الفصول

عصمة الرسول

دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ١٧٢

يثير المشككون الكثير من الشبهات التي تستهدف شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبحسبهم: فإنّ ما يثيرونه يتنافى مع العصمة التي يجب أن يتحلّى بها الرسول الإلهي. وطبعاً، السبب في جميع طعونهم أنهم لا يعرفون المعنى الصحيح للعصمة وما يجب أن يتصف به المعصوم.

وعموماً، قبل الخوض في تفاصيل الشبهات والإجابة عنها، نستعرض المعنى الصحيح للعصمة التي يتصف بها خلفاء الله عموماً ومنهم الرسول (صلى الله عليه وآله)؛ باعتبار أنّ شبهاتهم ما كانت لتطرح لولا الجهل بمعنى العصمة من الأساس.

معنى العصمة:

العصمة - لغةً - هي: المنع والوقاية.

قال ابن منظور: (عصم: العصمة في كلام العرب: المنع. وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عصمه يعصمه عصما: منعه ووقاه) (١).

والاعتصام: هو الاستمساك.

صفحة PDF الأصلية ١٧٣

قال الزبيدي: (قال الرَّاغبُ: الاعْتِصَام: الاسْتِمْسَاكُ بالشَّيءِ، ومنه قولُه تَعالَى: "واعتصموا بحبل الله جميعا" أي تَمَسَّكُوا بِعَهْدِ اللهِ "ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" أي مَنْ يَتَمسَّك بِحَبْلِهِ وعَهْدِهِ) (١).

وأما اصطلاحاً، فقد عرّفها كبار علماء العقائد الشيعة: بأنها لطف يفعله الله بالمكلّف يمتنع بموجبه صدور المعصية والقبيح منه (٢). وقريب منه تعريف علماء أهل السنة لها، حيث يرون أنها ملكة وخاصية لدى الشخص تمنعه عن فعل الفجور والمعاصي (٣).

الفريقان - كما هو واضح - يتفقان على أنّ المعصوم مميّز عن غيره من الناس ابتداءً بلطف وملكة إلهية تُفعل في نفسه من قبل الله، وهذا يعني أن لا أحد يشترك معه في تلك الخاصية التي اختصه الله بها.

وهذا التصوّر للعصمة باطل؛ لسببين أساسيين:

الأول: إنه يتنافى مع عدل الله وحكمته ورحمته المطلقة، فبحسب معتقدنا الديني أنّ الله سبحانه جعل دار الدنيا للاختبار والامتحان، وهي بالنتيجة ميدان للسباق، وحينئذٍ يفترض أن يتساوى جميع الناس ويتمتعوا بنفس الفطرة والمؤهلات والإمكانيات التي تمكّنهم من أداء الامتحان والاختبار بأتم وجه ممكن، وأي تفضيل لأحد على الآخرين يعني الطعن بعدالة الله وحكمته ورحمته؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

الثاني: إنه يسلب فضل المعصوم واستحقاقه للسبق والتقدم على سائر الناس، لأن القول بوجود مزية وخاصية تميزه ابتداءً على سائر الناس تجعل من تقدمه وسبقه عليهم معللاً بوجود تلك الميزة والملكة الموهوبة له من الله ابتداءً، وبالتالي يتمكن غيره من السؤال

صفحة PDF الأصلية ١٧٤

عن سبب حرمانه تلك المزية والموهبة الربانية، وأيُّ فضلٍ للمعصوم على غيره إذا كان الله قد خصّه بلطف وهبة منه ابتداءً حرم منه الجميع؟!!

المعنى الاعتقادي الصحيح للعصمة هو أنها تعني: الاعتصام بالله عن جميع محارم الله، بحيث لا يخرج المعصوم أتباعه من حق وهدى إلى باطل وضلال. وهذا المعنى هو الوارد ذكره في روايات أوصياء الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذا مثال لها:

روى الشيخ الصدوق في كتاب (معاني الأخبار) (١):

- عن هشام بن الحكم، قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما معنى قولكم إن الإمام لا يكون إلا معصوماً؟ فقال عليه السلام: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، قال تعالى: "وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَِّّ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"). - عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (المعصوم هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام كما قال تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"). - عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: (الإمام منا لا يكون إلا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصاً. فقيل له: يا ابن رسول الله، فما معنى المعصوم؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله عز وجل: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ").

يقول السيد أحمد الحسن: (العصمة هي: الاعتصام بالله عن محارم الله ولها جهة من العبد هي الإخلاص، وجهة من الرب سبحانه وهي التوفيق) (٢).

صفحة PDF الأصلية ١٧٥

ويقول أيضاً: (خير ما يصعد من الأرض إلى السماء الإخلاص، وخير ما ينزل من السماء إلى الأرض التوفيق، فعلى قدر إخلاص الإنسان يوفقه الله سبحانه. والإنسان مفطور على الارتقاء إلى أعلى ما يمكن أن يرتقي له المخلوق، ولم يفضل الله سبحانه إنساناً على إنسان إلا بالعمل والإخلاص، والباب مفتوح إلى أن تقوم الساعة لكل إنسان أن يرتقي بالعمل والإخلاص إلى أعلى مقام، وكل مرسل معصوم ومن سواهم يمكن أن يعتصموا بالله عن محارم الله) (١).

واضح من خلال الروايات وما ذكره السيد أحمد الحسن أنّ العصمة لها طرف مختص بالعبد يتمثل بإخلاصه وجهده الذي بذله في سعيه إلى الله، وهذا يعني أنّ العصمة لم تُمنح للمعصوم مجاناً، ولا أنها هبة إلهية وملكة مُنحت للمعصوم ابتداءً كما أوضح علماء المسلمين، وإنما حقيقتها تتمثل بعلاقة تبادل ثنائي الطرف:

- إخلاص صاعد من العبد إلى الله. - توفيق نازل من الله إلى العبد.

المعنى الصحيح للعصمة يؤكد:

أولاً: عدل الله ورحمته بعباده جميعاً بشكل واضح وبيّن، إذ باب الاعتصام بالله عن جميع محارم الله مفتوح لجميع الناس؛ المزوّدين بالأساس بفطرة تؤهلهم لذلك، فكل إنسان يعصمه الله بقدر إخلاصه وسعيه، لكن هذا لا يعني أنّ من يصل إلى مقام العصمة صار حجة على الناس وخليفة من خلفاء الله في أرضه، ولا أنّ عصمته تتساوى مع عصمة الحجة الإلهي (النبي، الرسول، الإمام).

يكمل السيد أحمد الحسن كلامه السابق فيقول: (فكل إنسان - والحال هذه - مودع في فطرته قابلية العصمة، وما يمتاز به الحجج عليهم السلام هو مقدار إخلاصهم، فهم قد وصلوا بالإخلاص لله سبحانه وتعالى إلى درجة أن يكون التوفيق النازل عليهم ولهم حصناً يحصنهم عن محارم الله. وأيضاً الحجج يمتازون أن من يعرف الحقائق ومآل كل

صفحة PDF الأصلية ١٧٦

إنسان وما يصير إليه قد نص على عصمتهم وأوجب إتباعهم لأنهم لا يدخلون الناس في ضلال ولا يخرجونهم من هدى) (١).

وثانياً: إنّ العصمة درجات ومراتب، وليست درجة يتساوى فيها الجميع، فطالما أنّ قدر إخلاص الناس الصاعد إلى الله متفاوت تتفاوت - تبعاً لذلك - درجة التوفيق النازل عليهم من الرب سبحانه، بل هناك تفاوت في عصمة نفس الحجج الإلهيين المعصومين؛ إذ ليس كلهم على قدر واحد من الإخلاص والسعي والمعرفة بالله.

يقول السيد أحمد الحسن: (أما العصمة: فهي درجات وليست واحدة كما يتوهم بعضهم، وكل واحد من الأنبياء والمرسلين والأئمة عليهم السلام اختص بدرجة من درجات العصمة بحسب اختياره هو. فالمعصوم هو: من اعتصم بالله عن محارم الله سبحانه وتعالى) (٢).

وثالثاً: السبيل الوحيد لمعرفة عصمة المعصوم هو النص الإلهي ولا شيء آخر، ولهذا قال الامام علي بن الحسين (عليهما السلام) في الرواية المتقدمة: "وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصاً".

وأيضاً: يوجد أمر مهم في موضوع العصمة ينبغي علينا معرفته، وله دخل كبير في نفي الكثير من شبهات المشككين المتعلقة بعصمة الرسول، وهو:

إنّ العصمة التي يتصف بها جميع خلفاء الله - ومنهم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) - ليس ذاتية وإنما هي بمذكِّر خارجي (الله سبحانه). والمقصود بالعصمة الذاتية - التي يعتقد بها بعض العلماء - أن تكون ذات المعصوم بنفسها عاصمة له، ولا شك أنها عقيدة باطلة وغلوّ لا يقول به مؤمن موحد؛ إذ يلزم منه تعدد اللاهوت المطلق، باعتبار أنّ الاعتقاد بالعصمة الذاتية يلزم منه أن يكون المعصوم (بذاته) كمالاً مطلقاً ونوراً لا ظلمة فيه مع أنّ هذه الصفة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.

صفحة PDF الأصلية ١٧٧

(عن هشام بن سالم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: أتنعت الله؟ فقلت: نعم، قال: هات، فقلت: هو السميع البصير، قال: هذه صفة يشترك فيها المخلوقون قلت: فكيف تنعته؟ فقال: هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لاباطل فيه. فخرجت من عنده أنا أعلم الناس بالتوحيد) (١). و

وإذا بطل القول بالعصمة الذاتية لم يبق إلا أن يكون المعصوم معتصماً بالله عن جميع محارمه نتيجة وجود مذكِّر خارجي (الله أو الملائكة المرسلين منه سبحانه)، وهو الحق الذي نعتقد به (٢).

إذا اتضح معنى العصمة وطريق التعرّف عليها، أعود الآن لطرح شبهات المشككين التي توهموا أنها تتنافى مع عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله).

يرى بعض المشككين أنّ القول بعصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) يعني القول بتأليهه، وبالتالي فالمسألة - بنظرهم - تشبه إلى حد كبير تأليه المسيحيين لعيسى (عليه السلام)!

١- استعرضنا في البحث المتقدم "بيان معنى العصمة" الذي نعتقد به، وقلنا: إنّ العصمة تعني الاعتصام بالله عن جميع محارمه، والاعتصام بالله يعني أنّ العصمة تحصل نتيجة إخلاص العبد الصاعد إلى الرب والذي ينزل بموجبه توفيق وتسديد من الرب يتناسب وحجم ذلك الإخلاص، ويتمثل هذا التوفيق بوجود المذكّر الخارجي الذي يسدّد الله به رسوله في أقواله و أفعاله المتصلة بدين الله وتبليغ رسالته بنحوٍ يؤمن معه

صفحة PDF الأصلية ١٧٨

أن لا يصدر منه ما يتسبّب بإخراج الناس من حق وهدى أو إدخالهم في باطل وضلال مطلقاً.

من الواضح أنّ الاعتقاد بالعصمة بهذا المعنى ليس فيه أي تأليه للمعصوم الذي نعتقد بأنه عبد لله، بل على العكس تماماً؛ فنحن نعتقد أنّ شدة عبودية المعصوم لله وإخلاصه له سبحانه هو السبب الذي أدّى به إلى نيل العصمة والتوفيق والتسديد الإلهي له في القول والعمل المتصل بدين الله.

نعم، ممكن أن يرد إشكال التأليه على من يعتقد بأنّ العصمة ذاتية، بمعنى أنّ العصمة تتأتّى للمعصوم من ذاته، أي أن ذاته هي ذات عاصمة، والذي يساوق - كما تقدم بيانه - القول بأنه نور لا ظلمة فيه، والاعتقاد بذلك يعني القول بتعدد اللاهوت؛ تعالى الله عن أن يكون له ند أو شريك علواً كبيراً.

٢- ما نعتقده في معنى العصمة أمر ثابت بالدليل القطعي العقلي والنقلي، وبخصوص النقل فإنّ النصوص القرآنية والروائية القطعية دلّت عليه بوضوح تام، وقد تقدم ذكر بعض الروايات في البحث السابق، وأما النصوص القرآنية فكثيرة أيضاً، منها، قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللََّّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَِّّ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَِّّ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" [النساء: ٥٩ ].

(عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام قولنا في الأوصياء أن طاعتهم مفترضة قال: فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" وهم الذين قال الله عز وجل: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا") (١).

ولا شك أنّ السبب في افتراض طاعتهم هو عصمتهم، قال الامام علي (عليه السلام): (إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، وإنما أمر الله عز وجل بطاعة الرسول لأنه معصوم

صفحة PDF الأصلية ١٧٩

مطهر، لا يأمر بمعصيته وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصيته) (١).

ثم إنه لا علاقة للاعتقاد بالعصمة الذي نقول به بما يؤمن به غالبية المسيحيين من الاعتقاد بالثالوث وتأليه عيسى (عليه السلام)، بل ونعتبر تأليه أي مخلوق عقيدة باطلة وفاسدة في دين الله الذي دعا إليه جميع رسله الكرام.

قال السيد أحمد في بيان بطلان عقيدة الثالوث:

(الله سبحانه وتعالى رد في القرآن الكريم على الذين قالوا إن لله سبحانه ابناً انفصل عنه أو وُلِدَ منه أو صَدَرَ عنه بمعنى أنه لاهوت مطلق صدر عن لاهوت مطلق، أو الذين يقولون إن الإنسان المخلوق يمكن أن يرتقي حتى يكون موصولاً باللاهوت المطلق، أي أن حقيقة هذا الإنسان تكون اللاهوت المطلق؛ لأنه اتحد باللاهوت المطلق، وبهذا حسب تفكيرهم يكون اللاهوت المطلق قد نزل في الناسوت وبالجسد، أو بين الناس في إنسان منهم وهذا الإنسان يكون ابن الله.

والحقيقة مع أنّ هذا الطرح العقائدي الذي تبناه العلماء غير العاملين باطل، ولكن الله سبحانه وتعالى ولرحمته خاطبهم وكلمهم حتى في تفاصيل التنظير لهذا الاعتقاد، فتجده تعالى يفصل لهم ويبين لهم مواضع الخلل في عقيدتهم.

قال تعالى: "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" الأنعام: ١٠١ .

"أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ": وهذا النقض التام الذي كلّمهم الله به لا يمكنهم رده بأي شكل أو صورة؛ حيث إنّ معناه: إنكم تقولون بوجود ولد له سبحانه وتعالى، وهذا الولد هو لاهوت مطلق (أي أنه كامل مطلق وغني مطلق لا يفتقر لغيره)، فإن قلتم إنه صدر منه وحده سبحانه وتعالى، فهذا يعني أن الابن مطابق للأب تماماً - وبغض النظر عن أنّ الحقيقة البسيطة المطلقة يستحيل تعددها - فأي معنى وأي حكمة من هذا

صفحة PDF الأصلية ١٨٠

الصدور، مع عدم وجود أي تمايز أو اختلاف أو تغاير يمكن تصوره؟! فهل تقولون إن الأب غير حكيم ليصدر أو ليلد ابناً له لا فائدة له سبحانه أو لغيره من صدوره؟!

وإن قلتم بوجود الاختلاف أو التمايز أو التغاير - كما يصرح النصارى اليوم إن الأقانيم متمايزة - فهذا يحتم وجود لاهوت ثانٍ "..... صَاحِبَةٌ ....." ليكون الابن صادراً عن الاثنين فلا يطابق أحدهما؛ لأنه صدر عنهما معاً، فهل أنتم تقولـون بوجود اللاهوت الثاني "الصاحبة" الذي سبق الابن؟؟!!!

فاعلموا أنكم إن قلتم بوجود الابن فلابد أن تقولوا بوجود اللاهوت الثاني "الصاحبة" قبله وإلا فكيف تقولون بوجود الابن "اللاهوت المطلق الذي صدر عنه" دون وجود اللاهوت المطلق الثاني "الصاحبة" ابتداءً معه سبحانه وتعالى، ووجود الإله المطلق الثاني "الصاحبة" ابتداءً معه سبحانه وتعالى محال؛ لأن اللاهوت المطلق حقيقة بسيطة مطلقة ولا يمكن أن تتعدد "أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ".

وقال تعالى: "مَا اتَّخَذَ اللَُّّ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَِّّ عَمَّا يَصِفُونَ" المؤمنون: ٩١ .

أي إن رتبتم ما توهمتوه من وجود الأقانيم الثلاثة (أو الأصول الثلاثة) بهذه الصورة، فقلتم بوجود الأب (الله سبحانه وتعالى)، واللاهوت المطلق الثاني الصاحبة (الابن)، ثم صدر عنهما اللاهوت المطلق الثالث (الاقنوم الثالث) الروح القدس، فالكلام يكون في وجود اللاهوت الثاني ابتداءً مع الله سبحانه وتعالى، فهل يوجد تمايز بينهما أم لا؟ أي أنّ كليهما واحد؟

فمن يختار أنّ كليهما واحد يعود عليه النقض السابق؛ لأن الصادر عنهما مطابق لكل واحد منهما، ومن يختار التمايز بينهما ستنتقض عنده ألوهية الثاني ألوهيةً مطلقة؛ لورود النقص عليه، فالتمايز لا يكون إلا بالكمال المطلق "..... وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَِّّ عَمَّا يَصِفُونَ") (١).

صفحة PDF الأصلية ١٨١

روي بطرق مرسلة في كتب أهل السنة ما يلي:

(عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وشفاعتهم ترتجى فلما بلغ آخرها سجد وسجد المسلمون والمشركون فأنزل الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إذا تمنى ألقى الشيطان إلى قوله عذاب يوم عقيم يوم بدر) (١).

المشككون اعتبروا القصة حادثة مسلّمة الوقوع، وأنّ الرسول (وحاشاه) إنما تعمّد مدح آلهة المشركين وأدخل هذه الكلمة في القرآن لأجل استمالة قلوبهم، وهذا - بنظرهم - يؤكد أنّ الرسول ليس معصوماً!

هذه الشبهة بحثتها في كتاب "دفاع عن القرآن" في الإشكال (٩)، وأعيد ذكر الجواب هنا نصّاً.

أولاً: الحادثة لا أساس لها من الصحة، ولم يرد فيها عين ولا أثر في روايات أوصياء الرسول محمد (صلوات الله عليهم)، وهي مجرد فرية ألصقها الحاقدون والمبغضون بالرسول للطعن به (وحاشاه).

ولسنا نحن كشيعة لآل محمد نقول هذا فحسب، ولكن الكثير من علماء السنة أيضاً اعترفوا بأنّ روايات الحادثة مرسلة وغير صحيحة. فمثلاً:

بعد أن ذكر القصة بأسانيد مختلفة، قال ابن كثير: (قلت: وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا وكلها مرسلات ومنقطعات والله أعلم) (٢).

صفحة PDF الأصلية ١٨٢

وقال أبو بكر البيهقي: (هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل) (١).

وقال الرازي: (أمّا أهل التحقيق فقد قالوا: هذا الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. ..... وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنّه سئل عن هذه القصّة فقال: هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً) (٢).

بالتالي، يكون استناد المشككين إلى حادثة مكذوبة ومختلقة لتمرير أُحدوثتهم ما هي إلا حيلة المفلس لا أقل ولا أكثر.

ثانياً: ما ذكرناه من القول بكذب واختلاق الحادثة أولى وأحجى من طرح آراء ظنية لالتماس تبرير معقول يجعل من حصولها أمراً ممكناً، وقد ذكر العلماء عدة أقوال وآراء مع مناقشتها (٣)، لا أجد فائدة تذكر في التعرض لها؛ لأنها مجرد تمحلات وأوهام أقل ما يقال عنها أنها تطعن بعصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) الثابتة عقلاً ونقلاً، إن لم نقل إنها تمهد للمشككين سبيل الطعن بالكتاب الكريم وبالرسول الكريم أيضاً.

ثالثاً: أما الآية: "إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ"، فقد خاض علماء المسلمين (محدثون ومفسرون) في بيان معناها وكانت لديهم عدة آراء، أكثرها شهرة بينهم أنّ التمنّي في الآية يعني التلاوة، ويعني أيضاً الوسوسة وحديث النفس (٤)، بمعنى: أن النبي يتلو أو يحدث نفسه والشيطان يدخل وساوسه على المستمعين.

وبعض المفسرين ركّز على مسألة إلقاء الشيطان في التلاوة (٥).

صفحة PDF الأصلية ١٨٣

وبعضهم اعتبر نزول الآية على سبيل التسلية للرسول، قال الطوسي: (ومعنى الآية التسلية للنبي صلى الله عليه وآله و أنه لم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا إذا تمنى - يعني تلا - ألقى الشيطان في تلاوته بما يحاول تعطيله، فيرفع الله ما ألقاه بمحكم آياته) (١).

وهناك من ذكر أنّ الآية تشير إلى تمنّي القلب وهو تقدير الإنسان وجود ما يحبّه ويهواه بنفسه، بمعنى: أنّ النبي أو الرسول الإلهي يحب تقدّم دين الله و إقبال الناس عليه وإيمانهم به ولكن الشيطان يلقي على الناس وسوسته لتهييج الظالمين وإغراء المفسدين ليفسدوا الأمر على ذلك الرسول أو النبي (٢).

وبعضهم فسر التمنّي بمعنى الحديث والكلام بالأمنية فالنبي يحدث والشيطان يلقي في حديثه وكلامه (٣).

هذه نماذج من آراء علماء المسلمين في بيان معنى الآية، لكن المعنى الصحيح للآية يتضح بملاحظة ما يلي:

١- إنّ تمنّي النبي أو الرسول بمعنى الرجاء "أي رجاء أمر من أمور الخير"، ورجاؤه

ليس لأنه يشتهيه ويحبه ويهواه بنفسه كما ذكر بعض العلماء، وإنما متأتٍ من

أمر الله سبحانه.

٢- بعد أن يبدأ النبي أو الرسول بإظهار رجائه إلى الناس الذين تابعوه يقوم

الشيطان بإلقاء الباطل في صدور بعضهم.

٣- ولأجل نسخ وإزالة ما ألقاه الشيطان يرسل الله ملائكة إلى بعض هؤلاء الناس

يلقون في صدورهم الحق الذي يبين باطل ما ألقاه الشيطان، وهكذا يكون الله

برحمته قد أحكم آياته بإلقاء الطمأنينة والسكينة في قلوب الذين آمنوا

ويكونون قد ازدادوا يقيناً بأنّ الحق هو دعاهم له الرسول وليس ما ألقاه

الشيطان من الباطل.

صفحة PDF الأصلية ١٨٤

٤- إلقاء الشيطان يكون بالوسوسة والاراءة الخبيثة بالنوم أو اليقظة، أما

الملائكة التي تلقي في قلوب المؤمنين الحق واليقين فيكون من خلال النفث في

القلوب أو الرؤى الصادقة في المنام واليقظة.

٥- إلقاء الشيطان فتنة، وبالتالي فمن يتبعه يكشف عن نفاقه وعدم إيمانه

بالرسول أصلاً.

سُئل السيد أحمد الحسن عن قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَُّّ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَُّّ آيَاتِهِ وَاللَُّّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" [الحج: ٥٣ - ٥٢ ]، ما معنى إلقاء الشيطان في أمنيّة النبي؟

(الجواب: ما من رسول ولا نبي - وعن أهل البيت عليهم السلام و "لا محدث"، وهم محدثون، وتمنّى: أي رجا حصول أمر من أمور الخير التي علم من الله حصولها ولو إجمالاً في بعض الأحيان، أي إنّ أمنيته متأتية من أمر الله سبحانه، لا أنها من هوى النفس ورغباتها كما يتوهم بعض الناس. "أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" أي: بعد أن يبدأ الرسول - سواء كان رسولاً أم نبياً أم محدثاً - بإظهار رجائه للناس الذين تابعوه في دعوته، يقوم الشيطان بإلقاء الباطل في صدور بعض هؤلاء الناس حول أمنية الرسول التي أظهرها لهم أو أظهر بعضها.

"فَيَنْسَخُ اللَُّّ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ" بإرسال ملائكة يلقون في صدور بعض هؤلاء الناس الحق الذي يبين باطل ما ألقى الشيطان في صدور بعضهم.

"ثُمَّ يُحْكِمُ اللَُّّ آيَاتِهِ وَاللَُّّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" يحكم الله آياته بإلقاء الطمأنينة والسكينة والوقار واليقين في قلوب الذين آمنوا، بعد أن ألقى في قلوبهم العلم منه سبحانه بأنّ الحق ليس ما ألقاه الشيطان في قلوب بعضهم، بل هو ما يدعو إليه الرسول. وإلقاء الشيطان يكون بالوسوسة في القلب، أو بالإراءة الخبيثة في اليقظة أو في النوم، وهو يلقي لأوليائه الذين هيمنت عليهم أنفسهم وحب "الأنا" والظهور والقيادة والرئاسة الباطلة واتباع

صفحة PDF الأصلية ١٨٥

الهوى. "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ

وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ" [الشعراء: ٢٢٣ - ٢٢١ ].

أما نسخ الله لما يلقي الشيطان فيكون بإرسال ملائكة يوحون لأولياء الله الحق، ويكلمون المؤمنين في قلوبهم، ويعرفونهم الحق، ويرونهم في المنام واليقظة ما يعلمون به الصراط المستقيم، وإنّ اتباع الرسول هو الحق المبين من الله سبحانه وتعالى، وإنّ الذين اتبعوا إلقاء الشيطان وهو فتنة لهم لم يكونوا مؤمنين في السابق، بل كانوا منافقين في قلوبهم مرض وقلوبهم قاسية، وهم في ريبهم وشكهم يترددون.

"وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللََّّ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَِِّّ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" [الحج : ٥٦ - ٥٣ ].

ويظل المنافقون والكافرون بالرسالة في شك إلى آخر لحظة "حتى تأتيهم الساعة بغتة": أي حتى قيام القائم عليه السلام، "أو يأتيهم عذاب يوم عقيم": أي لا مثيل له لم تلد مثله سنة من السنين السابقة وهو يوم قيام القائم عليه السلام. وفي هذا اليوم الملك لله؛ لأن الملك الحاكم في هذا اليوم هو الإمام المهدي عليه السلام) (١).

بعض المشككين يشكل على الرسول (صلى الله عليه وآله) من ناحية أنه ذكر حادثة الإسراء التي حدثت معه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى "هيكل سليمان" وأنه قام بوصفه ونقل حادثة صلاته فيه مع الأنبياء، والحال أنّ الهيكل طاله الخراب قبل حادثة الإسراء بفترة طويلة وبني بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) بمائة عام تقريباً!

صفحة PDF الأصلية ١٨٦

ذكرت هذه الشبهة والجواب عليها في كتاب "دفاع عن القرآن" أيضاً، وتحديداً في جواب الشبهة ( ٢٧ )، وسأعيد طرحه هنا بتمامه.

[ينبغي أن نعرف - أولاً - أنّ مسألة الإسراء والمعراج حقيقة و اقعة حصلت مع الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بنص القرآن والروايات المتواترة عند المسلمين، أما اختلاف علماء المسلمين في بيان حقيقة الإسراء وهل أنه حصل بروح النبي (صلى الله عليه وآله) فقط، أم بجسده فقط، أم بروحه وجسده معاً، أم حصل بالروح مرة وبالجسد أخرى، وكل هذا موجود في أقوالهم وبحوثهم (١)، أقول: هذا الاختلاف لا يؤثر على حقيقة الإسراء وكذا المعراج شيئاً أبداً.

قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء: ١].

سُئل السيد أحمد الحسن عدة أسئلة تتعلق بمسألة الإسراء والمعراج:

١- كيف كان الإسراء، هل بالروح فقط أم الجسد والروح؟

٢- الإسراء هل هو متقدم على المعراج أو متأخر؟

٣- ما المقصود من المسجد الحرام والمسجد الأقصى؟

٤- البركة التي اختص بها المسجد الأقصى، وما المقصود بها والتي هي حوله؟

فأجاب:

- (ج ١: الإسراء بالروح والجسد معاً، والمعراج بالروح والجسد المثالي الذي

يناسب كل سماء، قال تعالى: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ" [الانفطار: ٨].

- ج ٢: المعراج حصل أكثر من مرة، فقد حصل المعراج قبل الإسراء وحصل

بعده.

صفحة PDF الأصلية ١٨٧

- ج ٣: المسجد الحرام هو الكعبة، والمسجد الأقصى هو بيت الرب أو بيت

التقرب أو القربان أو هيكل سيلمان (عليه السلام)، وسمي هيكل سليمان؛

لأن نبي الله سليمان هو الذي بناه.

- ج ٤: البركة هي الفيض الإلهي النازل على أهل الأرض) (١).

بطبيعة الحال، كشأن أي بناء آخر يتقادم عليه الزمن، فإنّ بناء المسجد الأقصى الذي تم على يد النبي سليمان (عليه السلام) في القدس (٢)، تعرّض للتخريب بفعل الحروب الكثيرة التي كانت تؤدي إلى تخريب مدينة القدس كلها أحياناً، ومثل هذا الأمر حصل مع الكعبة والمسجد الحرام في مكة أيضاً، وكما كان يُعاد تجديد بناء الكعبة أو المسجد الحرام عموماً كان يعاد بناء المسجد الأقصى أيضاً.

وبصرف النظر الآن عن التحقيق في مسألة هل كان بناء المسجد مشيّداً وقت إسراء الرسول (صلى الله عليه وآله) أو كان مخرّباً وأعيد بناؤه بعد ذلك (كما يدعي المشككون)، فأكيد أنّ للمسجد حدوداً يعرفها ربما الكثير من الناس، ولا أقل أنها واضحة ومعلومة بالنسبة إلى أولياء الله، وبالتالي فلا يختلف الحال بالنسبة لإسراء الرسول من هذه الناحية.

والأهم من ذلك: إنّ إسراء الرسول من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وإن كان بروحه وجسده في هذا العالم، لكن هذا لا يعني أنّ آيات ربه التي رآها - ومنها صلاة الأنبياء والملائكة خلفه - كانت في هذا العالم أيضاً، وهذا أمر واضح في روايات أوصياء محمد صلوات الله عليهم.

(عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رجل إلى أمير المؤمنين وهو في مسجد الكوفة وقد احتبى بحمائل سيفه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن في القرآن آية قد أفسدت عليّ ديني وشككتني في ديني! قال: وما ذاك؟ قال: قول الله عز وجل: "واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا، أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون"، فهل في ذلك الزمان نبي غير محمد صلى

صفحة PDF الأصلية ١٨٨

الله عليه وآله فيسأله عنه؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: اجلس أخبرك إن شاء الله، إن الله عز وجل يقول في كتابه: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا"، فكان من آيات الله التي أريها محمد صلى الله عليه وآله أنه انتهى جبرئيل إلى البيت المعمور وهو المسجد الأقصى، فلما دنا منه أتى جبرئيل عينا فتوضأ منها، ثم قال يا محمد، توضأ. ثم قام جبرئيل فأذن ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله: تقدم فصل واجهر بالقراءة، فإنّ خلفك أفقاً من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله جل وعز. وفي الصف الأول: آدم ونوح وإبراهيم وهو وموسى وعيسى، وكل نبي بعث الله تبارك وتعالى منذ خلق الله السماوات والأرض إلى أن بعث محمداً صلى الله عليه وآله. فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بهم غير هائب ولا محتشم. ...) (١).

وبمثله أجاب الإمام الباقر (عليه السلام) نافع مولى عبد الله بن عمر لما سأله عن نفس الآية (٢).

واضح من كلام أوصياء الرسول (عليهم السلام) أنّ صلاة الرسول (صلى الله عليه وآله) إماماً بالأنبياء والمرسلين والملائكة كانت في بيت الرب في العوالم العلوية وقد تجلى وظهر في عالمنا هذا بالمسجد الأقصى، بمعنى أنّ المسجد الأقصى هو صورة وظهور للبيت المعمور في هذا العالم، وهذا يعني أنّ معراج الرسول - الذي كان بروحه + الجسد المثالي (الذي يناسب العوالم العلوية التي رأى فيها الأنبياء وآيات ربه الأخرى) - لم ينفك عن الإسراء الذي حصل له "روحاً وجسداً" من مكة إلى بيت المقدس؛ خصوصاً فيما يتصل برؤية الرسول لآيات ربه التي نصَّ عليها القرآن إجمالاً وفصّلتها روايات خلفاء الله.

يؤكد ذلك قول الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه لما سألته اليهود: (قالت اليهود: موسى خير منك. قال النبي صلى الله عليه وآله ولم قالوا: لأن الله عز وجل كلمه بأربعة آلاف كلمة ولم يكلمك بشئ. فقال النبي صلى الله عليه وآله: لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك؟ قال: هو قوله عز وجل: "سبحان الذي أسري بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" وحملت على جناح جبرائيل حتى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، حتى تعلقت بساق العرش

صفحة PDF الأصلية ١٨٩

فنوديت من ساق العرش: "إني أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبرالرؤف الرحيم" و أيته بقلبي وما أيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك) (١). ر ر

وأيضاً: ورد عن الإمام الكاظم، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديث يذكر فيه مناقب الرسول قال: (إنّه لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقلّ من ثلث ليلة، حتّى انتهى إلى ساق العرش، فدنى بالعلم فتدلّى فدلّي له من الجنّة رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربّه عزّ وجلّ بفؤاده ولم يرها بعينه، فكان قاب قوسين بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى) (٢).

وبطبيعة الحال، فإنّ رؤية الرسول (صلى الله عليه وآله) لبعض آيات ربه في العوالم العلوية لا يعني - كما قلت - أنه لم يسرَ به من مكة إلى بيت المقدس بروحه وجسده ورؤيته لبعض الأمور التي تخص هذا العالم - بل عالم الملك كله - وإخبار قومه بها قبل انكشافها لهم، مثل مروره بعير لقريش ونحو ذلك، (قال الصادق عليه السلام: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله في طريق مر على عير في مكان من الطريق، فقال لقريش - حين أصبح - يا معاشر قريش إن الله تبارك وتعالى قد أسرى بي في هذه الليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - يعني بيت المقدس - حتى ركبت على البراق، وإن العنان بيد جبريل عليه السلام... ركبت عليه وصعدت إلى السماء، وصليت بالمسلمين وبالنبيين أجمعين وبالملائكة كلهم، و أيت الجنة وما فيها، والناروما فيها، واطلعت على الملك كله) (٣). ر

إذا اتضح هذا، فسواء كان بناء المسجد الأقصى "هيكل سليمان" في وقت إسراء الرسول من المسجد الحرام إليه مُقاماً في مدينة القدس أو كان متهدماً وتم تخريبه، فلا يؤثر على و اقع المسألة "الإسراء والمعراج" شيئاً، والنصوص عموماً (الدينية والتاريخية) التي وصلتنا بيّنت أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وقف على صخرة كانت في ساحة

صفحة PDF الأصلية ١٩٠

المسجد ومنها عرج إلى السماء، ثم لاحقاً بني عليها بناء سمي بقبة الصخرة وهو بناء يقع في قلب باحة المسجد تقريباً.

بهذا يتضح أنّ القرآن لم يخالف حقيقة تاريخية كما يزعم المشككون].

بحسب ما ذهب إليه كثير من المسلمين فإنّ الرسول مات مسموماً، وبعض المشككين يعتبر هذا الأمر منافياً لعصمته؛ إذ أنّ الله لم يعصمه من أذى الناس كما وعد!

روى المؤرخون والمحدثون السنة أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) مات متأثراً بالسم الذي وضع له في شاة أهديت له يوم فتح خيبر وأكل منها، وظل ذلك الأمر يعاوده ويؤذيه بين فترة وأخرى حتى تسبّب بموته في مطلع السنة الحادية عشرة للهجرة.

بعض علماء الشيعة أيضاً قال بموت الرسول شهيداً مسموماً.

(عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم خيبر فتكلم اللحم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني مسموم قال فقال النبي صلى الله عليه وآله عند موته اليوم قطعت مطاياي الاكلة التي أكلت بخيبر وما من نبي ولا وصى إلا شهيد) (١).

موت الرسول مسموماً لا يتنافى مع عصمته، ولا ملازمة بين الأمرين إطلاقاً، فقد تقدم بيان معنى العصمة وأنها تعني الاعتصام بالله عن جميع محارم الله بحيث لا يُخرج المعصوم الناس من حق إلى باطل، وواضح أنّ هذا الأمر لا ربط له بمسألة الكيفية التي يموت بها المعصوم، فسواء مات المعصوم قتلاً أو سماً أو موتاً طبيعياً يبقى هو في حياته

صفحة PDF الأصلية ١٩١

معتصماً بالله عن جميع محارمه ويبقى أيضاً هادياً إلى الحق والصراط المستقيم، وكذلك يبقى الدليل الكاشف عن عصمته هو النص كما تبيّن.

نحن نعتقد بعصمة الرسول بالمعنى المشار إليه وبعصمة أوصيائه (الأئمة الاثني عشر والمهديين الاثني عشر) جميعاً، ومع هذا يقول ولده الإمام الحسن (عليه السلام): (ما منّا إلا مقتول أو مسموم) (١).

وعن أبي الصلت الهروي في سؤاله للإمام الرضا (عليه السلام) عن قوم ينكرون مقتل الحسين بن علي (عليه السلام)، فقال: (كذبوا عليهم غضب الله ولعنته وكفروا بتكذيبهم لنبي الله (ص) في اخباره بأن الحسين بن علي عليه السلام سيقتل، والله لقد قتل الحسين عليه السلام وقتل من كان خيراً من الحسين أمير المؤمنين والحسن بن علي عليهم السلام وما منا إلا مقتول وإني والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني اعرف ذلك بعهد معهود إلي من رسول الله (ص) أخبره به جبرئيل عن رب العالمين عز وجل ...) (٢).

أما آية "وَاللَُّّ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"، فليس المقصود بها أنّ الله يمنع عن رسوله القتل بالسم كما فهم المشكك، بل الآية ليست ناظرة إلى منع القتل بأي كيفية كانت، وإنما معناها الحقيقي يتضح من خلال قراءة نص الآية كلها، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَُّّ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللََّّ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" [المائدة: ٦٧ ].

بحسب الروايات الواردة عن أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الآية نازلة في يوم غدير خم لما نصّب الرسول علياً (عليه السلام) وصياً له، والرسول خشي اتهام الناس له بالكذب وخاف عليهم من الارتداد نتيجة قرب عهدهم بالجاهلية وعدم تحملهم ولاية أخيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لذا طمأنه الله بأنه يعصمه أي يمنع عنه أذى الناس واتهامهم له.

صفحة PDF الأصلية ١٩٢

عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة" وفرض ولاية أولي الامر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمداً صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"، فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم) (١).

ولما أنزل الله سبحانه عليه الآية، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (تهديد بعد وعيد، لأمضين أمر الله عز وجل، فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علي من أن تعاقبني العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة) (٢).

فاتضح أنّ معنى "اللَُّّ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" أي: يمنع عنك أذى الناس واتهامهم لك بالكذب عند تبليغهم بولاية الإمام علي (عليه السلام)، وليست الآية وعداً قطعه الله لرسوله بمنع مطلق الأذى عنه - بما في ذلك القتل مسموماً - كما فهم المشككون.

كون الرسول يسهو وينسى أمر وارد في نصوص المسلمين سواء على مستوى القرآن الكريم، أو على مستوى الروايات.

والمشككون يعتقدون أنّ السهو والنسيان يتنافى مع العصمة التي يفترض أن يتحلّى بها الرسول لو كان معصوماً فعلاً!

صفحة PDF الأصلية ١٩٣

أولاً: ما ظنّه المشككون من أنّ السهو والنسيان ينقض العصمة و افقهم عليه بعض علماء العقائد الشيعة، وهو معتقد غير صحيح، ومرفوض قرآنياً وروائياً، وهذه جملة من الآيات التي تؤكد حصول النسيان من الأنبياء والرسل صراحة:

- "فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا" [الكهف: ٦١ ]، والناسيان هما: موسى ووصيه يوشع بن نون (عليهما السلام). - "قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا" [الكهف: ٦٣ ]، والناسي هو يوشع بن نون (عليه السلام). - "قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا" [الكهف، ٧٣ ]، والناسي هو موسى (عليه السلام). - "وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ" [يوسف: ٤٢ ]، والناسي هو يوسف (عليه السلام).

وبخصوص الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقد قال الله تعالى له:

- "سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى" [الأعلى: ٦]. - "وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا" [الكهف:

٢٤ ].

واضح أنّ القرآن يؤكد حقيقة نسيان المعصوم، فكل من ذكروا في الآيات المتقدمة هم معصومون وخلفاء لله في أرضه.

والأمر بنفس الوضوح على مستوى الروايات أيضاً، وهي كثيرة وكمثال لها:

- (عن الحرث بن المغيرة النصرى قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا صلينا المغرب فسها الإمام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة فقال: ولم

صفحة PDF الأصلية ١٩٤

أعدتم؟! أليس قد انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله في ركعتين فأتم بركعتين ألا أتممتم؟!!) (١). - (عن الحسن بن صدقة قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام: أسلّم رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين الأولتين؟ فقال: نعم، قلت: وحاله حاله قال: إنما أراد الله عز وجل أن يفقههم) (٢). - (عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام يا بن رسول الله إن في سواد الكوفة قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله أن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو....) (٣).

إذن، الأمر محسوم من الناحية القرآنية والروائية.

ثانياً: مسألة سهو ونسيان المعصوم بحثها السيد أحمد الحسن في كتابه "عقائد الإسلام" بالتفصيل، حيث حلّل المسألة - ابتداءً - من الناحية البايلوجية للإنسان، وذكر الأدلة القرآنية والروائية المثبتة صدور السهو والنسيان من المعصوم، وبيّن أنّ القول بإمكانية صدورهما من المعصوم لا ينفي عصمته، كما أنه تعرّض لما ذكره الطرف الآخر وناقش تأويلهم للنصوص والآيات المثبتة وذكر إشكالاتهم التي رتّبوها على القول بإمكانية صدور السهو والنسيان من المعصوم وأجاب عنها، وبالتالي فمن أراد الوقوف على حقيقة المسألة فليرجع إلى الكتاب المذكور.

وهذا تلخيص لما ذكره في الكتاب:

١- السهو يعني عدم التذكّر الذي يؤدي إلى فعل أو ترك الشيء عن غفلة وبغير علم. والنسيان: بالأصل هو عدم التذكّر الذي يؤدي إلى ترك شيء عن غفلة أيضاً.

صفحة PDF الأصلية ١٩٥

٢- مسألة السهو والنسيان مرتبطة من جهة بالنفس الإنسانية ومن جهة أخرى بالدماغ الذي يتمتع بقدرات محدودة - مثل قدرته على التركيز - كما هو معلوم، فدماغ الإنسان لا يتمكّن من متابعة عدة أمور بدقة متناهية (خصوصاً الأفعال المتراكبة) في وقت واحد، وهذا أمر طبيعي ولا يخلو منه إنسان. ولا شك أنّ المعصوم في هذا العالم إنسان، وبالتالي يكون عروض السهو والنسيان له في بعض الأمور حالة طبيعية.

وأيضاً: ما يؤثر في معادلة النسيان والتذكّر عند الإنسان عدة أمور، منها: كم المعلومات، ونوعها، والجسد، ونفس الإنسان (مقدار الظلمة والنور فيها)، والدماغ، فجميع هذه الأمور تؤثر على التذكر سلباً أو إيجاباً، فمثلاً: تذكر المعلومة البسيطة أسهل وأسرع من المعلومة المعقدة وهذا يعني أنّ نوع المعلومة يؤثر في التذكر.

مع الالتفات إلى الإنسان مهما ارتفعت نسبة معاملات التذكر عنده، لكنه على كل حال لا يمكن أن تكون المعادلة لديه تامة بنسبة ١٠٠ %؛ لأن التذكر - كما قلنا - مرتبط بعدة عوامل ومؤثرات، فمثلاً: معامل النور والظلمة في النفس لا يمكن أن يكون تاماً؛ لأنه يعني صيرورة الإنسان نوراً لا ظلمة فيه، وهذا محال باعتبار تأديته إلى تعدد اللاهوت المطلق؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

٣- بخصوص علاقة السهو والنسيان بالمعصوم فيمكننا أن نطرح أربع احتمالات في هذا الصدد:

- إنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً بذاته. - إنّ خليفة الله لا ينسى ولا يسهو مطلقاً لوجود مذكر خارجي كالملائكة مثلاً. - إنّ خليفة الله ينسى ويسهو كأي إنسان آخر. - إنّ خليفة الله يمكن أنْ ينسى ويسهو في موارد كأي إنسان آخر، ويُعصم ولا يمكن أنْ ينسى أو يسهو في موارد أخرى لحكمةٍ ما.

واضح أنّ الاحتمال الأول باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون المعصوم كمالاً مطلقاً ونوراً لا ظلمة فيه، ولهذا قال الإمام الرضا (عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا

صفحة PDF الأصلية ١٩٦

يسهو، إنما ينسى ويسهوالمخلوق المحدث) (١). أما الاحتمال الثاني (وهوعقيدة بعض و علماء الشيعة)، فلا دليل قطعي عليه، كيف وقد رأينا الآيات والروايات بيّنت إمكانية صدور السهو والنسيان من المعصوم. وكذلك لا شك في بطلان الاحتمال الثالث (وهو عقيدة بعض السلفيين)؛ لأن معناه أنّ المعصوم يمكن أن ينسى أو يسهو عن تبليغ بعض الدين الإلهي، أو يقوم بتبليغ شيء على أساس أنه من الدين وهو ليس منه، وهذا باطل عقلاً ونقلاً. فتعيّن أن يكون الاحتمال الرابع هو العقيدة الحقة التي يعتقد بها آل محمد (عليهم السلام).

٤- ممّن صرّح بجواز سهو الرسول هو الشيخ الصدوق وشيخه (٢)، والشيخ الطوسي قصر عدم جواز السهو والنسيان على ما يؤديه المعصوم عن الله فقط (٣)، والسيد الخوئي اعترف بعدم وجود دليل قطعي ينفي السهو عن المعصوم في الموضوعات الخارجية مثل عدد الركعات أو عدد الأشواط في الطواف ونحو ذلك (٤). وهكذا يتضح أنّ علماء الشيعة لم تتفق كلمتهم في المسألة.

٥- المحاولات التي بذلها بعض العلماء لتأويل النصوص القرآنية الصريحة في سهو ونسيان المعصوم غير صحيحة، وكذلك بعض ما استدلوا به.

فمثلاً: في آية "نسيا حوتهما" قالوا: المقصود تركاه عن علم ومعرفة، ولو كان الأمر كذلك لكان الكلام بعدها (٥) والسؤال عن الحوت سفه ولا معنى له، فهم أرادوا تنزيه المعصوم عن النسيان لكنهم نسبوا إليه السفه من حيث لا يعلمون.

كذلك استدلالهم بآية "سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَُّّ" [الأعلى: ٧ - ٦ ]، فهم جعلوها دليلاً على منع السهو والنسيان مطلقاً مع أنّ الآية صريحة بأنّ الرسول لا ينسى ما يقرؤه

صفحة PDF الأصلية ١٩٧

الله له فتختص بالقرآن والوحي الإلهي أي إنه لا ينسى ولا يسهو في التبليغ عن الله، وتعديتها إلى غير ذلك يحتاج إلى دليل قطعي وهو غير موجود، بل نفس الاستثناء في الآية "إلا ما شاء الله" يدل على أنّ المعصوم يمكن أن يسهو وينسى في بعض الموارد التي لا حاجة لأن يعصمه الله عن السهو والنسيان فيها.

٦- استعرض ثمان عشرة رواية ذكرت سهو المعصوم، وبالمقابل لا يوجد لدى القائلين بعدم جواز ذلك على المعصوم سوى رواية قابلة للتأويل بوجه تلتقي به مع بقية الروايات.

٧- طرح الإشكالات العقلية المترتبة على القول بجواز صدور السهو والنسيان من المعصوم والاجابة عنها، منها: إنه لو جاز صدور السهو والنسيان من المعصوم لجاز أن ينسى ويسهو عن تبليغ دين الله. وجوابه: لا ملازمة بين الأمرين، لأن العصمة ليست ذاتية للمعصوم (بمعنى أنّ عصمته ليست بذاته) كما تقدم، وبالتالي يمكن أن يُعصم عن السهو والنسيان في أمور تتعلق بدين الله بمذكر خارجي (الله أو الملائكة مثلاً)، ولا يُعصم عنهما في أمور أخرى لا تكون هناك ضرورة لعصمته فيهما. نعم، الملازمة تأتي بناءً على كون العصمة ذاتية، وهو قول بباطل - كما تقدم - لأنه يعني تعدد اللاهوت المطلق.

وإذا اتضح ما تقدم، أقول: ذكرنا سابقاً أنّ العصمة تعني الاعتصام بالله عن جميع محارم الله، ومن الواضح أنّ حقيقتها لا تتأثر بإمكانية صدور السهو والنسيان من المعصوم في أمور لا تتصل بتبليغ دين الله وإيصال رسالته تامة إلى الناس.

أما ما روي عن إمكانية نسيان الرسول لبعض آيات القرآن الكريم كما روي عن عائشة أنها قالت: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال يرحمه الله لقد اذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا)، وفي رواية: "أسقطتها" (١)، فهي روايات باطلة جملة وتفصيلاً؛ لسببين:

صفحة PDF الأصلية ١٩٨

أولاً: إنّ الدليل النقلي والعقلي قام على إمكانية صدور السهو والنسيان من الرسول فيما لا يتصل برسالة الله وتبليغ دينه وإيصال كتابه إلى الناس، وبالتالي فأيّ قول يناقض ما ثبت قرآناً وسنّة فهو باطل بكل تأكيد.

ثانياً: الرواية لم ترد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه، ولا عن وصي من أوصيائه (عليهم السلام)، وسبق أن قلت: إنّ آل محمد هم القناة الشرعية الوحيدة التي تمثّل الرسول وتنطق باسمه وتبيّن الصحيح من سيرته وما اختلف من سنّته.

وردت في القرآن آيات تذكر أنّ للرسول ذنباً، قال تعالى:

- "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَِّّ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ

وَالْإِبْكَارِ" [غافر: ٥٥ ].

- "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَُّّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَُّّ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ" [محمد: ١٩ ]. - "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَُّّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" [الفتح: ٢].

يفهم المشككون من هذه الآيات أنّ الرسول مذنب ويدعوه ربه للاستغفار من ذنبه، وارتكاب الذنوب من قبله لا ينسجم مع كونه رسولاً إلهياً معصوماً كما يعتقد بذلك أتباعه!

أولاً: لنتعرف ابتداءً على معنى "الذنب" في الآيات عند علماء المسلمين:

• "وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ":

هذه جملة من آرائهم في فهم الآية:

صفحة PDF الأصلية ١٩٩

- الخطاب للرسول لكن المراد به الأمة للاقتداء به (١). - المعنى: استغفر مما قد يصدر منك من ترك الأولى (٢). - الرسول معصوم من الذنب لكنه بصدد تعليم الخلق ولأنه أبلغ في الخوف والعبودية لله (٣). - كان ذنبه قبل النبوة (٤). - لا ذنب للرسول، لكن الاستغفار عبادة ومستحب في حد نفسه (٥).

• " لِيَغْفِرَ لَكَ اللَُّّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ":

هذه عمدة آرائهم في فهم الآية:

- الآية نزلت بطريقة "إياك أعني واسمعي يا جارة" أي: المقصود أمته (٦). - ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء وما تأخر من ذنوب أمتك (٧). - ما تقدم من ذنبه قبل الرسالة والنبوة وما تأخر بعدها (٨). - ما تقدم من ذنب قبل الفتح وما تأخر عنه (٩). - ما يقع من الرسول بطريق السهو والغفلة (١٠).

صفحة PDF الأصلية ٢٠٠

- ترك الأولى والأفضل (١). - وبعضهم لم يستحِ من تصوير ذنب فعلي صدر من الرسول في بدر وحنين (٢).

ثانياً: الله سبحانه وصف رسوله في القرآن بنص محكم وقال: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]، و أقل ما يقال عن المذنب - بمعنى فاعل المعصية - إنه لا يستحق مثل هذا الوصف، لأن الإنسان في حال ارتكاب الذنب لم يكن مؤدباً ولا متخلّقاً مع الله.

وأيضاً: الثابت عقائدياً - عقلاً ونقلاً - أنّ الرسول معصوم بمعنى معتصم بالله عن جميع محارم الله، ولهذا بيّن أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) أنّ الرسول لا ذنب عليه، وهذا مثال من رواياتهم في تأكيد هذه الحقيقة:

عن الإمام الحسين (عليه السلام): (إن يهودياً من يهود الشام وأحبارهم، سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: فإن آدم عليه السلام تاب الله عليه من خطيئته؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عزّ وجلّ: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" إن محمداً غير مواف يوم القيامة بوزر ولا مطلوب فيها بذنب. .....

ولقد قام صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى أفلا أكون عبداً شكوراً) (٣).

بالتالي، فيمكننا أن نفهم "الذنب" في الآيات بأحد الوجوه التالية:

١- المقصود به ذنوب المؤمنين، فالرسول الإلهي يختار أن يتحمّل ذنوب وخطايا أمته وتقصيرهم رحمة بهم. وهذه بعض النصوص التي تثبت ذلك عند بيانهم معنى الآية:

صفحة PDF الأصلية ٢٠١

- الإمام الباقر (عليه السلام): (قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي يا علي ان الله تبارك وتعالى حمّلني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي وذلك قوله تعالى "ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر") (١). - الإمام الصادق (عليه السلام): (ما كان له من ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له) (٢). - الإمام الهادي (عليه السلام): (وأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله متقدماً أو متأخراً؟ وإنما حمّله الله ذنوب شيعة علي عليه السلام ممن مضى منهم وبقي ثم غفرها له) (٣).

٢- إنّ الرسول كان مذنباً عند مشركي أهل مكة، وهو المعنى الذي أشار له الإمام الرضا (عليه السلام) في جوابه سؤال المأمون العباسي.

(قال المأمون: لله درك يا أبا الحسن فأخبرني قول الله عز وجل: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله (ص) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً فلما جاءهم (ص) بالدعوة إلى كلمه الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: "اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب وانطلق الملا منهم ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشئ يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة هذا إلا اختلاق" فلما فتح الله عز وجل على نبيه (ص) مكة قال له يا محمد: "انا فتحنا لك" مكة "فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه فصار ذنبه عندهم ذلك مغفورا بظهوره عليهم) (٤).

٣- الذنب في الآية هو ظلمة "الأنا" والوجود.

صفحة PDF الأصلية ٢٠٢

بحسب النص الديني فإنّ الله سبحانه وحده - لا غير - يتصف بأنه نور لا ظلمة فيه، إذ قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه) (١).

وهذا يعني: أنّ كل مخلوق يتصف بالتركيب ويتألف وجوده من نور وظلمة، مع الالتفات إلى أنّ الظلمة تكبر مساحتها في وجود المخلوق كلما ابتعد عن الله، وتصغر كلما اقترب إلى مصدر النور "الله سبحانه وتعالى"، والرسول (صلى الله عليه وآله) وإن كان عظيم القدر والمنزلة والشرف و أقرب الخلق إلى الله، وهو الوحيد الذي بلغ مقام "قاب قوسين أو أدنى"، لكنه يبقى بالنتيجة مخلوق لله سبحانه، وبالتالي يكون للظلمة نصيب في وجوده الشريف ولو كانت ضئيلة جداً وبنحو الشائبة، ولكنه أبداً لا يكون وجوده نوراً لا ظلمة فيه؛ لأن ذلك يعني تعدد اللاهوت المطلق؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

إذن، الذنب في الآية هو ذنب الوجود وشائبة الظلمة، وبالرغم من أنّ وجودها ضرورة لابد منها ليكون لمحمد (صلى الله عليه واله) تحقق ووجود في عوالم الخلق، لكنه لشدة حيائه من الله كلما استشعر أنّ له وجوداً قبال وجوده سبحانه آلمه ذلك وأرّقه وأبكاه بكاء مرّاً، بل وأتبعه أيما تعب.

هذا الذنب غفره الله لمحمد (صلى الله عليه وآله)، فهو صاحب الفتح المبين والمقام المحمود الذي بلغ من القرب قاب قوسين أو أدنى حيث كشف له من نور الذات الإلهية مثل سمِّ الإبرة في آنات فلم يعد له وجود وفني في الذات الإلهية ونور ربه سبحانه، فالفتح - والحال هذه - فتح في عالم اللاهوت قبل أن يكون فتحاً مادياً حصل للرسول في مكة كما ترمي له كلمات معظم علماء المسلمين.

وهكذا يتضح أنّ قوله تعالى: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَُّّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً" لا يصح قصره على معناه المادي الحاصل في فتح مكة كما فعل معظم العلماء، بل إنّ قصر المعنى بذلك يؤدي بكل

صفحة PDF الأصلية ٢٠٣

تأكيد إلى حجب حقائق توحيدية راقية لا غنى للمؤمن السائر إلى الله عن فهمها وإدراك معناها.

قال السيد أحمد الحسن في بيان معنى الآيتين: (..... وليس المراد فتح مكّة في هذه الآية، وإن كان فتح مكّة من لوازم هذا الفتح؛ لأنّ الفتح في الملكوت يتبعه فتح في الشهادة، فما بالك إن كان الفتح في عالم اللاهوت بين الذات الإلهية ومحمد صلى الله عليه وآله، وهو إماطة شيء من الحجاب.

وقصر الآية على فتح مكّة تعسّف، وميل بالآية عن المراد منها؛ حيث استخدم صيغة الماضي "إِنَّا فَتَحْنَا"، أي: إنّ الفتح تحقّق في فترة سبقت نزول الآية، أو أثناء نزولها، بينما فتح مكّة تحقّق بعد عامين من نزول الآية.

ثم إنّ هذا الفتح كان سبباً لمغفرة ذنب الرسول الملازم له (تقدّم، وتأخر)، وهذا الذنب - كما مر - هو تشوّبه صلى الله عليه وآله بالظلمة التي لا يخلو منها مخلوق؛ لأنّه هو سبحانه وتعالى فقط نور لا ظلمة فيه.

فعن هشام بن سالم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقال: "أتنعت الله؟ فقلت: نعم. قال عليه السلام: هات. فقلت: هو السميع البصير. قال عليه السلام: هذه صفة يشترك فيها المخلوقون. قلت: فكيف تنعته؟ فقال عليه السلام: هو نور لا ظلمة فيه ..." (١).

وبسبب إماطة الحجاب والفتح المبين وفناء الرسول الكريم في الذات الإلهية، أصبح هو وجه الله وكلمته التامّة. وبتعبير آخر: أصبح هو اسم الله في خلقه وأسماؤه الحسنى في خلقه.

وهذه هي المرتبة الثالثة لأسمائه سبحانه وتعالى، وكذلك حجج الله صلوات الله عليهم، من أئمة وأنبياء وأوصياء ومرسلين -كل بحسب مرتبته وقربه - يمثلون وجه الله

صفحة PDF الأصلية ٢٠٤

وأسماءه الحسنى، منهم المرآة التي انعكست فيها الأسماء الحسنى، وهم الذين تخلّقوا بأخلاق الله سبحانه وتعالى.

روى الصدوق في التوحيد وفي العيون عن الهروي: "قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله، فما معنى الخبر الذي روي: أنّ ثواب لا إله إلاّ الله النظر إلى وجه الله؟ فقـال عليه السلام: يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم" (١)) (٢).

وأيضاً: سئل السيد أحمد الحسن عن معنى كلمة الإمام علي (عليه السلام): "لو كشف لي الغطاء لما ازددت يقيناً"، فأجاب:

(لا يتوهم متوهم أن أمير المؤمنين عليه السلام يتكلم عن حجب ملكوتية، كيف وهو يسير في جبانة الكوفة ويكلم الموتى، ويلتفت إلى حبة العرني، ويقول له ما معناه: "لو كشف لك الغطاء يا حبة لرأيتهم حلقات يتحادثون".

وإنما أمير المؤمنين عليه السلام يتحدث عن غطاء حَجَب عنه اللاهوت، يتكلم عن غطاء لو كشف لعلي عليه السلام لما بقي علي، بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار، وبقاء هذا الغطاء يعتبره أمير المؤمنين عليه السلام ذنباً عظيماً، فيقول: "إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها فلها الويل إن لم تغفر لها"، بل القرآن يعتبره ذنباً ملازماً للإنسان لا يفارقه إلا بالفتح المبين وفنائه في آنات وعودته في آنات أخرى؛ لكي تبقى للإنسان إنسانيته، وللمخلوق عبوديته، قال تعالى: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَُّّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ".

والذنب هنا هو (الأنا)، أو شائبة الظلمة والعدم التي لا تفارق العبد. ومحمد صلى الله عليه وآله بسبب هذا الفتح يخفق، فساعة لا يبقى محمد بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار، وساعة يعود محمد صلى الله عليه وآله العبد الأول والنور الأول والعقل الأول والفائز بالسباق صلوات الله عليه وسلامه، وبما أنّ علياً عليه السلام باب محمد صلى الله

صفحة PDF الأصلية ٢٠٥

عليه وآله، ومحمد صاحب الفتح المبين، وفي آنات لا يبقى منه اسم ولا رسم إلا الله الواحد القهار، فيكون الباب أو علي عليه السلام ممسوساً بذات الله، وبمقام صاحب الفتح المبين، ولذا قال: "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا") (١).

وعن بيان معنى "الحجاب" الكائن بين الرسول وربّه سبحانه في حديث الإمام الصادق (عليه السلام): "وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، ..." (٢)، قال السيد أحمد الحسن:

(وهذا الحجاب الزبرجد الأخضر الذي يخفق هو إشارة إلى حجب الظلمة وحجب النور، وارتفاع حجب الظلمة بالفتح في مثل سم الإبرة، وارتفاع حجب النور بالخفق الحاصل للحجاب، فحجب الظلمة تخرق بالتخلي عن جنود الجهل والأنا، وحجب النور يحتويها الإنسان ويفنى فيها عندما يتحلى بجنود العقل والأخلاق الكريمة، وهكذا الإنسان في مسيرته التكاملية يسعى إلى أن يصل إلى رفع الأنا عن صفحة وجوده، والتحلي بجميع جنود العقل وهذا هو الفتح المبين "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً".

وهذا هو المقام المحمود الذي وصل إليه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وقد تجلى في هذا المقام الله سبحانه وتعالى لمحمد صلى الله عليه وآله في آنات "وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق" أي: إنّ الحجاب يرتفع في آنٍ ويعود في آنٍ آخر، وحال ارتفاعه لا يبقى محمد صلى الله عليه وآله بل يفنى ويحترق، ولا يبقى وجه الله محمد صلى الله عليه وآله بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار.

والحديث أعلاه المروي عنهم عليهم السلام لا ينفي الكشف لحجب الظلمة والنور مطلقاً، بل ينفي الكشف التام الدائم، أما الكشف التام في آنات فهو حاصل لمحمد صلى الله عليه وآله، وهو صلى الله عليه وآله يخفق مع خفق الحجاب والكون كله يخفق مع

صفحة PDF الأصلية ٢٠٦

محمد صلى الله عليه وآله، ولو قرأت القرآن لخفقت مع خفقه ذهاباً ومجيئاً دون قصد منك لهذا الفعل، بل كأنك مضطر إليه) (١).

قال تعالى: "وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ" [الشرح: ٣ -٢ ].

يفهم المشككون من الآيتين أنّ الرسول عليه وزر وإثم كبير وثقيل، ومن كان حاله كذلك لا يكون معصوماً!

بعض علماء المسلمين السنّة فهم الوزر في الآية بمعنى الذنب والإثم أيضاً، ولذا أجاب عن الآية بأنّ ذلك كان قبل النبوة في زمن الجاهلية (٢). وبعضهم لم يتورّ ع عن تفسير "الوزر" بالشرك بدعوى أنّ الرسول قبل النبوة (وحاشاه) كان على دين قومه (٣).

وهو كلام باطل، وعقائد منحرفة لا دليل عليها من أقوال وسيرة الرسول نفسه أو أقوال أوصيائه الطاهرين، وإنما هي مجرد تفاسير للآية بالآراء والظنون والاحتمالات التي يتحمّل عهدتها قائلها لا غير، والدين الإلهي والرسول الكريم بريء منها وغير معني بها أصلاً.

الوزر في اللغة: يعني الحمل الثقيل (٤)، ويطلق على الذنوب أوزار؛ لأنها ترهق صاحبها، ولذا سمّي الوزير وزيراً؛ لأنه يعين رئيسه وأميره ويخفف العبء عنه.

صفحة PDF الأصلية ٢٠٧

ولقد أصاب بعض العلماء (١) لما فسّروا "الوزر" في الآية بالعبء الثقيل الذي وقع على عاتق الرسول نتيجة حمله للرسالة الإلهية، باعتبار أنه معنى أيّدته الروايات الواردة عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث بيّن بعضها أنّ الوزر المرفوع عن الرسول هو عداوة الأعداء وثقل الحروب الذي خففه الله عن الرسول بتنصيب وزيره علي (عليه السلام) وصياً ومعيناً له على أعدائه، وهذه جملة من الروايات التي أكدت ذلك:

- عن الإمام الرضا (عليه السلام): ("أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ" يا محمد، ألم نجعل علياً وصيك؟ "ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ" ثقل مقاتلة الكفار وأهل التأويل بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) "ورَفَعْنا لَكَ" بذلك "ذِكْرَكَ" أي رفعنا مع ذكرك يا محمد له رتبة) (٢). - ("بسم الله الرحمن الرحيم ألم نشرح لك صدرك" قال: بعلي فجعلناه وصيك قال: وحين فتح مكة ودخلت قريش في الاسلام شرح الله صدره ويسره "ووضعنا عنك وزرك" قال بعلي الحرب "الذي أنقض ظهرك" أي أثقل ظهرك "ورفعنا لك ذكرك" قال تذكر إذا ذكرت، وهو قول الناس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: "إن مع العسر يسرا" قال: ما كنت في العسر أتاك اليسر "فإذا فرغت فانصب" قال: فإذا فرغت من حجة الوداع فانصب أمير المؤمنين عليه السلام " وإلى ربك فارغب") (٣). - (الباقر والصادق عليهما السلام في قوله تعالى: ألم نشرح لك صدرك ألم نعلمك من وصيك فجعلناه ناصرك ومذل عدوك الذي انقض ظهرك، وأخرج منه سلالة الأنبياء الذين يهتدون. ورفعنا لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، فإذا فرغت من دنياك فانصب علياً للولاية، تهتدي به الفرقة) (٤). - الإمام الباقر (عليه السلام) في جواب سؤال: "لماذا لم يطق علي (عليه السلام) حمل الرسول، لكن الرسول حمله على ظهره عند حط الأصنام من سطح الكعبة" قال: (احتمل رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام يريد

صفحة PDF الأصلية ٢٠٨

بذلك أن يعلم قومه أنه هو الذي يخفف عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله ما عليه من الدين والعدات والأداء عنه من بعده، ...) (١).

وهكذا يتضح لنا أنّ الوزر الذي أنقض ظهر الرسول ليس هو الذنب السابق على دعوته أو اللاحق لها ليؤثر على عصمته، وإنما هو عبء وثقل وهموم الدعوة الإلهية التي اجتمع لمناجزتها بالحرب والعداء أجلاف العرب واليهود وغيرهم سعياً منهم لإطفاء نور الله، لكن الله سبحانه بفضله خفّف هذا الحمل الثقيل عن رسوله بتنصيب علي بن أبي طالب وزيراً له ووصياً يعينه وينصره ويكفيه ما أهمّه. وفعلاً، كان علي (عليه السلام) الأولى بالرسول دون سائر المسلمين.

وهذا الأمر بالذات (أعني وزارة ووصاية الإمام علي للرسول) هو علّة عدم بقاء أولاد رسول الله الذكور أحياء؛ باعتبار أنّ الولد أولى من الأخ وابن العم كما هو معلوم، إذ ورد (عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لأي علة لم يبق لرسول الله صلى الله عليه وآله ولد؟ قال: لأن الله عز وجل خلق محمداً صلى الله عليه وآله نبياً وعلياً عليه السلام وصياً، فلو كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ولد من بعده كان أولى برسول الله صلى الله عليه وآله من أمير المؤمنين عليه السلام فكانت لا تثبت وصية أمير المؤمنين عليه السلام) (٢).

ا قال تعالى: "وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى" [الضحى: ٧].

يستدل المشككون بالآية على أنّ الرسول (وحاشاه) كان ضالاً قبل بعثه وإرساله بالإسلام ولم يكن حنيفاً ولا عابداً لله قبل البعثة كما يدّعي المسلمون!

صفحة PDF الأصلية ٢٠٩

علماء المسلمين فهموا الضلال في الآية بوجوه متعددة:

- فمنهم: فهم الضلال بمعناه المعهود بين الناس الذي يقابل الهدى والابتعاد عن الحق، ولما كان الضلال يستوجب المعصية حمل الضلال في الآية على ما قبل النبوة أو أنه ضلال في أمور الدنيا (١)، بل صرّح بعضهم أنه كان على دين قومه أربعين عاماً (٢). - ومنهم: ذكر أنّ ضلال الرسول بمعنى أنه ضلَّ عن جدّه عبد المطلب في صغره أو ضلَّ عن حليمة (٣). - ومنهم: ذكر عدة وجوه؛ منها: أنه لم يكن يعرف الحق فهداه الله إليه، أو أنه كان ضالاً عن النبوة والشريعة (٤).

ا أقول: لا يمكن أن يُفهم الضلال في الآية "وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى" بمعنى: الباطل والابتعاد عن الحق تماماً؛ لأن القرآن الكريم نفسه - في آية أخرى - ينفي الضلال عن الرسول مطلقاً، قال تعالى: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا

وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: ٤ - ٢ ].

ولهذا، ينبغي أن تُفهم الآية (محل البحث) بشكل ينسجم - أولاً - مع القرآن نفسه في حديثه عن الرسول الكريم، وينسجم - ثانياً - مع سيرته العطرة التي أكدت أنه كان موحّداً مؤمناً بالله لم يشرك به طرفة عين أبداً، وكان متحلياً بمكارم الأخلاق الإلهية، كل ذلك قبل بعثته، ويكفي أن نعرف أنّ تلميذه لم يسجد لغير الله قط أعني علياً (عليه السلام) فما بالك بمعلّمه ومربّيه!

عن عبد الله بن مسعود، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دعوة أبي إبراهيم. فقلنا: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: أوحى الله عز وجل إلى

صفحة PDF الأصلية ٢١٠

إبراهيم أني جاعلك للناس إماما؟ فاستخف إبراهيم الفرح، فقال: يا رب، ومن ذريتي أئمة مثلي؟ فأوحى الله عز وجل إليه: أن يا إبراهيم، إني لا أعطيك عهدا لا أفي لك به. قال: يا رب، ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذريتك. قال: يا رب، ومن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا، ولا يصح أن يكون إماما. قال إبراهيم: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس.

قال النبي صلى الله عليه وآله: فانتهت الدعوة إليّ وإلى أخي علي لم يسجد أحد منا لصنم قط، فاتخذني الله نبياً، وعلياً وصياً) (١).

الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) قبل بعثه رسولاً كان على دين وملة أبيه إبراهيم (عليه السلام)، وبعثه الله في سن الأربعين لتجديد الحنيفية وتقويمها من الانحراف الذي علق بها.

حلّل السيد أحمد الحسن المجتمع المكي قبل بعثة الرسول، وذكر له ثلاث فئات:

(الأولى: هم الذين يقودون عملية الانحراف بالشريعة الحنيفية وأتباعهم. وهؤلاء قد تلبسوا بالعبادات الباطلة، سواء في عقائدهم كعبادة الأصنام أو أحكامهم الشرعية، كتحريم البحـيرة والحام (٢)، وهؤلاء هم سادة القوم وعلماؤهم، فمن الطبيعي أن يكون أتباعهم معظم أهل مكة.

أمّا الفئة الثانية: فهم الذين وجدوا آباءهم ضالين، أو الذين ضلوا في ذلك المجتمع المنحرف عن الصراط المستقيم، ولكنهم كانوا غير راضين عن حالهم المزري، بل إن بعضهم كان في حالة ثورة داخل نفسه على تلك الأوضاع الفاسدة.

صفحة PDF الأصلية ٢١١

أمّا الفئة الثالثة: فهم شرذمة قليلون مرابطون على الحق، أي الديانة الحنيفية الصحيحة، أو ما وصل لهم منها، وعلى أقل تقدير منهم موحدون. فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله كان بشرى بالنسبة لهؤلاء المؤمنين الذين كانوا يترقبون بعثه ويتضرعون إلى الله ليريهم مناسكهم، كما كان النبي صلى الله عليه وآله ملجأً حصيناً وكهفاً أميناً لكل ضال يتخبط في ظلمات الجاهلية، ويبحث عن نور الحق وميزان العدل والصراط المستقيم.

وهكذا بعث النبي صلى الله عليه وآله في مكة أم القرى المدينة التي يحج إليها الناس، والمدينة التي تمثل المرجعية الدينية للأحناف، ليبدأ بالإصلاح من المركز الديني في الجزيرة العربية، المركز الذي طاله كثير من الفساد في العقائد والأحكام، وبعث النبي صلى الله عليه وآله بالشريعة الإسلامية المجددة للحنيفية والناسخة لبعض أحكامها. فشريعة إبراهيم عليه السلام هي الأقرب للنفوس والأوفر حظاً أن ينظمَّ تحت لوائها اليهود والنصارى الذين يقدسون إبراهيم عليه السلام ويعتبرونه أباً للأنبياء العظام عليهم السلام، ...) (١).

وهذا يعني أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل بعثه لم يكن ضالاً بمعنى أنه (وحاشاه) كان مشركاً بالله أو على دين الأغلبية من قومه القائم على الشرك وعبادة الأصنام، ولم يكن ضالاً بمعنى أنه كان بعيداً عن صراط الله المستقيم وعاصياً لربه الكريم (كما فهم المشككون وبعض علماء المسلمين)، وإنما كان حنيفياً موحداً لله سبحانه على دين أبيه إبراهيم صلوات الله عليه.

من ثمَّ، فإنّ الضلال في الآية يمكننا أن نفهمه بأحد الوجهين التاليين:

ا الأول: أن يكون معنى الآية: "وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى" جارياً مجرى قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [الشورى: ٥٢ ].

(عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلم، أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤنه. فتعلمون منه؟ قال: الامر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عز وجل: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت

صفحة PDF الأصلية ٢١٢

تدري ما الكتاب ولا الايمان" ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية، أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان؟ فقلت: لا أدري - جعلت فداك - ما يقولون، فقال [لي]: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم، وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم) (١).

بمعنى: أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وإن كان قبل بعثه وإرساله مهتدياً إلى معرفة ربه ويعبده لا يشرك به شيئاً، لكن هناك نوعاً خاصاً وراقياً من الهدى لم يكن بمتوفر عنده، وهو هدى الوحي القرآني والرسالي، وهو وحي إلهي عظيم القدر والمنزلة، فهذا النوع الخاص من الهدى - الذي يستلزم بطبيعة الحال معرفة وفهماً خاصاً يناسب جلالة قدره - توفر في وجود الرسول بعد بعثه وإرساله، ولم يكن موجوداً لديه قبل بعثه، وهو نعمة من نعم الله المفاضة عليه نتيجة إخلاصه وعمله؛ خصوصاً وأنّ الآيات من سورة الضحى كانت بصدد بيان نعم الله وعطاياه المفاضة على رسوله، يقول تعالى: ا "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ

عَائِلًا فَأَغْنَى" [الضحى: ٨ - ٥ ].

مع الالتفات إلى أنّ قولنا بانعدام نوع خاص من الهدى "هدى الوحي القرآني والرسالي" في وجود الرسول قبل بعثته، لا يعني أننا ننفي عنه مطلق الوحي الإلهي قبل البعثة، أو ننفي عنه التأييد والتسديد والرعاية الإلهية التي لم تنفك عنه طرفة عين.

قال الإمام علي (عليه السلام): (ولَقَدْ قَرَنَ اللَّّ بِه (ص) - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه - يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ - ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه - ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه - يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً - ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه - ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ - فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي ...) (٢).

ا الثاني: أن يكون "ضال" في الآية "وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى" بمعنى مضلول عنه، كما يقال: سرٌّ كاتم بمعنى مكتوم، أو ماء دافق بمعنى مدفوق. فالرسول كان يعيش بين قومه

صفحة PDF الأصلية ٢١٣

لكنهم لا يعرفون فضله وقدره الحقيقي وأنه الهادي لهم إلى الحق والمنقذ لهم مما هم فيه من ضلال وتيه وضياع.

وهذا المعنى تؤيده نصوص دينية، منها:

(عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام في قول الله: "ألم يجدك يتيما فآوى" فأوى إليك الناس "ووجدك ضالا فهدى" أي هدى إليك قوما لا يعرفونك حتى عرفوك "وجدك عائلا فأغنى" أي وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك.

قال علي بن إبراهيم ثم قال: "ألم يجدك يتيما فآوى"، قال: اليتيم الذي لا مثل له ولذلك سميت الدرة اليتيمة لأنه لا مثل لها "ووجدك عائلا فأغنى" بالوحي فلا تسأل عن شئ أحدا "ووجدك ضالا فهدى" قال: وجدك في قوم لا يعرفون فضل بنوتك فهداهم الله بك) (١).

وربما يكون "ضال" بمعنى منسوباً إلى الضلال عند قومه، كما روي عن ابن عباس لما سئل عن قول الله "ألم يجدك يتيماً فآوى" قال: (إنما سمي يتيماً لأنه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأولين والآخرين فقال الله عز وجل ممتناً عليه نعمه ألم يجدك يتيما أي وحيدا لا نظير لك فآوى إليك الناس وعرفهم فضلك حتى عرفوك ووجدك ضالا يقول منسوبا عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك ووجدك عائلا يقول فقيرا عند قومك يقولون لا مال لك فأغناك الله بمال خديجة) (٢).

فائدة:

عرفنا أنّ يُتْمَ الرسول (صلى الله عليه وآله) يعني أنه وتر لا مثل له ولا نظير، وأيضاً شاء الله سبحانه أن يكون رسوله يتيم الأبوين، وقد سُئل أوصياء الرسول عن ذلك فكان جوابهم لئلا تجب عليه طاعة مخلوق، وهذا يعني أنّ طاعته منحصرة بالله فقط.

صفحة PDF الأصلية ٢١٤

(سئل علي بن الحسين عليه السلام: لم أوتم النبي صلى الله عليه وآله من أبويه؟ قال: لئلا يجب عليه حق لمخلوق) (١).

(عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل أيتم نبيه صلى الله عليه وآله لئلا يكون لأحد عليه طاعة) (٢).

قال تعالى: "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا" [الإسراء: ٧٤ ].

المشككون يفهمون الآية بأنّ الرسول ركن لأهل الباطل فعلاً أو كاد أن يركن، وهذا يتنافى مع عصمته!

ليس في الآية تصريح بأنّ الرسول (وحاشاه) ركن لأهل الباطل فعلاً. وأيضاً: ليس بالضرورة أن يكون العتاب المذكور في الآية يقصد به الرسول بالذات، وإنما المقصود بالآية بعض المسلمين، فالقرآن بعضه نزل بطريقة "إياك أعني واسمعي يا جارة"، وواحدة من الحكم في استعمال هكذا أسلوب تعريضي هو أنه يكون أبلغ في النصح من النصح المباشر في بعض الأحيان. بل هذا المعنى هو المتعيّن؛ لورود نصوص دينية عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) تؤكده، منها:

روى الكليني: (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جاره. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: معناه ما عاتب الله عز وجل به على نبيه (صلى الله عليه وآله). فهو يعني به ما قد مضى في القرآن مثل قوله: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا" عنى بذلك غيره) (٣).

صفحة PDF الأصلية ٢١٥

ومثل ذلك قوله تعالى: "لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين"، فواضح أنّ الرسول لا يصدر منه الشرك، كيف وهو رسول الله وحامل لواء التوحيد والدعوة إليه سبحانه، لكن الآية نزلت أيضاً بطريقة "اياك أعني واسمعي يا جارة" أي: إنها تخاطب المسلمين وتعنيهم من خلال مخاطبة الرسول.

سأل المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) فقال له: (لله درك أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز وجل: "عفا الله عنك لم أذنت لهم"؟ قال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جاره خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته وكذلك قوله تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين" وقوله عز وجل: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا") (١).

هذا، لكن الكثير من علماء المسلمين لما فسّروا "كاد" في الآية بمعنى المقاربة قالوا إنّ الرسول اقترب من الركون والميل إلى طلب المشركين وهمَّ بذلك لكنه لم يفعل، وما طلبوه منه - بحسب بعضهم - هو أن يمس آلهتهم أثناء طو افه حول الكعبة، أو أن يمس آلهتهم مقابل السماح له بمس الحجر الأسود، أو غير ذلك من مزالق المشركين، فحدّث نفسه بذلك (٢).

حاشا رسول الله من أن يهم بتنفيذ طلب المشركين الذي لا يرضي الله، وقد مرّ بنا قول الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرسول (صلى الله عليه وآله) إنه: "ما كان له من ذنب ولا هم بذنب" (٣).

وأيضاً: ظاهر الآية لغوياً يرفض فهمهم، إذ إنّ "لولا" في اللغة هي حرف امتناع لامتناع، أي امتناع تحقق الجزاء لامتناع تحقق الشرط، فلو قيل لك: "لو جئتنا أكرمناك" فإنه يعني أنّ إكرامك لم يحصل لعدم مجيئك. وفي حالتنا: الركون (الاقتراب والميل) لطلب المشركين لم يحصل من قبل الرسول بسبب (تثبيت الله) له.

صفحة PDF الأصلية ٢١٦

قال تعالى: "لَقَدْ تَابَ اللَُّّ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" [التوبة: ١١٧ ].

الآية صرّحت بأنّ الله تاب على الرسول، وبحسب المشككين فإنّ التوبة لا تكون إلا عن ذنب اقترفه، وهذا ينافي كونه رسولاً معصوماً!

١- بعض علماء المسلمين قالوا بصدور فعل من الرسول ثم تاب الله منه عليه، والفعل بنظرهم:

- ذنب كان قبل النبوة (١). - إذنه للمنافقين بالتخلف عنه عند خروجه إلى غزوة تبوك (٢). - إذنه للمنافقين بالتخلف كان من قبيل ترك الأولى والأفضل (٣). - ذكر الرسول لأنه السبب في قبول توبتهم (٤). - المراد بالتوبة الصفح والرضوان لا عن ذنب (٥).

٢- من جهتنا، فإننا ذكرنا في أجوبة الشبهات السابقة مجموعة من النصوص الدينية التي أكدت أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) طاهر مطهر، وليس فقط لا ذنب صدر

صفحة PDF الأصلية ٢١٧

منه وإنما لم يهمّ بذنب مطلقاً، وبالتالي فلابد أن تُفهم الآية (محل البحث) بشكل ينسجم مع القرآن ومع النصوص الروائية القطعية.

وقلت سابقاً أيضاً: "إنّ الله سبحانه وصف رسوله في القرآن بنص محكم وقال: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]، و أقل ما يقال عن المذنب إنه لا يستحق مثل هذا الوصف، لأن الإنسان في حال ارتكاب الذنب لم يكن مؤدباً ولا متخلّقاً مع الله".

٣- تعرّضت في الإشكال (٥) من كتاب "دفاع عن القرآن" إلى مسألة تعدد القراءات، فالقرآن الكريم ليس له قراءة واحدة وإنما عدة قراءات بينها اختلاف من عدة وجوه؛ منها: الاختلاف في الزيادة والنقصان، وتغيير لفظ بدل آخر، والإثبات والحذف، والتقديم والتأخير وغير ذلك، وأوضحت هناك أنّ التعدد الذي حصل في قراءة القرآن هو مسألة اجتهادية من قبل العلماء، ولهذا تعرّض الكثير من القراءات السبعة المشهورة - فضلاً عن غيرها - إلى الطعن من قبل العلماء ووصفها بعضهم بالقبح والوهن والرداءة وما شابه.

وعموماً، فإنّ واحدة من قراءات القرآن التي ينبغي للمسلمين الالتفات إليها وتقديمها على غيرها هي قراءة آل محمد (صلوات الله عليهم)؛ لأنهم عترة الرسول وأوصياؤه الموصى بهم وقولهم أولى بالاتباع من اجتهادات العلماء المبنيّة على الظن والحدس والتحليل الشخصي.

الإمام الصادق (عليه السلام) قرأ الآية - محل البحث - هكذا: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة"، وكان أبان بن تغلب بقربه، فقال له: (يا بن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك. قال: وكيف تقرأ؟ قال: قلت إنها تقرأ "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار" فقال: ويلهم فأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى تاب الله عليه عنه، إنما تاب الله به على أمته) (١).

صفحة PDF الأصلية ٢١٨

وكذلك قرأها الإمام الرضا (عليه السلام)، إذ روي عنه: (أنه قال لرجل: كيف تقرأ "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار "؟ قال: فقال: هكذا نقرأها قال: ليس هكذا قال الله، إنما قال: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار") (١).

وهذا المعنى يلتقي تماماً مع قوله تعالى: "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللََّّ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللََّّ تَوَّابًا رَّحِيمًا" [النساء: ٦٤ ]. فالرسول به يتم غفران الذنوب وبه تُقبل توبة المذنبين.

وبهذا، يُحل إشكال المشككين من رأس ولا يبقى له وجه إطلاقاً.

قال تعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ" [يوسف: ٣].

يقول المشككون: لو كان الرسول معصوماً فكيف تجتمع عصمته مع الغفلة التي وصفه الله بها؟!

الغفلة - لغة - هي غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكّره له، في قبال الانتباه والتذكّر للشيء، ومعنى الآية هو أنك - يا محمد - كنت قبل أن يوحي الله إليك القرآن في عداد الغافلين.

وواضح من الإشكال أنّ المشككين يخلطون بين حالتين من حالات المعصوم، هما: حال المعصوم قياساً بالناس، وحاله قياساً بوحي الله الرسالي إليه.

صفحة PDF الأصلية ٢١٩

توضيح ذلك: الله سبحانه يكلّم الإنسان في كل آن، وكلامه وحيه. وفي الحقيقة فإنّ الانسان مفطور على معرفة الله، وبالتالي فهو مؤهل - بحسب فطرته - لأن يوحي الله إليه، وإذا كان لا يُوحى له فعلياً فلأنه أساء التعامل مع فطرته ولوّثها فحجب عنه وحي الله.

ولأنّ المعصوم إنسان أخلص لله بعمله، ولم يلوّث فطرته كغيره من الناس الذين ألهتهم الدنيا والمعاصي، وكان متذكّراً لربّه، اصطفاه الله واختاره لرسالته التي بعثه بها إلى بقية الناس الغافلين رحمة منه بهم. فاتضح أنّ المعصوم إذا قيس بغيره من الناس الغافلين فلا يعد منهم؛ لأنه ذاكر لربه.

لكن بالرغم من أنّ المعصوم يعدُّ متذكّراً - لا غافلاً - إذا قيس ببقية الناس، إلا أنّ حاله يختلف قياساً بالوحي الإلهي القرآني، فهو قبل وحي الله له القرآن شيء وبعد وحي الله له رسالته وقرآنه شيء آخر، والصورة التي تبدو عند المقارنة بين الحالين هي أنه قبل وحي الله له ذلك يُحسب في عداد الغافلين (عند الله لا عند الناس) قياساً بحاله بعد الوحي الإلهي الذي يتنزل عليه بعد بعثه وإرساله.

وبخصوص الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الوحي القرآني الذي يعد أرفع قدراً من أنحاء الوحي الأخرى من جهة سعة المعارف الإلهية ودقتها واستيعابها لأكبر قدر من المعرفة الممكنة للإنسان في هذا العالم، أكيد أنّ الرسول كان غافلاً عنه قبل أن يوحيه الله إليه، ولهذا قال تعالى: "وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ

مُّسْتَقِيمٍ" [الشورى: ٥٢ ].

(عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلم، أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤنه. فتعلمون منه؟ قال: الامر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عز وجل: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان" ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية، أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان؟ فقلت: لا أدري - جعلت فداك - ما يقولون، فقال [لي]: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر

صفحة PDF الأصلية ٢٢٠

في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم، وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبداً علمه الفهم) (١).

المعصوم - كما ذكرت مراراً - عبدٌ لله، معتصم بالله دائماً، يعلم ما علّمه الله، ويفهم ما فهمه الله، و اقف بباب الله دائماً ينتظر وحيه وعطاءه، ولا يمكن قبول أن تتساوى حالتاه "قبل وبعد" وحي الله له بحال من الأحوال.

كتب السيد أحمد الحسن على صفحته الشخصية في الفيسبوك:

("نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ"

أي قبل الوحي كنت في عداد الغافلين.

من لا يوحى له فهو غافل.

من لا يسمع ولا يرى كلمات الله فهو غافل حجبته الدنيا، الهوى، الجهل، الأنا .......

هو دائم الكلام، يخاطب المخلوق في كل آن.

نحن الذين نرتع في غفلة حجبتنا عن سماع كلمات الله.

إذا لم تكن ممّن يسمع ويرى كلمات الله في كل يوم وليلة ودائماً فأنت غافل وفي عداد الغافلين.

أعرف عيبك وأخرج من غفلتك وأدخل حرم الله واستمع كلماته.

"وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ".

صفحة PDF الأصلية ٢٢١

أجعل حياتك تدور حول ذكره سبحانه عسى أن تفتح لك أبواب الملكوت والمعرفة فتكن في عداد العارفين لا الغافلين) (١).

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللََّّ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللََّّ كَانَ عَلِيمًا

حَكِيمًا" [الأحزاب: ١].

يستند بعض المشككين إلى هذه الآية للتشكيك بعصمة الرسول بحجة أنّ الخطاب فيها لا ينسجم مع عصمته!

ومثله قوله تعالى: "فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ" [القلم: ٨].

يمكننا أن نفهم نصح الله لرسوله في الآيتين بنحوين؛ كل منهما لا يتنافى مع عصمته التي تعني اعتصامه بالله عن جميع محارم الله، والنحوان هما:

١- أن يكون النصح للرسول مجازي، بمعنى: أنّ المخاطب في الآيات وإن كان هو الرسول لكن المقصود به غيره من الناس، وهو أسلوب إلهي حكيم ربما تكون الغاية منه هي أنّ الله يتلطف بنصح الناس من خلال مخاطبة أحب خلقه إليه ممّن لا يجد في نفسه ضيقاً ولا حرجاً من تقبل أوامر الله ونواهيه برحابة صدر كبيرة.

روى القمي في تفسيره: ("يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما" وهذا هو الذي قال الصادق عليه السلام: إن الله بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى للناس) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٢٢٢

٢- أن يكون النصح للرسول حقيقي، وكذلك هو نصح موجّه لغيره من المؤمنين، ولا يتعارض نصح الله لرسوله مع الاعتقاد بكونه معصوماً؛ لأن عصمته - كما تقدم - ليست ذاتية (أي: أن تكون ذاته عاصمة له)، وإنما هي بمذكِّر خارجي (الله سبحانه)، والنصح والتوجيه الإلهي جزء من هذا التذكير الذي يحقق للمعصوم العصمة.

وبالنسبة لرجل إلهي مثل الرسول يعتبر نصح الله له وأمره إيّاه بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين والمكذبين نعمة كبيرة عليه وتفضّل منه سبحانه إذ أصبح موضع نظره وذكره.

قال تعالى: " فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَِّّ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [يونس: ٩٥ - ٩٤ ].

يرى المشككون أنّ الخطاب في الآيتين لا ينسجم مع العصمة التي يتحلى بها الرسول بحسب ما يدعي المؤمنون برسالته!

ليس في الآيتين ما يتنافى مع العصمة التي تعني الاعتصام بالله عن جميع محارم الله، من خلال الالتفات إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام) في الرواية التالية:

روى القمي في تفسيره، قال: (وقوله "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك" يعني الأنبياء حدثني أبي عن عمرو بن سعيد الراشدي عن ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء فأوحى الله إليه في علي صلوات الله عليه ما أوحى ما يشاء من شرفه وعظمه عند الله ورُدّ إلى البيت المعمور وجُمع له النبيين فصلوا خلفه عرض في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله من عظم ما أوحى إليه في علي عليه السلام فأنزل الله " فان كنت في شك مما

صفحة PDF الأصلية ٢٢٣

أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك" يعني الأنبياء فقد أنزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك "لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين" فقال الصادق عليه السلام: فوالله ما شك وما سأل) (١).

أي: ما شك رسول الله فيما رآه من فضل علي وما سأل أحداً من الأنبياء.

واضح أنّ الشك في الآية مسبوق بـ (إن) الشرطية التي تعني تحقق الجزاء عند تحقق الشرط، والشرط "الشك" لم يتحقق من الرسول ومن ثمَّ لم يتحقق السؤال منه.

وفق بيان الإمام الصادق (عليه السلام) المتقدم، يمكننا أن نفهم الآيتين بأنّ الله سبحانه عرج بروح رسوله وأبان له مقام وصيه علي (عليه السلام) في الملكوت، ولأنه مقام عظيم يبهر العقول والقلوب عرض الله لرسوله إمكانية سؤال الأنبياء عن فضل علي (عليه السلام)؛ باعتبار أنّه سبحانه أبان فضله لهم جميعاً، لكن الرسول (صلى الله عليه وآله) - بالرغم من انبهاره بجلالة وعظمة مقام وصيه وفضل ربه عليه - صدّق بآيات الله وبالحق الذي رآه ولم يطلب شاهداً عليه.

ولتبسيط الأمر: تصور أنك تريد أن تخبر شخصاً بحقيقة عظيمة، فتقوم بتعريفه بها ثم تقول له: "إن أردت التأكد فيمكنك أن تسأل أصدقائك" الذين قمت مسبقاً بتعريفهم بتلك الحقيقة.

أما قول الله للرسول: "فلا تكونن من الممترين، ولا تكونن من الذين كذبوا ..." لا يعني أنّ الرسول حصل منه الشك أو التكذيب (وحاشاه)، و إنما هو من باب نصح حبيبه وتذكيره - وهو نصح وتذكير للجميع من باب أولى - بأنّ عاقبة الامتراء والتكذيب بالحق وآيات الله هي الخسارة وهي أسوأ ما يكون. والنصح - كما تقدم في إجابة الآيات السابقة - لا يتنافى مع عصمة الرسول إلا على القول بأنّ عصمته ذاتية، وهي عقيدة باطلة كما أوضحنا ذلك عند بيان معنى العصمة.

صفحة PDF الأصلية ٢٢٤

قال تعالى: "وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَُّّ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ"

[الأنعام: ٣٥ ].

يقول المشككون: لو كان الرسول معصوماً فكيف يصح أن يخاطبه الله ويحذّره أن يكون من الجاهلين!

الآية لم تصف الرسول بالجهل، و إنما أقصى ما فيها هو أنّ الله سبحانه ينصح رسوله ويعظه بأن لا يكون من الجاهلين، وهذا من لطف الله برسوله وعنايته به. وسبق وإن قلت: إنّ النصح والتوجيه الإلهي للرسول جزء يسهم بتحقيق العصمة لديه، فالعصمة التي نعتقد بها تكون بمذكِّر خارجي (الله سبحانه أو الملائكة)، وليست عصمة ذاتية (أي: إنّ ذات المعصوم عاصمة) (١) ليقال بأنّ النصح والتوجيه يتنافى مع عصمته.

المعصوم - كما قلنا مراراً - هو المعتصم بالله دائماً، والرسول أكثر الناس وأشدهم اعتصاماً بالله وتمسكاً به سبحانه، ولا يستغني عن الله في كل شيء يصدر منه، وهو بحاجة إلى رعاية ربه الكريم ونصحه وتأييده له في كل آن، وهذا فضل من الله عليه، والله ذو الفضل العظيم.

ولم يكن الله لينصح رسوله محمداً ويعظه بهذه الطريقة فحسب، ولكن غيره من رسل الله أيضاً كان الله سبحانه يعظهم وينصحهم بما لا غنى لمؤمن بالله عن مثله:

يقول الله سبحانه لرسوله عيسى بن مريم: (يا عيسى لا تشرك بي شيئاً وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك فإن الدنيا كفيء زائل وما أقبل منها كما أدبر، فنافس

صفحة PDF الأصلية ٢٢٥

في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت وأحرقت بالنار، فلا تكفر بي بعد المعرفة فلا تكونن من الجاهلين، فإن الشيء يكون مع الشيء) (١).

وأيضاً: مخاطبة الرسول ببعض الآيات تذكير لأمته ومن يسير على نهجه، وبالتالي فإذا كان الجهل (بحاله القبيح المتعارف عندنا) لا يصح نسبته إلى وجود الرسول، فنحن - كبشر عاديين - غارقون في وحل الجهل وظلماته، من ثمَّ نكون بحاجة إلى التمسك بهدي العلماء الربّانيين المعصومين لاستنقاذ أنفسنا من ظلمات الجهل شيئاً فشيئاً، ولهذا ورد في النصوص الدينية (بخصوص الآية محل البحث) أنّ الخطاب فيها وإن كان موجهاً للرسول لكن المعني به أمته والناس عموماً.

(قال علي بن إبراهيم في قوله "نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء" قال إن قدرت أن تحفر الأرض وتصعد السماء أي لا تقدر على ذلك، ثم قال: "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى" أي جعلهم كلهم مؤمنين وقوله "فلا تكونن من الجاهلين" مخاطبة للنبي والمعنى للناس) (٢).

قال تعالى: "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَُّّ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللََّّ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَُّّ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَُّّ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ" [الأحزاب: ٣٧ ].

يرى المشككون أنّ المعصوم يفترض به أن يخشى الله لا أن يخشى الناس كما تذكر الآية، وبالتالي فالخطاب فيها لا يناسب كون الرسول معصوماً!

١- الآية تتضمن نصحاً للرسول، وقلنا أكثر من مرة: إنّ عصمة المعصوم تحصل بمذكِّر خارجي (الله سبحانه)، وليست عصمته ذاتية ليقال عن النصح في الآية - وما شابهها

صفحة PDF الأصلية ٢٢٦

من آيات - إنه أمر يتنافى مع عصمته، بل الصحيح معرفة أنّ النصح الموجود في الآية من قبل المذكِّر الخارجي هو جزء يسهم بتحقق عصمة الرسول.

٢- إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن يخشى الناس بمعنى أنه ارتكب حراماً أو تردد في تنفيذ أمر يتعلق بتبليغ رسالة الله مثلاً، وإنما كان الأمر شخصياً وخاصاً به، إذ أطلعه الله على أنّ زينب بنت جحش ستكون إحدى زوجاته وهي لا زالت في ذمة زيد، ولما جاءه زيد يشكو خلق زوجته ويطلب فر اقها طلب منه الرسول الإمساك بزوجته لشدة أدبه ورحمته، وبالرغم من أنّ زيداً كان ربيبه لكن شدة حيائه منعه من التصريح له بالحقيقة التي أوحاها الله إليه.

قال الإمام الرضا (عليه السلام): (... وأما محمد نبيه صلى الله عليه وآله وقول الله عز وجل له: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه" فإن الله عز وجل عرف نبيه صلى الله عليه وآله أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنهن أمهات المؤمنين، وأحد من سمى له زينب بنت جحش، وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة، فأخفى صلى الله عليه وآله اسمها في نفسه ولم يبده، لكيلا يقول أحد من المنافقين: إنه قال في امرأة في بيت رجل إنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عز وجل: "والله أحق أن تخشاه" في نفسك، وإن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة من علي عليهما السلام) (١).

واضح أنّ خشية الرسول من الناس معناها أنه كان يخشى أن يقول المنافقون ومن على شاكلتهم إنه ذكر امرأة رجل وأنها ستكون زوجة له وهي لا زالت في بيت زوجها، فمثل هذا الشيء لا تطيق استيعابه كثير من النفوس الضعيفة والمجبولة على الشك والتهمة. والأمر - كما لاحظنا - لا يطعن بعصمته من قريب أو بعيد؛ لأنها - أي العصمة كما قلت مراراً - تعني الاعتصام بالله عن جميع محارمه، والرسول لم يرتكب حراماً أصلاً، ولا أنه كان يخشى الناس بمعنى أنه كان يقدّم مرادهم على مراد ربه، وحاشاه.

صفحة PDF الأصلية ٢٢٧

أما ما أثاره المشككون من تهم وأباطيل بخصوص حادثة زواج الرسول بزينب بنت جحش فسيأتي عرضها والإجابة عنها لاحقاً في الشبهة ( ٧٠ ).

قال تعالى: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الزمر: ٦٥ ].

يرى بعض المشككين أنّ الخطاب في الآية لا يتلاءم مع عصمة الرسول!

١- إنّ الجواب على هذه الآية كالجواب على ما سبقها، فالنصح فيها بعدم الشرك وبيان عاقبته ممكن أن يكون نزل بطريقة: "إياك أعنى واسمعي يا جارة" وهو ما أكده الإمام الرضا (عليه السلام) (١)، وممكن أن يكون نصحاً حقيقياً للرسول - ومن يؤمن به أيضاً - باعتبار أنّ نصح الرسول وتوجيهه من قبل الله جزء مهم يسهم بتحقيق العصمة لديه، فعقيدتنا بالعصمة هي أنها تحصل بمذكِّر خارجي (الله) وليست ذاتية كما تقدم بيانه أكثر من مرة.

٢- بحسب بعض الروايات الواردة عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الشرك في الآية ليس بمعنى الشرك بالله تعالى كما توهم المشككون، وإنما هو بمعنى إشراك أحد في ولاية من يأتي بعد الرسول غير الإمام علي (عليه السلام).

عن الإمام الصادق (عليه السلام): (في قوله تعالى: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك" قال: يعني إن أشركت في الولاية غيره "بل الله فاعبد

صفحة PDF الأصلية ٢٢٨

وكن من الشاكرين" يعني: بل الله فاعبد بالطاعة وكن من الشاكرين أن عضدتك بأخيك ابن عمك) (١). و

عن أبي حمزة عن الإمام الباقر (عليه السلام): (قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين" قال: تفسيرها لئن أمرت بولاية غير علي عليه السلام مع ولاية علي صلوات الله عليه من بعدك) (٢).

(عبد العظيم الحسني عن الصادق عليه السلام في خبر: قال رجل من بني عدي اجتمعت إلي قريش فأتينا النبي فقالوا: يا رسول الله انا تركنا عبادة الأوثان واتبعناك فأشركنا في ولاية علي فنكون شركاء، فهبط جبرئيل على النبي فقال يا محمد لئن أشركت ليحبطن عملك، الآية) (٣).

الله سبحانه يعلم بأنّ رسوله حريص غاية الحرص على إنفاذ مراده بتنصيب علي (عليه السلام) وصياً وهادياً للخلق بعده، وقد شرع في تنفيذ هذه المهمة الكبرى والتمهيد لها منذ أوائل بعثته ودعوته، وقوله للجميع في حديث الدار أشهر من نار على علم، لكن الله يريد بيان أهمية وعظمة هذا الأمر والتأكيد عليه، فالآية تجري مجرى قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَُّّ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللََّّ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" [المائدة: ٦٧ ].

عن الإمام الباقر (عليه السلام): (أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي و أنزل عليه "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة" وفرض ولاية أولي الامر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمداً صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية، كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل

صفحة PDF الأصلية ٢٢٩

فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم، فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب. ... وقال أبو جعفر عليه السلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عز وجل "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" قال أبو جعفر عليه السلام: يقول الله عز وجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض) (١).

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَُّّ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَُّّ غَفُورٌ

رَحِيمٌ" [التحريم: ١].

واضح أنّ المعصوم لا يحرّم ما أحل الله، فكيف يكون الرسول معصوماً وهو يحرّم ما أحل الله، يقول المشككون!

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَُّّ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَُّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَُّّ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَُّّ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" [التحريم: ٢ -١ ].

قصة الآية (٢): إنّ الرسول كانت عنده جارية اسمها مارية، كان معها يوماً قبل أن تلد إبراهيم فاطلعت عائشة عليه وأخبرت حفصة بذلك، فحلف الرسول أن لا يقترب من مارية وحرّمها على نفسه رعاية لحال بعض أزواجه، فعاتبه ربّه على ذلك وقال إنّ الأمر حلال لك ويمكنك فعله فلا تحرّمه على نفسك أي: لا تمنع نفسك عنه. وفعلاً، كفّر الرسول عن يمينه وعاد إلى مارية وأنجب منها ولداً أسماه "إبراهيم".

صفحة PDF الأصلية ٢٣٠

(عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ..... فقلت قول الله عز وجل: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" فجعل فيه الكفارة؟ فقال: إنما حرم عليه جاريته مارية وحلف أن لا يقربها فإنما جعل عليه الكفارة في الحلف ولم يجعل عليه في التحريم) (١).

(عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" الآية، قال: اطلعت عايشة وحفصة على النبي صلى الله عليه وآله وهو مع مارية فقال النبي: والله ما أقربها، فأمره الله أن يكفّر عن يمينه) (٢).

فعل الرسول - كما نلاحظ - لا يطعن بعصمته؛ لأنه لم يخدش اعتصامه بالله عن جميع محارم الله (وهو معنى العصمة كما عرفنا سابقاً)، فهو لم يرتكب حراماً، ولا أنه شرّع في دين الله بخلاف مراد الله (وحاشاه)، فكلٌّ من الحلال والحرام باقٍ على حاله الذي أراده الله وبيّنه رسوله الكريم، وكل ما فعله الرسول هو أنه اختار أن يمنع نفسه عن أمر محلّل بالنسبة له؛ رعاية لحال بعض أزواجه كما عرفنا، كما يختار أحدنا أن يمنع نفسه عن أكلة معينة مثلاً لسبب ما، والرب سبحانه أعلمه ونصحه بأن لا داعي لمثل هذا التحريم "المنع" طالما أنّ الأمر حلال عليه. والنصح لا يتنافى مع العصمة إلا على القول بأنّ العصمة ذاتية وهو أمر باطل كما عرفنا.

قال تعالى: "عَفَا اللَُّّ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ"

[التوبة: ٤٣ ].

يقول المشككون: الخطاب في الآية لا يناسب كون الرسول معصوماً؛ لأن فيه عفو والعفو لا يكون إلا عن ذنب!

صفحة PDF الأصلية ٢٣١

١- الآية مرتبطة بإذن الرسول لمجموعة من المعتذرين الذين تخلّفوا عن الخروج إلى معركة تبوك وكانوا منافقين، والرسول بحسب الصلاحية الممنوحة له من الله - سواء في معركة تبوك أو غيرها من المو اقف والشؤون - له أن يأذن لمن يشاء وأن لا يأذن لمن يشاء، قال تعالى: "فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ" [النور: ٦٢ ]، وبالتالي فالرسول في إذنه - أو عدم إذنه - للبعض لم يرتكب حراماً ولا معصية تتنافى مع عصمته وطهارته من الذنوب كما توهم المشككون، لكن هذا لا يمنع من أن ينصحه ربّه "مانح تلك الصلاحية" بتفعيلها في اتجاه معين لحكمة يريدها الله، كما لو كانت - في حالتنا - إظهار نفاق المنافقين بصورة أجلى مما كانت عليه مثلاً، والنصح لا ينافي العصمة فحسب وإنما هو جزء من العصمة نفسها كما تقدم.

٢- لنطلع على شيء من قصة المتخلّفين عن تبوك في القرآن:

قال تعالى: "لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَِّّ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَُّّ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللَُّّ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَِّّ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَُّّ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَِّّ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَُّّ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَُّّ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَِّّ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * ........." [التوبة: ٤٩ - ٤٢ ].

واضح أنّ المتخلّفين كاذبون في عذرهم الذي قدّموه للرسول، منافقون مرتابون شاكّون متردّدون، غير مؤمنين بالله واليوم الآخر حقيقة، ولو كانوا قد خرجوا مع جيش المسلمين لما زادوا المقاتلين إلا خبالاً وفتنة، لكن مع هذا كان لهم نفوذ في المجتمع المسلم باعتبار أنهم أثرياء وأصحاب مال وجاه في قومهم، وبالتأكيد أنّ هناك من تدخّل بتحصيل الإذن لهم من الرسول في عدم الخروج واختلاق الأعذار، والآية كما نصحت الرسول فهي

صفحة PDF الأصلية ٢٣٢

تنصح غيره من باب أولى، وهذا ما دلّت عليه روايات أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)، مثل:

قال الإمام الرضا (عليه السلام) بخصوص الآية "عفا الله عنك ...": (هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته) (١).

بهذا ظهر أنّ الآية ليست منافية للعصمة، لأن النصح جزء مهم في تحقق عصمة الرسول، وقد عرفنا أنّ العصمة الذاتية عقيدة باطلة وغير صحيحة.

تنبيه: هل النصح يتعارض مع العصمة

الآيات التي تحتوي نصحاً وتوجيهاً من الله لرسوله وقد تقدم بعضاً منها، مثل:

- "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللََّّ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللََّّ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا". - "لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ". - "وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَِّّ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ". - "وَاتَّقِ اللََّّ ... وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَُّّ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ". - "لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ". - "فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ". - " لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَُّّ لَكَ ...". - " عَفَا اللَُّّ عَنْكَ ...".

وغيرها من الآيات الواردة في القرآن الكريم مما يتضمّن نصحاً وتوجيهاً للرسول، السؤال الذي يطرح بشأنها: هل النصح والتوجيه فيها يتنافى مع العصمة؟ وقد أجبنا عن هذا السؤال في الردود المتقدمة الخاصة بالآيات أعلاه.

يقول السيد أحمد الحسن: (... أما نصح الله سبحانه للرسول صلى الله عليه وآله فلا إشكال في كونه موجهاً له صلى الله عليه وآله، وكذا فهو موجه لغيره من المؤمنين، ولا

صفحة PDF الأصلية ٢٣٣

يتعارض نصح الله للرسول مع عصمة الرسول صلى الله عليه وآله إلا عند من يعتقد أنّ عصمة الرسول ذاتية، وهذا بيّنا أنه اعتقاد فاسد.

عصمة المعصوم متأتية من الاعتصام بالله، وبالتالي فجزء من عصمته متأتٍ من نصح الله له وتوجيه الله له) (١).

قال تعالى: "قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ" [الأحقاف: ٩].

يقول المشككون: كيف رسول معصوم ولا يدري ما يُفعل به ولا بأتباعه؟

١- تقدم أنّ العصمة تعني الاعتصام بالله عن جميع محارمه، فالمعصوم عبد من عباد الله يهدي من اتّبعه إلى الحق والصراط المستقيم، وبخصوص علمه فهو يعلم ما يتفضّل الله به عليه ويعلّمه إياه، وليس علمه الديني باجتهاد ونظر يقوم به كما يفعل علماء الأديان فيصيبوا مرة ويخطؤوا مرات.

المعصوم ربما يعلم كثيراً من الغيب والأمور المستقبلية بتعليم الله إياه، لكنه لا يعلم كل الغيب وجميع الأمور المستقبلية، لذا علّم الله رسوله أن يقول: "وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ".

قال السيد أحمد الحسن: (... والدليل لمن يجادل في أنّ الرسول لا يعلم الغيب ... قوله تعالى: "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلَّا مَا شَاء اللُّّ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" الأعراف: ١٨٨ .

صفحة PDF الأصلية ٢٣٤

"وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" معناها واضح.

طبعاً، الله يعلمه ببعض الغيب ولكن ليس كل الغيب، ربما يعرف كثير من الغيب ولكن ليس كل الغيب. الله يطلع رسله على كثير من الغيب وهم أكيد ليسوا كغيرهم من هذه الناحية، ولكن الكلام في كل الغيب وكل التفاصيل المستقبلية.

قال تعالى: "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً *عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً" الجن: ٢٨ - ٢٥ .

يعني: يطلع رسله على الغيب، وكما بيّنت سابقاً: يطلعهم بقدر وليس كل الغيب "قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً" أي: لا أعلم متى هو.

و أيضاً: حتى الاطلاع على الغيب بصورة صحيحة ودقيقة ليس بأمر هيّن أو ممكن لكل أحد حتى وإن أخلص لله سبحانه؛ لأنها معلومات تنزل إلى هذا العالم السفلي، وبالتالي يمكن أن تختلط بوساوس الشيطان وما شابه من باطل، لهذا فالغيب النقي الذي لا يمكن أن يمسه وساوس الشيطان وما شابه فقط عند الرسل؛ لأن جهتهم محميّة من قبله سبحانه، قال تعالى: "إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً".

"فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً"؛ أي: لأنه توجد حماية للغيب النازل للرسول فلا يمكن أن يختلط بكلام الشيطان أو الباطل، ولهذا فهو صحيح ودقيق) (١).

ثم إنّ عدم معرفة المعصوم ببعض الأمور الغيبية والمستقبلية لا يقدح بعصمته؛ لأن العلم الواجب أن يتحلّى به خلفاء الله عموماً (أنبياء، رسل، أئمة) هو العلم الديني "عقيدة وشريعة" الذي يتوقف عليه هداية الناس وإنقاذهم من الضلال، وأيضاً ما يُستجد من أمور دينهم وفصل الخطاب فيما اختلفوا فيه، ولهذا لابد أن يُوحى إليه، وإلا

صفحة PDF الأصلية ٢٣٥

فمن أين يعرف المعصوم مراد الله بما يُستجد ويُستحدث ويُحكِم ما اختلفوا فيه من مسائل تتطلب بيان موقف الدين الإلهي منها؟!

قال السيد أحمد الحسن: (العلم الواجب توفره في خليفة الله في أرضه؛ هو معرفة ما فيه نجاة الناس في الآخرة من عقائد وتشريع، فلابد أنْ يوحى إليه ليكون عنده فصل الخطاب، ويبين الاعتقاد الحق والشريعة الحقة وما يستجد من تشريع، فالعلم ليس ما كان بل ما يكون، فمعرفة خليفة الله مثلاً بكتاب الخليفة السابق أو حفظه له أو حفظه للتشريع السابق ليس هو العلم الأهم والواجب توفره في خليفة الله في أرضه؛ لأنّ هذه أمور متوفرة بين أيدي الناس ويمكن أنْ يحصلها أي إنسان آخر، فلا يكون له فضل بها بل الفضل أنْ يعلم ما لا يعلم الناس، ولا يكون هذا إلا بالوحي في آناء الليل والنهار. فالكل يحتاجونه لينجوا بينما هو لا يحتاج أحداً من الناس في زمانه، تماماً كحال آدم والملائكة فعلم آدم كانت تجهله الملائكة مع حاجتهم له (أسمائهم)، وبهذا كان له الفضل عليهم ووجب عليهم التعلم منه وطاعته) (١).

٢- الآية (محل البحث) تنفي عن الرسول العلم الذاتي، أي أن يكون علمه بالغيب والأمور المستقبلية بذاته، وهذا أمر صحيح وأكيد بصريح القرآن والروايات، ويؤكد ما ذكرناه من أنّ المعصوم يحتاج إلى وحي الله في كل آن ليعلمه الله بمراده الفعلي "الحاضر" أو المستقبلي، ولهذا فبعد أن قالت الآية: " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ" أعقبت هذا القول مباشرة فذكرت: "إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ"، أي: إنّ المعصوم (الرسول في حالتنا) لا يتكلم من نفسه ولا يعلم بمستجدات الأمور بذاته، وإنما يعلم - إن شاء الله له أن يعلم - بتعليم الله إيّاه من خلال وحيه.

والخلاصة: إنّ المشككين يتصوّرون أنّ المعصوم في هذا العالم لابد أن يحيط علماً بكل شيء بذاته وإلا لا يكون معصوماً، وقد اتضح لنا أنه مجرد تصور وفهم خاطئ وغير دقيق للعصمة والمعصوم.

٣- بحسب بعض النصوص الدينية الواردة في الآية، فإنّ نفي علم الرسول "وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم" يختص بالحروب وليس في مطلق الأمور المستقبلية، إذ ورد عن

صفحة PDF الأصلية ٢٣٦

الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله: "قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" يعني في حروبه قالت قريش: فعلى ما نتبعه وهو لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟) (١).

وورد في بعضها في سبب نزول الآية: (عن جابر قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: كيف اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في المسح على الخفين؟ فقال: كان الرجل منهم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله الحديث فيغيب عن الناسخ ولا يعرفه فإذا أنكر ما خالف ما في يديه كبر عليه تركه، وقد كان الشيء ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله يعمل به زماناً ثم يؤمر بغيره فيأمر به أصحابه وأمته حتى قال الناس: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنك تأمرنا بالشيء حتى إذا اعتدناه وجرينا عليه أمرتنا بغيره، فسكت النبي صلى الله عليه وآله عنهم، فأنزل عليه "قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين") (٢).

فالأمر بحسب الرواية الأخيرة مختص بمسألة الوحي والنسخ في بعض الأحكام، وهي أمور مسلّمة في الدين والإلهي ولها حِكَم وغايات يمكن الاطلاع عليها (٣)، ولا علاقة لها بعصمة المعصوم أصلاً.

قال تعالى: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَُّّ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَُّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [الأنفال: ٦٧ ].

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول خالف أمر الله، فالله لم يسمح له بأخذ الأسرى في معركة بدر ولكنه أخذ الأسرى وفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا يؤكد - بحسبهم - أنه ليس بمعصوم!

صفحة PDF الأصلية ٢٣٧

لم يخالف الرسول ربه إطلاقاً، وقد ثبت بالدليل العقلي والنقلي أنه معصوم ومسدد بتسديد الله له أي معتصم بالله عن جميع محارم الله، فهو بكل ما يصدر منه من قول أو فعل لا يخرج الناس من هدى ولا يدخلهم في ضلال.

أما قصة آية أسرى بدر في سورة الأنفال، فإنّ السنة الإلهية في رسل الله كانت جارية بأنهم لا يكون لهم أسرى أثناء الحروب في بداية أمرهم حتى يتمكنوا وتبدأ دعواتهم بالثبات والاستقرار الذي يحصل عادة بعد القضاء على أعداء الله الذين يمنعون من انتشارها و إيمان الناس بها وكسر شوكتهم. ولعل واحدة من الحِكَم في ذلك أنّ السماح بالأسر يجعل أعداء الله يطمعون بتكرار حروبهم ومواجهتهم مع الرسول طمعاً بالرحمة والتساهل الذي يحصل معهم، ولا يترك أثراً رادعاً في نفوسهم عن الإقدام على محاربة الرسول ودعوته، ولا شك أنّ مثل هؤلاء الأعداء لو سمح لهم بالبقاء على قيد الحياة ولم يتم القضاء عليهم أو إدخال الرعب في قلوبهم يعودون إلى نفس أفعالهم الخبيثة، وهذا بالضبط ما حصل لما عاودت قريش حربها بعد أقل من عام في معركة أحد وآذت الرسول بقتلها عمّه حمزة وآخرين من خيار صحابته.

هذه السنّة الإلهية كانت واضحة للرسول، ولذلك لم يأسر أحداً في بدر ولم يكن "السماح بالأسر" من بين التوجيهات الصادرة منه بصفته قائداً أعلى للمسلمين، وكذلك وصيّه علي (عليه السلام)، فهو بالرغم من أنه كان له النصيب الأوفر في قتل أعداء الله (وكان عدد قتلاهم سبعين) لم يقم بأسر واحد منهم أيضاً، لكن المسلمين هم من أسروهم وقيّدوهم بالحبال و اقتادوهم إلى الرسول وكان عددهم سبعين شخصاً.

اضطر الرسول أن يتعامل مع أمر و اقع قد حصل ولم يكن له يد فيه، ومع هذا وبمجرد رحيله عن بدر أقدم على الأمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، وكانا من بين الأسرى، لكن بعض المسلمين حالوا دون قتل بقية الأسرى، فنزلت الآية (محل البحث) وأذن لهم الرسول بأخذ الفداء والغنائم مقابل إطلاقهم، وأيضاً اشترط عليهم الرسول أن يقتلوا من المشركين في القابل بعدد من يأخذوا الفداء منهم فرضوا بذلك.

صفحة PDF الأصلية ٢٣٨

وهذا نص يبين سبب نزول الآية، ويؤكد ما أشرنا إليه بوضوح تام:

(وكان القتلى ببدر سبعين والأسرى سبعين قتل منهم أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرين ولم يوسر أحداً، فجمعوا الأسارى وقرنوهم في الجمال وساقوهم على اقدامهم وجمعوا الغنائم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال فمنهم سعد بن خثيمة وكان من النقباء فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل الأثيل عند غروب الشمس وهو من بدر على ستة أميال فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة وهما في قران واحد، فقال النضر لعقبة يا عقبة أنا وأنت من المقتولين فقال عقبة من بين قريش قال نعم لان محمدا قد نظر الينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي عليّ بالنضر وعقبة وكان النضر رجلا جميلا عليه شعر فجاء علي فاخذ بشعره فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال النضر يا محمد أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أجريتني كرجل من قريش ان قتلتهم قتلتني وان فاديتهم فاديتني وان أطلقتهم أطلقتني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا رحم بيني وبينك قطع الله الرحم بالإسلام قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقال عقبة يا محمد ألم تقل لا تصبر قريش أي لا يقتلون صبرا، قال أفأنت من قريش؟ إنما أنت علج من أهل صفورية لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له لست منها قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقدمه وضرب عنقه فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر وعقبة خافت الأنصار ان يقتل الأسارى كلهم فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك هبهم لنا يا رسول الله وخذ منهم الفداء وأطلقهم فأنزل الله عليهم: "ما كان النبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا" فأطلق لهم ان يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط انه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء فرضوا منه بذلك فلما كان يوم أحد قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سبعون رجلا فقال من بقي من أصحابه يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر ! فأنزل الله عز وجل فيهم: "أو لما اصابتكم مصيبة قد

صفحة PDF الأصلية ٢٣٩

أصبتم مثليها" ببدر قتلتم سبعين وأسرتم سبعين "قلتم انى هذا قل هو من عند أنفسكم" بما اشترطتم) (١).

وروى أهل السنة في كتبهم - بخصوص الآية "وما كان لنبي ...." - روايات تؤكد أنّ فداء أسرى بدر كان اقتراحاً تقدم به أبو بكر للرسول (٢).

واضح بما تقدم أنّ الرسول لم تصدر منه مخالفة لأمر الله أصلاً، وإنما حصل منه ما حصل (أي: رضي بالفداء) بوحي من الله سبحانه، والعتب والمخالفة إن كانت فهي متوجهة للمسلمين الذين اقترحوا الفداء على الرسول وحصدوا لاحقاً نتائج فعلهم.

(أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الأسارى وحرق الغنائم.

فقال جماعة من المهاجرين: إن الأسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين، فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الأسارى والغنائم فنقوى بها على جهادنا.

فأوحى الله إليه يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الأسارى إن لم يقتلوا [الأسارى] وأنزل الله: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة".

فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون - عدد الأسارى - قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا؟ ونسوا الشرط ببدر.

فأنزل الله: "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها" يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسراء "قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" يعني بالشرط الذي

صفحة PDF الأصلية ٢٤٠

شرطوه على أنفسهم أن يقتل منهم بعدد الأسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط) (١).

قال الشيخ المفيد: (ولم يكن منه في الأسرى ذنب عوتب عليه، وإنما كان ذلك من أصحابه الذين أسروا بغير علمه، وكفرا عن القتل طمعا في الفداء، وأشاروا به على النبي صلى الله عليه وآله فتوجه العتب عليهم في ذلك واللوم والتهديد، وإن كان أول الخطاب قد وجه إلى النبي صلى الله عليه وآله، وخاتمته تدل على أنه لغيره، وإنما وجه به صلى الله عليه وآله لأنه السفير بين الخلق وبين الله سبحانه، كما قال في موضع آخر: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" فواجهه بالخطاب وكان المراد به أمته. ألا ترى إلى قوله بعد إفراد النبي صلى الله عليه وآله بالخطاب: "إذا طلقتم النساء" فجاء بلفظ الجمع بعد الإفراد؟ وكذلك قوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرص الدنيا" فجاء بلفظ الجمع دون التوحيد مع أن قوله: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" غير مفيد للخبر عن تخصيصه بالرأي في الأسرى، ولا دال على أنه عتاب له، بل هو محتمل لعتاب من أشار بذلك ورآه) (٢).

قال تعالى: "عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى" [عبس: ١٠ - ١ ].

الآيات - كما يفهم منها المشككون - تصف الرسول بأوصاف لا يمكن معها قبول عصمته؛ إذ العبس والتولّي عن الفقراء والمساكين والتكبّر عليهم، والتصدّي بالاهتمام للأغنياء لا تلتقي مع العصمة!

صفحة PDF الأصلية ٢٤١

الإشكال إنما يكون له وجه فيما إذا كان المقصود بالآيات هو الرسول فعلاً، وقد ورد ذلك في بعض روايات المسلمين المكذوبة على الرسول، مثل ما روي: (عن عائشة قالت: أنزل عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله أرشدني. وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول لا. ففي هذا أنزل) (١).

وهي أحاديث غير صحيحة، ومن يطلع على سيرة الرسول وما خططت له الخلافة القرشية بعده يعرف السبب في وضع مثل هذه الأحاديث. وعموماً، السبب في رفض هكذا روايات هو أنّ صحة صدور الرواية يشترط فيها عدم مخالفة الرواية للقرآن الكريم، وما خالف القرآن فهو زخرف لا قيمة له. وواضح أنّ حمل الآيات على الرسول فيه مخالفة واضحة وصريحة للقرآن الكريم الذي يبيّن عظم أخلاق الرسول.

الصحيح: إنّ المقصود بالآيات هو عثمان بن عفان.

يقول السيد أحمد الحسن: (... فالذي عبس هو عثمان بن عفان، فقد كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاء ابن أم مكتوم الأعمى فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان وقربه يحادثه فعبس عثمان وتولى عنه تكبراً على هذا الأعمى كما أخبر تعالى: "عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى".

ثم بيَّن الله لعثمان سوء فعلته وما انطوت عليه نفسه من التكبر، بأنه عندما يأتي فيما سبق شخص له جاه ومكانة يتصدى له حتى لو كان من المعرضين عن دعوة رسول الله والمتكبرين على رسول الله صلى الله عليه وآله ودون أن يطلب أحد منه هذا: "أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى".

وبيَّن الله لعثمان بن عفان ولمن هم مثله ويتصرفون كتصرفه أن الأولى بكم أن تقيّموا الإنسان على أساس طلبه للحق وعلى أساس خوفه من الله لا على أساس جاهه ومكانته وما يملك "وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى"، فابن أم مكتوم

صفحة PDF الأصلية ٢٤٢

رغم عماه جاء يسعى إلى هذا المجلس المبارك والذي هو مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ومجلس المسلمين فالمفروض أن تفرح يا عثمان به، والمفروض أن تقدمه أنت على نفسك؛ لأنه إنسان أعمى، لا أن تعبس في وجهه وتتولى عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قدّمه.

هذا مختصر لمعنى هذه الآيات) (١).

وهذا المعنى ورد في بعض الروايات أيضاً، منها على سبيل المثال:

(تفسير علي بن إبراهيم: "عبس وتولى * أن جاءه الأعمى" قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أعمى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله: "عبس وتولى" يعني عثمان "أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى " أي يكون طاهرا أزكى "أو يذكر" قال: يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله "فتنفعه الذكرى" ثم خاطب عثمان فقال: "أما من استغنى فأنت له تصدى" قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه "وما عليك ألا يزكى" أي لا تبالي زكيا كان أو غير زكي إذا كان غنيا "وأما من جاءك يسعى" يعني ابن أم مكتوم "وهو يخشى * فأنت عنه تلهى" أي تلهو ولا تلتف) (٢).

تنبيه: رسل االله والخطاب القرآني:

لاحظنا في الشبهات المتقدمة أنّ الكثير منها ينطلق من لغة الخطاب القرآني عند الحديث عن رسل الله، ومنهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فإنّ لغة الآيات لا تناسب - بحسب المشككين - كون الرسل معصومين.

صفحة PDF الأصلية ٢٤٣

نحن من جهتنا بيّنا أنّ لغة الخطاب تلك لا تنافي عصمة الرسل ولا تقدح إطلاقاً في مهمتهم الإلهية التي تتلخص في إقامة الحجة على الناس وبيان الحق لهم وهدايتهم إليه وإنقاذهم من الضلال الذي يرتعون فيه.

وأضيف هنا: لا شك أنّ المتتبع للدعوات الإلهية يجد أنّ الغاية الأساسية التي تضمنتها دعوات الرسل هي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتنزيه مسيرة الخلق من الشرك به سبحانه، وهذه الغاية السامية حاطها الرسل والكتب الإلهية التي بعثوا بها وما بثوه من تعاليم بين أقوامهم بالعناية الفائقة. ولغة القرآن الكريم في آياته التي يتحدث بعضها عن أفعال الرسل ومعاتبة ربهم لهم بالتصريح بأسمائهم - بالرغم من أنهم لم يصدر منهم ما يؤثر على تبليغ رسالة ربهم إلى الخلق - لا تخرج عن هذه الغاية السامية أي توحيد الله سبحانه.

في القرآن الكريم تم التصريح بأسماء بعض الرسل الذين صدر منهم ما ربما تعتبره الناس قصوراً وعدم كمال في حين أنّ كثيراً من الطغاة والظالمين والمجرمين لم يحصل معهم ذلك، وإنما أشارت لهم الآيات من خلال التعريض بهم والكناية عنهم أو ضمن بيان كلي وما شابه، وأكيد أنّ لهذا الفعل حكمة وغاية جليلة استهدفها القرآن الكريم، ونقلها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) للخلق بأمانة ودقة بمنتهى الروعة والنبل.

الغاية التي يهدفها القرآن والرسول هي "توحيد الله" المتفرّد بالكمال المطلق سبحانه وتعالى عن أن يكون له شريك في صمديته. ولأن رسل الله أناس عظماء أطهار قديسون وبراهينهم ساطعة للخلق فقد ينحو الكثير من الناس إلى تأليههم وعبادتهم من دون الله كما حصل مع المسيحيين مثلاً، لذا كانت لغة القرآن في حديثها عن بعض أفعال الرسل تستهدف إبراز تلك الغاية السامية "توحيد الله بالكمال المطلق" وبيان أنّ كل ما سواه سبحانه هم خلقه ووجودهم مركب من نور وظلمة (وإن كانت بمستوى الشائبة عند بعض الرسل) مهما بلغوا في مدارج الكمال، وبالتالي لا يقاس كمالهم بكمال ربهم، ويمكن لربهم أن يلاحظ أفعالهم ويعتبر بعضها هفوة "ترك الأولى" بنظره سبحانه، لكنها أبداً لا تكون كذلك قياساً بأفعال سواهم من الناس.

صفحة PDF الأصلية ٢٤٤

يقول الإمام علي (عليه السلام): (وأما هفوات الأنبياء عليهم السلام وما بينه الله في كتابه، ووقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم، فإن ذلك من أدل الدلائل على حكمة الله عز وجل الباهرة، وقدرته القاهرة، وعزته الظاهرة لأنه علم أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم، وأن منهم من يتخذ بعضهم إلهاً، كالذي كان من النصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على تخلفهم عن الكمال الذي تفرد به عز وجل، ...) (١).

علماً، إنّ ما بيّنه الله سبحانه بخصوص تقييم بعض أفعال رسله أمر خاص به سبحانه، فالمساحة التي نتحدث عنها خاصة بين الله ورسله ولا دخل لسائر الخلق بها، وما يهم الناس ويعنيهم فعلاً هي المساحة التي تحكم علاقتهم هم برسل الله وكيفية التعاطي مع دعواتهم الإلهية، فهم مكلّفون وممتحنون بذلك ومسؤولون عن ذلك.

يطرح بعض المشككين مقولة "العمل بالهوى" وينسبها إلى الرسول (وحاشاه) بحجة وجود قضايا حصلت ضمن مجريات الدعوة الإلهية يصعب عليهم فهمها، مثل: مسألة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، معتبراً إيّاها مثالاً للعمل بالهوى وأنّ الرسول عمد إلى فعل ذلك بعد فشله في إقناعهم بدعوته وحنيناً منه إلى موروثات قومه!

١- ما طرحه المشككون مجرد تهمة لا يمتلكون عليها دليلاً قطعياً، ونحن يمكننا أن نجيب شبهتهم ببساطة فنقول: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يعمل بالهوى ولا يشرّع شيئاً في دين ربّه الذي أرسله من تلقاء نفسه، بل وصفه ربّه في كتابه الكريم فقال: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: ٤ - ٣ ]. أما من يسأل: "من يقول إنّ محمداً مرسل من ربّه وأنّ القرآن الكريم فعلاً كلام الله المرسِل له؟"، فجوابه: يتم التأكد من ذلك من خلال قانون معرفة الحجج والرسل الإلهيين الذي استدل به الرسول لإثبات حقه

صفحة PDF الأصلية ٢٤٥

وصدقه، وهكذا يعود الكلام إلى أصل إثبات دعوة الرسول ورسالته الإلهية، أما التهم وطرح الإشكالات فهي حيلة المفلسين الذين لا يجيدون إتقان أبجديات الحوار والنهج العلمي السليم الذي يهدف معرفة الحقيقة.

٢- الرسول (صلى الله عليه وآله) شرع بدعوته الإلهية ودعا الجميع إلى الإيمان بالله ورسالته ودينه المبعوث به سواء كانوا حنفاء على دين إبراهيم (عليه السلام)، أو كانوا أهل كتاب (يهود أو نصارى)، ولم يأل جهداً في نصح الجميع والسعي لهدايتهم ومحاججة أهل كل معتقد بما يعتقدون به، من جهة. ومن جهة أخرى: لم تأخذه في الله لومة لائم من جهة بيان الحق الذي يرتضيه الله للجميع، وكذا بيان الباطل والانحراف الذي كان يضرب أطنابه في اعتقادات وشرائع الجميع أيضاً، ولم يحدثنا التاريخ عموماً - فضلاً عن الصحيح من سيرته - أنه هادن أحداً أو جامله على باطله وانحر افه، بل كان واضحاً مستقيماً محباً الخير للجميع هادياً إلى الله مبشراً ونذيراً؛ كل ذلك كان يصدر منه بأسلوب مليء بالحكمة والموعظة الحسنة والإنصاف ونحوها من الصفات الحميدة التي أدّبه ربه عليها. وبالتالي، فمن اهتدى من الناس إنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وأما الرسول فهو رسول من الله وله مقامه الإلهي آمن به الناس أو لم يؤمنوا، بل ولا ينقص عدم إيمان الناس به من قدره عند الله ولا حتى مقدار ذرة.

٣- أما مسألة تحويل القبلة، فقد باشر الرسول دعوة قومه إلى الإسلام في مكة، وأمر المسلمين حينها - بأمر ربه - بالتوجه إلى بيت المقدس في صلاتهم مع علمه بحساسية الموضوع وصعوبته على قومه، ولو كان طالب دنيا وجاه وأتباع (وحاشاه) لكان أمر المؤمنين به بالتوجه إلى الكعبة في الصلاة؛ لأنه أيسر وأكثر تقبلاً لأهل مكة بعد كونها - أي الكعبة - محط تقديسهم واهتمامهم. ثم بعد مضي فترة من هجرته إلى المدينة "يثرب" ومجاورته لأهل الكتاب أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة وترك التوجه إلى بيت المقدس، وأيضاً لو كان طالب دنيا وجاه وأتباع (وحاشاه) لكان إبقاء المؤمنين على التوجه إلى بيت المقدس أيسر على نفوس اليهود والنصارى وأطمع في تقريبهم إليه. هذا ما يفرضه تقدير الناس العاديين للأمور، لكن الأمر بالنسبة للرسول مرهون بإرادة الله التي كان الرسول حريصاً على إنفاذها بدقة شاء من شاء وأبى من أبى، وأكيد أنّ في التكليف بشيء ثم نسخه بتكليف آخر حكمة بالغة سواء عرفنا بها أو جهلناها.

صفحة PDF الأصلية ٢٤٦

يقول السيد أحمد الحسن: (... يمكن أنْ تكون هناك تشريعات بعض أهدافها تمحيص الناس و إفراز سفيههم عمّن يطلب الحق منهم، ففي حين أنّ قبلة الأحناف في مكة هي الكعبة كانت قبلة الرسول وصلاته إلى بيت المقدس حيث قبلة اليهود، ولما ذهب للمدينة حيث اليهود وقبلتهم بيت المقدس نجد أنّ الله جعل قبلته الكعبة، ولو كانت في مكة قبلته الكعبة لكان الإيمان أهون على الأحناف. فأكيد أنّ اتخاذ محمد صلى الله عليه وآله قبلة اليهود كان أمراً ثقيلاً على الأحناف في مكة؛ لأنّ قبلتهم هي الكعبة، وأيضاً اتخاذ محمد صلى الله عليه وآله الكعبة كقبلة أمر ثقيل على النصارى واليهود في المدينة؛ حيث إنّ قبلتهم بيت المقدس.

قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللُّّ وَمَا كَانَ اللُّّ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّّ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [البقرة: ١٤٣ ].

قال الله تعالى: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللُّّ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" [البقرة: ١٤٤ ].

قال الله تعالى: "وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ" ) (١).

[البقرة: ١٤٥ ]

٤- من القبح بمكان أن يقال بحق الرسول (صلى الله عليه وآله) إنّ لديه حنيناً لموروثات قومه؛ قاصدين بذلك عبادة الأوثان، وهو كلام غير علمي ولا حتى أخلاقي، ويكشف عن مدى الحقد والتزوير للحقائق عمداً؛ إذ لم يحصل بحسب ما وصلنا من وثائق تحكي سيرة الرسول أنّه عبد غير الله مطلقاً منذ ولادته وحتى آخر لحظة من حياته الشريفة بالرغم من كثرة ما دسّه الحاقدون والمنافقون في سيرته للانتقاص منه، بل إنّ

صفحة PDF الأصلية ٢٤٧

علياً (عليه السلام) - وهو تلميذ الرسول - لم يشرك بالله طرفة عين ولم يسجد لصنم أو قرّب له قرباناً (١)، فما بالك بمعلّمه ومربّيه!

علاوة على ذلك: إنّ الوثائق التاريخية تشهد بأنّ آخر فعل قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل هجرته إلى المدينة هو تكسير الأصنام في الكعبة:

(عن علي رضي الله عنه قال لما كان الليلة التي امرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أبيت على فراشه وخرج من مكة مهاجراً انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأصنام فقال اجلس فجلست إلى جنب الكعبة ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وآله على منكبي ثم قال انهض فنهضت به فلما رأى ضعفي تحته قال اجلس فجلست فأنزلته عني وجلس لي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال لي يا علي اصعد على منكبي فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله صلى الله عليه وآله وخيل إلي أني لو شئت نلت السماء وصعدت إلى الكعبة وتنحى رسول الله صلى الله عليه وآله فألقيت صنمهم الأكبر وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله عالجه فعالجت فما زلت أعالجه ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ايه ايه فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقال دقه فدققته فكسرته ونزلت) (٢).

كما أنّ أول فعل قام به الرسول عند فتح مكة هو تطهير الكعبة من الأصنام:

(عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة والأصنام حول الكعبة وكانت ثلاث مائة وستين صنماً، فجعل يطفها بمخصرة في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد، فجعلت تكبب لوجوهها) (٣).

صفحة PDF الأصلية ٢٤٨

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول لم يحكم بالعدل في كل القضايا، والحكم بغير العدل ليس من صفة المعصوم. وحجتهم في ذلك وجود رواية تدل - بحسبهم - على أنّ الرسول حكم على رجل بريء بالرجم مع أنه جاء يغيث امرأة من رجل أراد الزنا بها!

وهذا نصّها: (أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد ابن النجار المقرى بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة نثا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها ثم مر عليها قوم ذو عدة فاستغاثت بهم فادركوا الذي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤوا به يقودونه إليها فقال إنما انا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته انه وقع عليها وأخبره القوم انهم أدركوه يشتد فقال إنما كنت أغيثها على صاحبها فادركوني هؤلاء فأخذوني قالت كذب هو الذي وقع علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه قال فقام رجل من الناس فقال لا ترجموه وارجموني انا الذي فعلت بها الفعل فاعترف .....) (١)، فحكم الرسول ببراءة المغيث وعفا عن الآخر لتوبته.

١- المنهج العلمي الصحيح يقتضي رجوع المظنون صدوراً ودلالة إلى القطعي في صدوره المحكم في دلالته، هذا إذا أمكن تأويل النص المظنون وإرجاعه إلى القطعي بحيث يحصل التوفيق والانسجام بين النصين، أما في حال عدم إمكان التوفيق بين النصّين فيجب - حينئذٍ - بالبداهة تقديم النص القطعي والأخذ به وطرح المظنون، وهذا أصل معرفي بديهي لا يشك فيه عاقل.

إذا اتضح هذا، فما يعنيه المشككون بشبهتهم هي حادثة منقولة برواية آحاد، فهي إذن رواية ظنية الصدور، هذا إذا فرضنا أنّ دلالتها على صدور الظلم من الرسول

صفحة PDF الأصلية ٢٤٩

(وحاشاه) كانت صريحة وإلا ستكون ظنية من جهة الدلالة أيضاً. أما الدليل على عدل الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو نص قرآني صريح وقطعي صدوراً ودلالة باعتبار أنّ الله سبحانه وصف أخلاق رسوله بالعظمة، ولا شك أنّ العدل يقع في رأس قائمة الأخلاق الحميدة، قال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]، وهذا يعني اتصاف الرسول بالعدل دائماً ولا مجال لتوقع صدور الظلم منه أبداً، وبالتالي فلا قيمة تذكر لأي نص روائي يتحدث فحواه عن مخالفة هذا الأصل القرآني القطعي.

٢- كل متتبع لسيرة الرسول يجد بوضوح تام أنّ العدل والصدق وحسن الخلق عموماً سمته، وشيوع توصيفه بـ "الصادق الأمين" بين قريش والعرب أشهر من نار على علم، كما أنّ عدله وحكمته وأمانته في الحكم والقضاء بين الناس معروف ومشهور، وحادثة حل نزاع القبائل في وضع الحجر الأسود في موضعه معروفة للجميع، هذا والرسول لا زال شاباً لم يُبعث بعد، فهل تراه يخالف ذلك بعد بعثه وإرساله من قبل ربه وقد بلغ أشده علماً وحكماً!

روى المؤرّخون و اقعة بناء الكعبة بعد هدمها، وأنّ اختلافاً كبيراً حصل بين قبائل قريش والمتحالفين مع كل قبيلة منهم حتى بلغ الأمر إلى المواعدة للقتال وسيلان الدم، فاقترح بعض كبارهم عليهم حلاً قائلاً: (يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لي ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين) (١).

٣- أما الرواية التي اعتبرها المشككون حجة في شبهتهم، فالملاحظ فيها أنها رواية آحاد لا تصلح لمعارضة النصوص القطعية القرآنية والروائية المتواترة، فضلاً عن عدم ورودها عن طريق القناة الشرعية المعرّفة بالصادر عن الرسول حقيقة.

صفحة PDF الأصلية ٢٥٠

وأيضاً: يمكن مناقشتها من جهة الدلالة؛ باعتبار أنّ الرسول يحكم بين المسلمين على ضوء البيّنات المقدّمة له من قبلهم، وبالتالي فهم المسؤولون حقيقة عمّا يقدموه من بيّنات أثناء المحاكمة، قال (صلى الله عليه وآله): (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار) (١).

العمل على طبق البيّنات والظاهر عند الحكم بين الناس أمر يعمل به جميع العقلاء والحكماء، والرسول سيد الحكماء، ولأنه رسول إلهي عادل وحكيم لم يكتفِ بتنبيه المتخاصمين على أنه يحكم بينهم على ضوء ما يقدّموه من بينات، وإنما أوضح لهم أيضاً أنهم متفاوتون في بيان الحجج فربما صادف أن يكون صاحب "حق في الو اقع" حجته ضعيفة وصاحب "باطل في الو اقع" حجته قوية، لكن الحكم بالنتيجة يجري لصالح صاحب الحجة القوية بحسب الظاهر، فإذا لم يكن هو صاحب الحق في الو اقع فإنّ مصيره النار، هذا كل ما يستطيع الرسول الحكيم فعله، وبالتالي فالمسؤول الحقيقي عن طبيعة الحكم هو صاحب البينة والحجة أما الحاكم فلا ملامة عليه طالما أنه يراعي أصول المحاكمة العادلة؛ لأن دوره محصور بإجراء الحكم على ضوء البيّنة المقدّمة بدون انحياز لطرف معيّن.

وبحسب الرواية التي يحتج بها المشككون، فإنّ الرسول حكم على ضوء أقوال المعنيين بالو اقعة والشهود فيها، فالأمر بمعاقبة المغيث "البريء في الو اقع" سببه قول المرأة نفسها وقول الشهود، ولهذا تغيّر الحكم بعد اعتراف الفاعل الحقيقي وعندئذٍ حكم الرسول ببراءة المغيث، فاتضح أنّ الرسول لم يصدر منه ظلماً وحاشاه من كل قبيح.

روى بعض المسلمين في كتبهم وصحاحهم روايات تؤكد خطأ الرسول في بعض نصائحه للمسلمين الخاصة بأمور دنياهم، مثل ما رواه مسلم النيسابوري في صحيحه:

صفحة PDF الأصلية ٢٥١

(عن عائشة وعن ثابت عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال ما لنخلكم قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم) (١).

ولم يكتفِ مسلم بذكر الروايات، وإنما وضع باباً في كتابه أسماه: "وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي" يقصد بذلك الرسول! والعجيب أنّ الروايات المذكورة في الباب ثلاثة فقط، وجميعها تخص مسألة واحدة فقط وهي تلقيح النخيل لا غير.

وأيضاً: روى بعض المؤرخين وأصحاب السير أنّ الرسول لما خرج إلى معركة بدر عسكر بجيشه في موضع معين، فأشار عليه الحباب بن منذر بن الجموح أن يتخذ موضعاً آخر يعتقد أنه أفضل من ناحية عسكرية، فقبل الرسول مشورته (٢).

وعموماً، المشككون من جهتهم لما اطلعوا على هذه الروايات وما شابهها حكموا بأنّ الرسول يخطأ وغير معصوم!

بالرغم من ندرة مثل هذه الحوادث (المشار لها في الشبهة) طيلة حياة الرسول الطويلة والمملوءة بالأحداث والمو اقف التي لا يشك منصف في صواب تصرف الرسول فيها والحكمة التي تنطوي عليها، لكن المشككين يصرّون على اعتبارها ناقضة لعصمة الرسول، وهو كلام باطل كما سنرى الآن.

١- على فرض صحة حادثة تلقيح النخيل - وهو فرض غير صحيح كما سيتضح - فإنّ أقصى ما فيها أنّ الخطأ ممكن صدوره من المعصوم فيما يتعلق بأمور الدنيا، وهذا لا يطعن بالعصمة بمعنى الاعتصام بالله عن جميع محارم الله (وهو معنى العصمة الذي

صفحة PDF الأصلية ٢٥٢

عرفناه سابقاً)، والرسول - إن صح صدور ذلك النصح منه - لم يُخرج الناس من حق وهدى أو يدخلهم في باطل وضلال يعاقبهم الله عليه.

٢- لا يمكن - عقلاً - قبول حصول الحادثة أصلاً؛ لأن مسألة تأبير النخل "تلقيحه" واضحة وضوح الشمس وغير خفية على أبسط رجل عربي يعيش في شبه الجزيرة العربية، فما بالك برجل عربي عارف وحكيم بحجم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي يشهد بفطنته وحكمته وحنكته العدو والصديق، وهو رجل دولة ودين من الطراز الأول!

لا يُعقل لقائد دولة إلهي مثل الرسول الكريم - الذي استطاع بناء دولة في ظل أكثر الظروف تعقيداً - أن يتسبّب بخسارة أهم عصب اقتصادي لشعبه، حيث كانت الزراعة وحصاد ثمر النخيل هو ما يقتات عليه الكثير من المسلمين آنذاك.

٣- ليس للحادثة عين ولا أثر في روايات أوصياء الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)؛ القناة الشرعية الوحيدة التي تحدد الحق والصحيح من سيرة الرسول والناطقة باسمه لا غير، وبالتالي فنحن غير ملزمين بروايات تسيء للرسول يرويها غيرهم، ونعتقد أنّ الغرض منها واضح لمن يبحث عن الحقيقة ويهمّه معرفتها، فقط ألفت إلى أنّ المعتقدين بصحة الحادثة (وأنّ الرسول ممكن أن يخطأ في أمور الناس الدنيوية وبالتالي فهم غير ملزمين بطاعته من ناحيتها)، يعتقدون كذلك بأنّ خلافة الرسول من بعده شأن سياسي دنيوي يعود إلى الناس أيضاً.

٤- أما حادثة مشورة الحباب بن منذر، فهي لا تدل على خطأ الرسول في أمر يتصل بتبليغ رسالة الله وهداية خلقه إليه كما هو واضح، كما أنها لا تدل على خطئه في اختيار الموضع أو جهله (وحاشاه) بأساليب الحروب وقيادتها، وإلا كيف استطاع مجابهة أعتى طغاة العرب بما لديهم من قادة ومخططين ومختصين بالشؤون القتالية والعسكرية؟ كيف أفشل كل مخططاتهم التي أرادت وأد الإسلام واستئصاله من الجذور، وبالنهاية انتصاره عليهم نصراً مؤزراً؟

الحادثة - وخصوصاً قبول الرسول بالمشورة - تدل على أنّ الرسول كان يأخذ بمشورة أصحابه إن كان هناك نفع وفائدة فيها، ولا يتفرّد برأيه في الأمور التي تتطلب

صفحة PDF الأصلية ٢٥٣

مشورة ويسمح فيها بتقديم المشورة، مثل مسائل الحروب والقتال، فكون الرسول إماماً ورسولاً وقائداً إلهياً لا يعني أنه (وحاشاه) دكتاتور يتفرد بالرأي واتخاذ القرارات بحيث لا يحق لأحد أن يقدم أي رأي أو مقترح يعتقد صاحبه أنّ فيه فائدة وصلاحاً عاماً، وأكرّر: (في الأمور التي يُسمح فيها بتقديم النصح والمشورة).

هل يعتقد المشككون أنّ الرسول - حتى تسلم عصمته من الخدش بنظرهم - ينبغي له أن يُعرض عن كل رأي يقدّم له، ويتجاهل كل نصيحة ومشورة تقدم له؟! ولو فعل ذلك (وحاشاه) هل يسلم من اتهامهم له بالدكتاتورية والتسلط وعدم قبول النصح والمشورة حتى من قبل أصحابه المخلصين فضلاً عن سائر الناس؟ هل يسلم من قولهم بأنّ ذلك لا يناسب القائد الذي يطرح نفسه قائداً ومصلحاً إلهياً لعموم الناس! وهكذا، نجد أنّ المسألة (عند المشككين) لا تستهدف بحثاً علمياً عن الحقيقة إطلاقاً، وإنما تستهدف الطعن بالرسول كيفما كان.

يدّعي بعض المشككين أنّ الرسول (وحاشاه) كان يغري بعض أهل بيته بالشفاعة فيُحدث ذلك الأمر جرأة لديهم على فعل المعصية، ويستشهدون لذلك برواية رواها الطبراني في معجمه (١) مفادها: أنّ أم هانئ (بنت عم الرسول) خرجت ذات يوم متبرجة وقد بدا قرطاها، فلقيها عمر بن الخطاب فقال لها: "إنّ محمداً لا يغني عنك من الله شيئاً"، فشكت ما حصل للرسول و أكد أنّ شفاعته ستطال كل المسلمين، الأمر الذي يراه المشككون إغراءً بالمعصية، وهو يتنافى مع العصمة التي يفترض أن يتصف بها الرسول!

صفحة PDF الأصلية ٢٥٤

ما ذكره المشككون ينطوي على عدة مغالطات تتضح بمعرفة ما يلي:

أولاً: السيدة أم هانئ: اسمها فاختة بنت أبي طالب، بنت عم الرسول، وبحسب الرأي المشهور عند علماء أهل السنة أنها أسلمت في عام الفتح أي في السنة الثامنة من الهجرة.

لكن الصحيح أنها كانت مؤمنة بالرسول (صلى الله عليه وآله) قبل هجرته إلى المدينة، بل وكانت جليلة القدر بحيث كانت مطلعة على بعض القضايا المهمة والحسّاسة التي تخص الرسول، منها:

١- إنها كانت شاهدة ومطلعة على قضية إسراء الرسول من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بل وبعض النصوص ذكرت أنّ الإسراء كان من بيتها، وكانت تصلي بصلاة الرسول، حيث ورد في النصوص التاريخية قولها:

(ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي، نام عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين) (١).

وروى المجلسي: (أن النبي صلى الله عليه وآله لما رجع من السرى نزل على أم هانئ بنت أبي طالب فأخبرها فقالت: بأبي أنت وأمي والله لئن أخبرت الناس بهذا ليكذبنك من صدقك، وكان أبو طالب قد فقده تلك الليلة فجعل يطلبه، وجمع بني هاشم ثم أعطاهم المدى وقال: إذا رأيتموني أدخل وليس معي محمد فلتضربوا وليضرب كل رجل منكم جليسه، والله لا نعيش نحن ولاهم وقد قتلوا محمدا، فخرج في طلبه وهو يقول: يا لها عظيمة إن لم يواف رسول الله مع الفجر، فتلقاه على باب أم هانئ حين نزل من البراق فقال: يا ابن أخي انطلق فادخل في بين يدي المسجد ، وسل سيفه عند الحجر وقال: يا بني

صفحة PDF الأصلية ٢٥٥

هاشم أخرجوا مداكم، فقال: لو لم أره ما بقي منكم سفر ولا عشنا، فاتقته قريش منذ يوم أن يغتالوه، ثم حدثهم محمد، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، قال: إنما أدخلته ليلا، فأتاه جبرئيل فقال: انظر إلى هناك، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه، ثم نعت لهم ما كان لهم من عير ما بينهم وبين الشام) (١).

قال المجلسي: (قال أكثر المفسرين: أسري به صلى الله عليه وآله من دار أم هانئ أخت علي عليه السلام وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وكان صلى الله عليه وآله نائماً في تلك الليلة في بيتها ...) (٢).

٢- إنها كانت شاهدة ومطلعة على هجرة الرسول من مكة إلى المدينة ومبيت أخيها علي (عليه السلام) في فراشه، وكانت هجرة الرسول من بيتها أيضاً:

(عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالهجرة وأنام علياً عليه السلام في فراشه ووشحه ببرد له حضرمي، ثم خرج، فإذا وجوه قريش على بابه، فأخذ حفنة من تراب فذرها على رؤوسهم، فلم يشعر به أحد منهم، ودخل عليّ بيتي، فلما أصبح أقبل عليّ وقال: أبشري يا أم هانئ، فهذا جبرئيل عليه السلام يخبرني أن الله عز وجل قد أنجى علياً من عدوه. قالت: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مع جناح الصبح إلى غار ثور، وكان فيه ثلاثا، حتى سكن عنه الطلب، ثم أرسل إلى علي عليه السلام وأمره بأمره وأداء أمانته) (٣).

٣- وأيضاً: لما فتح الله لرسوله مكة، كان أول بيت ذهب إليه الرسول (صلى الله عليه وآله) هو بيت أم هانئ، وكانت صائمة لله في ذلك اليوم:

روى البيهقي بسنده عن أم هانئ: (قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب يوم فتح مكة فشرب ثم ناولني فشربت وكنت صائمة فكرهت ان أرد فضل رسول الله صلى

صفحة PDF الأصلية ٢٥٦

الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله انى كنت صائمة فكرهت ان أرد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها أكنت تقضين عنك شيئا فقلت لا قال فلا يضرك) (١).

واضح جداً من الروايات المتقدمة أنّ أم هانئ كانت مؤمنة بالله ورسوله، وكانت تصلي بصلاة الرسول، وتصوم لربها تطوّعاً، وتتبرك بسؤره، ومطلعة على أسرار تخص حياته وسلامته في مكة، وكان يخبرها بما أوحاه إليه ربه عن طريق جبرئيل دون أي تعليق منها، وبقت على جلالة قدرها بعد هجرتها إلى المدينة.

ولهذا يقول الطبرسي: (أم هانئ بنت أبي طالب: أُخت أمير المؤمنين عليه السّلام جلالة شأنها، وعلو مقامها غير خفي على من له أدنى خبرة بالآثار) (٢).

٤- ولأن لها منزلة جليلة وحظوة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، جعل الرسول الانتساب إليها مفخرة من المفاخر التي خصّ الله سبحانه بها ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام):

قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس أبا وأماً؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن أباهما علي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأمهما فاطمة بنت رسول الله.

يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن عمهما جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة مع الملائكة، وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب. ...) (٣).

إذا اتضح هذا، فلا قيمة لإشكال المشككين؛ لأنه مستند إلى رواية غير صحيحة رواها المخالفون لآل محمد (عليهم السلام)؛ خصوصاً وأنّ حادثة خروج أم هانئ متبرجة -

صفحة PDF الأصلية ٢٥٧

بحسب الرواية المزعومة - حصلت في المدينة، وبالتأكيد فهو لا ينسجم مع تعريف الرسول لها بأنها من خير الناس!

ثانياً: الشفاعة لا تعني الإغراء بالمعصية؛ لأنها أساساً لا تشمل الجميع "جميع أهل المعاصي"، و إنما تخضع لقوانين إلهية بيّنها الرسول للناس:

منها: تخصيص الشفاعة بالمرتضين، أي من يرضى الله سبحانه بشموله بالشفاعة، قال تعالى: "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" [الأنبياء: ٢٨ ].

وهذا يعني أنّ الرسول وغيره من أولياء الله الذي لهم مقام الشفاعة لا يشفعون بحسب أهوائهم (وحاشاهم)، و إنما يشفعون لمن يرتضي الله الشفاعة فيه.

ومنها: إنّ هناك مو اقف لا شفاعة فيها أصلاً، قال تعالى: "وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" [البقرة: ٤٨ ].

وفي بيان هذا اليوم الذي لا شفاعة فيه، يقول السيد أحمد الحسن: (هو يوم الموت، وهو اليوم الوحيد الذي لا توجد فيه شفاعة، فالعذاب عند الموت لا ينجو منه إلا من صاحب الدنيا ببدنه، وقلبه معلق بالملأ الأعلى، فلم يرتبط مع الدنيا بحبال وعوالق تحتاج إلى القطع والقلع مما يسبب العذاب) (١).

ومنها: إنّ هناك صنفاً من الناس لا تشملهم شفاعة أحد، قال تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ" [المدثر: ٤٨ - ٣٨ ].

المجرمون الموصفون بالآية لا تنفعهم شفاعة الشافعين.

صفحة PDF الأصلية ٢٥٨

وهكذا يتضح أنّ مسألة الشفاعة مقنّنة، وأمرها راجع إلى الله سبحانه خالق الخلق ومالكهم والرحيم بهم.

وأيضاً: منْح الله أولياءه - وعلى رأسهم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) - مقام الشفاعة يكشف عن عظيم رحمته سبحانه بخلقه من جهة، ويبين قدر ومنزلة أوليائه الذين شرّفهم الله بهذا المقام من جهة أخرى. وبهذا المقام "مقام الشفاعة" يتمكن هؤلاء الأولياء من أن يشفعوا لمن كان لديهم تقصير لكن تقصيرهم لم يبلغ بهم إلى حد يخرجهم عن "ارتضاء الله للشفاعة فيهم" أي: يبقون ضمن نطاق: "إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ".

ولهذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) شديد التأكيد على تقوى الله التي تتحقق بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأنّ النجاة في الآخرة تدور مدار التقوى، ولا يسمح لأحد من الناس - ومن أقربائه الهاشميين بالخصوص - أن يعتبروا القرب النسبي إليه سبباً لنجاتهم وخلاصهم.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (قام رسول الله صلى الله عليه وآله على الصفا فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله، لا تقولوا: إن محمدا منا وسندخل مدخله، فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد المطلب إلا المتقون، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخرة، ألا إني قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم) (١).

أي إغراء لأهل المعاصي يزعمه المشككون، وأي قيمة علمية تبقى له بعد الاطلاع على هذا الكلام الصادر من الرسول لبني عبد المطلب!

صفحة PDF الأصلية ٢٥٩

يزعم بعض المشككين أنّ استعانة الرسول ببعض المشركين يتنافى مع قوله: "لا أستعين بمشرك"، ويذكرون شواهد لذلك؛ منها: استعانته بعبد الله بن أريقط عند هجرته من مكة إلى المدينة، ومنها: استعانته بصفوان بن أمية في حرب هوازن. وبالنتيجة هذا يتنافى مع اتصافه بالعصمة بحسب تعبيرهم!

١- إنّ العصمة التي يتصف بها الرسول - وسائر خلفاء الله - سبق وأن بيّنا معناها، وأنها باختصار تعني: الاعتصام بالله عن محارم الله بنحو لا يخرج المعصوم الناس من حق ولا يدخلهم في باطل، وأيُّ منافاة بين اتصاف الرسول بذلك وبين استعانته برجل يعرف طرق الصحراء بهدف الوصول إلى مأوى يأمن فيه على حياته بعد القرار الذي اتخذه مشركو مكة بقتله وتصفيته جسدياً، فأيّ هدىً أخرج الرسول الناس منه وأيّ ضلال أدخلهم فيه، وحاشاه؟!!

٢- إنّ الاستعانة بالله سبحانه لا تنافي العمل بالأسباب، بل على العكس، فالمؤمن بالله يستعين بالله ويتوكل عليه (قبل، وعند، وبعد) أداء المهام التي أمره الله بالقيام بها في دنيا الامتحان، وليس من "الاستعانة والتوكل" في شيء من يتكل ويتخلى عن القيام بمسؤوليته بحجة الركون إلى مبدأ الاستعانة والتوكل على الله، والسبب في ذلك هو: أنّ الله سبحانه (خالق هذا الكون) قنّنه بقوانين وسنن كونية حاكمة ولا يشذ منها شيء إلا لحكمة معينة، والعمل بقانون الأسباب على رأس تلك القوانين والسنن، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في إجابة شبهة ( ٢٥ ). فمثلاً: المريض يجب عليه مراجعة الطبيب، وغير العارف بطرق الصحراء يجب عليه اصطحاب الدليل العارف بتلك الطرق، وغير العارف بالبناء يجب عليه الاعتماد على مهندس البناء، وهكذا في سائر جوانب الحياة المتشعبة والمتعددة، ولا يصح ترك القيام بذلك بحجة التوكل على الله والاستعانة به!

إذا عرفنا هذا، فإنّ اصطحاب الرسول لعبد الله بن أريقط العارف بطرق الصحراء أمر طبيعي جداً وهو - إضافة إلى أنّ الله سبحانه يأمر به - أمر يدعو إليه العقل السليم

صفحة PDF الأصلية ٢٦٠

والحكمة أيضاً، ولا يقدح في عصمة الرسول في شيء؛ خصوصاً وأنّ العلم الذي يجب أن يتصف به خلفاء الله (ومنهم الرسول) هو العلم الديني، وليس العلم بطرق الصحراء منه.

أما مسألة صفوان بن أمية، فقد نقل المؤرخون (١) أنّ قبيلة هوازن لما سمعت بفتح الله مكة لرسوله، سارت إلى حرب الرسول مع أحلافها كثقيف، وقرّر كبيرهم "مالك بن عوف" أن يصطحب رجال جيشه جميع نسائهم وأبنائهم وأموالهم، ولما سئل عن ذلك أجاب: "سُقْتُهم مع الناس ليقاتل كلُّ إنسان عن حريمه وماله". الرسول من جهته، لما وصله الخبر أجمع على السير لملاقاتهم، وكان قد بلغه أنّ لدى صفوان بن أمية (في مكة) أدرعاً وسلاحاً فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك وقال له: "أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا غداً. فقال صفوان: أغَصْباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة نؤديها إليك. قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح".

واضح أنّ حادثة استعارة السلاح والدروع من صفوان حصلت بعد فتح مكة، وبعد أن نصّب الرسول واليه عليها وهو "عتاب بن أسيد" بحسب ما ذكر المؤرخون، وكان بإمكان الرسول أن يأخذ السلاح والدروع من صفوان الذي لم يزل مشركاً في ذلك الوقت؛ باعتباره فاتحاً ومنتصراً ومن حقه أن يأخذ السلاح من غير المؤمنين به ليستعين به على قتال أعدائه، لكن الرسول أبت أخلاقه إلا أن يستعير السلاح والدروع منه برضاه ومو افقته وبعد ضمانه له.

وعموماً، هذا المثال أيضاً ليس فيه قدح بعصمة الرسول؛ لأنه من ضمن العمل بالأسباب والسعي لنيل المراد الذي شاء الله سبحانه أن يكون ضمن هذه السنة الإلهية، وإلا كيف سيواجه أعداءه المدجّجين بالسلاح والمتجمعين لقتاله وهم ألوف كثيرة، وهل ينتظر المشككون من الرسول تسليم نفسه وجيشه للقتل ليرضوا عنه مثلاً!

٣- أما الحديث المروي من طرق أهل السنة " لا أستعين بمشرك"، أو "لن أستعين بمشرك" المروي عن عائشة (٢)، فهو إضافة إلى كونه لم يرد عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الاستعانة فيه ينبغي أن تفهم بشكل لا يصطدم بالعمل بالسنّة

صفحة PDF الأصلية ٢٦١

الإلهية "العمل بالأسباب"، كأن نقول مثلاً: إنّ المراد بالاستعانة هنا استعانة خاصة كأخذ النصيحة والمشورة أو أداء بعض المهام الخاصة المتصلة بدين الله ونحو ذلك مما لا يصح الاستعانة فيه إلا بمؤمن، فأكيد أنّ مثل هذه الأمور لا يستعين فيها الرسول بمشرك، وليس المراد مطلق الاستعانة كاستعارة سلاح أو الاستفادة من علاج أو معرفة دليل في صحراء ونحو ذلك من الأمور التي يكون رفضها بمثابة رفض العمل بالسنّة الإلهية الجارية في هذا الكون.

لا شك في حرمة الرشوة وفق وصايا وتعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكن المشككين يرون أنّ في بعض أفعال الرسول ما يدل - بحسبهم - على أنه دفع رشوة (وحاشاه)، مثل ما فعله مع مالك بن عوف لما رد عليه ماله وأهله وأعطاه مائة من الإبل بعد غزوة حنين، وهذا الفعل "دفع الرشوة" لا ينسجم مع العصمة!

١- معنى الرشوة: هو أن يقوم شخص "الراشي" بدفع مال للغير "المرتشي" لأجل إنجاز أمر أو مصلحة معينة تعود بالنفع الشخصي عليه؛ حقاً كانت أو باطلاً.

أما ما كان يفعله الرسول مع بعض الناس غير المؤمنين واختصاصهم بعطاء مالي ونحو ذلك، فهو ليس رشوة تهدف إلى تحقيق غرض أناني ومنفعة شخصية، و إنما كان الرسول يسعى جاهداً إلى تأليف قلوبهم وترغيبهم بالإسلام وإنقاذ أنفسهم من الضلال الذي كانوا يرتعون فيه، فالنفع - بالنتيجة - يعود إلى المؤلفة قلوبهم وليس إلى الرسول شخصياً، ويمكننا أن نشبّه الفرق بين الحالتين كالفرق بين الأنانية والإيثار الحقيقي المحايد.

وهذا ما حصل مع مالك بن عوف بحسب ما رواه المؤرخون:

صفحة PDF الأصلية ٢٦٢

لما فتح الرسول مكة، سارت هوازن برجالها ونسائها ومالها مع حلفائها لحرب الرسول كما ذكرنا سابقاً، فسار الرسول بالمسلمين لملاقاتهم، لكنهم جيوش المشركين وصلت إلى منطقة القتال قبل المسلمين، فعمدوا إلى فعل الاستعدادات المناسبة التي مكّنتهم من الانقضاض على المسلمين عند وصولهم وإلحاق الأذى بهم في معركة حنين المشهورة، وكادت الهزيمة أن تكون من نصيب المسلمين بعد فرار الكثير منهم لولا أنّ الرسول نزل للقتال بنفسه، وشاء الله أن ينتصر الرسول في نهاية المطاف، وفرّ كبار جيش الشرك إلى الطائف والمناطق القريبة منها بما فيهم مالك بن عوف (زعيم هوزان)، فأتبعهم الرسول وحاصر المدينة، لكنه بالنهاية انصرف عنها دون قتال بعد أن أمن شرهم وضررهم، وفي هذا الحال سأل أحد المسلمين الرسول أن يدعو على ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفاً وأتِ بهم".

وفعلاً، بدأ الكثير منهم بالقدوم على الرسول وهو لا زال في طريقه للعودة إلى المدينة وإعلان إيمانهم به، فسأل الرسول عن مالك بن عوف فقيل له هو بالطائف، فقال: (أخبروه إنْ أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة بعير فأخبر مالك بذلك فخرج من الطائف سيراً ولحق برسول الله فأسلم وحسن اسلامه، واستعمله رسول الله على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل التي حول الطائف فأعطاه أهله وماله ومائة بعير) (١).

لم يرجُ رسول الله من مالك بن عوف ولا غير مالك شيئاً، وقد مكّنه ربّه من إلحاق الهزيمة بألد أعدائه في مكة والطائف وخيبر، وفتح حصونهم والانتصار عليهم، لكن رحمته بالناس تجعله يفتح لمالك وغير مالك أبواب التوبة واللحوق بالدعوة الإلهية، ويرد عليه ما غنمه المسلمون أثناء الحرب من أهله وماله، وليس هذا فحسب بل ويخصص له عطاء مالياً؛ تأليفاً لقلبه وترغيبه له بالإسلام والهداية التي تعود بالنفع على مالك نفسه بالرغم من أنه كان يتزعم جيش هوازن ومن تحالف معها لحرب الرسول! ولا شك أنه تصرّف لا يصدر إلا من صاحب نفس كريمة وكبيرة وتمتلك من الرحمة ما يصعب وصفه، وهل يوجد

صفحة PDF الأصلية ٢٦٣

أرحم وأكرم نفساً من رسول الله! وقد تحقق ما رجاه الرسول فعلاً وأسلم مالك بل وحسن إسلامه بحسب ما ذكر في سيرته.

٢- الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) رسول إلهي وصدقه وأحقيته أمر ثابت بقانون معرفة الحجج الإلهيين كما عرفنا. كذا عصمته، فهي ثابتة أيضاً بالدليل العقلي والنقلي القطعي، وبالتالي فإنّ جميع التصرفات التي تصدر منه هي حق ومعللة بالحِكَم التي يرتضيها الله سبحانه، ومسألة تأليف القلوب التي كانت تصدر منه هي بتوجيه من الله سبحانه وتعالى وليست باجتهاد شخصي من الرسول (وحاشاه)، وسيأتي مزيد من التوضيح لها في جواب شبهة ( ٥٥ ).

لكن ما يفعله المشككون - في شبهاتهم - هو أنهم عادة ما يتعاملون مع الأمور والحوادث التي فعلها الرسول بمنهج مقلوب تماماً، فهم يبحثون بالفروع والجزئيات قبل تحرير الأصل، وهذا مخالف لمقتضيات النهج العلمي الصحيح. وليتهم خاضوا في الفروع بإنصاف وتعاملوا معها بتجرد بدل التعصب والحقد الدفين على شخصية بحجم شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله).

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
عصمة الرسول - دفاع عن الرسول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.