه شبه جزيرة العرب واستوطنوا في الأماكن المذكورة بالذات؛ انتظاراً للنبي الموعود.
واحدة من أوصاف الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في نصوص أهل الكتاب هو أنه "يماني"، ولهذا استقر اليهود في اليمن وفي المناطق التابعة لها سابقاً. وحتى مكة كانت تعد من تهامة، وتهامة من أرض اليمن سابقاً، لذا ذكر الحموي (قال المدائني: تهامة من اليمن وهو ما أصحر منها إلى حد في باديتها ومكة من تهامة) (١). وأما المدينة "يثرب"، فهي - قديماً - جزء من مملكة معين اليمنية أيضاً، وسكانها الأوس والخزرج - بالأصل - قبائل نزحت إليها من اليمن، ولهذا قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (الإيمان يماني، والحكمة يمانية) (٢).
(قال الشافعي: مكة والمدينة يمانيتان) (٣).
(وقال النووي أشار إلى اليمن وهو يريد مكة والمدينة ونسبهما إلى اليمن لكونهما من ناحيته قوله 'الإيمان يمان' إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة وهي من تهامة وتهامة من أرض اليمن ولهذا يقال الكعبة اليمانية) (٤).
ولأن اليهود سكنوا اليمن والمناطق التابعة لها قاموا بنشر ثقافتهم وإخباراتهم الواردة في نصوصهم ويتداولها علماؤهم، علم الملك اليمني "تبع" بموضع ظهور الرسول ومهاجره كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
(كان قد أخبر أنه سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجره يثرب، فأخذ قوماً من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج) (١).
وعنه أيضاً: (إن تبع قال للأوس والخزرج: كونوا ها هنا حتى يخرج هذا النبي، فأما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه) (٢).
وروي: (كان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج، يسمعون من اليهود، الذين كانوا بينهم، النضير وقريظة وقينقاع: أن هذا أوان نبي يخرج بمكة، يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب) (٣).
وعن زيد بن ثابت، قال: (كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي وأنه لا نبي بعده. واسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا) (٤).
(عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام في حديث اليهوديّ الذي كان له على الرسول صلى الله عليه وآله دنانير، فتقاضاه بها، وقال لا افارقك حتّى تقضيني، فجلس معه رسول الله صلى الله عليه و آله حتّى صلَّى في ذلك الموضع الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، و قال: لم يبعثني ربّي أن أظلم معاهداً و لا غيره. فلمّا علا النهار أسلم اليهوديّ وقال: هذا شطر مالي في سبيل الله، وإنّما فعلت ذلك لأنظر إلى نعتك في التوراة فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمّد بن عبد الله مولده بمكَّة ومهاجره بطيبة، وليس بفظَّ ولا غليظ ولا سخاب ولا مترنّن بالفحش ولا قول الخنا) (٥).
وبعض اليهود نزحوا من الشام باتجاه "يثرب" لنفس السبب، وهذا قول ابن الهيبان اليهودي لقومه لما حضرته الوفاة: (يا معشر اليهود ما الذي ترون أنه أخرجني من أرض
الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قالوا أنت أعلم يا أبا عمير قال إنما قدمتها أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه وهذا البلد مهاجره) (١).
(قال علي بن إبراهيم بن هاشم: وجاءته اليهود قريظة والنضير وقينقاع فقالوا: يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأني الذي تجدونني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة، ومهاجري في هذه الحرة، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال: "تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة مخرجه بمكة، ومهاجره ههنا، وهو آخر الأنبياء و أفضلهم، يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، وهو الضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحداً، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك) (٢).
والقضية عند علماء النصارى بنفس الوضوح أيضاً، وهذا مثال لقول بحيرا الراهب المسيحي المعروف في زمن الرسول:
(إذا ما رأيتم قد ظهر في هذه الحياض الماء، فاعلموا أنه من أجل نبي يخرج في أرض تهامة، مهاجرة إلى المدينة، اسمه في قومه "الأمين" وفي السماء "أحمد" وهو من عترة إسماعيل بن إبراهيم لصلبه، فوالله إنه لهو) (٣).
وروي: (كان سلمان الفارسي عبداً لبعض اليهود وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتب يخبرونه به، فوقع إلى راهب من رهبان
النصارى بالشام، فسأله عن ذلك وصحبه، فقال: اطلبه بمكة فثم مخرجه واطلبه بيثرب فثم مهاجره، فقصد يثرب) (١).
وكذلك سؤال سلمان لأحد الرهبان المسيحيين الذين صحبهم لما حضرته الوفاة، إذ سأله سلمان: (فقلت: إلى من توصي بي؟ قال: لا أعلم أحداً على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض ذات سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تمضي إلى تلك البلاد فافعل) (٢).
وأيضاً: قال طلحة بن عبيد الله: (حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا، فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت ومن أحمد؟ قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه) (٣).
كانت هذه بعض الإخبارات التي يتداولها أهل الكتاب فيما بينهم، وهي تدل بوضوح تام على أنّهم كانوا على علم ببعثة الرسول، وكانت لديهم معرفة تامة باسمه وصفاته ومكان بعثه ومهاجره.
وكمثال للنصوص التي بشّرت بالرسول ويعتقد بها أهل الكتاب:
حبقوق - الأصحاح الثالث: "١ صلوة لحبقوق النبي على الشجوية ٢ يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة ٣ الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه. ٤ وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى".
يقول السيد أحمد الحسن في بيان معنى النص:
(المعنى: "الله جاء من تيمان" أي: الله جاء من اليمن، "والقدوس من جبل فاران" أي: القدوس جاء من مكة، وتعالى الله أن يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض؛ لأن الإتيان والمجيء تستلزم الحركة وبالتالي الحدوث وبالتالي نفي الألوهية المطلقة، فلا يمكن أن يعتبر أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو القدوس سبحانه وتعالى. هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد تعالى الله عنها علواً كبيراً "وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى"، بل الذي يجيء هو عبد الله محمد وآله عليهم السلام من بعده حيث إنهم من مكة ومحمد وآل محمد عليهم السلام يمانيون أيضاً.
فمجيء محمد هو مجيء الله؛ لأن محمد هو الله في الخلق ومحمد هو ظهور الله في فاران كما بينته سابقاً في أكثر من موضع، وكون تيمان هي اليمن قد ورد حتى في الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام عندما وصف ملكة اليمن بملكة التيمن "أو تيمان".
إنجيل متى - الأصحاح الثاني عشر: "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وهوذا أعظم من سليمان ههنا".
إنجيل لوقا - الأصحاح الحادي عشر: "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان") (١).
معرفة أهل الكتاب بالرسول الذي ينتظرونه وقدموا إلى "يثرب" لانتظار مجيئه إنما كانت - كما قلت - نتيجة النصوص الدينية التي كانت بأيديهم وإخبارات علمائهم المستندة لها، وهو أمر أكده القرآن الكريم، قال تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف: ١٥٧ ].
لكن، لما بعث الله نبيه بالصفة التي كانت عندهم حسدوه وكفروا به كما قال الله تعالى: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَِّّ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَِّّ عَلَى الْكَافِرِينَ" [البقرة: ٨٩ ].
أما احتجاج الرسول على أهل الكتاب وعلى الوفود التي أتته بزعامة كبرائهم وعلمائهم بعد هجرته إلى المدينة فهي واضحة ومذكورة في كتب التاريخ والسير، مثل احتجاجه على يهود المدينة وسيأتي بيانه، وكذلك مجيء وفد نصارى نجران لمباهلته وانهزامهم عن المباهلة في آخر المطاف (١). وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) في كل مرة يدعوهم لتصديق دعوته ويجيب أسئلتهم ويقيم الحجة عليهم، وليس فيما وصلنا من تاريخ دعوته المباركة شيئاً يذكر عن أنه كان يدرس عند واحد من علمائهم أو يتعلم على يديه أبداً، ولا أعرف - حقيقة - المستند العلمي والتاريخي الذي استندت إليه مقولة المشككين سوى أنها تهمة متعمدة من قبلهم بدافع التعصب والبغض، وإلا فشبهتهم لا دليل عليها إطلاقاً.
٢- أما القول بأنّ وجود الأحرف المقطّعة في فواتح السور القرآنية يكشف - بحسب بعض المشككين - عن تأثر الرسول بما عند اليهود؛ بحجة استعمالهم لها! وبعضهم نسب
زجّ الأحرف المقطعة في القرآن إلى علماء النصارى كورقة بن نوفل وبحيرا الراهب وغيرهم الذين كانوا يشرفون - بحسب هؤلاء - على تعليم الرسول؟!
أقول: هذا القول لا صحة له بالمرة، ولم يذكر جميع هؤلاء دليلاً واحداً - بأي مستوى كان - يثبتون به كلامهم، وإذا كان المؤرخون نقلوا تفاصيل سيرة الرسول - بما في ذلك كثير من الأحداث المكذوبة عليه - ما بالهم أغفلوا (جميعهم) نقل حدث كهذا لو كان هناك ثمة أثر حقيقي له! وما لم يذكر المشككون أسماء علماء اليهود والنصارى الذين أشرفوا على تعليم الرسول (كما يزعمون) والمصادر التي نقلت ذلك بالتفصيل يكون كلامهم - والحال هذه - مجرد تهمة لا دليل عليها، وحتى ما فعله بعض المشككين من ذكر أسماء علماء دين نصارى كبحيرا الراهب وورقة بن نوفل فليس لأجل ورود ذلك في أصل ومستند تاريخي معتمد وإنما مجرد تخمين وتحليل شخصي لا أقل ولا أكثر.
وأيضاً: وجدت بعض المشككين يعمد إلى حساب أرقام الحروف المقطعة في القرآن ويعوضها بما يعادلها من أرقام، ليدعي أنه بذلك قد تمكن من فك طلاسمها وأسرارها التي حيرت علماء المسلمين - بحسب زعمه - وذهبت بهم مذاهب شتّى!
لكن الملاحظ لفعل هؤلاء يجد أنه مجرد عبث صبياني يشبه تماماً العبث والتخبط الذي وقع به بعض اليهود في الرواية التالية:
روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (...... أن الله لما بعث موسى بن عمران ثم من بعده من الأنبياء إلى بني إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلا أخذوا عليهم العهود والمواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة الذي يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب من الحروف المقطعة افتتاح بعض سوره، يحفظه أمته فيقرؤنه قياما وقعودا ومشاة وعلى كل الأحوال يسهل الله عز وجل حفظه عليهم ويقرنون بمحمد صلى الله عليه وآله أخاه ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام الاخذ عنه علومه التي علمها، ......
قال: فلما بعث الله محمدا وأظهره بمكة ثم سيره منها إلى المدينة وأظهره بها، ثم أنزل إليه الكتاب وجعل افتتاح سورته الكبرى ب "ألم" ... ثم اليهود يحرفونه عن جهته، ويتأولونه على غير وجهه، ويتعاطون التوصل إلى علم ما قد طواه الله عنهم من حال آجال
هذه الأمة وكم مدة ملكهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله منهم جماعة، فولى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فخاطبهم، فقال قائلهم: إن كان ما يقول محمد حقا لقد علمناكم قدر ملك أمته، هو إحدى وسبعون سنة، "الألف" واحد، و"اللام" ثلاثون، و "الميم" أربعون، فقال علي عليه السلام: فما تصنعون ب "المص" وقد انزل عليه؟ قالوا: هذه إحدى وستون ومائة سنة. قال: فما ذا تصنعون ب "الر" وقد أنزلت عليه؟ فقالوا: هذه أكثر، هذه مائتان وإحدى وثلاثون سنة. فقال علي عليه السلام: فما تصنعون بما انزل عليه "المر"؟ قالوا: هذه مائتان وإحدى وسبعون سنة فقال علي عليه السلام: فواحدة من هذه له أو جميعها له؟ فاختلط كلامهم فبعضهم قال له: واحدة منها وبعضهم قال: بل يجمع له كلها وذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، ثم يرجع الملك إلينا يعني إلى اليهود. فقال علي عليه السلام: أكتاب من كتب الله نطق بها، أم آراؤكم دلتكم عليه؟ قال بعضهم: كتاب الله نطق به، وقال آخرون منهم: بل آراؤنا دلت عليه، فقال علي عليه السلام: فأتوا بالكتاب من عند الله ينطق بما تقولون. فعجزوا عن إيراد ذلك، وقال للآخرين: فدلونا على صواب هذا الرأي. فقال: صواب رأينا دليله أن هذا حساب الجمل. فقال علي عليه السلام: كيف دل على ما تقولون وليس في هذه الحروف إلا ما اقترحتم بلا بيان! أرأيتم إن قيل لكم: إن هذه الحروف ليست دالة على هذه المدة لملك أمة محمد ولكنها دالة على أن كل واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب أو أن عدد ذلك لكل واحد منكم ومنا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير أو أن لعلي على كل واحد منكم دين عدد ماله مثل عدد هذا الحساب قالوا: يا أبا الحسن ليس شئ مما ذكرته منصوصا عليه في "ألم" و "المص" و "الر" و "المر". فقال علي عليه السلام: ولا شئ مما ذكرتموه منصوص عليه في "ألم" و "المص" و "الر" و "المر" فإن بطل قولنا لما قلنا بطل قولك لما قلت، .......) (١).
الأحرف المقطعة في القرآن لا علاقة لها بعلماء الدين سواء كانوا يهوداً أو نصارى وحتى مسلمين، فالجميع يجهل حقيقتها ومعناها، وكذلك لا علاقة لها بحساب الجمل كما زعم بعض المشككين السائرين على نهج جهلة اليهود في زمن الرسول كما لاحظناه في الرواية السابقة، أمر الحروف المقطعة له علاقة بسادة خلفاء الله أعني الرسول محمد
والأوصياء الطاهرين من عترته (الأئمة الاثني عشر والمهديين الاثني عشر)، ومن يريد معرفة حقيقتها فيمكنه أن يقرأ ما كتبه السيد أحمد الحسن في كتاب "المتشابهات" (١).
أما مجرد وجود تشابه في مفردة لفظية مستعملة في نصوص مقدّسة لدى المسلمين واليهود لو قُدّر حصوله في لفظ ما كمفردة "فرقان" بحسب المثال، فإنّ هذا لا يعني الحكم ببطلان رسالة إلهية برمّتها حتى مع اتّحاد المعنى لدى الطرفين، فما بالك إذا كان معناها بالعبراني هو: "الخلاص والنجاة"، وهو يختلف عن معنى "فرقان" في النص القرآني الذي يقول السيد أحمد الحسن في بيانه: (المحكم وبه يفرق بين الحق والباطل وبه تعرف حدود الله وشريعته) (٢).
٣- أما الزعم بأنّ الرسول كان على معرفة تامة باللغة العبر انية أو السريانية فهو جهل بسيرة الرسول وحاله الفعلي الذي أوضحته الروايات من أنه كان عارفاً بالعربية بلهجة قومه فقط، وكان يحتاج إلى المترجم عندما يريد بعث رسالة إلى غير العرب أو معرفة شيء مكتوب بغير العربية.
يقول السيد أحمد الحسن في بيان بطلان من يعتقد بضرورة معرفة الخليفة الإلهي بكل اللغات: (ثالثاً: لو كان خلفاء الله يعرفون كل اللغات لأنزل الله عليهم الكتب السماوية بكل اللغات، فهو قادر والأمر مو افق للحكمة، فيبقى أنْ يكون المانع في قدرة القابل، وهو أنّ الرسل لم يكونوا يعرفون غير لغة قومهم، فلو كان محمد يعرف عدة لغات كان المفروض أنْ ينزل القرآن عليه بعدة لغات، فهو كان بحاجة لقرآن بلغات الملوك الذين وجّه لهم رسائل ودعاهم للإيمان به، على الأقل ليطلعوا على شيء من الوحي الذي أوحي لمحمد صلى الله عليه وآله، كما اطلع العرب في حينها، بل لا خلاف أنّ هذا أفضل بكثير من الترجمة التي جاءت متأخرة و أقوى للحجة وأعظم للفائدة، فترجمة غير المعصومين فيها مشاكل كثيرة جداً، كونها تنقل المعاني كما يفهمها القارئ والمترجم لا بحسب إرادة المتكلم سبحانه.
فالآن مثلاً توجد تراجم كثيرة للقرآن إلى اللغة الإنكليزية، وهي مختلفة اختلافات كثيرة في الألفاظ والمعاني فيما بينها، فالعقل يقول طالما أنّ الحال هذه فتفويت فرصة انزال القرآن بالإنكليزية على محمد - الذي يعرف الإنكليزية - مخالفة للحكمة، والله لا يفعل ما يخالف الحكمة، إذن لا يبقى إلا أنّ محمداً صلى الله عليه وآله كان يعرف العربية بلهجة قومه، ولا يعرف الإنكليزية ولا غيرها من اللغات، لهذا نزل القرآن بلهجة محمد صلى الله عليه وآله وقومه قريش، ولم ينزل حتى بلهجات العرب الأخرى التي كانت موجودة في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وآله.
رابعاً: محمد صلى الله عليه وآله أرسل رسائله إلى ملوك العالم بالعربية، فلو كان محمد يعرف غير العربية لأرسل رسائله إلى ملوك العالم بلغاتهم، فهذا أبلغ في نفوسهم ولإقامة الحجة عليهم، خصوصاً مع قلة المترجمين في ذلك الزمان، فمعرفته صلى الله عليه وآله للغات ستكون معجزة واضحة له وبيّنة للملوك. .....) (١).
وبخصوص اللغة السريانية، لم يثبت تاريخياً أنّ الرسول كان يحسن معرفتها ولا أنه راسل بها أحداً من الملوك أو الرؤساء أو غيرهم ممّن كان ينطق بها، بل الثابت هو العكس؛ إذ روى بعض المؤرخين أنه (صلى الله عليه وآله) كان قد أمر زيد بن ثابت بتعلّمها لما بدأت رسائل بالسريانية ترد إليه (٢).
وإني لأعجب حقيقة ممّن تساءل عن اللغة التي تفاهم بها أنبياء الله عند لقاء الرسول بهم في حادثة المعراج المعروفة، ولما كانوا على لغات كثيرة ومختلفة رجّح بعض الباحثين أن يكون الأنبياء جميعاً تحدثوا باللغة العربية! وفات هؤلاء الباحثين معرفة أنّ لقاء الرسول بأنبياء الله في المعراج حصل في عوالم عليا ملكوتية، وهي في غنىً تام عن اللغة الأرضية، فاللغة بالحروف والأصوات التي نعرفها بها هي وسيلة للتواصل والتفاهم في عالمنا الأرضي الجسماني، وأما وسيلة التفاهم والتواصل في العوالم العليا فتتم عبر طرق ووسائل تناسب رقي تلك العوالم، وقد بحثت المسألة بالتفصيل في "إعجاز القرآن" (٣).
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول تأثر بما عند قومه من معتقدات وخر افات جاهلية كانت منتشرة بين القبائل في شبه الجزيرة العربية، مثل مسألة تشريع صلاة الآيات "الخسوف والكسوف"، فبحسب المشككين: أنّ الرسول وأصحابه كانوا ينظرون إليها بوصفها علامات تكشف عن غضب الله؛ تأثراً بما جرى على أقوام كانت تسكن منطقتهم كعاد وثمود الذين أهلكهم الله والحال أنهم هلكوا بظواهر جوية طبيعية، وبالنتيجة هم يهدفون إلى التشكيك ببعض تشريعات الإسلام ورسوله ولا يعتبرون مصدرها وحياً إلهياً.

١- كلام المشككين مجرد اتهام لا يمتلكون دليلاً قطعياً عليه، فهم يدّعون - جز افاً - تأثر الرسول بمعتقدات قومه الخر افية، ويمكن لأي مسلم يؤمن بالرسول أن يرد بأنّ كل ما شرّعه الرسول مصدره الوحي الإلهي، ويبقى الفيصل بين هذا وذاك هو النظر في أدلة صدق الرسول في دعوته، وهو أمر ثابت بقانون معرفة الرسل الذي احتج به جميع رسل الله. وهكذا يعود بنا الكلام إلى الأصل الذي يجب الابتداء به في النقاش والحوار مع المشككين بنبوة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله)، أما صلاة الآيات فهي مسألة شرعية فرعية يتوقف التصديق والعمل بها على إحراز نبوة الرسول وبعثه من الله سبحانه كما هو واضح.
٢- الآيات: جمع آية، أي العلامة الكونية، فالخسوف والكسوف والزلازل والريح الشديدة وغيرها هي آيات وعلامات كونية، أوجب الرسول عند حصول واحد منها الصلاة المعروفة بـ "صلاة الآيات"، وهي عبادة يؤديها المسلم بنية التقرّب لله سبحانه حالها حال أي عبادة أخرى يتضرّع فيها العبد لربه وخالقه. وأين هذا من اعتقاد أهل الجاهلية؟
يوضح صاحب كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أنّ العرب الجاهليين كانوا - كغيرهم - قد عبدوا الأجرام السماوية وعلى رأسها الشمس والقمر وصلّوا لها، لكن في العهد الذي قرب فيه بزوغ الإسلام تركوا عبادة الكواكب وجمعوا ثالوثهم القديم "الشمس والقمر ونجم ثالث" بإله واحد عكفوا يتقربون إليه بعبادة الأصنام والأوثان، ثم
قال: (وقد هدم الإسلام عبادة الكواكب، وحرم السجود للشمس وللقمر، والصلاة لهما، وحاول اجتثاث كل ما له صلة بتلك العبادة، فلم يبق اليوم من العرب من يتعبد للثالوث السماوي المقدس. ولكننا لا نزال نرى بعض العوام يغضبون إذا مس أحدهم الشمس أو القمر، وبتقرب الأطفال إلى الشمس بأسنانهم التي يخلعونها لتعطيهم أسنان غزال، أي اسناناً جميلة بيضاء، إلى غيرذلك من أ ابد يعرفها الأعراب) (١). و
عرب الجاهلية - أيضاً - كانوا يعتقدون بأنّ الكسوف والخسوف يحدثان لموت شخص أو حياته، وهو ما رفضه الرسول:
قال (صلى الله عليه وآله): (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بتقديره وينتهيان إلى أمره ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياة أحد فإذا انكسف أحدهما فبادروا إلى مساجدكم) (٢).
(عن علي بن عبد الله قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: إنه لما قبض إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله جرت فيه ثلاث سنن أما واحدة فإنه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس: انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان [له] لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإن انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف ...) (٣).
الرسول الكريم لم يترك فرصة لربط الناس بالله سبحانه وتعالى الواحد الأحد وتنزيهه وتوحيده وفعل ما يرضيه وترك نواهيه إلا وفعلها، وقد تجلّت هذه التربية التوحيدية - في جانب من جوانبها - على شكل عبادات تقرّب المسلم لربه وتشدّه إليه، وصلاة الآيات واحدة من تلك العبادات التي شرّعها رسول الله بأمر ربه سبحانه، ولا علاقة لها بما كان سائداً في المجتمع الجاهلي من اعتقادات وخر افات.
٣- كسوف الشمس وخسوف القمر ظاهرتان طبيعيتان، وكذا الفيضانات والزلازل والهزات الأرضية والأعاصير والريح الحمراء والصفراء أو العاتية، كلها ظواهر تجري في الطبيعة نتيجة أسباب كونية معلومة لدى العلماء ولم يقل أحد إنها ليست كذلك. لكننا في نفس الوقت نعتقد بأنّها تجري وفق مشيئة الله "خالق الكون بما فيه من ظواهر طبيعية"، وقد شاء سبحانه أن يجعل تلك الآيات سبلاً لإنزال العذاب بأقوام تنكرت لله وتمرّدت على رسله، فنحن لا نحصر الآية الكونية بالعذاب الكاشف عن غضب الرب بحيث كلما تحصل آية منها كانت علامة للعذاب كما قد يتوهم المشككون، بل نقول: إنّ العذاب الذي نزل بالأقوام السابقة المتمردة حصل بمثل تلك الآيات، فهناك فرق بين الأمرين.
نحن نعتقد أنّ الكون بما فيه كلمة من كلمات الله، وبالتالي يكون معرفة مراده سبحانه من خلال الرسائل التي يبثها في ملكه أمر ممكن ومتاح للجميع، بل الإنسان مفطور على هذا، وقد أودع الله في هذا المخلوق القابلية والمؤهلات التي ترتقي به ليسمع ويفهم مراد ربه ورضاه من غضبه من خلال كل حركة وسكنة تحصل في هذا الكون، وإذا كان هذا الأمر غير متوفر عملياً لدى غالبية الناس فسببه تقصيرهم؛ لأنهم لوّثوا فطرتهم وغفلوا عن ربهم. أما خلفاء الله فالمسألة بالنسبة لهم ممكنة؛ لطهارة قلوبهم وإخلاصهم ونقاوة فطرتهم، كيف والإمام علي (تلميذ الرسول) يقول: (ما أيت شيئاً إلاو أيت الله قبله) (١). ر ر
إنّ هكذا نفوس طاهرة متصلة بربها دائماً وتسعى لتربية الخلق على تطهير فطرتهم والاتصال بربهم لمّا عرفت أنه سبحانه عذّب الأقوام المتمردة سابقاً بآية كونية، بالتأكيد أنها تفزع إليه سبحانه وتأمر أتباعها بذلك عند حصول مثل تلك الآيات حتى وإن كان حصولها طبيعياً ولم تكن معدّة للعذاب هذه المرة؛ باعتبار أنّ تلك الآيات كانت في يوم مضى - أيضاً سيأتي (٢) - وسيلة للعذاب النازل. و
صار بوسعنا الآن أن نعرف لماذا كان وجه الرسول (صلى الله عليه وآله) يتغير عندما تهب ريح صفراء أو حمراء:
(كان النبي صلى الله عليه وآله إذا هبت ريح صفراء أو حمراء أو سوداء تغير وجهه واصفر لونه وكان كالخائف الوجل حتى تنزل من السماء قطرة من مطر فيرجع إليه لونه ويقول: جاءتكم بالرحمة) (١).
ولماذا كان الإمام علي (عليه السلام) يطيل صلاته وينقطع إلى ربه انقطاعاً تاماً عند حصول آية كونية توجب الصلاة:
(انكسفت الشمس على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فصلى بهم حتى كان الرجل ينظر إلى الرجل قد ابتلت قدمه من عرقه) (٢).
وسُئل ابن رسول الله الإمام الباقر (عليه السلام): (أرأيت هذه الرياح والظلم التي هل يصلى لها؟ فقال: كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن) (٣).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجدكم) (٤).
ملاحظة: إذا كان بعض المشككين يرى بأنّ بعض العرب الجاهليين كان يربط بين حصول بعض الآيات الكونية وبين غضب الرب سبحانه، فهو ربما يشير إلى ما ذكرناه من أنّ الأقوام المتمردة السالفة عُذّبت بمثل تلك الآيات، وهي ثقافة دينية صحيحة بالحدود المشار لها نتيجة التعاليم والإخبارات التي بثها خلفاء الله في أممهم و أقوامهم، وأكيد أنّ شيئاً منها وصل إليهم؛ خصوصاً وأنّ قريش - وما جاورها - كانت بنحو العموم الأغلب تدين
بدين الحنيفية الإبراهيمية وإن كانت محرّفة كشأن أي دين إلهي تمادى عليه الزمن واعتلى سدة التوجيه والتعليم فيه علماء منحرفون.
أيضاً: شبيه بهذا الإشكال، يطرح بعض المشككين شبهة مفادها: أنّ ما دعا له الرسول لم يكن نبوة ورسالة إلهية وإنما كان مجرد تأثر ببيئة مكة الثقافية والدينية والاقتصادية.
وجوابه اتضح بما تقدم؛ فهو - إضافة إلى كونه مجرد كلام إنشائي لا دليل قطعي عليه، ويمكن رفضه ببساطة من قبل أي مسلم - مخالف لطبيعة الدعوة التي جاء بها الرسول ودعا لها قومه والناس أجمعين، إذ لا شك عند جميع الباحثين المنصفين والمطلعين على سيرة الرسول وعلى حال أهل الجاهلية قبل بعثته يلاحظ بوضوح تام أنّ طبيعة دعوة الرسول وتعاليمها على المستوى العقائدي والتشريعي والأخلاقي يعد بمثابة ثورة تجديدية كبرى تنسف كثير من معتقدات وأخلاقيات تعارف عليها أهل الجاهلية، ولهذا تمت معارضتها بشدة من قبل سادة قريش وكبرائها ومن تحالف معهم من اليهود وقبائل العرب، كما سيتضح لاحقاً.
![]()
يزعم المشككون أنّ ما حصل مع الرسول - نتيجة اختلائه للعبادة والمعلومات الدينية التي كانت ترد مسامعه - ليس وحياً من الله ليكون نبياً مرسلاً من الله، وإنما هو وحي نفسي، وبالتالي فما يأتيه كان حديث وإيحاء نفسي لا إلهي!
أما سبب هذا الإيحاء النفسي فيعزوه إلى عدة أمور، منها:
١- صحبته لعمّه أبي طالب في أسفاره التجارية إلى الشام وما كان يسمعه من علماء اليهود والنصارى. ٢- علاقته مع ورقة بن نوفل العارف بدين النصرانية. ٣- علاقته بمن تنصّر من فصحاء العرب كقس بن ساعدة الأيادي وأمية بن الصلت وما كانوا يسمعونه من علماء اليهود والنصارى عن قرب ظهور نبي.
٤- تأثر الرسول بيهود ونصارى كانوا يسكنون أطراف مكة. ٥- احتكاك قريش باليهود والنصارى نتيجة رحلتي الشتاء والصيف. ٦- التفكر والتأمل الذي كان يمارسه الرسول في غار حراء، فقد كان له الأثر في اعتقاده بأنه النبي المنتظر، وتجلّى هذا الاعتقاد بالرؤيا في النوم ثم قوي في نفسه فصار يتخيّل أنّ الملك يتمثّل له ويلقّنه الوحي في اليقظة.
كل هذه الأمور - بنظرهم - عزّزت حديث النفس والإيحاء النفسي لدى الرسول محمد بأنه رسول مبعوث من الله يُوحى له، وفي الحقيقة لا يوجد أكثر من إيحاء نفسي لديه نتيجة التفكر وكذا المعلومات التي كانت وصلته وغذّت نفسه عن قرب بعثة رسول!

ما ذكره المشككون باطل، وبطلانه يتضح بملاحظة ما يلي:
أولاً: شبهة المشككين تؤكد الخلط الذي وقعوا فيه بين الوحي الإلهي والإيحاء النفسي، وقد تقدم بيان معنى الوحي وأنواعه وطرق وصوله إلى الإنسان ومنهم الأنبياء المرسلين. أما كون ما يأتي الرسول هو وحي إلهي وليس نفسي، فهذا يتم التأكد منه من خلال:
١- النظر في دليل صدق الرسول في دعوته، وهكذا يعود الكلام إلى قانون معرفة الحجج الإلهيين وما احتج به الرسول على قومه وغيرهم من الناس، وقد تقدم دليل إثبات نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) وإرساله من الله. وإذا ثبت صدقه في دعواه ثبت ما يترتب عليه من أخبار يخبر بها عن ربه سبحانه وتعالى ووحيه له.
٢- النظر في مضامين الوحي نفسه، وهل تستطيع نفس بشرية (منقطعة عن المدد والوحي الإلهي) أن تأتي بالمضامين والعلوم التي بثها الرسول بين الناس، وهل تنتج أحاديث النفوس ما أنتجه من عطاء معرفي وأخلاقي وإنساني بشكل عام؟! هل يستطيع حديث النفس أن ينتج قرآناً بما فيه من علوم وأسرار وهدى تحدّى جميع الخلق أن يأتوا بمثله
في التأثير على نفوس سامعيه، علماً أنّ تحدّيه كان ولا زال قائماً للعرب وغيرهم بما فيهم المشككون؟!
المشككون في الحقيقة يجب عليهم مناقشة الدليل الذي جاء به الرسول إن كان لديهم نقاش، لا أن يقابلوا الدليل بتهم وشكوك أنتجتها أوهامهم وظنونهم المريضة، وليعلموا أنّ الشك يبقى شكاً مهما عظم في نفس صاحبه، ولا يقابل الدليل ولا ينقضه وإنما ينقض الدليل بدليل مثله.
ثانياً: بحسب المصادر التاريخية، فإنّ الرسول لم يسافر مع عمّه أبي طالب (عليه السلام) للتجارة سوى مرة واحدة فقط إلى الشام، وكان عمره حينها تسع سنوات أو اثنتي عشرة سنة كما تقدم ذكره في الشبهة (٨)، وعرفنا من خلال النصوص التاريخية - أيضاً - التي روت لقاءه ببحيرا الراهب أنّ الرسول في اللقاء كان مسؤولاً لا سائلاً ولم يسأله أو يتعلّم منه شيئاً من علوم أهل الكتاب.
وأيضاً: بحسب المصادر التاريخية، لم يدرس الرسول عند ورقة بن نوفل أو يتعلم منه شيئاً يتعلّق بالعلم الديني ومضامين ما يتنزل عليه من وحي إلهي، ولم تذكر المصادر أنّ الرسول كان يلتقيه باستمرار أصلاً، وقد استعرضنا ذلك في الشبهة (٩).
أما تأثر الرسول بعلماء اليهود والنصارى عموماً المنتشرين في شبه الجزيرة العربية فقد أوضحنا بطلان ذلك أيضاً في الشبهة ( ١٢ ). علماً، أنّ أهل الكتاب لم يكن لديهم مركز ثقل معروف في مكة أو قربها وإنما كانوا يسكنون المدينة "يثرب" وما حولها كما هو معلوم ومثبّت في المصادر التاريخية.
كذلك بالنسبة إلى زعمهم تأثر الرسول بالحكيم قس بن ساعدة الأيادي وأمية بن الصلت، فهو قول باطل ولا دليل عليه.
أما قس الحكيم، فقد كان مؤمناً موحداً على دين إبراهيم لا النصرانية، ويؤمن بالبعث، ويعرف الرسول باسمه ونسبه ويبشر الناس بخروجه (١)، وقد سأل الرسول عنه
وفداً أقبل إليه يوم فتح مكة وهو بجوار الكعبة فقيل له: إنه مات (١). وكان موته قبل بعثة الرسول (٢). وأما أمية بن الصلت الشاعر فقد كان مؤمناً بالله، ويعرف ببعثة نبي قرب زمانه، وقد ترهب وتعبّد ولبس المسوح طمعاً في أن يكون هو النبي الموعود، وأدرك بعثة الرسول لكنه مات غير مؤمن به.
(قال في المنتقى: في السنة الثانية مات أمية بن الصلت، وكان قد قرأ الكتب المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وأخبر أن نبياً يخرج قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله كفر به حسداً ولما أنشد لرسول الله صلى الله عليه وآله شعره قال: آمن لسانه، وكفر قلبه) (٣).
وعموماً، ليس بيد المشككين دليل على أنّ الرسول كان دائم اللقاء بهما والتعلّم على يد واحد منهما، بل وليس عندهم دليل على أنّ الرسول قد التقى أمية ولو لمرة واحدة فقط سواء قبل بعثته أم بعدها بحسب ما وصلنا من نصوص تاريخية.
أما رحلة قريش التجارية في الشتاء والصيف، فواضح أنها كانت بهدف التجارة وكسب المال ولم تكن بصدد اللقاء بعلماء أهل الكتاب والتباحث معهم ومن ثمَّ التأثر بهم وبأفكارهم التي يزعم المشككون - في تحليل خيالي - أنها تسرّبت من قريش إلى الرسول فتأثر بدوره بها، بل ليس في عقيدة القريشيين ما يؤكد ميلهم لما عند اليهود والنصارى من عقائد أصلاً، وهذا واضح تاريخياً وتؤكده أحداث بعثة الرسول وما لاقاه من قومه في شدة دفاعهم عن عقيدتهم الوثنية التي ظلوا متمسكين بها حتى بعثته (صلى الله عليه وآله).
ثالثاً: بالنسبة إلى نصوص أهل الديانات ونبوءاتهم وما كان رائجاً بين العرب - وحتى غيرهم - عن قرب ظهور وبعثة نبي صحيح، وهذا من رحمة الله بعباده إذ ييسّر لهم سبل التصديق برسوله الموعود ويمهّد لهم الطريق؛ تخفيفاً من ثقل امتحانهم به، من جهة. ومن جهة أخرى: يؤكد وحدة المنبع الذي يستقي منه رسل الله علمهم الذي يتجسد أحياناً
في إخبارات غيبية مستقبلية يبثوها بين أقوامهم وتتناقلها الأجيال وتنتشر بين الناس المنتظرين.
وهذا بالضبط ما حصل مع الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، إذ وردت بشارات الأنبياء السابقين في ذكر اسمه وصفته ومسكنه ومهاجره وغير ذلك. لكن هذا لا يعني بحال أنها كانت تؤثر على الرسول بحيث تُحدث في نفسه حديثاً وإيحاءً نفسانياً يجعله يعتقد أنه الرسول الموعود دون أن يكون هو المقصود كما حصل مع أمية بن الصلت مثلاً؛ وذلك أنّ:
١- التعرّف على صدق نبوة الرسول وإرساله من الله لا يستند إلى قوله هو فحسب، ولكن احتج على الناس بقانون معرفة الحجج الإلهيين (العلم، النص، الدعوة إلى الله) كما تقدم بيانه، وهو قانون إلهي ينحصر بخلفاء الله فقط ولا يحتج به غيرهم إطلاقاً، والرسول متحلّي بجميع فقرات القانون الإلهي كما بيّنا سابقاً.
٢- التعرّف على صدق الرسول يستند أيضاً إلى شهادة الله التي يشهد بها لكل من يريد التعرف على صدق رسوله في دعوته، فالله سبحانه عرض نفسه شاهداً على صدق رسوله محمد وأحقيته قبل بعثته وعند بعثته: "وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَِّّ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ" [الرعد: ٤٣ ]، واليوم أيضاً لا زال الباب مفتوحاً لمن يطلب شهادة الله، وشهادة الله لا دخل للرسول بها ليقال بالإيحاء النفسي، وإنما هي شهادة يمكن لكل من يؤمن بالله أن يطلبها من الله بصدق وينتظر سماعها من الله أيضاً. أما من لا يؤمن بالله من المشككين فكلامنا ينحصر معه في إثبات وجود الله قبل الخوض معه في إثبات صدق الرسول في دعوته ووحي الله إليه.
٣- الصفات الواردة في النصوص الدينية المذكورة للنبي الموعود مما كان رائجاً بين الناس لم تنطبق إلا على الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وانطباق هذه الصفات عليه أمر لاحظه الكثير من علماء أهل الكتاب وغيرهم. وواضح أنّ انطباق الصفات المذكورة في نصوص دينية ذكرت قبل مئات السنين على شخصية الرسول أمر لم يكن ليحصل لو لم يكن هو مصداقها الحقيقي والمعني بها، وأي دخل للإيحاء النفسي في مسألة الانطباق هذه!
٤- إنّ الرسول قبل بعثته لم يكن يظن بنفسه أنّ يكون له قدر وشأن عظيم عند الله، وأنّ الله سيصطفيه للنبوة والرسالة وأن يكون صدره مهبطاً لوحي القرآن العظيم، وهذا من خلق الأنبياء والعظماء الإلهيين، فإنهم لا يرون لأنفسهم ميزة وفضلاً يفضّلون به أنفسهم على سائر الخلق، ولهذا اصطفاهم الله، قال تعالى: "وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ" [القصص: ٨٦ ].
ومن كان هذا حاله فأي حديث يحدّث به نفسه غير رجاء رحمة الله وعفوه.
ثم أيّ إيحاء نفسي (مجرّد عن المدد والوحي الإلهي) يستطيع أن يبني منظومة إنسانية متكاملة في جانبها الديني (العقائدي والتشريعي) والأخلاقي والاجتماعي والقضائي والسياسي والاقتصادي وغير ذلك كالتي فعلها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، خصوصاً وأنها مخالفة لمجمل ما كان سائداً بين أتباع جميع الديانات؟! المنظومة التي أجبرت حتى خصومه من الانحناء أمام محمد وثورته الإصلاحية الكبرى في شبه جزيرة العرب قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام وما أحدثته من تغييرات جوهرية كبيرة لا يسع أي باحث تجاهلها سواء اتفق معها أو اختلف!
وأيضاً: من بين ما أوحي إلى الرسول هو القرآن الكريم، وفيه من الحقائق والعلوم والمعارف والأسرار التي لم يتضح وجه بعضها إلا في فترة متأخرة، مع أنّ القرآن والرسول محمد وأوصيائه (صلوات الله عليهم) سبقوا بالإشارة لها قبل أكثر من ألف عام.
يقول السيد أحمد الحسن في كتابه "وهم الإلحاد":
(تنبيه: إنّ ما توصّل له العلم الحديث إجمالاً له شواهد وأدلة في القرآن وفي روايات خلفاء الله الماضين صلوات الله عليهم، فالانفجار العظيم وتوسع الكون الجسماني الذي نعيش فيه مبين في القرآن، قال تعالى: "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" أي: إنّ السماء بنيت (بأيد) والمعنى: إنّ هناك عللاً وأسباباً سبّبها الله هي التي بنت السماء، والسماء في توسع، وهذا ما أكدته الأرصاد والمشاهدات للمجرات من حولنا؛ حيث إنها تبتعد متسارعة بحسب ظاهرة دوبلر وغيرها من الأدلة على توسّع الكون التي تعرفنا عليها فيما تقدم من الكتاب.
والخلق الذين سبقوا آدم على هذه الأرض والحياة في الكواكب الأخرى والأكوان المتعددة كل هذه الأمور بينها آل محمد (عليهم السلام) بتفصيل جيد منذ أكثر من ألف عام، وهذه بعض الروايات لمن يريد معرفة الحقيقة ومعرفة فضل محمد وآل محمد، وأيضاً هي معجزة إخبارات غيبية أثبتها إجمالاً العلم الحديث، فللملحدين أن يتبيّنوا الحقيقة إذا كانوا فعلاً يطلبون معرفة الحقيقة، وأظن أنّ العاقل يعمل ويحتاط لدفع الضرر المحتمل فكيف إذا أصبح الضرر شبه مؤكد!
أظن أنّ تطابق أقوال آل محمد عليهم السلام مع نظريات وحقائق العلم الحديث تدفع العاقل إلى أن يبحث ويدقق فيما هو فيه، أما غير العاقل فشأنه يفعل ما يشاء.
قال الباقر (عليه السلام): [..... وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين] (١).
قال الصادق (عليه السلام): [إن لله عز وجل اثني عشر ألف عالم؛ كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم وأنا الحجة عليهم] (٢).
قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) لمنجم: [هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في أربع عشر عالماً؛ كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه؟ قال: من هو؟ قال: أنا] (٣).
قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن نفسه أنه: [يسير في ساعة من النهار مسيرة شمس سنة حتى يقطع اثنى عشر ألف مثل عالمكم هذا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس، قال: فيعرفونكم؟ قال: نعم، ما افترض عليهم إلا ولايتنا والبراءة من عدونا] (٤).
بل إنّ روايات آل محمد (عليهم السلام) بينت بُعدين آخرين للحياة العاقلة المدركة غير بعد تعدد العوالم أو الأكوان المتقدم، فهناك الكون الذي نعيش فيه نفسه أي إنّ هناك حياة عاقلة في كواكب أخرى ومجموعات شمسية أخرى في نفس كوننا، بل إنّ الأئمة ذكروا ما ثبت علمياً الآن وهو أنّ الشمس ليست ضرورية لتنمو الحياة، فقد اكتشفت كائنات حية في أعماق البحار تعتمد على حرارة باطن الأرض ومواد كيميائية لتنمو وتتكاثر فالمهم أن تتوفر الطاقة لتنمو الحياة، والنجوم (كشمسنا) ليست المصدر الوحيد للطاقة في الكون:
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: [أما إن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثين مغرباً أرضاً بيضاء مملوة خلقاً يستضيئون بنورها، لم يعصوا الله طرفة عين، لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه...] (١).
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: [إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمراً فيها خلق كثير لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه..] (٢).
عن الباقر (عليه السلام): [إن من وراء شمسكم هذه أربعين عين شمس، ما بين شمس إلى شمس أربعون عاماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، وإن من وراء قمركم هذا أربعين قمراً ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه] (٣).
وهناك الأرض التي نعيش عليها، وإنّ هناك حياة عاقلة سبقتنا عليها:
فعن الباقر صلوات الله عليه: [لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عز وجل أبا هذا البشر وخلق ذريته منه] (١).
وعن زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَِّّ (عليه السلام): [جَعَلَنِيَ اللَُّّ فِدَاكَ أَسْأَلُكَ فِي الْحَجِّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَاماً فَتُفْتِينِي. فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، بَيْتٌ حُجَّ إِلَيْهِ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ تُرِيدُ أَنْ تَفْنَى مَسَائِلُهُ فِي أَرْبَعِينَ عَاماً] (٢).
إذن، قبل أكثر من ألف عام ذكر محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله):
- أن هناك حياة عاقلة مدركة غيرنا سبقتنا على هذه الأرض، وهذا اثبتته الاحفوريات والأدلة الجينية كما بينا في هذا الكتاب. - أن هناك حياة عاقلة ومدركة غيرنا موجودة ضمن كوننا الذي نعيش فيه، وهذا بحسب المعلومات الكونية الحديثة ممكن جداً خصوصاً بعد رصد كواكب تشبه كوكب الأرض إلى حد بعيد. - أن هناك حياة عاقلة مدركة ليست في كوننا أصلاً بل ضمن أكوان أخرى غير كوننا الذي نعيش فيه، وقد بينا هذا الأمر فيما تقدم عند مناقشة ميكانيكا الكم والاكوان المتعددة ونظرية هيو افرت) (٣).
أعتقد إنّ أي باحث يحترم عقله لا يمكنه الانسياق مع دعوى الوحي النفسي التي تقدم بها المشككون، لأن أقل ما يقال له: إنّ دعواه مجردة عن الدليل، والو اقع الفعلي والعملي والعلمي يكذبها، وبالنتيجة تكشف عن ضعف إدراك لدى قائلها لا غير.
ملاحظة: وجدت بعض المشككين يتهم الرسول بأنّ المضامين التي كان يذكرها للناس ويقول عنها إنها بوحي من الله لم تكن سوى مضامين يقوم هو بصناعتها وتأليفها؛ نتيجة لما كان يتمتع به من فصاحة وقدرة على تقليب العبارات واستحضار الكلمات التي تتدفق
على لسانه كيفما شاء، ويمثّلون لتهمتهم بسورة "الكوثر"، لا لشيء غير أنهم لا يمكنهم تعقّل كونها وحياً من الله، كما يزعمون!
ونحن لا ننكر اتّصاف رسول الله وأوصيائه الكرام بجوامع الكلم وشدة بلاغتهم المتمثلة بقدرتهم على بيان و إيصال أعقد المعاني بأعذب المفردات وأسهلها وأوضحها، لكننا في الوقت نفسه ننكر على المشككين اتهام الرسول بشيء لم يذكروا أي دليل ومستند يؤكده غير الوهم والحقد المقيت. وشخصياً، لم أسمع يوماً أنّ نهجاً معرفياً رصيناً يروم البحث عن الحقيقة - سواء في قضايا دينية أو علمية - يُبنى التثبّت فيه (إيجاباً أو نفياً) على التعقل وعدم التعقل، اللهم إلا عند العابثين!
وأسوأ من هؤلاء من يزعم - وبعضهم يدعي الإيمان بالله وبرسل سابقين - أنّ المضامين التي كان الرسول يبثها بين الناس كانت بوحي شيطاني (والعياذ بالله)!
حقيقة، لا أعرف إن كان هؤلاء الحاقدون يرون أنّ الدعوة إلى الله وتوحيده وطاعته وعبادته والإحسان إلى الوالدين ورعايتهما والرحمة بالفقراء والمساكين والأيتام والأمر بالعدل والصدق والأمانة والعفو والرحمة وغيرها من فضائل، والنهي عن القتل والظلم والكذب والفجور والخيانة والسرقة والزنا وأكل السحت والمال الحرام وغيرها من قبائح ورذائل مما تضمنتها تعاليم الرسول ووصاياه التي ملأت الخافقين، أقول: إذا كان كل هذا وحي من الشيطان كما يزعمون فإلى ماذا يدعو الإله الذي يدّعون عبادته والأنبياء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بهم؛ إن كانوا يؤمنون بشيء أصلاً؟! وإذا لم يكن صاحب هذه الفرية مؤمناً بشيء فهل لا يتمكن فعلاً من إدراك حسن البر بالوالدين وقبح ضربهما وإهانتهما؟! وهل لا يستطيع التمييز بين حسن الصدق والأمانة وقبح الكذب والخيانة؟! أما إذا كان بالغاً هذا المبلغ وأنّ "الفضائل = الرذائل" في قاموس تفكيره فهو مريض وضعيف إدراك وبحاجة إلى تداخل طبّي دون أدنى شك.
![]()
ذهب بعض المشككين إلى أنّ هناك حالة مرضية كانت تنتاب الرسول أثناء نزول الوحي عليه هي شبيهة بحالة الصرع (المرض المعروف)، وبالتالي - بحسبهم - فإنّ الرسول كان يعاني من عارض مرضي!

أولاً: بحسب النصوص الدينية، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) أثناء نزول الوحي عليه كانت تظهر عليه بعض العلامات؛ منها:
١- كان جبينه يتفصّد عرقاً:
قالت عائشة: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً) (١)، أي: يسيل.
٢- تغيّر لون وجهه:
(عن عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي كرب له وتربد وجهه) (٢)، أي: تغير.
واضح أنّ تغير لون وجه الرسول كان نتيجة خوفه من الله، ولذا كان وجهه أيضاً يتغير عند الصلاة، إذ روي أنه (إذا قام إلى الصلاة، تربد وجهه خوفاً من الله تعالى) (٣).
٣- يُغشى عليه أحياناً:
والغشية كانت تحصل للرسول عندما يأتيه الوحي من الله مباشرة بدون توسط واسطة في نقله، ولا تصيبه إذا كان الوحي عبر توسط ملك من ملائكة الوحي.
(عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنزل عليه الوحي؟ فقال: ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلى الله له، قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة، اقبل متخشع) (١). و
(عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل يصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز وجل) (٢).
ما كان يعتري الرسول عند نزول الوحي مما لاحظناه أمر طبيعي في مثل حالة الرسول الطاهر نتيجة عظمة الجهة التي ورد منها الوحي وهو الله عز وجل، ونتيجة ثقل قدر الوحي نفسه بما يحمله من علوم وأمور وأسرار ووصايا وتعليمات ثقيلة وجليلة القدر على قلب الرسول التي يتلقاها، قال تعالى: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا" [المزمل: ٥].
بل ربما حصل لكثير من الناس شيء من هذه الحالات وهم يتلّقون كلاماً أو نصائح معيّنة في محضر إنسان ذي قدر ومنزلة وهيبة عندهم، فما بالك بمن يكون في محضر الله سبحانه وبمثل نقاء وطهارة الرسول (صلى الله عليه وآله)!
ثانياً: لم يحدّد المشككون بفريتهم أنّ الرسول مصاب بهذا الداء قبل بعثته أم بعدها، ووضعه في كلا الحالين أوضح من أن يخفى على أحد، خصوصاً وأنّ مرض الصرع معروف ومنتشر حتى في زمان الرسول، فقد روي أنّ امرأة أتت الرسول: (فقالت إني أصرع
و إني أتكشف فادع الله لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت اصبر فقالت إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها) (١).
ولا يعقل أنّ مرضاً كان قد أصيب به الرسول ولم يعلم به أحد من الذين رأوه وجالسوه حتى تمكن بعض المشككين المهووسين من كشفه في القرن العشرين والحادي والعشرين، ولم يطلع عليه أحد - بما في ذلك أعداء الرسول والمنافقين - في مكة والمدينة في القرن السابع الميلادي؟!! فالوحي لم يكن يتنزل على الرسول في وقت خلوته وابتعاده عن الناس فحسب، وإنما كان يأتيه أحياناً وهو بين مجموعة من الناس سواء كانوا مؤمنين به أو غير مؤمنين به، ولم يحصل أن تحدث أحد بمثل ما زعمه المشككون في فريتهم!
ثم إنّ داء الصرع - كما هو معروف طبياً (٢) - يحصل نتيجة نشاط كهربائي غير طبيعي في جميع أنحاء الدماغ، ويمر عادة بمرحلتين؛ الأولى: المرحلة التوترية التي تؤدي إلى فقدان الوعي وانقباض العضلات بشكل مفاجئ وسقوط المريض على الأرض، وتستمر من ١٠ - ٢٠ ثانية، والثانية: المرحلة الارتعاشية حيث تتعرض العضلات إلى انقباضات نظمية تتقلص وترتخي بالتناوب، وتستمر هذه التشنجات من دقيقة إلى دقيقتين عادة. وير افق ذلك أيضاً أمور أخرى (أو بعضها)، مثل: الصراخ، وفقدان السيطرة على الأمعاء والمثانة، وعدم الاستجابة بعد التشنجات، وقد يستمر فقدان الوعي لعدة دقائق بعد انتهاء حالة التشنج، والتشوش والتوهان، والإرهاق والنعاس غالباً، وصداع شديد.
وأين هذه العلامات والأعراض التي يمكن للجميع الاطلاع عليها من حالة الرسول الكريم الذي كان يأتيه الوحي وهو راكب ومستقر على دابته أحياناً، أو وهو سائر أو جالس بين الناس، وكل من شاهده أثناء هبوط الوحي عليه كان يراه في قمة السكينة والرزانة
والطمأنينة، حتى إنّ بعض أزواجه قالت: (... فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) (١).
العرق في يده: أي كان يمسك عظم عليه بقية لحم.
وكان بمجرد أن ينتهي عنه الوحي يتلو مراد ربه مباشرة من قرآن أو غيره مما أوحي إليه، فأين هي حالة الشرود والتوهان التي تبدو على المصروع!
وهكذا نرى بوضوح أنّ حالته (صلى الله عليه وآله) كانت بعيدة كل البعد عن داء الصرع التي زعمها بعض المشككين الحاقدين.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ طروَّ النسخ في بعض تعاليم الرسول كتغيير قبلة الصلاة يؤكد أنّ مصدر الوحي ليس إلهياً، وإلا لما تغير الحكم بين فترة وأخرى!

ذكرت إشكال النسخ في كتاب "دفاع عن القرآن" وأجبت عليه، وهذا نص الجواب بما يكفي في إجابة شبهة المشككين المطروحة:
(أولاً: النسخ: يعني تبدّل الحكم، وهو لا يحصل في الدين على المستوى العقائدي الذي يمثل أساس الدين كتوحيد الله وحاكميته مثلاً، فالعقيدة الإلهية واحدة منذ أول خليفة إلهي (آدم عليه السلام) وحتى قيام الساعة بلا تبدل أو تغيّر.
يقول السيد أحمد الحسن: (العقائد الإلهية لا يمكن أنْ تتغير أو تتبدل؛ لأنّ دين الله واحد نزل من واحد سبحانه. نعم، بعض المصاديق يمكن أنْ تتبدل، وبيان العقيدة وتوضيحها يمكن أنْ يكون أغزر وأعمق، والمعرفة المترتبة على العقيدة والعمل بها يمكن
أنْ تكون أعظم تبعاً لوجود القابل، أما العقيدة فلا تتبدل ولا تتغير، قال تعالى: "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء: ٩٢ ]، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" [المؤمنون: ٥١ ]. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢ ]. فالرسل كلهم أمة واحدة ودينهم واحد وعقائدهم واحدة، ...) (١).
نعم، النسخ يمكن وقوعه في تفاصيل التشريع سواء على مستوى تعاقب الرسل أو ضمن مسيرة وبعثة رسول إلهي واحد.
يقول السيد أحمد الحسن: (تفاصيل التشريع ممكن أنْ تتغير في مسيرة الدين الإلهي دائماً، سواء في تعاقب الرسل أو حتى خلال مبعث رسول واحد مثل محمد (صلى الله عليه وآله)، فخلال المسيرة الرسالية للرسول محمد (صلى الله عليه وآله) حصل نسخ لأحكام أقرها هو (صلى الله عليه وآله) أول مبعثه، مثل عدة المرأة المتوفى عنها زوجها كما هو ثابت في القرآن، ...) (٢).
ثانياً: وقوع النسخ في التشريع لا يستلزم نسبة الجهل لله أو رسوله، وإنما الغاية منه تلتقي مع وجود الإنسان في هذا العالم. فلا شك أنّ عالمنا الجسماني الذي نحن فيه - بحسب وجهة النظر الدينية - هو عالم اختبار وامتحان بالنسبة للخلق وللإنسان بالخصوص، وبالتالي فلا يمكن إغفال هذه الغاية ونحن نتحدث عن النسخ في التشريع.
فمثلاً: بالنسبة لمثال تغيير القبلة ونحوها من التشريعات التي حصل فيها النسخ يمكن أن تكون (بعض أهدافها تمحيص الناس و إفراز سفيههم عمّن يطلب الحق منهم، ففي حين أنّ قبلة الأحناف في مكة هي الكعبة كانت قبلة الرسول وصلاته إلى بيت المقدس حيث قبلة اليهود، ولما ذهب للمدينة حيث اليهود وقبلتهم بيت المقدس نجد أنّ الله جعل قبلته الكعبة، ولو كانت في مكة قبلته الكعبة لكان الإيمان أهون على الأحناف. فأكيد أنّ اتخاذ محمد (صلى الله عليه وآله) قبلة اليهود كان أمراً ثقيلاً على الأحناف في مكة؛ لأنّ
قبلتهم هي الكعبة، وأيضاً اتخاذ محمد (صلى الله عليه وآله) الكعبة كقبلة أمر ثقيل على النصارى واليهود في المدينة؛ حيث إنّ قبلتهم بيت المقدس) (١).
وأيضاً: الهوية التي تسم عالمنا الذي نحن فيه هي أنه عالم متغيرات وتزاحم وتنافي، وبالتالي فمن الطبيعي جداً أن تتدخل الظروف المحيطة بالمجتمع الإنساني على هذه الأرض في تبدل التشريع الإلهي.
وهكذا يكون وقوع النسخ في التشريع ليس فقط أمراً ينسجم تماماً مع طبيعة العالم الذي نحن فيه، ولكنه يسهم أيضاً بحل واحدة من أكثر الجدليات الفلسفية إثارة وهي مدى إمكانية ارتباط الثابت بالمتغير، فإذا كانت الشريعة ثابتة بكل تفاصيلها والإنسان ومحيطه في تبدل وتغير مستمر فكيف يمكن لها أن تواكبه وتعالج مشكلاته؟! وقد اتضح لنا الآن أنّ النسخ يمكن أن يكون أحد الحلول الناجعة لهذه المشكلة.
يقول السيد أحمد الحسن: (فالتشريع الإلهي قابل للنسخ والتغير والتبدل، وهناك
أسباب كثيرة قد تؤدي إلى النسخ والتغيير؛ منها الظروف المحيطة بالمجتمع الإنساني في
هذه الأرض) (٢).
فتلخص مما تقدم: أنّ وقوع النسخ في التشريع لا يطعن بعلم الله وحكمته، وليس هذا فحسب ولكن يلتقي تماماً مع العلم والحكمة المطلقة التي يتصف بها الله سبحانه؛ لأن السبب فيه أمر عائد لطبيعة عالمنا الجسماني المعد للاختبار والامتحان من جهة، ولأن هويته التغير والتبدل باستمرار من جهة أخرى، وبالتالي فهو - أي النسخ - أمر يقتضيه طبيعة القابل، وليس لسبب يعود إلى ساحة الفاعل سبحانه وتعالى عمّا يظنّه المشككون علواً كبيراً) (٣).
![]()
بعض المشككين وصل به الهوس والحقد إلى اتهام الرسول بالسحر والكهانة بحجة أنه سحر الناس فاتبعوه، وأنّ ما نقله للناس من قرآن ووحي يشبه سجع الكهّان!

ليس مشككو العصور الأخيرة بأول من افترى واتهم الرسول بهذه التهم الباطلة، فقد قصّ القرآن الكريم قول أسلافهم الذي سبقوهم إلى اتهام الرسول بذلك لما أعيتهم حجّته وأسكتتهم أدلّته ودمغهم حسن منطقه وأخلاقه وتعاليمه التي بثّها في الناس.
الاتهام بالسحر لم يكن نصيب محمد (صلى الله عليه وآله) من قومه ومن شكّك بنبوته فحسب، ولكنه نصيب جميع رسل الله، قال تعالى: "كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ" [الذاريات: ٥٢ ].
وبالرغم من أنّ أعداء الرسل لم يكونوا مصدّقين - في قرارة أنفسهم - بتهمة السحر التي واجهوا بها الرسول الإلهي، لكنهم لم يجدوا بدّاً من ذلك؛ إذ ليس بأيديهم شيء يردّون به الحق الذي جاء به غير اتهامه بالسحر، فالاتهام - كما هو معلوم - لا يتطلب مؤونة كبيرة وهو رخيص عادة، وهذا ما رواه المؤرخون وأصحاب السير:
(ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل و أقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار
وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله الحلاوة، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لان تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره) (١).
لا شك أنّ السحر كان ولا زال مهنة وضيعة وشيطانية يمارسها المشعوذون والدجّالون الذين يضحكون على الناس ويخدعونهم ويستغلونهم مادياً، ولا تخفى أساليب السحرة الشيطانية الخبيثة عن واحد من الناس، في حين أنّ حكمة أنبياء الله ورسله واضحة في سلوكهم و أقوالهم ونصائحهم التي يرشدون الناس بها إلى الحق والهدى والنور.
إنّ أخلاق الأنبياء تختلف عن أخلاق السحرة الدجّالين تماماً، فلم يبعث الله نبياً ورسولاً منه إلا وكان معروفاً بين قومه بالصدق والطهر ومكارم الأخلاق، تماماً كوضوح أخلاق السحرة في الدجل والشيطنة والكذب وخداع الناس. كذلك يمكننا لحاظ الفرق على مستوى الثمرة والنتاج أيضاً، فنتاج وثمرة الأنبياء والرسل وما يتركوه من أثر بين الناس يختلف تماماً عن نتاج السحرة والمشعوذين.
من لا يستطيع التمييز بين حكمة الرسل وشيطنة السحرة لديه إما ضعف بالإدراك، أو أنه حقود يعرف الحقيقة لكنه يخفيها بغضاً بأصحابها.
وباختصار أقول: الله سبحانه هو مصدر النور والخير والهدى والحق ومنه النبوة، والشيطان هو مصدر الظلمة والفساد والضلال والباطل ومنه السحر، وماذا نفعل لمن لا يستطيع التمييز بين النور والظلمة أو بين الحق والباطل؟!
قال تعالى: "لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَِّّ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَُّّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَِّّ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا"
[الإسراء: ٣٩ - ٢٢ ].
هذا جزء يسير مما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من توجيهات تلاها على الناس وأمرهم بالعمل بها، فهل السحرة - والشياطين من خلفهم - يدعون إلى توحيد الله والبر بالوالدين وإيتاء حق الفقراء والمساكين، وينهون عن التبذير وقتل النفس المحرمة وأكل مال اليتيم، ويأمرون بالعدل والقسط والوفاء بالعهد وغير ذلك من خلق عليا يطفح بها نص قرآني واحد جاء به محمد؟!
وإذا كانت الشياطين تدعو إلى ذلك، فإلى ماذا يدعو أهل الخير والصلاح والحكماء - الذين لا تخلو منهم أمة - عند المشككين؟! إلى ماذا يدعو الله والرسل الذين يؤمن بهم بعض المشككين إن كانوا يؤمنون بشيء؟!
أما اتهام الرسول بالكهانة بدعوى أنّ ما كان يقوله الرسول من وحي قرآني وغيره يشبه سجع الكهان، فهو قول باطل ورخيص أيضاً؛ لسببين:
١- لأن الرسول نفسه نهى عن الكهانة، قال (صلى الله عليه وآله): (لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا ديوث، ولا كاهن ومن مشى إلى كاهن فصدقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله) (١).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار) (٢).
٢- ولأن الكهانة - كما يعرفها الجميع - هي ادعاء معرفة أخبار المستقبل، وهي شبيهة بعمل "الفتاح فالية"، ورسل الله ليسوا كذلك بالرغم من أنّ بعض الوحي الذي يوحى لهم يتعلق بأحداث مستقبلية؛ والسبب في عدم التشابه أنّ الرسل يطرحون للناس - بما عرفوه من وحي الله - منظومة عقائدية وتشريعية متكاملة، وبعض الرسل بحسب مقامهم ودورهم المناط بهم يردفون ذلك بمنظومة أخلاقية شاملة وقيم اجتماعية وموازين اقتصادية وسياسية وقوانين قضائية ... إلخ بشكل تتناسب تماماً وقيم الدين والوحي الإلهي.
وبخصوص الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد استطاع من قلب موازين المجتمع الذي بعث فيه رأساً على عقب، وأحدث في محيطه طفرة إصلاح نوعية لا يمكن لباحث تجاهلها، فعلى سبيل المثال:
بعث الرسول في جاهلية كانت ترى المرأة عاراً يدفن في التراب، أو تكبر بعض نسائها فتجد نفسها بلا زواج فترفع على دارها راية حمراء في إشارة تدعو فيها الرجال إليها، واستطاع خلال فترة بسيطة بحكمته وقيادته أن يقضي على مثل هذه الظواهر الفاسدة بفضل ما سنّه وشرّعه لأتباعه، حتى بلغ بالمسلمين حالاً صاروا يعتبرون البنت "حسنة" يؤجرون على تربيتها وتساوي الرجل في كل ما يتصل بالقيم الإنسانية.
استطاع خلال فترة بسيطة أن يصلح بين قبائل ومجتمعات عربية كان الثأر وسفك الدم والعداء ضرب بأطنابه فيها، بل وآخى بينهم وصاروا يقتسمون الدور والأموال كسبيل لمواساة بعضهم بعضاً في أوقات الحرج والشدة التي مرّت بالمسلمين في أوائل الدعوة.
استطاع أن يبني دولة بحسب ما أتيح له من فرصة وإمكانات لا تشبه في أسسها التي تقوم عليها كل دول العالم الموجودة آنذاك. علماً، أنه بناها بمجتمع وصفت ابنته الزهراء (عليها السلام) حاله فقالت: (وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، ...) (١).
والسؤال: لماذا لم يستطع أحد الكهّان أو السحرة الذين كانت تعجّ بهم الأرض داخل الجزيرة العربية وخارجها من فعل شيء ممّا فعله محمد (صلى الله عليه وآله)؟!
إنّ أمثال هذه التهم الرخيصة التي يطلقها بعض الموتورين على الرسول، لا يتصور أحد أنها تسيء إلى مكانة الرسول الرفيعة أو تنقص من قدره (وحاشاه)، بقدر ما أنها تنقص وتسيء إلى صاحبها نفسه وتكشف عن جهله وحقده وعدم إنصافه.
![]()
لم يثبت تاريخياً أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) مارس القراءة والكتابة، ولهذا كانت ظاهرة "كتّاب الوحي" معروفة في سيرة الرسول، هذا الأمر استغله المشككون للطعن بنبوته بحجة أنّ من لا يقرأ ولا يكتب لا يتمكن من قيادة أمته فضلاً عن سائر الأمم والشعوب كما هو الدور المنتظر تأديته من قبل الرسول الإلهي!

الإشكال المطروح لا قيمة حقيقية له؛ لعدة أسباب:
١- نحن اطلعنا سابقاً على قانون معرفة الحجج الإلهيين (أنبياء، رسل، أئمة) وعرفنا أنّ واحدة من فقراته الأساسية هي "العلم والحكمة"، ولا شك أنّ العلم هو سلاح جميع الأنبياء والمرسلين الذي يتمكنون بواسطته من تبليغ رسالة الله إلى الخلق على أتم وجه وتحديد معالم المنهج العقائدي والتشريعي والأخلاقي الذي يدعون إليه، وأكيد أنه منهج شامل لكل جوانب الحياة بما يضمن معه هداية الخلق ونجاتهم.
هذا النوع من العلم لا يشترط فيه وجوب تعلم القراءة والكتابة.
يقول السيد أحمد الحسن: (العلم الواجب توفره في خليفة الله في أرضه؛ هو معرفة ما فيه نجاة الناس في الآخرة من عقائد وتشريع، فلابد أنْ يوحى إليه ليكون عنده فصل الخطاب، ويبين الاعتقاد الحق والشريعة الحقة وما يستجد من تشريع، فالعلم ليس ما كان بل ما يكون، فمعرفة خليفة الله مثلاً بكتاب الخليفة السابق أو حفظه له أو حفظه للتشريع السابق ليس هو العلم الأهم والواجب توفره في خليفة الله في أرضه؛ لأنّ هذه أمور متوفرة بين أيدي الناس ويمكن أنْ يحصلها أي إنسان آخر، فلا يكون له فضل بها بل الفضل أنْ يعلم ما لا يعلم الناس، ولا يكون هذا إلا بالوحي في آناء الليل والنهار. فالكل يحتاجونه لينجوا بينما هو لا يحتاج أحداً من الناس في زمانه، تماماً كحال آدم والملائكة فعلم آدم كانت تجهله الملائكة مع حاجتهم له (أسمائهم)، وبهذا كان له الفضل عليهم ووجب عليهم التعلم منه وطاعته).
إذا عرفنا هذا، فالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) يعلم كل ما يحتاج إليه الناس في زمانه بوحي الله إليه، والوحي - كما هو واضح - لا علاقة له بتعلم القراءة والكتابة.
يضيف السيد أحمد الحسن - على كلامه السابق - قائلاً: (وهذا يبيّن أن لا إشكال أن يكون الرسول محمد صلى الله عليه وآله أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، ولا إشكال في كونه لم يكن يعلم نصوص التوراة والإنجيل أو يحفظها، وكل من يدعي بغير هذا فهو مغالي متكلف أمراً لا دليل عليه، إنما يحمل بعضهم على هذا القول الهوى لا غير. أما ما روي من أنّ الرسول قادر على القراءة والكتابة، فهذا أيضاً لا يعدو كونه في طور إثبات القدرة وليس
التطبيق، أي أنّ الرسول لم يَثبُت أنه قرأ وكتب، بل ثبت العكس وهو احتياجه لمن يقرأ ويكتب له، كوجود كُتّاب الوحي وحاجته لعلي عليه السلام ليكتب له الصلح.
فما ثبت في الخارج لمن كانوا يواجهون الرسول محمداً صلى الله عليه وآله أنه لا يقرأ ولا يكتب؛ لأنه لم يكن يمارس القراءة والكتابة، "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" [العنكبوت: ٤٨ ]. ولهذا فهم نقلوا هذا الأمر كونهم لم يروه يكتب ويقرأ أمامهم، وبهذا فحتى إثبات أنّ لديه القدرة على الكتابة والقراءة لا قيمة له في نفي جواز أن يكون الرسول - أي رسول أو خليفة لله في أرضه - لا يقرأ ولا يكتب بالفعل أي أمياً. والرسول محمد صلى الله عليه وآله احتاج لصحف من توراة موسى نقلت له ولم يتمكن هو وعلي عليه السلام من قراءتها؛ لأنها بلغة أخرى غير العربية. وهذا أيضاً ينفي أمراً مهماً يدّعيه بعضهم؛ وهو أنّ الحجة يعرف كل اللغات دائماً وفي كل حال.
ويجب دائماً الالتفات إلى أننا هنا نتكلم عن خليفة الله في أرضه في هذا العالم الجسماني، ولا نتكلم عن روحه وما أودع فيها، فهو في هذا العالم يجهل الكثير كغيره من الناس، ولا يعلم إلا ما يتعلمه كسباً أو ما يشاء الله أنْ يعلمه له وحياً وفق حكمة الله الحكيم المطلق لا وفق تخرصات الناس وطلباتهم، فيمكن أنْ يعرفه الله ما لابد له منه، فيكشف له الله بعض المعارف المودعة في صفحة وجوده، والتي حجبها عنه هذا الجسد وهذا العالم وكثافته. والنتيجة أنّ علم الحجة هو ما بيّنته، وهو وحي مستمر من الله له بكل ما تحتاجه الإنسانية للنجاة ومعرفة الحق ومعرفة ما يريده الله منهم، وليس من علم الحجة الواجب في شيء المعرفة بلغات الكتب السماوية أو باللغات الأخرى أو حفظ ألفاظ الكتب السماوية. نعم، لابد أنْ يكون هو الحافظ لكل المعاني الواردة في كل الكتب السماوية وللحقائق المشيرة لها ودون أنْ يحتاج لقراءتها أو توفرها بين يديه، فالكتب السماوية كلها مودعة في صفحة المعصوم كحقائق ومعان في مرتبتي الحقيقة والمعنى، ولكل حجة كتابه ومعرفته الخاصة به وبأهل زمانه وما يحتاجونه) (١).
٢- ما هو مشترط في الرسول الإلهي - إضافة إلى النص والعلم - هو العصمة، وهي تعني الاعتصام بالله عن جميع محارم الله، وواضح أنّ الغرض من العصمة هو أن لا يخرج
المعصومُ الناسَ من حق وهدى ولا يدخلهم في باطل وضلال، والقراءة والكتابة لا شأن لهما بالعصمة بهذا المعنى ولا بالغرض منها من قريب أو بعيد.
٣- إنّ الأميّة (عدم القراءة والكتابة) لا تعني الجهل بالضرورة، كما أنه لا توجد ملازمة بين الاثنين بأي نحو من أنحاء الملازمة؛ باعتبار أنّ العلم المشترط في خليفة الله - كما عرفنا - ليس هو العلم العادي والمكتسب الذي يتوقف غالباً على القراءة والكتابة كطريق رئيسي للتعلم، وإنما هو علم إلهي موحى إلى الخليفة الإلهي وبه يتمكن من إنجاز وأداء مهمة هداية الخلق بأتم وجه مرضي عند الله "المرسِل".
يقول توماس كارليل: (وعجيب وأيم الله أميّة محمد، نعم إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب، ولم يضرّه ولم يزر به أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنياً عن كل ذلك، ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره...... كان رجلاً عظيماً بفطرته لم تثقفه مدرسة ولا هذّبه معلم وهو غني عن ذلك كالشوكة استغنت عن التنقيح فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء) (١).
٤- وبخصوص الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، فمن راجع حال الناس الذين بعث فيهم قبل وبعد بعثته فكرياً وعقائدياً وأخلاقياً وحضارياً يعلم جيداً أنّ تعاليم الرسول ووصاياه ونهجه الإلهي الإنساني الذي دعا إليه وسلوكه وسيرته لم يترك بصمته على العرب في مكة والمدينة وما جاورها فحسب ولكن تعدى ذلك بكثير.
فمن كانوا يعبدون المئات من الأصنام الحجرية ويتخلقون بأخلاق حجرية أيضاً، صاروا يتوجهون بالعبادة إلى رب واحد كريم رحيم بكل ما يحمله من صفات الخير والكمال التي دعاهم نبيهم إلى التحلي بها وأنّ أقربهم إليه سبحانه أكثرهم اتصافاً بها. ومن كانوا يعتاشون على الحروب والغزو وسفك الدماء، صاروا أخوة متحابين في الدين أو في الإنسانية على أقل تقدير، وأنّ قيمة المرء بمقدار ما يحمل من تقوى وعلم ونفع للآخرين وما يحبه لأخيه الإنسان من خير بفضل تعاليم الرسول.
من كان يدفن المرأة طفلة وهي تنظر إليه ويعتبرها عاراً مستقبلياً، صار ينظر لها على أساس أنها حسنة يؤجر على برها وتربيتها، والمرأة هي الأم والأخت والبنت والزوجة، لكل منها حقوق عظيمة وكبيرة كما تؤكده تعاليم الرسول. هي إنسان كالرجل تماماً بل قد تفوقه بكثير طالما كان التفاوت بالتقوى والعلم والعطاء والعمل، لها ما للرجل وعليها ما عليه عدا ما استثني بحسب طبيعة الخلقة الجسدية لكل منهما، هكذا هي تعاليم الرسول. ومن كانوا يتصفون بالبداوة والجهل والأمية والتعصب... إلخ، صاروا يتنافسون على طلب الخير والعلم والتعلم، كيف وهم يسمعون نبيهم يصيح فيهم صباح مساء: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وكيف لا يتسابقون على طلب العلم وهم يرون قائدهم الإلهي يُفدي أسرى ألد أعدائه بأن جعل فكاك أسرهم أن يقوم الأسير الذي يحسن القراءة والكتابة منهم بتعليم القراءة والكتابة لأطفال المسلمين!
هذا، ولا يكاد ينقضي عجبي ممّن يزعم أنّ دعوة الرسول لم تنجح في تغيير شيء من حال العرب وو اقعهم الأخلاقي والحضاري بدعوى أنّ المجتمع العربي لم يحصل فيه أي تقدم تقني! مع أنّ سيرة الرسول بما تضمّنته من أقوال و أفعال هي بمثابة ثورة تنويرية كبرى على و اقع فاسد، وقد أثمر جهده وأنتجت تضحيته وصبره حضارة إنسانية كبرى على المستويين الأخلاقي والمادي أيضاً بحسب ما أتيحت له من فرصة.
فمثلاً: على المستوى الحضاري والعلمي المادي، نجد أنّ الحضارة الإسلامية والعلماء المسلمين الذين أسهموا باكتشافات واختراعات مبهرة في زمانهم ويدين لها كل من أتى بعدهم ولها تمام الصلة باكتشافات العصر الحديث على مستوى الطب والهندسة والرياضيات والكيمياء وغير ذلك ما كانت لتحصل لولا التنوير الفكري والحضاري الذي قام به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله).
أما إذا كان المسلمون اليوم متأخرون عن غيرهم من دول العالم "المتقدم"، فلأنهم ضيّعوا حظهم بابتعادهم عن نهج الرسول وأوصيائه الطاهرين.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول تنبأ بأشياء لم تتحقق في أرض الو اقع، وهذا الأمر - بحسبهم - يكشف عن عدم صدق نبوته، ويمثّلون لذلك عادة بإخباره عن قرب قيام الساعة وذكر علاماتها مع أنّ شيئاً من تلك الإخبارات لم يتحقق أثناء حياته!

١- لا شك أنّ العلم أحد فقرات القانون الإلهي في معرفة حجج الله (أنبياء، رسل، أئمة)، لكن العلم الواجب توفره فيهم ليس هو التنبؤات والعلم بالأمور المستقبلية، وإنما هو العلم الديني الذي يُكلّف الخليفة الإلهي بتبليغه إلى الناس في زمانه.
قال السيد أحمد الحسن: (والعلم الواجب هنا هو العلم الديني الذي يكلف خليفة الله بتبليغه للناس، فلابد أنْ يكون خليفة الله متصلاً بالله ويعلمه الله ما يحتاج إليه في تبليغ رسالته وإيصال الدين الحق الذي يرضاه الله للناس، وكل ما يستجد من أحكام إلهية، والقول الفصل وحسم ما يختلف فيه الناس) (١).
وهذا لا يعني أنّ خلفاء الله ليس لديهم تنبؤات أو أنهم لابد أن يكونوا جاهلين بالأمور المستقبلية، بل يعني أنّ العلم بالأمور المستقبلية ليس شرطاً واجباً بالنسبة إلى خلفاء الله، ولا يؤثر عدم إخبارهم بها (أو ببعضها) على نبوتهم وبعثهم من الله شيئاً.
٢- بالنسبة إلى علم خليفة الله بالغيب والأمور المستقبلية، فنحن نعتقد أنّ الرسل الإلهيين هم عباد لله لا يعلمون من الغيب والأمور المستقبلية إلا ما أطلعهم الله سبحانه عليه، ويبقى علم الغيب المطلق منحصر بالله فقط.
قال السيد أحمد الحسن: ("وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" معناها واضح.
طبعاً، الله يعلمه ببعض الغيب ولكن ليس كل الغيب، ربما يعرف كثير من الغيب ولكن ليس كل الغيب. الله يطلع رسله على كثير من الغيب وهم أكيد ليسوا كغيرهم من هذه الناحية، ولكن الكلام في كل الغيب وكل التفاصيل المستقبلية.
قال تعالى: "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً *عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً" الجن: ٢٨ - ٢٥ .
يعني: يطلع رسله على الغيب، وكما بيّنت سابقاً: يطلعهم بقدر وليس كل الغيب "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً" أي: لا أعلم متى هو.
وأيضاً: حتى الاطلاع على الغيب بصورة صحيحة ودقيقة ليس بأمر هيّن أو ممكن لكل أحد حتى وإن أخلص لله سبحانه؛ لأنها معلومات تنزل إلى هذا العالم السفلي، وبالتالي يمكن أن تختلط بوساوس الشيطان وما شابه من باطل، لهذا فالغيب النقي الذي لا يمكن أن يمسه وساوس الشيطان وما شابه فقط عند الرسل؛ لأن جهتهم محميّة من قبله سبحانه، قال تعالى: "إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً".
"فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً"؛ أي: لأنه توجد حماية للغيب النازل للرسول فلا يمكن أن يختلط بكلام الشيطان أو الباطل، ولهذا فهو صحيح ودقيق) (١).
وبخصوص "العلم بالساعة" الوارد ذكره في الشبهة، فقد ورد في النص الديني أنّ العلم بها منحصر بالله سبحانه.
قال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَِّّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [الأعراف: ١٨٧ ].
٣- بالنسبة إلى "الساعة" التي ورد ذكرها في النصوص الدينية كالآية السابقة، وأيضاً: قوله تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ" [القمر: ١]، وقوله تعالى: "يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَِّّ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا" [الأحزاب: ٦٣ ].
فقد ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) لها عدة علامات:
(عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال كنا جلوسا في المدينة في ظل حايط قال وكان رسول الله صلى الله عليه في غرفة فاطلع الينا فقال فيما أنتم قلنا نتحدث قال عم ذا قلنا عن الساعة فقال إنكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض وثلاثة خسوف يكون في الأرض خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونزول عيسى بن مريم عليها السلام وخروج يأجوج ومأجوج وتكون اخر الزمان نار تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحدا تسوق الناس إلى المحشر) (١).
واضح أنّ الرسول - وكذا أوصياؤه - اكتفى بالإشارة إلى علامات الساعة ولم يحدد وقتها بالضبط؛ لأن النص القرآني نفسه يحصر العلم بها بالله سبحانه فقط: "قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ" "قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَِّّ".
أما معنى الساعة في هذه النصوص، فقد تكفل الرسول وآله الطاهرون بيانه، وهذه بعض النصوص:
(عن المفضل ابن عمر قال: سألت سيدي الصادق عليه السلام هل المأمول المنتظر المهدي عليه السلام من وقت موقت يعلمه الناس فقال حاش لله ان يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا قلت يا سيدي ولم ذاك قال لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى "ويسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والأرض" الآية وهو الساعة التي قال الله تعالى "ويسألونك عن الساعة أيان مرسيها" وقال عنده علم الساعة ولم يقل انها عند أحد وقال "هل ينظرون الا الساعة ان تأتيهم بغتة" فقد جاء أشراطها الآية وقال "اقتربت الساعة وانشق القمر" وقال "ما يدريك لعل الساعة
تكون قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون انها الحق الا ان الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد".
قلت فما معنى يمارون قال يقولون متى ولد ومن رآه وأين يكون ومتى يظهر وكل ذلك استعجالا لأمر الله وشكاً في قضائه ودخولاً في قدرته "أولئك الذين خسروا الدنيا وان للكافرين لشر مآب".
قلت أفلا يوقت له وقت فقال يا مفضل لا أوقت له وقتا ولا يوقت له وقت ان من وقت لمهدينا وقتا فقد شارك الله تعالى في علمه وادعى انه ظهر على سره وما لله من سر الا وقد وقع إلى هذا الخلق المعكوس الضال عن الله الراغب عن أولياء الله وما لله من خبر الا وهم أخص به لسره وهو عندهم وقد أصين من جهلهم وإنما القى الله إليهم ليكون حجة عليهم.
قال المفضل: يا مولاي فكيف يدري ظهور المهدي عليه السلام وان إليه التسليم قال عليه السلام يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين فيعلو ذكره ويظهر امره وينادي باسمه وكنيته ونسبه ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والمو افقين لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به على أنه قد قصصنا ودللنا عليه ونسبناه وسميناه وكنيناه وقلنا سمى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيته لئلا يقول الناس ما عرفنا له اسما ولا كنية ولا نسبا والله ليتحقق الايضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم حتى ليسميه بعضهم لبعض كل ذلك للزوم الحجة عليهم ثم يظهره كما وعد به جده صلى الله عليه وآله في قوله عز وجل "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون") (١).
(أن النبي صلى الله عليه وآله قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال عليه السلام: مثله مثل الساعة التي "لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة") (٢).
إذن، بحسب النصوص فإن: (الساعة = القائم المهدي) الموعود بظهوره في آخر الزمان، واليوم نحن نعيش أيامه، وقد جاءنا فعلاً كما أخبر جده المصطفى وآباؤه الطاهرون (صلوات الله عليهم أجمعين) تماماً؛ اسماً ونسباً ومسكناً وصفة وحجة.... إلخ، وبالتالي لم يخطأ الرسول في إخباره ووعده (وحاشاه).
كما أنّ الرسول لم يقل إنّ ظهوره يكون في زمانه كما توهم المشككون، بل وعد أنه يكون في آخر الزمان، وقد تواترت النصوص عن الرسول وآله الطاهرين بهذا المعنى ووضعوا علامات ودلائل تشير إلى زمانه ووقت ظهوره، كما بيّنوا كل ما يتعلق بأمره وبطريق تعرف الناس عليه، وكان كما أخبروا.
أضف إلى ذلك: إنّ مسألة "القرب" الواردة في بعض النصوص هي أمر نسبي، وليس فيها تصريح ودلالة على أنّ الأمر يحصل في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، فالفاصل بين الرسول وبين أبيه آدم (عليه السلام) أول خليفة إلهي على هذه الأرض مئات القرون بينما الفاصل بين الرسول وبين بعثة ولده القائم أربعة عشر قرناً لا غير، وهو قياساً بتاريخ بعثة رسل الله الأوائل فاصل قريب، بل قريب جداً إذا ما قيس بتاريخ نشأة الحياة على هذه الأرض، فضلاً عن تاريخ نشأة الكون الذي يقرب من الأربعة عشر مليار سنة.
بهذا يتضح أنّ الرسول - بإخباره عن الساعة - كان صادقاً في وعده وتنبؤه المستقبلي، وما توهمه المشككون باطل ولا قيمة له إطلاقاً.
![]()
يعمد بعض المشككين إلى تصوير أنّ الرسول مجرد مصلح اجتماعي كأي مصلح اجتماعي آخر، استناداً إلى بعض نصوص القرآن: "إنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ" وليس له في النبوة عن الله من نصيب!

١- لا توجد منافاة بين كون الرسول (صلى الله عليه وآله) نبياً مرسلاً من الله وبين كونه مصلحاً اجتماعياً، ولا ملازمة عقلية تقتضي نفي النبوة عنه إذا ثبت كونه مصلحاً اجتماعياً.
لا شك أنّ الهدف من بعثة أي رسول إلهي - إضافة الى إقامة الحجة على الناس - هي إصلاح حال الناس على المستوى العقائدي والأخلاقي والتشريعي، وتصحيح الانحراف الذي وقعوا فيه، وبناء مجتمع إنساني تسوده قيم العدل والصلاح والرقي. فهم - أي رسل الله - إذن مصلحون إلهيون من الطراز الأول، لكن هذا لا يعني أنهم ليسوا برسل مبعوثين من الله، وإثبات ذلك منوط بالنظر في أدلتهم التي احتجوا بها على الناس وقدموها لهم من سيرة عطرة وأخلاق فاضلة إضافة إلى انطباق قانون معرفة الحجج الإلهيين على كل واحد منهم، وهو قانون ثابت عقلاً ونقلاً على جميع الأنبياء والمرسلين دون استثناء وفي مقدمتهم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله).
وبخصوص النص القرآني المذكور في الشبهة، فهو قول حكاه الله سبحانه عن نبيه شعيب (عليه السلام)، قال تعالى: "قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَِّّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" [هود: ٨٨ - ٨٧ ].
مع هذا فنحن لا نناقش المشككين من جهة أنّ النص القرآني يتحدث عن نبي الله شعيب (عليه السلام) وليس عن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)؛ لأننا نعتقد أن لا فرق بين رسل الله جميعاً من هذه الجهة، أعني جهة أنهم مصلحون إلهيون، وإنما النقاش الأساس معهم يتلخص في عدم وجود منافاة وتناقض حقيقي بين أن يكون الأنبياء والمرسلين رسلاً إلهيين من جهة ومصلحين لأممهم من جهة أخرى.
٣- أما تشبيه المشككين للرسول بسائر المصلحين فهو مجرد عناد وتعصّب مقيت، وإلا فتقييم كل مصلح اجتماعي مرهون بشخصه وما تتحلى به شخصيته من صفات وكذلك مرهون بما قدّمه من عطاء إنساني. وبخصوص الرسول الكريم فلو كان انفراده عمّن سواه بأن خلّف للبشرية رجالاً قدّيسين مثل علي وأبنائه الطاهرين؛ القادة الحكماء
الهادين، لكفاه شرفاً وفخراً بالانفراد عن سائر المصلحين بل وعن الخلق أجمعين، فضلاً عمّا أحدثه من ثورة إصلاحية ومعرفية كبرى يشهد لها القريب والبعيد.
وللفائدة هذه بعض الكلمات التي وردت على ألسنة علماء وكتّاب غير مسلمين:
• عالم الفلك والرياضي والمؤرخ الأمريكي مايكل هارت:
ألّف "هارت" كتاب أسماه "الخالدون مائة؛ أعظمهم محمد"، وكان ضابطة اختياره المائة من بين عظماء التاريخ الإنساني تقوم على أساس كون الشخصية حقيقية وذات أثر عالمي عميق. هارت أرتأى أن يمنح الرقم واحد في قائمة العظماء للرسول محمد (صلى الله عليه وآله).
يقول في كتابه: (لقد اخترت محمداً في أول هذه القائمة، ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار. ومعهم حق في ذلك، ولكن محمداً هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي. وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً. وبعد ١٣ قرناً من وفاته فإنّ أثر محمد ما يزال قوياً متجدداً. ............
فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أؤمن بأنّ محمداً هو أعظم الشخصيات أثراً في تاريخ الإنسانية كلها) (١).
• المفكر والأديب الفرنسي لامرتين:
يقول: (... فإذا كانت عظمة المقصد وضآلة العدة وضخامة النتيجة مقاييس عبقرية الإنسان الثلاثة، فمن يجرؤ أن يقارن - على الصعيد الإنساني - أي عظيم من عظماء التاريخ الحديث بمحمد، إذا أن أبعدهم في الشهرة لم يهز سوى أسلحة وقوانين وممالك، ولم يؤسس - إن كان أسس شيئاً - سوى قوة مادية غالباً ما انهارت قبل أن ينهار هو. أما محمد، فإنه قلقل جيوشاً وتشريعات وزرع ممالك وهزَّ شعوباً وعروشاً وملايين
البشر على ثلث اليابسة المسكونة، بل إنه هزّ فوق ذلك معابد وآلهة وأدياناً و أفكاراً ومعتقدات وأرواحاً، و أقام على أساس كتاب، صارت كل كلمة فيه قانوناً، انتماءً إلى أمة روحية تجمع شعوباً من مختلف اللغات والأجناس، وطبع في تلك الأمة الإسلامية بأحرف لا تمحي مقت الآلهة الزائفة وعشق الله الواحد المجرد) (١).
• الفيلسوف الروسي تولستوي:
يقول: (ومما لا ريب فيه أن النبي محمدًا من عظام المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام، وتفضل عيشة الزهد، ومنعها عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية؛ وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام) (٢).
![]()
يدّعي بعض المشككين أنّ الرسول لم يكن نبياً مرسلاً من الله وإنما كان مجرد شخص طامع بالرئاسة والزعامة الدنيوية على قومه باعتباره حلقة ضمن سلسلة أسلافه الذين تزعموا قريشاً وتسيّدوا على أهل مكة، لكن أيّاً منهم لم تتح له الفرصة التي أتيحت للرسول!

١- ما ادعاه المشككون مجرد تخمينات وأوهام لا يمتلكون دليلاً قطعياً عليها، وإلا فليس فقط أسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله) تزعموا مكة وسادوا أهلها، بل - بحسب المؤرخين - هناك من سبقهم إلى زعامة مكة لفترة طويلة من الزمن مثل قبيلة جرهم ثم
خزاعة (١) قبل أن تنتقل السيادة إلى "قصي" جد الرسول الأعلى. إذن، مسألة سيادة مكة لم تكن منحصرة بأجداد الرسول ومع هذا لم يحصل أنّ واحداً ممّن ساد مكة ادّعى النبوة والبعث من الله كما حصل من الرسول!
٢- سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) أبعد ما تكون عن حب الرئاسة الدنيوية (المنقطعة عن الله) وما يتصل بها من حب المال والجاه والدنيا عموماً، وفي تراثنا الديني الوارد عن الرسول وأوصيائه الطاهرين أحاديث كثيرة ومستفيضة تنهى عن حب الرئاسة والتسلط الدنيوي الغريزي؛ لأنه أحد العوائق التي تحول دون التكامل والرقي الروحي، وهذه بعض النصوص:
- الرسول (صلى الله عليه وآله): (من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار) (٢). - الإمام علي (عليه السلام): (حب الرئاسة رأس المحن) (٣). (آفة العلماء حب الرئاسة) (٤). - الإمام الصادق (عليه السلام): (حب الدنيا رأس كل خطيئة) (٥). (إن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه) (٦). (من طلب الرئاسة هلك) (٧). - الإمام الكاظم (عليه السلام): (ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأضر في دين المسلم من حب الرئاسة) (٨).
٣- ظاهرة حب الرئاسة والتسلّط على الآخرين شائعة بين بني البشر، والسبب في ذلك أنّ الإنسان (كجسد) ليس أكثر من مستعمرة جينية، ولما كان موقع الرئاسة والسلطة يوفر - ولو ظاهرياً - فرص بقاء أكبر للفرد، وأيضاً: ينسجم مع قوى البدن الجسمانية
"الشهوة، القوة، الحياة" التي تملكها جميع الكائنات الحية على هذه الأرض، أقول: لما كان الأمر كذلك فأكيد أنّ الجينات تميل إلى انتخابه كأحد استراتيجيات البقاء المعتمدة لديها. علمياً، واضح أنّ الهدف الذي تنشده جينات الإنسان يتلخص بالبقاء والعبور إلى الأجيال اللاحقة، هذا فقط لا غير، ولا يوجد في قاموس العمل الجيني ما يمنع من اقتناص وترسيخ أي استراتيجية جينية توفر للجينات حظوظاً أكبر في البقاء والمرور ولو على حساب استعباد ملايين البشر وظلمهم بل وحتى سحقهم!
من جهة ثانية: نحن نعتقد أنّ خطة الله سبحانه التي أريدت أن تكون للإنسان على هذه الأرض تختلف عن سائر المخلوقات الأخرى، لذا خلقت نفسه من: "طين أرضي مرفوع + روح سماوي منفوخ"، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" [الحجر: ٢٩ - ٢٨ ].
قال السيد أحمد الحسن في توضيح بدء خلق الله للإنسان:
(بداية خلق الله للإنسان
الله سبحانه وتعالى بدأ خلق آدم في السماء الأولى (سماء الأنفس)، ولكن لكي يكون آدم وذريته مؤهّلين للنزول إلى الأرض والاتصال بالأجساد، فلابد من رفع الطينة للسماء الأولى وخلق نفس آدم (عليه السلام) وبقية الناس منها، فهذا أمر ضروري حيث إن الروح بثت في هذه الطينة المرفوعة وأصبحت هذه الطينة المرفوعة هي آلة اتصال الروح بالجسد، فالروح لا يمكن أن تمس الجسد لأنهما في - ومن - عالمين مختلفين وبينهما عوالم، فكان لابد من وجود آلة لها وجود في كل مراتب التدرج والعوالم بين السماء الجسمانية والسماء الأولى وعندما يرفع الجسم يكون له هذه المراتب فله أن يتحرك ضمن حدودها.
وهكذا، فالطينة التي رفعت (وهي تمثل كل ما في الأرض) أصبح لها هذا المجال في الحركة بين عالمي الأجسام والأرواح، أو لنقل: بين عالم الأجسام عند بداية السماء الأولى وصولاً للتماس بالسماء الثانية، أو لنقل: عالم الأرواح عند بداية السماء الثانية (سماء الروح، والجنة الملكوتية).
أيضاً: كانت بداية خلق آدم من طين الأرض ومائها لتحمل نفسه التي ستخلق في السماء الأولى ما في الأرض من قوة وشهوة تؤهله للتكاثر وللعيش في كل بقعة على الأرض وتؤهله ليهيمن على الأرض، .........) (١).
واضح أنّ ربط الروح بالجسد يتم من خلال امتزاج الطين الأرضي المرفوع بالروح السماوي، والغرض الإلهي من هذه العملية هي إعداد الإنسان وتهيئته لخوض الامتحان الثاني في دار الدنيا الو اقعة ضمن الكون الجسماني.
يقول السيد أحمد الحسن: (إذن، فالنفس باعتبار أنها مخلوقة من الطين فإنّ لها قابلية استيعاب القوى أو الأرواح المادية الجسمانية وهي الشهوة والقوة والمدرج أو حياة البدن، والنفس باعتبار أنها مخلوقة من نفخ الروح فهي مؤهلة للارتقاء واستيعاب روحي الإيمان والقدس،
ولهذا رُفع الطين وخلقت منه ومن نفخ الروح؛ لأنها في علم الله ستعود إلى الطين أو عالم الأجسام المادي أو الأرض بالخصوص، ولأنها مخلوقة منه فستكون مؤهلة للتفاعل مع ما هو أرضي واستيعابه والاندماج معه أي الجسم بحيث يمثل امتحاناً ملائماً لها، وفي نفس الوقت لأنها من نفخ الروح السماوي فستكون مؤهلة للارتقاء واستيعاب ما هو سماوي أي روح الإيمان وروح القدس) (٢).
الإنسان في هذا العالم (دار الامتحان) يتجاذبه اتجاهان مختلفان؛ أحدهما أرضي جيني "بهيمي" يتمثل بقوى الشهوة والقوة والحياة، والآخر سماوي يتمثل بروح الإيمان والقدس، ونجاح الإنسان وخسارته في هذا الامتحان تتلخص بمدى إخضاع أيّ من الاتجاهين للآخر، فإن أخضع جانبه السماوي للأرضي خسر إنسانيته وما عاد يختلف عن بقية المخلوقات الأخرى شيئاً، بل يصبح أخس حالاً منها؛ لأنها بالأساس لم تمنح الفرصة التي منحت له. وإن أخضع جانبه الأرضي للسماوي بحيث منح زمام القيادة لروح الايمان والقدس وصارت هي المتحكمة بسلوك الجينات البهيمي والأناني وهي المهذِّبة لبقية القوى
الأرضية، إن فعل ذلك فاز وسعد وحظي بمقدار من الإنسانية يتناسب وحجم ذلك الإخضاع.
إذا عرفنا هذا، نعرف السرّ وراء النهي المتقدم في نصوص خلفاء الله عن حب الرئاسة والتسلط الدنيوي، باعتبار أنه انسياق وراء الضغط الجيني والبهيمي الفاقد للقيم والمعايير الإنسانية بطبيعة الحال، كما أنه خضوع للشهوة (إحدى قوى الجسد الأرضية) ومتعها وملذاتها الفاقدة - هي الأخرى - لمعيار الرقي والتكامل الإنساني، الأمر الذي يؤول بالضرورة إلى الهلاك والخسران، وخلفاء الله (الأنبياء، الرسل، الأئمة) أبعد ما يكونوا عن هكذا توجه بهيمي صرف، كيف وهم مشروع إلهي تضحوي كبير لإنقاذ الناس من الهلاك.
٤- الملك الذي يطلبه خلفاء الله هو الملك الإلهي لا الدنيوي.
الملك الإلهي: هو النبوة والرسالة والإمامة.
قال تعالى: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَُّّ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا" [النساء: ٥٤ ].
(عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: "فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما" قال: جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمة فكيف يقرون في آل إبراهيم عليه السلام وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله؟! قال: قلت: "وآتيناهم ملكا عظيما"؟ قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم) (١).
والملاحظ في هذا النوع من المُلك عدة أمور، منها:
• إنه يحصل بتمليك وتنصيب من الله، الخالق والمالك الحقيقي للإنسان وعوالم الخلق كلها، وهو بهذا يختلف عن الملك الدنيوي الذي عادة ما يكون بتنصيب من البشر
أنفسهم بدون إذن من المالك الحقيقي، وعلى هذا الأساس يعتبر غصباً وتصرّفاً في ملك الله بدون إذن منه.
• إنّ المُلك الإلهي ملك حقيقي دائم بخلاف الملك الدنيوي الذي يعد اعتبارياً وزائلاً؛ لاتصال الأول بالله الدائم الباقي، واتصال الثاني بالخلق الزائل الفاني.
• قام الدليل العقلي والنقلي على أنّ المَلِك الإلهي (نبي، رسول، إمام) لابد أن يكون معصوماً (أي: معتصماً بالله عن جميع محارم الله، بحيث لا يبعد الناس عن هدى ولا يقربهم من ضلال)، وهذا يعني أنّ اتباع منهج الملوك الإلهيين يضمن للإنسان النجاة والتكامل الإنساني المنشود بخلاف اتباع ملوك الدنيا فلا شيء من الهدى والنجاة بمضمون إن لم يكن التسافل هو الأمر الحتمي كما هو الحاصل دوماً في التاريخ البشري.
• لما كان المُلك الإلهي يحصل بأمر من الله، والملوك الالهيين لا همَّ لهم سوى تحقيق مراده ونيل رضاه سبحانه، لا يحصل - ولن يحصل أبداً - أن يتنازل واحد منهم عن طلب هذا الملك، وهذا واضح من خلال مسيرتهم الدعوية مع أقوامهم، فالنبي أو الرسول يبلغ رسالة الله التي بُعث بها ويعلن للناس عن تنصيب الله له بالرغم من وجود أعتى طغاة الأرض ظلماً وغطرسة في زمانه، بل ويفعل ذلك حتى لو يعلم يقيناً أن لا أحد من الناس سيؤمن به ويصدق بدعوته. بل ويفعل ذلك حتى لو أدى به تبليغ رسالة الله وإعلانه عن التنصيب الإلهي إلى قتله وقتل أهل بيته وعياله وصحبه كما حصل مع سبط الرسول الحسين بن علي (صلوات الله عليه) القائل في آخر لحظات حياته - مع ما به من ألم فقد جميع أحبته والطعن والجراح التي مزّقت جسده الشريف -: "إلهي، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى".
• المَلِك الإلهي ملك وإن لم يحكم فعلاً؛ لأن العبرة تكمن في تنصيب المالك الحقيقي، وهو أمر حاصل فعلاً، ولهذا فهو ملك وإن لم تبسط الناس جناحها إليه ولم تمكّنه من حكمها، والخسارة التي تحصل بانصر افهم عنه هي من نصيب الناس أنفسهم؛ لأنه بُعث أصلاً لإنقاذهم وهدايتهم وتحصيل إنسانيتهم، أما نفس النبي والرسول فلن ينقص من قدره وإنسانيته شيء ولا حتى مقدار رأس شعرة.
يقول السيد أحمد الحسن: (وربما يفهم بعض من غفل عن الحقيقة أن مُلك الله سبحانه وتعالى هو المتحقق في هذه الحياة الدنيا، وهذا باطل؛ لأن مُلك فرعون ونمرود وأمثالهم إنما هو مُلك الشيطان وحاكميته، فمُلك الله يهبه الله لمن يشاء من عباده الصالحين، وليس ضرورياً أن يحكم، بل هو في الغالب على طول مسيرة هذه الإنسانية المتمردة على خالقها لم يحكم من عيَّنه الله مَلِكاً، قال تعالى: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَُّّ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً"، مع أن معظم من آتاهم الله المُلك من آل إبراهيم لم يملكوا على هذه الأرض، بل ربما قتل بعضهم وقهر وظلم من الطغاة أشد الظلم) (١).
فتلخص مما تقدم:
إنّ أنبياء الله ورسله ملوك إلهيون، ويطالبون بملك الله؛ لأنهم مأمورون بذلك، وكل همّهم إنفاذ مراد الله ولو كلّفتهم تلك المطالبة حياتهم، كما أنهم لا يستعيضون عن تلك المطالبة ولو كانت الدنيا بما فيها بدلاً.
صار من الواضح جداً أن نفهم سبب القوة في رد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) على العرض الذي تقدّمت به قريش له مقابل تركه لدعوته، وكان منه الملك الدنيوي:
روى القمي في تفسيره: (وقوله: "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم" قال نزلت بمكة لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب ان ابن أخيك قد سفه أحلامنا وسب آلهتنا و أفسد شبابنا وفرق جماعتنا فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالاً حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا، فأخبر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته، ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون ملوكاً في الجنة، فقال لهم أبو طالب ذلك فقالوا نعم وعشر كلمات، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله تشهدون أن لا إله إلا الله واني رسول الله، فقالوا: ندع ثلاثمائة وستين إلهاً ونعبد إلهاً واحداً؟! فأنزل الله تعالى "وعجبوا ان جاءهم منذر منهم
وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلهاً واحداً - إلى قوله - إلا اختلاق" أي تخليط) (١).
![]()
يزعم بعض المشككين (وتحديداً المسيحيين منهم) أنّ عدم التبشير بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وذكر اسمه صراحة في الكتاب المقدّس دليل على عدم نبوّته!

١- لا شك أنّ هؤلاء المشككين يؤمنون بعيسى (عليه السلام)، هم يؤمنون به بالرغم من أنه لم يرد التبشير باسمه صريحاً في العهد القديم. وإذا كانوا يعتقدون أنّ التبشير به كان من خلال الرمز (٢) فهو ما حصل تماماً في مسألة التبشير بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في العهد القديم.
سُئل السيد أحمد الحسن عن هذه المسألة:
(س٤: إنّ أنبياء العهد القديم بشَّروا بالمسيح عليه السلام، فأين التبشير بمحمد صلى الله عليه وآله فيه إن كان هو صاحب الدين الأزلي؟
الجواب: هل المطلوب تبشير بالاسم الصريح أم بالرمز؟! أعتقد أنّ مسألة خلوّ العهد القديم من اسم عيسى أو يسوع كمبشَّر به مسألة مفروغ منها، فلم يبقَ إلا الرمز.
ونحن بيَّنا نصوصاً رمزية من العهد القديم تأويلها بالرسول محمد صلى الله عليه وآله، كما أنهم أوّلوا نصوصاً رمزية بعيسى عليه السلام. ........................
وهذا مثال من النص على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله في العهد القديم:
التكوين - الأصحاح الحادي والعشرون:
«فبكر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. ١٥ ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. ١٦ ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس. لأنها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. ١٧ فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر. لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. ١٨ قومي احملي الغلام وشدي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. ١٩ وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. ٢٠ وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. ٢١ وسكن في برية فاران».
ولا أعتقد أنّ عاقلاً يقول إنّ عند الله كفاراً ومشركين وعبدة أصنام أمة عظيمة، أو أنّ الله يعتبر كثرة العدد أمة عظيمة، فالمراد من الأمة العظيمة - والعظمة لله سبحانه - هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، أي المقصود بالأمة العظيمة من إسماعيل عليه السلام هم أنبياء وأوصياء من ذريته، وهؤلاء هم محمد وآل محمد عليهم السلام بالخصوص خلفاء الله في أرضه.
وهذا مثال من النص على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله من العهدين القديم والجديد "التوراة والإنجيل":
حبقوق - الأصحاح الثالث:
«١ صلوة لحبقوق النبي على الشجوية ٢ يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة ٣ الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من
تسبيحه. ٤ وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».
المعنى:
(الله جاء من تيمان): أي الله جاء من اليمن.
و(القدوس من جبل فاران): أي القدوس جاء من مكة.
وتعالى الله أن يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض؟! لأنّ الإتيان والمجي تستلزم الحركة، وبالتالي الحدوث، وبالتالي نفي الألوهية المطلقة. فلا يمكن أن يعتبر أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو القدوس سبحانه وتعالى. هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد تعالى الله عنها علواً كبيراً «وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. ٥ قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».
بل الذي يجيء هو عبد الله محمد صلى الله عليه وآله، وآله عليهم السلام من بعده حيث إنهم من مكة ومحمد وآل محمد عليهم السلام يمانيون أيضاً. فمجيء محمد صلى الله عليه وآله هو مجيء الله؛ لأنّ محمداً هو الله في الخلق، ومحمد هو ظهور الله في فاران كما بيَّنته سابقاً في أكثر من موضع.
وكون تيمان هي اليمن قد ورد حتى في الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام عندما وصف ملكة اليمن بملكة التيمن "أو تيمان") (١).
٢- بالنسبة إلى العهد القديم، لم يكن قد ظهر للوجود - بوضعه الحالي - دفعة واحدة، ولا أنّ كتابته تمّت على يد نبي الله موسى (عليه السلام) أثناء حياته، وإنما تداول بنو إسرائيل مضامينه - في المرحلة الأولى - بشكل شفوي ثم مرَّ بمراحل عديدة استغرقت
مئات السنين قبل أن يصل إلى مرحلة الكتاب المدوّن والمجموع (١). كذلك الحال بالنسبة إلى العهد الجديد الذي ابتدأ - بحسب علماء التاريخ المسيحي (٢) - بما تم تناقله بين المسيحيين الأوائل بشكل شفوي أيضاً لمدة تقرب من خمسة وثلاثين عاماً ثم بدأت مرحلة التدوين على يد "مرقس" بطلب من رجال الكنيسة فسجّل ما استطاع تذكّره من أقوال السيد المسيح وتعاليمه، ثم حذا حذوه جمع كثير وجمعت عدة بشائر وكتب، الأمر الذي أجبر الكنيسة على التدخل وتحقيق مصادر كل منها لينتهي الحال إلى الاعتراف بأربعة منها وحرق كل ما سواها بوجهة نظر بشرية وليست بوحي من الله بطبيعة الحال. علماً، أنّ الأناجيل الأربعة المتداولة اليوم لم يكن ليطلق عليها لفظ "إنجيل" إلا في مرحلة متأخرة وكان تسمى في البداية "كاروزوتا" أي: موعظة بحسب اللغة السريانية، وكان القديس جوستن (في منتصف القرن الثاني الميلادي) يسميها "مذكرات الرسل" (٣).
وأيضاً: الأناجيل الأربعة لم يتم التعامل معها على أساس أنها "كتاب مقدس" بشكل نهائي ولم يتحدد الموقف القطعي منها قبل قرب انقضاء القرن الرابع الميلادي (٤).
ومهما يكن الأمر، فإنّنا نعتقد - على ضوء ما صرّح به القرآن الكريم والروايات الواردة عن خلفاء الله - أنّ الإشارة إلى الرسول محمد وأوصيائه (صلوات الله عليهم) قد حصلت بالفعل، قال تعالى:
- "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَِّّ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ" [الصف: ٦]. - "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا
بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"
[الأعراف: ١٥٧ ].
لكن يد التحريف امتدت إلى العهدين القديم والجديد على حد سواء، قال تعالى: "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" [النساء: ٤٦ ]. وليس اليهود ببدع من أقوام الرسل الإلهيين، فمسألة التحريف التي تحصل عادة بعد رحيل الرسول الإلهي تكاد تكون نقطة اشتراك بين جميع أتباع الأنبياء والمرسلين، وبخصوص العهدين فهو أمر متوقع جداً عند كل باحث منصف مطلع على طريقة جمع وتدوين وتبويب العهدين وما يتصل بها من مسائل وتفاصيل.
وفي حوار دار بين الرسول ورجل يهودي، أكد الرسول أنّ اسمه مذكور في التوراة:
(فقال اليهودي: يا محمد، فأخبرني عن ثمانية أشياء في التوراة مكتوبة أمر الله بني إسرائيل أن يعبدونه بعد موسى. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أنشدك الله إن أخبرتك أن تقرَّ به؟ فقال اليهودي: بلى يا محمد.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن أول ما في التوراة مكتوب: محمد رسول الله وهي مما أساطه ثم صار قائماً، ثم تلا هذه الآية "يجدونه مكتوباً عندهم في التورية والإنجيل" "ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" ...) (١).
و أيضاً: هذا مقطع من محاورة حدثت بين الإمام الرضا (عليه السلام) وعلماء أهل الكتاب في القرن الثامن الميلادي تؤكد وجود اسم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وصفته في التوراة والإنجيل بحسب النسخ المعمول بها آنذاك.
(... ثم إن الرضا عليه السلام التفت إلى الجاثليق فقال: "هل دل الإنجيل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله؟" قال: لو دل الإنجيل على ذلك لما جحدناه. .....
قال الرضا عليه السلام: "فخذ علي السفر الثالث الذي فيه ذكر محمد وبشارة عيسى بمحمد". قال الجاثليق: هات. فأقبل الرضا يتلو السفر من الإنجيل، حتى بلغ ذكر
محمد، فقال: "يا جاثليق، من هذا النبي الموصوف؟" قال الجاثليق: صفه. قال: "لا أصفه إلا بما وصفه الله تعالى، هو صاحب الناقة والعصا والكساء، النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، يهدى إلى الطريق الأفضل، والمنهاج الأعدل، والصراط الأقوم. سألتك بالله يا جاثليق، بحق عيسى روح الله وكلمته، هل تجد هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبي؟" فأطرق الجاثليق ملياً وعلم أنه إن جحد الإنجيل كفر، فقال: نعم، هذه الصفة في الإنجيل، وقد ذكر عيسى هذا النبي، ولم يصح عند النصارى أنه صاحبكم. .....) (١).
وخلاصة الأمر: إنّ تشكيك بعض المسيحيين بنبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بحجة عدم ورود اسمه صراحة في الكتاب المقدس غير صحيح؛ بسبب:
- أنّ الرسول وأوصيائه (عليهم السلام) تمت الإشارة لهم عبر نصوص رمزية ينحصر تأويلها بهم، وقد استعرضنا نموذجاً منها ببيان السيد أحمد الحسن في كلامه المتقدم، واشتراط ذكر الاسم صراحة لا ينفعهم بشيء؛ لأنه يؤدي إلى نفي نبوة عيسى (عليه السلام). - أنّ الرسول تمت الإشارة له بالاسم بالفعل في نسخ التوراة والإنجيل السابقة قبل أن تطال تلك النصوص يد التحريف والتزوير بعد كشف الرسول لها واحتجاجه بها في زمان بعثه وإرساله. - أنّ الرسول قبل هذا وذاك رسول مبعوث من الله سبحانه بدلالة قانون معرفة الرسل الإلهيين: (النص وشهادة الله، العلم والحكمة، الدعوة إلى حاكمية الله)، وهي منطبقة عليه تماماً كما تقدم.
![]()
بعض المشككين يرى أنّ الرسول ليس لديه معاجز، ولم يكن مؤيداً بها كغيره من الأنبياء السابقين، ولهذا السبب لم يكن يجيب طلب مشركي قريش واليهود!
بعض آخر من المشككين يرى أنّ ما نسب للرسول من معاجز ما هي إلا أساطير لا و اقع لها. وبعض ثالث لا يعتبر الإخبار بالغيب إعجاز بدعوى أنه متاح لكل أحد لديه اتصال بالجن وعالم الأرواح وما شابه.
وهدفهم من هذا كله هو التشكيك بنبوة الرسول بعد خلوّها - بنظرهم - عن المعجز.

لمعرفة إجابة الشبهة المطروحة ينبغي الالتفات إلى ما يلي:
أولاً: بيان معنى الإعجاز
الإعجاز - لغة - من العجز، وهو الإضعاف، عَجَزَ عن الشيء: أي ضَعُف ولم يقدر عليه. ولأن المعجز أمر غير عادي (خارق للعادة) ولا يتمكن عموم الناس من الإتيان بمثله يسمّى معجزاً.
على هذا، فليس بالضرورة أن يكون المعجز أمراً مادياً طالما كان "خرق العادة" هو قوام تحقق الإعجاز، إذ لا شك أنّ خرق العادة قد يحصل بأمر مادي وقد يحصل بأمر غير مادي.
ونحن لو طالعنا قانون معرفة الحجج الإلهيين (أنبياء، رسل، أئمة)، وقد تقدم بيانه، نعرف أنّ "النص والعلم" هما الأمران الأساسيان فيه، والنص أمر معجز؛ إذ لا يتمكّن غير الرسول الإلهي - مطلقاً - من ادّعائه والإتيان به دليلاً على صدق دعوته،
وبالتالي فهو أمر خارق للعادة (١). ومثله العلم، فالعلم الذي يتصف به خليفة الله هو علم معجز، يعجز كل من سواه عن الاتصاف بمثله أو حتى بدرجة قريبة منه، ولهذا وصف كثير من العلماء علم خلفاء الله بـ "العلم المعجز"، وهذه نماذج من أقوالهم:
• يقول الشيخ الطوسي في صفة الإمام: (... لأن الإمام لا يعلم أنه إمام إلا ينص عليه نبي، فإذا نص عليه النبي أو ادعى هو الإمامة جاز أن يظهر الله تعالى على يده علماً معجزاً، كما نقوله في صاحب الزمان إذا ظهر، فصار النص هو الأصل) (٢).
ويقول أيضاً: (وإنما شرطنا هذه العلوم، لأن العلم المعجز إذا دل على صدقه أنه رسول الله صلى الله عليه وآله دل على أنه صادق فيما يؤديه عن الله تعالى، ...) (٣).
ويقول: (وكذلك قد يستدلّ بانتفاء ظهور العلم المعجز على يد المدّعي للنّبوّة على نفي نبوّته بأن يقال: لو كان نبياً لوجب ظهور المعجز على يده، فإذا لم يظهر علمت بانتفائه انتفى كونه نبيّاً) (٤).
• السيد المرتضى: (اعلم أن جميع ما ننزه الأنبياء عليهم السلام عنه ونمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة ...) (٥).
ويقول أيضاً: (وإنما لم يعمل بخبر مدعي النبوة قبل ظهور المعجز، لأنه لا طريق إلى العلم بقوله إلا العلم المعجز) (٦).
ويقول: (منها: أنا كلنا نقطع في شخص بعينه على أنه ليس بنبي، لفقد العلم المعجز الدال على نبوته) (١).
• الشيخ الطبرسي في إثبات إمامة الحسن بن علي (عليهما السلام): (وسادسها: أن نستدل على إمامته بما أظهر الله عز وجل على يديه من العلم المعجز) (٢).
• الراوندي: (وقد بيّنا أن الدليل على صحة نبوة كل نبي العلم المعجز) (٣).
إذا اتضح هذا، فقول المشككين بأنّ الرسول لم يأتِ بمعجز مطلقاً غير صحيح؛ لأنه أتى بالمعجز فعلاً واحتجّ به، فالنص الذي احتج به لإثبات صدقه معجز، والعلم الذي احتج به لإثبات نبوته معجز أيضاً، وكون الاعجاز فيهما غير مادي لا ينفي عنهما صفة الإعجاز كما عرفنا، وأما الإعجاز المادي بالخصوص فسنتحدث عنه الآن.
ثانياً: موقع المعجزة المادية في دين االله
باختصار، إنّ الموقع الذي تحتله المعجزة المادية الجسمانية في دين الله (إذا شاء الله و أتت) هي أنها مؤيد وداعم لدلالة النص على أحقية الخليفة الإلهي، وليست دليلاً مستقلاً بذاته؛ فضلاً عن أن تكون هي الأساس الذي به يتم التعرّف على صدق إمامة ورسالة ونبوة أي خليفة إلهي كما توهم المشككون وغيرهم.
وهذه بعض النقاط التي توضح موقع المعجزة في الدين الإلهي بحسب ما بيّنه السيد أحمد الحسن في كتاب "عقائد الإسلام" (٤):
١- مجيء المعجزة المادية الجسمانية في الدعوات الإلهية مرهون بمشيئة الله (وقد يأذن أو لا يأذن بمجيئها وفق حكمة معينة)، وليس الإتيان بها بيد الرسول الإلهي نفسه، قال تعالى: "وَ أَقْسَمُواْ بِاللِّّ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللِّّ
وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ" [الأنعام: ١٠٩ ]. وقال: "وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَِّّ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ" [العنكبوت: ٥٠ ].
وواضح أنّ دليل صدق الداعي الإلهي لابد أن يكون فعليّاً وحاضراً عنده دائماً، وليس أمراً معلّقاً وغير فعلي.
٢- ينبغي معرفة أنّ الله سبحانه غيب مطلق، وأراد من الإنسان الإيمان بالغيب، قال تعالى: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [البقرة: ٣]. على أن يكون ذلك الايمان باختيار الإنسان ودون قهر وإلجاء من أحد، قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة: ٢٥٦ ]. هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإنّ علّة خلقنا في هذا العالم الجسماني هو الامتحان والاختبار، قال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" [الملك: ٢].
ولهذا، فالمعجزة المادية الجسمانية (إن أتت) في دعوة الخليفة الإلهي فلابد أن يكون فيها شيء من اللبس والاشتباه وتبقي مساحة للغيب ليكون الإيمان معها مقبولاً، قال تعالى: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ" [الأنعام: ٩]، وإلا ستكون معجزة قاهرة وتلغي الامتحان ويكون الإيمان معها قهري وإلجائي ومادي ١٠٠ % وهو غير مرضي لله كما عرفنا.
وهذا الأمر واضح في القرآن الكريم، ففي حين أنّ بعض الناس لا يُقبل إيمانهم عند مجيء بعض الآيات، قال تعالى: "هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً" [الأنعام: ١٥٨ ]، نجد أنّ السحرة - مثلاً - قُبِل إيمانهم عندما جاء موسى (عليه السلام) بالآية، قال تعالى: "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى" [طه: ٧٠ ] وقبل الله إيمانهم، وليس هناك تعارض أصلاً.
يقول السيد أحمد الحسن: (إذن، الآية التي يقبل الإيمان من خلالها هي الآية التي فيها لبس، والتي تركت مجالاً للإيمان بالغيب، أما الآية التي لا يقبل الإيمان من خلالها؛ فهي الآية التي لا لبس فيها ولا مجال لأحد للطعن فيها. وهذا الأمر أيضاً واضح من قصة
موسى، ففرعون استطاع الطعن والتشكيك بمعجزة العصا عندما تحوّلت إلى أفعى: "قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ" [طه: ٧١ ]، "فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ"، ولكنه عجز عن التشكيك بمعجزة انشقاق البحر وخضع وصدق وقال آمنت، "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَ ائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [يونس: ٩٠ ]، ولكن لم يقبل إيمانه؛ لأنه إيمان بمعجزة قاهرة لا لبس فيها ولا تقبل التشكيك) (١).
٣- من خلال ما تقدم نعرف أنّ ما يأتي به المرسلون (ومنهم الرسول محمد صلى الله عليه وآله) كمؤيد على صدق دعوتهم - إذا شاء الله وأتوا بمعجزة وآية للناس - هو المعجزة المادية غير القاهرة كقلب موسى (عليه السلام) العصا حيّة، أو إحياء عيسى (عليه السلام) لميت بعد موته بقليل، أو حنين الجذع للرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ونحو ذلك (٢)، لكن هذه المعجزات غير القاهرة - إضافة إلى كونها مرهونة بمشيئة الله الذي يجريها عند توفر حكمة معينة كما عرفنا - لم ينتفع بها أغلب الناس بسبب إبقائها على مساحة من اللبس والشبهة فيها، ولهذا سرعان ما كذبها أغلب من كان حاضراً عند جريانها ووصفوها بالسحر، فمثلاً: كيف لمن حضر يوم الزينة أن يميّز بين ما أتى به موسى وما أتى به السحرة ليصف الأول بالمعجزة والثاني بالسحر! ما هو المائز الفعلي والحقيقي الذي تمتلكه الناس لتميّز بين الفعلين بالضبط؟ لا شيء، لهذا بادر فرعون لوصف فعل موسى بالسحر، بل وأنه كبير السحرة وصدّقه على ذلك أغلب الحاضرين، وقد قصَّ الله قولهم في كتابه، فقال: "فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ" [القصص: ٤٨ ]. "قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ...." [طه: ٧١ ].
كذلك يمكن التشكيك بآية إحياء الموتى أو شفاء المرضى التي جاء بها عيسى (عليه السلام) بأنّ من أحياهم كان مغمى عليهم - مثلاً - ولم يكونوا ميتين حقيقة، خصوصاً وأنّ
النصوص الدينية تشير إلى أنّ من قام بإحيائهم كانوا قد ماتوا قبل قليل من إجراء الآية وقبل دفنهم (١).
كذلك فعلت قريش مع الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، يقول السيد أحمد الحسن:
(... فالكفار لم يكونوا يرون أنّ ما وقع مر افقاً لدعوة محمد معجزات؛ حيث إنهم يعتبرون نَقْلَ المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وآله لما حصل أمامهم كذباً، ويعتبرون ما وقع أمامهم هم أنفسهم أو ما وقع أمام آخرين منهم مجرد سحر أو أوهام "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ" [الحجر: ١٥ - ١٤ ]، أو مجرد تخرصات وتأول لحوادث طبيعية تحصل كل يوم، فمن يهلكه الله مباشرة بحصان يجرّه للنار أو يقع عليه حجر ويقتله لتجاوزه على محمد صلى الله عليه وآله؛ هم يعتبرونه مجرد حادث طبيعي، وأنّ الموت جاري ويحصل كل يوم. ونقْل المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وآله لحنين الجذع الذي في المسجد لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ يعتبره المخالفون كذباً، وأنّ المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وآله يحاولون التسويق لمحمد صلى الله عليه وآله) (٢).
٤- لا يستجيب رسل الله لطلب الناس الآيات منهم متى ما شاؤوا، ليس بسبب أنّ الآيات متوقفة على إذن الله ومشيئته - كما تقدم - فحسب، ولكن لأن الناس بالحقيقة يطلبون من الرسل آيات تقهرهم على الإيمان قهراً في حين أنّ الايمان المرضي عند الله - كما قلنا - لابد أن تكون فيه نسبة من الإيمان بالغيب، وأيضاً: لا يستجيب الرسل طلبهم؛ لأنه بالحقيقة طلب سفيه، إذ أنه يتضمن إلغاء الامتحان في عالم هويته الامتحان وخلقنا فيه لأجل الامتحان!
يقول السيد أحمد الحسن: (وهكذا تستمر عملية الرد على المعجزات غير القاهرة التي تبقي للغيب مساحة، وهذا قولهم: "وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَِّّ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ" [العنكبوت: ٥٠ ]، أي أنهم يريدون آيات قاهرة واضحة لا لبس فيها لا تبقي للإيمان بالغيب أي نسبة، هذا هو مختصر طلبهم، وهو طلب مستمر إلى اليوم، في حين أنه منافي للعقل والنص الديني وللسنة الإلهية، ولم يقع فيما مضى ولن يقع فيما بقى؛ لأنّ معناه إلغاء امتحان بعض الخلق رغم أنهم دخلوا للدنيا للامتحان، وهذا سفه لا يصدر من حكيم مطلق، فكيف يدخل الناس للامتحان ثم يلغي امتحان بعضهم دون بعض ودون سبب راجح ودون أنْ يكون هناك مائز بين من ألغي امتحانه وبين من يتم امتحانه؟!! وكيف يدخل من ألغي امتحانه للجنة في حين يدخل الممتحن إلى النار إنْ فشل في الامتحان، أين هي إذن عدالة الله سبحانه وتعالى في هذا القول والافتراء على الله؟!!) (١).
ما تقدم، يكفي لإيضاح أنّ احتجاج الرسل بالنص والعلم (المعجز) كافٍ لإثبات صدق دعواتهم الإلهية، أما الآيات والمعاجز المادية الجسمانية فهي إن أتت كانت مؤيداً وداعماً للنص، وإن لم تأتِ فلا تضر في صدق دعوة الرسول الإلهي شيئاً، وأنّ السبب في عدم تلبية الرسل (ومنهم رسول الله محمد) طلب الكافرين برسالاتهم في الإتيان ببعض الآيات يعود إلى سفاهة نفس الطلب لا شيء آخر.
وقد قصَّ الله سبحانه بعض ما طلبه كبار قريش من الرسول (صلى الله عليه وآله)، قال تعالى: "وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَِّّ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا" [الإسراء: ٩٣ - ٩٠ ].
وفي سبب نزولها يقول ابن عباس: (إن جماعة من قريش وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن الحرب والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل، وبنيه ومنبه ابنا الحجاج والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام اجتمعوا عند الكعبة، وقال بعضهم لبعض:
ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك، فبادر إليهم ظنا منه أنه بدا لهم من أمره، وكان حريصا على رشدهم، فجلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا دعوناك لنعتذر إليك، فلا نعلم قوماً أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، شتمت الآلهة، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالاً أعطيناك، وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا، وإن كانت علة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء! فقال صلى الله عليه وآله: ليس ش يء من ذلك، بل بعثني الله إليكم رسولاً وأنزل كتاباً، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيننا، قالوا: فإذاً ليس أحد أضيق بلداً منا، فاسأل ربك أن يسير هذه الجبال ويجري لنا أنهارا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى، وليكن فيهم قصي فإنه شيخ صدوق لنسألهم عما تقول أحق أم باطل؟ فقال: ما بهذا بعثت، قالوا: فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك، ويجعل لنا جنات وكنوزاً وقصوراً من ذهب، فقال: ما بهذا بعثت وقد جئتكم بما بعثني الله تعالى به فإن قبلتم وإلا فهو يحكم بيني وبينكم، قالوا فأسقط علينا السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، قال: ذاك إلى الله إن شاء فعل، وقال قائل منهم: لا نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقام معه عبد الله بن أمية المخزومي ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك لأنفسهم أمورا فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به فلم تفعل، فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ثم ترقى فيه وأنا أنظر ، وتأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك. وقال أبو جهل: إنه أبى إلا سب الآلهة وشتم الآباء، وإني أعاهد الله لأحملن حجرا فإذا سجد ضربت به رأسه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله حزينا لما رأى من قومه فأنزل الله سبحانه الآيات) (١).
واضح جداً تصميم الرسول على عدم الانجرار إلى إجابة طلبهم السفيه المتضمن للإتيان بالمعاجز القاهرة التي تلغي الامتحان أساساً ولا تبقي للغيب أي فسحة، هم يطلبون بالحقيقة ما ينافي عدالة الله وحكمته، ولهذا لم يتفاعل الرسول مع طلبهم أصلاً وتكرر منه القول: "ما بهذا بعثت"، مؤكداً في الوقت نفسه بأنّ الله بعثه محتجّاً بما بعثه به "وقد جئتكم بما بعثني الله تعالى به فإن قبلتم وإلا فهو يحكم بيني وبينكم"، وما بعثه
الله به هو الاحتجاج بالنص والعلم وكذلك وضوح سيرته المنطبعة على مكارم الأخلاق التي يعرفه بها القاصي والداني.
ثالثاً: معاجز الرسول حقيقة وليست أساطير
أما بالنسبة لما زعمه بعض المشككين من أنّ المعاجز المدّعاة للرسول لم تكن حقيقية وهي مجرد أساطير لا و اقع لها، فهو قول باطل بالتأكيد؛ لأن النصوص التي أكدت حصول تلك المعاجز - وهي معاجز مادية غير قاهرة بطبيعة الحال - مرويّة في كتب المسلمين بشتى طوائفهم وبلغت حدّاً يوجب القطع بحصولها، ولا أقل فإنّ بعضها مروي من قبل أوصياء الرسول المعصومين الذين يؤكدون وقوعها، والدليل على صدق قول أوصياء الرسول هو نفسه قانون معرفة الحجج الإلهيين أعني: النص والعلم (المعجزان) أيضاً.
معاجز الرسول المادية كثيرة جداً ويمكن للجميع الاطلاع عليها في روايات المسلمين شيعة وسنة، وهذه نماذج منها:
- إطعام الكثير من الناس بالطعام القليل، فقد روى المؤرخون (أن أصحابه يوم الأحزاب صاروا بمعرض العطب لفناء الأزواد فهيأ رجل قوت رجل أو رجلين - لا أكثر من ذلك - ودعا النبي صلى الله عليه وآله فانقلب القوم وهم ألوف معه، فدخل، فقال: غطوا إناءكم فغطوه، ثم دعا وبرك عليه فأكلوا جميعا وشبعوا، والطعام بهيئته) (١).
- شفاء المرضى، إذا روى المؤرخون (أن أحد أصحابه أصيب بإحدى عينيه في إحدى مغازيه، فسالت حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثاً به. فأخذها، فردها مكانها، وكانت أحسن عينيه منظراً، وأحدهما بصراً) (٢).
وقال عثمان بن حيف: (جاء رجل ضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا إليه ذهاب بصره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إئت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، وقل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة - يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك
ليجلي عن بصري - اللهم شفعه في وشفعني في نفسي". قال ابن حنيف: فلم يطل بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط) ١.
- تسبيح الحصا في كفه، روى أنس (أنه صلى الله عليه وآله أخذ كفا من الحصى فسبحن في يده ثم صبهن في يد علي، فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح في أيديهما، ثم صبهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا) (٢).
رابعاً: الإخبار بالمغيّبات
قال تعالى:
- "إِنَّمَا الْغَيْبُ للَِِّّ" [يونس: ٢٠ ]. - "وَمَا كَانَ اللَُّّ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ" [آل عمران: ١٧٩ ]. - "وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: ١٨٨ ]. - "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا" [الجن: ٢٧ - ٢٦ ]. - "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ"
[سبأ: ١٤ ].
واضح من الآيات أنّ علم الغيب مختص بالله سبحانه، وأنّ جميع الخلق المكلفين (إنس، جن) لا يعلمون الغيب بأنفسهم بما فيهم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله). نعم، الله سبحانه استثنى بعض خلقه وهم رسله الذين بعثهم لهداية خلقه، إذ أخبر سبحانه أنه أظهر لهم بعض الغيب وليس كله، مع ملاحظة أنّ هؤلاء الرسل لا يعلمون الغيب بأنفسهم وإنما بإعلام الله لهم.
يقول السيد أحمد الحسن: (والدليل لمن يجادل في أنّ الرسول لا يعلم الغيب ... قوله تعالى: "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلَّا مَا شَاء اللُّّ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" الأعراف: ١٨٨ .
"وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" معناها واضح.
طبعاً، الله يعلمه ببعض الغيب ولكن ليس كل الغيب، ربما يعرف كثير من الغيب ولكن ليس كل الغيب. الله يطلع رسله على كثير من الغيب وهم أكيد ليسوا كغيرهم من هذه الناحية، ولكن الكلام في كل الغيب وكل التفاصيل المستقبلية.
قال تعالى: "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً *عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً" الجن: ٢٨ - ٢٥ .
يعني: يطلع رسله على الغيب، وكما بيّنت سابقاً: يطلعهم بقدر وليس كل الغيب "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً" أي: لا أعلم متى هو) (١).
إذا اتضح هذا، أقول:
١- قول المشككين بأنّ الجن يعلمون الغيب غير صحيح كما تبيّن.
٢- إخبار الرسول بالكثير من الأمور الغيبية والمستقبلية دليل على صلته بالله سبحانه بعد معرفتنا بأنّ العلم بالغيب منحصر به سبحانه، وإلا فمن هي الجهة التي أطلعته على الغيب ودعته إلى أن يُخبر به بشكل دقيق بحيث يتحقق الأمر مثل ما أخبر به تماماً؟!
وأيضاً: إخبار الرسول بالغيبيات قبل تحققها فيه إعجاز واضح وليس كما زعم المشككون؛ لأن الإعجاز - كما تقدم - يقوم على خرق العادة، وهي موجودة في حالة الإخبار بالغيبيات؛ خصوصاً في مثل حالة الرسول التي كانت إخباراته المستقبلية كثيرة جداً وفي
مسائل مختلفة ومتنوعة، ولهذا ساهم إخباره ببعض الغيب بإيمان بعض الناس في مطلع بعثته كما في قضية إخباره بأكل "الأرضة" للصحيفة التي تعاقدت عليها قريش في السنة السادسة من بعثته وقد تمثّلت بمقاطعة الرسول ومن آمن به من بني هاشم وبقية المسلمين وحصارهم في شعب أبي طالب (عليه السلام).
روى المؤرخون: (أن قريشاً كلهم اجتمعوا، وأخرجوا بني هاشم إلي شعب أبي طالب ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهراً، وأنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم، فلقوا من الجوع والعرى ما الله أعلم به. وأن الله بعث على صحيفتهم الأرضة، فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي طالب، فما راع قريشاً إلا وبنو هاشم عنقاً واحداً قد خرجوا من الشعب. فقالت قريش: الجوع أخرجهم. فجاؤوا حتى أتوا الحجر، وجلسوا فيه، وكان لا يقعد فيه إلا فتيان قريش. فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك. قال: قد جئتكم بخبر، ابعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح.
قال: فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل، وكانت قبل في الكعبة، فخافوا عليها السرق فوضعت بين أيديهم، وخواتيمهم عليها. فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا؟ قالوا: لا. قال: إن ابن أخي حدثني - ولم يكذبني قط - أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة، فأكلت كل قطيعة وإثم، وتركت كل اسم هو لله، فإن كان صادقاً، أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذباً ندفعه إليكم فقتلتموه. فصاح الناس: نعم يا أبا طالب، ففتحت ثم أخرجت، فإذا هي مشربة كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وانتقعت وجوه المشركين.
فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس، ثم رجع أبو طالب إلى شعبه، ثم عيرهم هشام بن عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم) (١).
أيضاً: إخبار الرسول بما ستفعله الأمة بأهل بيته والأوصياء من عترته (صلوات الله عليهم)؛ ابتداء من إخباره بأنّ ابنته فاطمة (عليها السلام) هي أول أهل بيته لحوقاً به مظلومة مقهورة، مروراً بما سيجري على وصيّه علي (عليه السلام) ونكث الأمة بيعتها له
التي حصلت في زمن الرسول، وما يجري على ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) والأوصياء من ذرية الحسين (عليهم السلام)، وصولاً إلى إخباره بالمهدي والمهديين من ولده في آخر الزمان، وقد تحقق جميع ما أخبر به كما أخبر حرفياً.
علم الرسول بالغيب الذي أطلعه الله عليه يكشف عن صدقه في رسالته بكل تأكيد، ويمكن اعتبار هذا الأمر "المعجز" مؤيداً لدليل النص والعلم "قانون معرفة الحجة" الذي احتج به الرسول لإثبات صدق رسالته ونبوّته، وقد تقدم بيانه سابقاً.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول أخبر عن أشياء لا يمكن التحقق منها وليس لها نصيب من الو اقع كوجود الملائكة والجن والعوالم العليا مثلاً، وبالتالي فكيف يمكن التأكد من صحة قوله من عدمه؟!

١- ما فعله المشككون هو انتكاسة معرفية واضحة، فليس صدق بعثة الرسول الإلهي يتم بالتحقق من صحة كل أقواله وإخباراته، و إنما الصحيح أنّ صدق كل ما يصدر من الرسول يحصل بعد التثبّت من أدلة صدق بعثه من الله، وإذا ثبت صدقه في دعوته يثبت - بالتبع - صحة وصدق كل ما يصدر منه.
٢- يبدو أنّ وسيلة التحقق - والتأكد من صحة المعلومة - التي يقصدها المشككون هي وسيلة مادية جسمانية كالمختبر مثلاً أو الإدراك الحسي للشيء بالحواس الخمس المعروفة، ولكن مَنْ قال إنّ التجربة والإدراك الحسي هما المقياس الوحيد للحكم بو اقعية الأشياء من عدمها؟ أليس هذا جهل فظيع، وفيه تجنّي كبير على كثير من الحقائق الو اقعية العلمية التي اعتقد بها العلماء بالرغم من عدم إمكان إخضاعها للتجربة أو المشاهدة الحسية وإنّ إيمانهم بوجودها كان سببه إدراك أثرها الدال عليها؟
وسوف لا أذكر أمثلة لحقائق معنوية أو غيبية ربما يصعب فهمها على المشككين، وأكتفي بذكر مثالين لحقائق علمية كونية:
- الانفجار العظيم. - الأكوان المتعددة.
أما "الانفجار العظيم Big Bang " أو النموذج القياسي لنشوء الكون: فهو نظرية علمية تفسر نشأة الكون، وقد لاقت في السنين الأخيرة قبولاً واسعاً في المحافل العلمية وتحديداً لدى علماء الفيزياء النظرية والفلك بعد أن صدقت تنبؤاتها وأيدتها الاكتشافات العلمية المستمرة إلى يومنا هذا. لكن من جهة أخرى: لم ولن يتمكن واحداً منهم من أن يخضع مفردة الانفجار للتجربة أو الإدراك الحسي، بل ويصرّح المتخصصون منهم أنّ "المفردة" التي حصل فيها الانفجار لا تخضع إطلاقاً لقوانين الفيزياء المعروفة لدينا.
(عندما يقال: إنّ الكون نشأ من انفجار عظيم لنقطة تفرد (singularity) ، فمعنى هذا أنّ الكون نشأ في البداية مما يشبه الثقب الأسود أو تحديداً مركز ثقب أسود، حيث لو أننا أعدنا الكون إلى بدايته المحتملة حسب النموذج القياسي أي أن نرجع الكواكب والنجوم والمجرات وكل شيء في الكون في عملية انكماش إلى بدايتها حيث الزمن صفر فسيكون لدينا حجم صفر حيث لا مادة ولا فضاء ولا زمن وكثافة عالية جداً وقوة جذب عظيمة، أي باختصار تكون لدينا مفردة وعند المفردة تنهار قوانين الفيزياء الحالية، وبهذا فلا توجد قوانين تتنبأ بما يحدث من المفردة بدقة) (١).
وأما "الأكوان المتعددة": فهي نظرية علمية مبرهنة رياضياً أيضاً للعالم الأمريكي هيو ايفرت، يكثر طرحها في علم الفيزياء الكونية وميكانيك الكم (٢)، وبها استطاع العلماء حل إحدى المعضلات التي بقت عصية على الكثير منهم فترة من الزمن.
وملخص القصة ببساطة: إنّ تجارب علماء ميكانيك الكم أكدت أنّ الجسيم الأولي (كالإليكترون مثلاً) يتصرّف بتصرف ثنائي مزدوج، فهو عند عدم وجود الراصد والمشاهد يتصرف كموجة وسحابة من الاحتمالات والصور التي تترك أثراً يشبه التداخل الموجي الذي لا تشخّص فيه، وعند وجود الراصد والمشاهد تنهار كل تلك الاحتمالات والصور ويبقى أحدها ويتصرّف - نفس الإليكترون - كجسيم تاركاً أثراً نقطياً مشخّصاً على شاشة القياس، والسؤال: لماذا تشخّص أحد تلك الاحتمالات بالرصد، وأين ذهبت البقية؟
هذا اللغز حيّر العلماء ولم يقدّموا تفسيراً منطقياً له، وبعضهم انتهى إلى إنكار قانون السببية بالرغم من بداهته زاعماً أنه ليس بالضرورة أن يكون لكل شيء سبب منطقي ومعقول. لكن هيو إيفرت افترض أنّ المر اقب هو الذي ينقسم إلى نسخ متعددة ويشبع كل خيار من تلك الخيارات الكمومية التي تتوفر عليها الموجة عند عدم الرصد، فطرح فكرة "الأكوان المتعددة" وبرهن عليها رياضياً عام ١٩٥٧ م.
يقول السيد أحمد الحسن: (فبدل أن يجاب بصورة غير منطقية ويقال: إنّ الاحتمالات الأخرى اختفت عند لحظة الرصد أو تبخرت وإن لحظة الرصد خلقت أحد الاحتمالات وهو الو اقع وأزالت الأخرى وهي الو اقع البديل، وبدل أن يكون للراصد وعملية القياس أثر غير مفهوم في خلق و اقع واختفاء آخر، جاء "هيو" بجواب مفاده أنّ كل الاحتمالات موجودة في الو اقع وتحققت ولكن في عوالم أخرى أو أكوان أخرى أي لا يوجد أي انهيار لدالة الموجة، وإنما يوجد أكثر من و اقع حقيقي وإنما في عوالم وأكوان مختلفة تظهر في التداخل الذي يمكن قياسه في المستوى الكمي، والذي يحصل عندما نتوجه بالقياس للجسيم مثلاً هو أننا نختار أحد هذه الصور الو اقعية ونشاهدها ونفس عملية المشاهدة تمنع أن نشاهد ونقيس بقية الصور الو اقعية، لهذا فنحن نتمكن من قياس ومشاهدة إحدى الصور الو اقعية) (١)،
ما أريد قوله بحدود بحثنا هو: أنّ الو اقع - بحسب هذه النظرية العلمية - ليس محصوراً بكوننا الجسماني وهو أكبر بكثير من التشخّص الذي يتراءى لنا كما قد يظن المشككون، وهذه حقيقة - كما اتضح لنا الآن - ليست من بنات أفكار المتدينين المستندة
إلى رسل الله فحسب، ولكنها حقيقة علمية ثابتة ومبرهنة باعتراف كبار العلماء بما فيهم ستيفن هوكنج (أحد منظري الإلحاد في العالم)، حيث قال في آخر مقال له قبل وفاته:
(لسنا محصورين في كون واحد فريد من نوعه، لكنّ أبحاثنا أظهرت أن الأكوان المحتملة هي أقل بكثير مما يعتقده بعض الباحثين) (١).
وإذا اتضح هذا، فليس من العلم في شيء نفي وجود مخلوقات أخرى غيرنا نحن البشر كالجن والملائكة سواء في كوننا أو في أكوان أخرى ونتمكن من أن نلمس أثرها في هذا العالم طالما لم تكن مشاهدة الإنسان ورصده هي كل القصة في تحقيق معادلة الو اقع؛ خصوصاً إذا ما صدرت تلك الإخبارات من قبل رسول إلهي دلّ الدليل العقلي والنقلي على صدقه في دعواه وبالتالي صدق جميع ما يخبر به.
وأيضاً: إخبار الرسول بوجود عوالم أخرى غير عالمنا الجسماني يفترض أن يكون سبباً للاعتقاد بصحة نبوّته وبعثه من الله لا العكس إن كان هناك بقية من إنصاف؛ باعتبار أنّ رجلاً يعيش في قلب الصحراء أخبر قبل أكثر من ١٤٠٠ عام بوجود عوالم و أكوان غير عالمنا الذي نحن فيه، وهي الحقيقة العلمية التي أكدها العلم الحديث قبل بضعة سنين، كيف تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله) من معرفة هذه الحقيقة العابرة للأكوان ومن أطلعه عليها غير ربّه الكريم الذي بعثه وأرسله لهداية الخلق إليه سبحانه!
وقبل مغادرة هذه الشبهة لا بأس أن أشير باختصار إلى فائدة مهمة تتصل بهذا الموضوع.
فائدة:
قد يقال: إنّ معطيات ميكانيك الكم في الفيزياء الحديثة أعطى للمشاهد الذكي محورية أساسية لتحديد ما هو "و اقع" من عدمه، وبالتالي فجميع الأشياء التي لا تخضع لمشاهدة الإنسان وقياسه لا يمكن الحكم عليها بأنها و اقع.
وإجابة على هكذا طرح أقول:
بالرغم من أنّ نموذج "الو اقع" الذي انتهى إليه ميكانيك الكم يكشف عن محورية الإنسان (المشاهد) في الكون، وهو بذلك يلتقي مع نصوص دينية كثيرة سبقت ميكانيك الكم بمئات السنين في الإشارة لمحورية الإنسان وموقعه المتميز في الكون، إلا إننا في نفس الوقت لا يمكننا اعتباره النموذج الأمثل في حل معادلة الو اقع؛ لعدة أسباب:
١- إنّ عملية الرصد والقياس قد تنتفي أحياناً ولكنها لا تنفي و اقعية أمرٍ ما، فمثلاً في ظاهرة الترابط الكمومي (١) بين جسيمين نتمكن من تشخيص اقع أحدهما وبشكل و لحظي وآني مع أنه لم يكن هناك رصد وقياس له بشكل مباشر، وإنما حصل ذلك بمجرد قياس ورصد الجسيم الآخر المرتبط به كمومياً، وهذا يكشف أنّ عملية الرصد والمشاهدة لا تكفي وحدها فقط في تحديد ما هو "و اقع" من عدمه.
٢- ما انتهى إليه ميكانيك الكم التقليدي (تفسير كوبنهاجن) (٢) في معادلة الو اقع ربما يكون له وجه في حال مساوقة الو اقع للتشخص، أي (الو اقع = التشخّص)، ولكن الحقيقة أنّ (الو اقع) أكبر من (التشخص)، فالو اقع البديل مثلاً - الذي طرحته نظرية الأكوان المتعددة لهيو أفرت - مع أنه غير متشخص بالنسبة لنا لكنه بالنتيجة و اقع ويصلح أن يكون محلاً وو اقعاً بديلاً لتحقق ووجود بقية الاحتمالات التي تتضمنها دالة الموجة بعد انهيارها بالرصد والمشاهدة.
٣- إنّ علماء ميكانيك الكم لا يمكنهم اعتبار نسختهم عن الو اقع هي النسخة المعيارية التي يُفترض أن تُحاكِم جميع النسخ الأخرى؛ لأنها ناقصة ولا تحكي كل قصة الو اقع بعد اعتر افهم بعدم قدرتهم على مجاراة "البدايات" - أعني بدايات نشوء الكون - التي انهارت في (قمتها) قوانين الفيزياء عندهم تماماً.
لا يمكن أن تكون المشاهدة الذكية (البشرية) هي من تصنع الو اقع لوحدها، ليس لأجل وجود "و اقع" خارج كوننا الذي نعيش فيه - كما توضحه نظرية الأكوان المتعددة - فحسب، وإنما لأن هناك ما يوصف بأنه و اقعي بل وله موقع أساسي في صياغة و اقعنا الكوني ولكنه غير خاضع لعملية المشاهدة والرصد مثل مفردة الانفجار العظيم، وحقيقة الجسيم الأولي؛ فهل هو في حقيقته جسيم أم موجة أم شيء ثالث؟ لا أحد يدري، وما كان يظهر للجسيم من طبيعة مزدوجة إنما هي نتيجة المشاهدة وهي موجودة حتى في حالة التصرف الموجي للجسيم، غاية ما في الأمر إنها مشاهدة لأثره (التداخل) على شاشة القياس بعد انتهاء رحلته وليس أثناء الرحلة، أما نفس حقيقة الجسيم - بغض النظر عن الرصد المشاهدة - فغير معروفة، بل ولا يمكن التوصل لها بحدود أدوات المعرفة المتاحة للعلماء؛ لأنك بمجرد أن تُدخل الرصد والقياس في الموضوع تظهر الطبيعة الثنائية مباشرة، وهكذا يتضح أنّ عملية الرصد والقياس لا تملك مفاتيح كل شيء في هذا في الكون لتكون كافية لوحدها في صياغة الو اقع.
ولا ننسى أنّ كل ما نشاهده في الكون - بما في ذلك أجسامنا نحن - ما هو إلا تراكم تلك الجسيمات الأولية - التي نجهل حقيقتها - لا أكثر.
(ويبدو أن كل ما نشاهده في عالمنا الأرضي أو السماوي مصنوع من اتحاد الإلكترونات والكواركات العليا والكواركات السفلى) (١).
٤- من المهم أن نعرف أيضاً أنّ محورية المشاهد في الكون ودوره في تشخيص الو اقع لا يعني أنّ المشاهد علة فاعلة في إيجاد الكون ومفردات الو اقع كما قد توهمه بعض كلمات علماء ميكانيك الكم، وإنما أقصى ما تدل عليه تلك المحورية أنّ المشاهد هو الهدف الذي يتوخاه الكون في وجوده، والفرق بين الهدف والفاعل فرق كبير، وبحدود
تعلق الأمر ببحثنا الآن أقول: إنّ تأثير المشاهد في صياغة الو اقع الكوني تظهر في تشخّصه فقط لا في أصل وجوده.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول غيّر من نهجه وسياسته بعد هجرته من مكة إلى المدينة، فبعد أن كانت الصفة الغالبة على عمله في مكة هو التبليغ ودعوة الناس أصبحت السياسة وبناء الدولة والحروب هي الصفة الغالبة على عمله في المدينة "يثرب"، وكأنه حوّل الدين إلى سياسة، وهذا يعني - بحسبهم - أنه (وحاشاه) كان يتلوّن بمنهجه بحسب تبدل البيئة والظروف ولا علاقة لتصرّفاته بالوحي من الله كما تقتضيه النبوة!

١- تقدم عند بيان معنى النبوة أنها تعني حمل أنباء السماء، ولا ينافي ذلك أن يأخذ النبي المرسل الأوضاع المتبدّلة والظروف المحيطة بدعوته بنظر الاعتبار عند وضع الأطر العامة لدعوته الإلهية ثم التعامل مع تلك الظروف والأوضاع بحسب ما يناسبها من سلوك وتصرف، هذا ما تقتضيه الحكمة دون أدنى شك.
وبخصوص الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، فإنّ النصوص الدينية القطعية أوضحت أنه رسول إلهي عالمي وللناس أجمعين، قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" [الأنبياء: ١٠٧ ]، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [سبأ: ٢٨ ]، لكن هذا لا يعني أن يستتب له الأمر وتحقق العالمية الموعودة لدعوته المباركة دفعة واحدة وبظرف زمني قصير.
٢- نحن نعتقد أنّ الله سبحانه خلق هذا الكون الجسماني داراً للامتحان، وجعله محكوماً بقوانين وسنن كونية عامة، ومنها العمل وفق نظام الأسباب، فمن زرع حصد ومن جدّ وجد، قال تعالى: "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" [النجم: ٣٩ ]. والدعوات الإلهية لا تشذ عن هذا القانون الكوني العام، فالله سبحانه أراد من رسله نشر رسالتهم بين الناس والعمل على هدايتهم وفق الأسباب والسنن الكونية العامة التي تحكم عالمنا الجسماني
كله، وليس عبر الخوارق التي تقرّب لهم البعيد متى ما شاءوا أو تحقق لهم الأماني متى ما رغبوا من خلال ضغطة زر مثلاً!
أي شيء في هذا العالم لا يُنال إلا بالسعي، بل وكلما كان الشيء جليلاً وذا قيمة أكبر كلما كان نيله يتطلب جهداً وسعياً وعملاً أكبر، وصبراً وتحمّلاً للمشاق والألم بدرجة أكبر، طبعاً بعد التوكل على الله والاستعانة به والثقة بإنجاز وعده، ولا شك في ذلك. لهذا رفض الإمام الصادق (عليه السلام) أمنية أحد أصحابه بخصوص ما يحصل مع القائم (عليه السلام): (عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وقد ذكر القائم عليه السلام، فقلت: إني لأرجو أن يكون أمره في سهولة، فقال: لا يكون ذلك حتى تمسحوا العلق والعرق) (١).
ونحن بهذا الطرح لا نريد إغفال جانب تأييد الله المهم والأساسي في نصر دعوات رسله، بقدر ما نريد التأكيد على أنّ الله شاء أن تجري الأمور بأسبابها التي لا تخرق إلا لحكمة تقتضيها مشيئته سبحانه.
إذا عرفنا هذا، فإنّ السير التدريجي في دعوات الرسل أمر طبيعي بل وضروري أيضاً، ليس من جهة خضوعها للسنن الكونية فحسب، ولكن الأمر - أيضاً - له علاقة بتكامل المؤمنين بالرسالة أنفسهم من جهات عديدة، كزيادة إيمانهم وثباتهم وإعدادهم لتحمّل المسؤولية القادمة الملقاة على عواتقهم عند بلوغ الدعوة الإلهية مرحلة التحاق جماعات كبيرة من الناس بها، الأمر الذي يتطلب - بطبيعة الحال - توفر عدد كافٍ من المؤمنين الذين يستعين بهم الرسول على أداء المهام المكلّف بها ممّا يتصل بإدارتهم وتعليمهم والدفاع عنهم وترتيب وضعهم المعيشي وحل النزاعات والخصومات التي تحصل بينهم ونحو ذلك ممّا تقتضيه الحياة الاجتماعية للبشر.
أضف إلى ذلك: إنّ ابتلاء دعوات الرسل بالصعاب والألم وكثرة الأعداء وحتى قلة ذات اليد - كما نلاحظه في دعوات جميع رسل الله؛ خصوصاً في بداياتها - له أثر كبير في غربلة الناس (بما فيهم المؤمنين بالرسالة الإلهية) وتمييز صالحهم من طالحهم وطيّبهم من
خبيثهم، لتكون النتيجة الحتمية هي أن ينال كل إنسان جزاءه الذي صنعه بنفسه باستحقاق تام، وهو الأمر الذي تقتضيه حكمة الله وعدالته بخلقه.
٣- هل يرى المشككون الجمود على طريقة تصرّف واحدة تجاه مختلف الظروف المتغيرة والمتبدلة هو الأمر المنطقي الذي يناسب سلوك رسل الله؟! وإذا كان هذا هو منطقهم، وهم أكيد مواطنون يعيشون ضمن دول معينة، فهل يتعاملون مع حكومتهم أو الدول المجاورة لهم التي تقوم بظلمهم وقتلهم وانتهاك حقوقهم بنفس معاملتهم مع الحكومة أو الدول التي تقوم بإنصافهم واحترامهم وتوفير سبل العيش الكريم لهم؟!! لِمَ ينتظرون من رسل الله أن يتصرّفوا بطريقة يأبى حتى ضعيف الإدراك من البشر عن التعامل بها؟!!
الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لم يغيّر ثوابت دعوته الإلهية، فدعوته الناس إلى الله ودينه (بعقائده وشرائعه وأخلاقه) التي ابتدأ بها في مكة - بالحكمة والموعظة الحسنة - بمكارم أخلاقه التي عرفه بها الجميع استمر على الدعوة لها بنفس النهج الإلهي تماماً بعد هجرته إلى المدينة، ولم يتغيّر في ذلك شيء إطلاقاً.
نعم، ما حصل بعد الهجرة أنّ عدد المؤمنين بالله ورسوله ازداد ودعوته توسّعت وانتشرت بين الناس بصورة أكبر نتيجة جهده الكبير في إيصال رسالة الله لهم، و أيضاً: توفر له المكان الآمن الذي يتمكّن فيه من تطبيق حاكمية الله التي يدعو الناس لها، وهذا المتغيّر الكبير في سير الدعوة الإلهية يقتضي حتماً استحداث خطوات إجرائية تناسبه من قبل الرسول الحكيم، إذ لا يعقل أن يستمر الرسول الذي كان يتعامل مع بضعة نفر قلائل آمنوا به في أوائل دعوته في مكة بنفس طريقة التعامل التي يكون فيها عدد المؤمنين به بالآلاف!
فمثلاً: القانون الفطري والبديهي الذي يسمح بحق الدفاع عن النفس عند تعرّضها لهجوم من قبل عدو، كان الرسول والمؤمنين به في مكة مجبرين على عدم الاستفادة منه نتيجة قوة العدو وقلة الناصر للرسول، ولا شك أنّ استعمال حق الدفاع عن النفس في ظرف كهذا يعني الحكم على الدعوة الإلهية بالإعدام من خلال قتل الرسول والمؤمنين به
بكل سهولة ويسر، ومثل هكذا فعل لا يصدر من رجل إلهي حيّرت حكمته العدو قبل الصديق؛ فضلاً عن كونه مأموراً من قبل الله بإنفاذ أمره واستمرار تبليغ رسالته.
لكن لما تغيّر الظرف وأصبح لدى الرسول الإلهي قوة يتمكن بواسطتها من الدفاع عن دعوة الله والتصدي للعدو الذي تمنّيه نفسه بالقضاء على رسالة الله، فلماذا يستكثر البعض على الرسول تنظيم قوة وجيش للدفاع عن النفس وصد هجوم المعتدين وليس للاعتداء على أحد من الناس؟! لماذا يُطالَب بالبقاء على نفس طريقة التعامل السابقة في مكة بعد توفر الناصر وإصرار العدو على الزحف نحوه للقضاء عليه وعلى دعوته؟! وهل هم - أعني المشككين - يقبلون على أنفسهم التصرف بالطريقة التي يفرضوها على الرسول؟!
وأيضاً: لم يكن الرسول مضطراً إلى وضع نظام مالي وقضائي معين لما كان عدد المؤمنين به نفر قليل ولا يتوفر المكان الآمن الذي يتمكن فيه من إقامة حاكمية الله، لكن بكل تأكيد هو بحاجة ماسة إلى ذلك بعد أن أصبح عدد المؤمنين به كبيراً بعد أن منّ الله عليه بتوفر البقعة الأرضية التي يتمكن من إقامة حاكمية الله وبناء دولته عليها وتأسيس وهيكلة ما تتطلبه من نظم تلبّي حاجة الناس وإدارة شؤونهم.
٤- قلنا عند بيان قانون معرفة الحجة - الذي يُعرف به رسل الله جميعاً -: إنّ فقرته الثالثة متقوّمة بالدعوة إلى "حاكمية الله"، وحاكمية الله - باختصار - تعني: أن يكون التشريع من الله والمنفّذ له رجل معيّن من الله أيضاً. وبالتالي، فلا يوجد شيء اسمه دين وشيء آخر اسمه سياسة كما توهم المشككون، بل الصحيح أنّ الدين كله يتم اختزاله برجل منصّب من قبل الله وهو شخص الرسول الإلهي الذي يبيّن للناس العقائد والشرائع والأخلاق التي يرتضيها الله سبحانه وتعالى.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنَّ الدينَ وأصلَ الدينِ هو رجلٌ وذلكَ الرجلُ هو اليقينُ وهو الإيمانُ وهو إمامُ أمتِهِ وأهلِ زمانِهِ فمَنْ عرفهُ عرفَ اللهَ ومَنْ أنكرهُ أنكرَ اللهَ ودينَهُ ومَنْ جَهِلَهُ جَهِلَ اللهَ ودينَهُ ولا يعرف الله ودينه وشرايعَهُ بغيرِ ذلكَ الإمام) (١).
وإذا ما تم التمكين لهذا الرجل "الإمام، الرسول الإلهي" لتطبيق حاكمية الله على بقعة أرضية معينة فهذا يعني أنه سيباشر فوراً - لأنه مأمور من قبل الله بذلك - بإقامة دولة إلهية والشروع بوضع الأسس الضرورية لنجاحها ضمن ما يتاح له، وكلٌّ حسب وقته وحضور أهله، سواء ما يتصل منها بالجانب الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي والسياسي أو نحوها ممّا له علاقة ببناء الدولة الإلهية العادلة التي يرتضيها الله لعباده.
والرسول - كما هو معلوم - أتيحت له مثل هذه الفرصة بعد الهجرة وإن كانت بحدود وظروف معينة، ولهذا نجد أنه شرع بوضع أسس بناء الدولة ومنها ما يتصل بالجانب السياسي سواء الداخلي منه المتمثل بترتيب وضع المسلمين ومن كان يعيش بينهم من الأقليّات غير المسلمة، أو الخارجي المتمثل بمخاطبة القبائل والدول المجاورة، وقد ظهر ذلك من خلال مخاطبات ورسائل حصلت بينه وبين رؤساء وملوك تلك الدول والقبائل، وهي كثيرة ومحصاة في كتب التاريخ والسيرة النبوية.
وهكذا نجد أنّ التغير الذي طرأ على الدعوة الإلهية لم يكن في المبادئ التي كان الرسول يدعو الناس لها؛ وعلى رأسها الدعوة إلى حاكمية الله، وإنما كان التغير في طبيعة الظروف التي مرّت بها الدعوة الإلهية أثناء مسيرة صاحبها وكفاحه المرير من أجل نشرها وهداية الناس إليها، وإذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل فعل ردة فعل تناسبه، فالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لم يخرج في سلوكه وتصرّفاته عن ذلك مطلقاً.