الفصول

أخلاق الرسول

دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٢٦٤

بالرغم من أنّ البشرية جمعاء لم تشهد له نظيراً في مكارم أخلاقه، تعرّض الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) إلى الطعن من جهة مخالفته (وحاشاه) لمكارم الأخلاق استناداً إلى بعض الروايات التي رواها بعض المسلمين بالرغم من أني ذكرت في مقدمة الكتاب وقلت: إنّ التعريف بشخصية الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وما تتحلى به من صفات منحصر بالله سبحانه وبالرسول شخصياً وبالأوصياء الطاهرين الذين نصّبهم لإمامة وقيادة الخلق من بعده.

كذا الحال في معرفة ما صدر من الرسول - فعلاً - من أفعال لتمييز الحقيقي منها عن الموضوع والدخيل المكذوب عليه؛ خصوصاً ونحن في دنيا امتحان مملوءة بالحقد والبغض للرسل الإلهيين وفي مقدمتهم رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الذي تكثر دواعي الوضع في حالته بطبيعة الحال؛ سعياً من قبل الظالمين والمفسدين للطعن به والنيل من مقامه بغية الوصول إلى إفشال مشروعه الإلهي الإصلاحي الذي لم يتمكنوا من القضاء عليه في حياته، ولعلهم يتمكنون من فعل ذلك بعد مماته؛ هكذا تمنّيهم أنفسهم!

النصوص المحكمة الواردة من الجهات الرسمية المعرّفة بالرسول أكدت أنّ الرسول شخص استثنائي لا يجود عالم الخلق عموماً بمثله أبداً فضلاً وخلقاً، إذ كان متصفاً بأعلى درجة ممكنة من مكارم الأخلاق التي سُمح بظهورها في عالمنا الجسماني الذي نعيش فيه. وهذا واضح من وصف ربه العظيم له، قال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"

[القلم: ٤].

صفحة PDF الأصلية ٢٦٥

بالتالي، فإنّ كل رواية تنقل تصرّفاً منسوباً للرسول - سواء على مستوى القول أو الفعل - مما ينافي كريم الأخلاق يُحكم عليها بالكذب والوضع بكل تأكيد، ولا أقل فهي تعارض نصّاً قرآنياً قطعياً في صدوره ودلالته، ومعلوم أنّ الروايات التي تتصادم مع النصوص القطعية المحكمة لا يؤخذ بها.

عموماً، لم تسلم ساحة الرسول من الطعن من هذه الجهة كما قلت، وسأستعرض أهم شبهات المشككين المتصلة بهذا الجانب.

حوت كتب المسلمين السنّة مجموعة من الروايات التي وردت عن بعض زوجات الرسول أو أصحابه وتضمّنت ذكر بعض الأمور التي تخدش - بحسب المشككين - بالعصمة والمروءة، منها: ما يتعلق بحياة الرسول الزوجية، ومنها: ما يتعلق بأمور أخرى، مثل: قضية كشف فخذه أمام أبي بكر وعمر لكن لما دخل عثمان استحيى وغطاه؛ لأنه رجل تستحي من الملائكة (١) بحسب ما ورد في تلك الروايات!

١- النص القرآني القطعي المؤكد لعظمة أخلاق الرسول (صلى الله عليه وآله)، يؤكد - بالتبع - عظمة صفة الحياء والمروءة عنده أيضاً؛ لأنهما جزءان أسياسيان من منظومة "الخلق الحسن" التي يتصف به رسل الله عموماً. وبخصوص حياء الرسول، ورد أنه أشد حياء من العذراء في خدرها حتى إنّه إذا كره شيئاً عرف في وجهه (٢)، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل: (الحياء من الإيمان) (٣)، ولا شك أنه سيد المؤمنين بالله.

صفحة PDF الأصلية ٢٦٦

وصفه الإمام علي (عليه السلام) فقال: (كان أجود الناس كفاً، وأجرء الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، ومن رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبه، لم أر مثله قبله ولا بعده) (١).

وأكيد أنّ من هذا شأنه وحاله لا يصدر منه ما ينافي حسن الخلق بأروع صوره وبأبعد مدياته الممكنة لدى الإنسان.

٢- أما ما يتعلق بحياة الرسول الزوجية، فهي مساحة خاصة جداً ولا أعتقد أنّ إنساناً سويّاً لديه شيء من الغيرة والمروءة يسمح بالخوض فيها وتسريبها إلى الآخرين الذين لا يعنيهم هذا الأمر أصلاً؛ فما بالك بشخص بحجم الرسول العظيم في أخلاقه وسيرته وسائر صفاته، فبالتأكيد لا يسمح بالخوض في هذه المساحة من حياته التي لا تعني المسلمين في شيء إطلاقاً؛ اللهم إلا بقدر اتصالها ببيان أحكام الله الشرعية التي لا يقتصر بيانها على عرض سيرته الزوجية الخاصة بالتأكيد، لأنه كان حريصاً على بيان كل ما يقرّب المسلمين لله ويعرّفهم بطاعته وأحكامه في كل ما أتيح له من مناسبات وفي مختلف الظروف دون الحاجة إلى بيان تلك الخصوصيات. لذا، لم نسمع عنه أنه تكلم عنها بنفسه في حياته، ولم تنقل لنا من قبل القنوات الشرعية المعرّفة به (أعني القرآن الكريم، وروايات أوصيائه الطاهرين)، وإنما نقلت عن طريق بعض زوجاته، وبالتالي فإن كان هناك ما يخدش بالحياء أو المروءة فهو أمر يحسب على الناقل وليس على الرسول نفسه وحاشاه، بصرف النظر عن صحة المنقول من عدمه.

٣- رواية تغطية الفخذ أمام عثمان المشار لها في الإشكال - وما شابهها من روايات يقصدها المشككون - غير صحيحة، ولم ترد عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) وإنما وردت عن مخالفيهم، وبالتالي فالرسول غير معني بها جملة وتفصيلاً.

صفحة PDF الأصلية ٢٦٧

روى أهل السنّة رواية عن أبي قلابة - في حوار له مع عمر بن عبد العزيز، وبعضهم ذكرها خارج إطار الحوار أيضاً - قال له: (فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط الا في احدى ثلاث خصال رجل قتل بجريرة نفسه فقتل أو رجل زنى بعد احصان أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الاسلام فقال القوم أوليس قد حدث أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في السرق وسمر الأعين ثم نبذهم في الشمس فقلت انا أحدثكم حديث أنس حدثني أنس ان نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله فبايعوه على الاسلام فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها قالوا بلى فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واطردوا النعم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهم فأدركوا فجئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا قلت وأي شئ أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا عن الاسلام وقتلوا وسرقوا) (١).

المشككون من جهتهم، استندوا إلى هذه الرواية للطعن برسول الله بدعوى أنه انتقم لنفسه وماله أشدّ الانتقام من خلال الصلب وفقء الأعين وقطع الأيدي والأرجل!

١- استعرضنا شيئاً من سيرة الرسول العطرة في مدخل الكتاب، فرحمته بالناس جميعاً ومكارم أخلاقه أمر يعرفه الجميع، وتؤكده النصوص القطعية القرآنية والروائية. وبالتالي، فالنهج العلمي السليم والصحيح يلزم الباحث المنصف الأخذ بالمتواتر والقطعي وترك الظني والمشتبه به الذي يتم التقاطه بدافع الحقد لا أقل ولا أكثر.

٢- مسألة حكم القتل العمد واضحة، حيث إنّ العدالة تقتضي أن يقتل القاتل عمداً عند تحقق جميع شروط القتل العمد وفق شريعة الرسول والأوصياء من عترته،

صفحة PDF الأصلية ٢٦٨

واحترازاً لإزهاق نفس دون وجه حق جعل الله أحكام القصاص والحدود بشكل عام من اختصاص رسله المعصومين ولا يحق لغيرهم الخوض فيها.

ثم إنّ القصاص أمر معمول به ليس فقط في شريعة الإسلام، ولكن تعمل به الكثير من الدول والشرائع ذات القوانين الوضعية أيضاً.

أما بالنسبة لحد السرقة، فليس الحال على ما يتصوره الكثير من علماء المسلمين بأن تقطع يد السارق من المعصم أو أصول الأصابع ولا حتى أطر افها، وإنما القطع بمعنى الخدش في أطراف الأصابع، وهو عملية تأديبية لا أكثر، وأيضاً وفق شروط وحدود يحددها الإمام المعصوم.

(والصحيح إنّ القطع في حد السرقة - بعد ثبوت ما يستحق به السارق الحد - هو الخدش في أطراف الأصابع، فيكون قوله تعالى: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَِّّ وَاللَُّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [المائدة: ٣٨ ]، تماماً كقوله تعالى حكاية عن حال النسوة اللواتي رأين نبي الله يوسف: "وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُ ابا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَِِّّ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ" [يوسف: ٣١ - ٣٠ ].

"وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ": هل يعقل أنّ النساء قمن بقطع أيديهن من المعاصم أو قطعن أصابعهن من الأصول أثناء رؤيتهن لجمال يوسف، أو المعقول أنهن ذهلن لجماله وقمن بخدش أطراف أصابعهن بالسكاكين اللواتي كن يستعملنها.

إذن، القطع في الآية بمعنى الخدش الذي يصيب أطراف الأصابع أثناء استعمال السكين في حال الذهول وعدم الانتباه، وكذلك الحال في معنى القطع في آية حد السرقة.

صفحة PDF الأصلية ٢٦٩

والخلاصة: إنّ قوله: "فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا" = قوله: "وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" أي: كلاهما بمعنى واحد وهو خدش أطراف الأصابع (١)) (٢).

إذا اتضح هذا، فأي جزاء للقتل والسرقة أكثر من هذا لا تكون الشريعة المحمدية معنيّة به إطلاقاً ومن يرويه أو يعتقد به فهو أولى به.

٣- أما موضوع الحرابة والإفساد في الأرض الذي يؤدي إلى الإخلال بالنظام الاجتماعي العام فقد أشار له القرآن الكريم بقوله تعالى: " إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللََّّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة: ٣٣ ].

والرواية أعلاه قد تشير لهذا الأمر، لكن ينبغي أن نعرف أنّ الرسول مخيّر في العقوبة التي يريد إنزالها بالمفسد (= الإرهابي بحسب التعريف المعاصر له)، وحتى لو اختار الصلب أو قطع الأيدي والأرجل فهي - بطبيعة الحال - عقوبة تتناسب وطبيعة إجرامه الذي يهدد أمن وسلامة المجتمع بأسره.

٤- رواية أنس بن مالك المتقدمة ورد بمضمونها رواية عند المسلمين الشيعة ولكن باختلاف جوهري كبير، وهي كالآتي:

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (قدم على رسول الله قوم من بني ضبة مرضى فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أقيموا عندي فإذا برئتم بعثتكم في سرية، فقالوا: أخرجنا من المدينة فبعث بهم إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها فلما برئوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كانوا في الإبل فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله فبعث إليهم عليا عليه السلام فهم في واد قد تحيروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه قريبا من أرض اليمن فأسرهم وجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت هذه الآية عليه "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا

صفحة PDF الأصلية ٢٧٠

أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" فاختار رسول الله صلى الله عليه وآله القطع فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) (١).

ونحن إذ ننفي عن الرسول وولده الصادق (عليهما السلام) مسألة تجويز شرب القاذورات "أبوال البعير"، نجد أنّ العقوبة التي أنزلها الرسول بهؤلاء المجرمين الإرهابيين - بحسب الرواية - هي القطع وليس ما تم ذكره في رواية أنس، وهي عقوبة معقولة جداً قياساً بحجم الجريمة المرتكبة، فهي عقوبة لأجل الاعتداء على إبل الصدقة "الزكاة" وعمّالها (ولم تكن مالاً خاصاً للرسول)، والزكاة آنذاك كانت تمثل عصب اقتصاد الدولة الإسلامية، وبالتالي فهي جريمة تخل باقتصاد الدولة وأمن وسلامة مواطنيها.

٥- وإذا أصرّ المشككون على فهم رواية أنس خارج إطار الإفساد والإرهاب والتزموا العقوبة المذكورة فيها حرفياً، فيمكننا أن نقول لهم ببساطة: إنّ القناة الشرعية الوحيدة الممثلة للرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وما صدر منه فعلاً هم الأوصياء من عترته، والعقوبة المذكورة في رواية أنس لم ترد عن طريقهم.

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول كان يستميل قلوب بعض الناس بدفع المال لهم بغية نيل مودتهم وإسلامهم، وهؤلاء كانوا يسلمون طمعاً بالمال وليس حبّاً بالإسلام، وهذا يتنافى مع الصدق الذي يفترض أن يتحلّى به الرسول الإلهي!

وبعضهم يضيف: إنّ الرسول المتصف بالصدق قبل بعثته وبعد بعثه في مكة غيّر من سياسته بعد هجرته إلى المدينة!

أولاً: استعرضت فيما سبق شيئاً من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، واتضح أنّ لقب "الصادق الأمين" علامة فارقة في شخصيته، يعرفه بها قومه وغيرهم، إذ كانوا

صفحة PDF الأصلية ٢٧١

يحتكمون إليه - قبل بعثته - ويودعون عنده الودائع والأمانات لشدة صدقه وأمانته. وكذلك الحال بعد بعثته سواء في وقت وجوده بين قومه في مكة أو بعد هجرته عنهم إلى المدينة، وقد تقدم في جواب الشبهة الأولى عرض شهادة أبي سفيان في حق الرسول - مع أنه أشد الناس عداوة له - والاعتراف له بالصدق والأمانة أمام هرقل ملك الروم، والو اقعة كانت بعد الهجرة. ومن ثمَّ فالتشكيك بصدقه أو تغيير نهجه بعد الهجرة ليس أكثر من كونه فعلاً عبثياً لا طائل من ورائه غير التشفّي والحقد المقيت.

ثانياً: رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) كان صادقاً مع ربّه في تبليغ رسالته ولم تأخذه في إنفاذ مراده لومة لائم، وفيّاً لمبدئه ولم يجامل على حسابه بمقدار ذرّة، رحيماً بخلق الله كلهم، وقد تحمّل لأجل ذلك شتى أنواع الأذى. وبإمكان أي باحث ومتتبع الوصول إلى هذه النتيجة من خلال الاطلاع على سيرة هذا الرجل الإلهي العظيم.

ثالثاً: من حيث الفعل الظاهري لا فرق بين الإحسان والتودد إلى الناس من خلال دفع المال لهم لقصد نبيل وصحيح، وبين شراء ذممهم بالمال لتأييد مشروع أو موقف معيّن باطل يريد الدافع تحقيقه، والفرق يكمن في نية الدافع للمال، ولأنّها - أي النية - أمر قلبي فإنّ معرفة قصد الدافع ينحصر به هو. نعم، يمكن لغيره تخمين قصده بل ومقاربة الحقيقة أحياناً من خلال دراسة نفس موقف الدافع للمال ومشروعه، فمثلاً: ما يقوم به بعض السياسيين الفاسدين من توزيع مبالغ مالية على بعض الناس قبيل الانتخابات التي تحصل في بعض الدول لا يشك أحد في أنها تهدف إلى شراء ذممهم بغية الصعود على أكتافهم وكسب أصواتهم للوصول إلى منصب سياسي معين طمعاً بالمال والجاه والدنيا.

أما في مثل حالة الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا يصح توقع مثل هذا القصد؛ لأسباب عديدة، منها:

١- إنه رسول إلهي مبعوث من الله، احتج على الناس بالنص والعلم والدعوة إلى الله، وهي فقرات القانون الإلهي المعرِّف برسل الله جميعاً، وقد تقدم بيان ذلك.

٢- سيرته المتمثلة بأقواله و أفعاله - قبل وبعد بعثته - تكشف عن أنه كان على درجة عالية من مكارم الأخلاق والزهد بالدنيا وملذاتها إلى درجة أنّ اتصافه بذلك أمر مشهور

صفحة PDF الأصلية ٢٧٢

ومعروف لدى الجميع، وقد مرّ بنا سابقاً (١) أنّ كبراء قومه عرضوا عليه المال والسيادة مقابل ترك ما يدعو له فرفض عرضهم واختار ملاقاة شتى صنوف الأذى والألم في سبيل إنجاز مراد الله والاضطلاع بمهمة تبليغ رسالته وهداية الخلق إليه سبحانه.

يقول الفيلسوف توماس كارليل: (ولوحظ عليه منذ فتائه أنه كان شاباً مفكراً وقد سماه رفقاؤه الأمين رجل الصدق والوفاء، الصدق في أفعاله و أقواله و أفكاره، وقد لاحظوا عليه أن ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة، وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت، يسكت حيث لا موجب للكلام فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمة، لا يتناول غرضاً فيتركه إلا وقد أنار شبهته وكشف ظلمته وأبان حجته واستثار دفينته وهكذا يكون الكلام وإلا فلا. وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريماً براً رؤوفاً تقياً فاضلاً حراً، رجلاً شديد الجد مخلصاً وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة جم البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الايناس بل ربما مازح وداعب. ........

لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير- ابن القِفار والفلوات المتوقِّد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وب ارا وحكمة وحجى وإربة ونهى - أفكارٌ غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه) (٢).

سيرة الرسول المفعمة بكريم الخلق والزهد بالدنيا تمنع - بالقطع - أن يقوم باستمالة أحد من الناس طمعاً في تكثير السواد خلفه أو زيادة خفق النعل وراءه كما يفعل أهل الدنيا، والحال أنه كان يكره أن يقوم له أحد في مجلس يدخله كراهة شديدة، وكان يمشي خلف أصحابه عند مسيره معهم، بل وكان الداخل عليه في مجلس يسأل الحاضرين: "أيكم محمد؟"؛ لعدم اختلافه عنهم بشيء حتى على مستوى مكان جلوسه، إذ كان يجلس حيثما ينتهي به المجلس.

٣- إنّ الايمان المقبول والمرضي عند الله ورسوله ما كان ناشئاً من اعتقاد وتصديق حقيقي لا ما كان صورياً وشكلياً، ولذا لا يرتضي الله ورسوله إيماناً يحصل بالإكراه

صفحة PDF الأصلية ٢٧٣

والإجبار، قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" [البقرة: ٢٥٦ ]، فضلاً عن أن يكون إيماناً كاذباً يتم شراؤه بمبالغ مالية.

٤- يبقى أنّ الله سبحانه شرّع في كتابه سهم من أسهم الزكاة بعنوان "المؤلفة قلوبهم"، قال تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَِّّ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَِّّ وَاللَُّّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [التوبة:

٦٠ ].

الصدقات: تعني الزكاة، والزكاة هي عصب اقتصاد دولة الإسلام التي قادها الرسول دون شك، وكما أنّ الله سبحانه أمر رسوله بتخصيص جانب منها للفقراء والمساكين والعبيد (لتحريرهم) وأصحاب الديون وغير ذلك من سبل الخير، أمره كذلك بتخصيص شيئاً منها للمؤلفة قلوبهم، وهم: الذين يُستعان بهم في دفع الأذى عن المسلمين وإن كانوا كفّاراً.

في وضع يشبه الوضع الذي أقام فيه الرسول دولته، يعدّ تخصيص سهم من أسهم الزكاة بعنوان "المؤلفة قلوبهم" في غاية الحكمة والعقلانية؛ إذ أنّ قلة العدد والعدة قياساً بحجم وقدرة الأعداء (وهم حلف كبير يضم قريش والكثير من قبائل العرب واليهود) الذين كانوا يحيطون بدولة الرسول من كل جانب ويقودون الجيوش الزاحفة نحوه للقضاء عليه واجتثاث شخصه ودعوته من الجذور، يحتّم على الرسول (القائد الحكيم) أن يسعى جهد إمكانه إلى إضعاف جبهة عدوه من خلال تحييد بعضهم لا أقل إن لم يكن بمقدوره هدايتهم (باعتبار أنّ الهداية بحاجة إلى قرار يتخذه الشخص نفسه)، ولا أعتقد أنّ عاقلاً يسعه التشكيك في حكمة وحنكة وكياسة صاحب هكذا إجراء.

فاتضح أنّ سهم المؤلفة قلوبهم ليس الغرض منه إدخال الناس إلى الإسلام بالمال كما توهم المشككون، وإنما الغرض منه أحد أمرين:

- إما استمالة عدو، بمعنى: تحييده عن أن يكون طرفاً في حرب ضد المسلمين. - أو زيادة إيمان بعض المسلمين وثباتهم على الحق.

والرواية التالية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أشارت إلى كلا الموردين:

صفحة PDF الأصلية ٢٧٤

(عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته، عن قول الله عز وجل: "والمؤلفة قلوبهم" قال: هم قوم وحدوا الله عز وجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه و أقروا به.

وإن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر، منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاري وأشباههم من الناس فغضبت الأنصار واجتمعت إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة فقال: يا رسول الله أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، فقال: إن كان هذا الامر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئاً أنزله الله رضينا وإن كان غير ذلك لم نرض، قال زرارة: وسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر الأنصار أكلكم على قول سيدكم سعد؟ فقالوا: سيدنا الله ورسوله: ثم قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله ورأيه، قال: زرارة فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فحط الله نورهم. وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهماً في القرآن) (١).

لا شك أنّ منح جزء من مال الزكاة في المورد الثاني إجراء حكيم أيضاً كالأول؛ إذ أنّ "القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها" كما يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) (٢)، وهو أمر مشاهد بالوجدان، كما أنّ الدراسات العلمية الحديثة لعلماء النفس والأعصاب أكدت أنّ الفائدة لا تعود على المتلقي فحسب ولكن السرور والسعادة تكون من نصيب المعطي أيضاً؛ خصوصاً في مثل حالة الرسول الذي وصف عطاؤه بأنه "عطاء من لا يخاف الفقر".

فمثلاً: (العالمان " Jordan Garamfan-Jorge Mall جيوردن جرامفان، وجورج مال" في علم الأعصاب وجدا دلالات علمية باستخدام الرنين المغناطيسي عام ٢٠٠٦ أن العطاء يستحث جزئين هامين من الدماغ في المركز العاطفي ما يعرف بـ " ميزولمبيك - Mesolimbic " و Sublingual cortex( - سيبلونغيوال)، واللذان يؤديان وظيفة التعزيز السلوكي. أي

صفحة PDF الأصلية ٢٧٥

اعادة وتكرار نفس السلوك بعد الشعور بالنشوة والفرح، واستحثاث المنطقة الدماغية المسؤولة عن الانتماء الاجتماعي والشعور بالروابط الاجتماعية العاطفية الدافئة والحميمة، وأن العطاء لا يعمل على تثبيط الأنانية فقط، بل يؤدي إلى الشعور بالغبطة والسعادة) (١).

مع ملاحظة أنّ تخصيص شيئاً من مال الزكاة لأصحاب المورد الثاني لا يعني الطمع بإسلامهم؛ لأنهم أساساً مسلمون وموحدون ومقرّون بدين الله، ولكن لأجل زيادة إيمانهم وثباتهم على الحق كما هو منطوق الرواية المتقدمة.

يتهم بعض المشككين الرسول (وحاشاه) بالغل والسرقة من الغنائم التي كان يؤثر بها نفسه ويحرم سائر المسلمين منها بحسب المشككين، وهي خيانة لا تصدر من نبي مرسل!

١- لم يكن للغلّ والسرقة والخيانة نصيب في ساحة الرسول المنزّهة عن مساوئ الأخلاق عموماً وليس الغل فحسب، وليس الدليل على ذلك شهادة ربه له بعظمة أخلاقه فقط، وإنما وضوح سيرته التي يعرفها بها من اتبعه ومن عاداه على حد سواء، وتلقيبه بـ "الصادق الأمين" - كما عرفنا - علامة مميزة له من بين سائر الناس قبل وبعد بعثته، ودلالتها أبعد ما تكون عن السرقة والخيانة.

٢- تهمة "الغل" سبق وأن طرحها المنافقون والمرجفون "السلف" قديماً وليست من مكتشفات "الخلف" أعني مشككي عصرنا الراهن، وقد نفاها الله عن رسوله وبرّأ ساحته من تهمتهم الباطلة، قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" [آل عمران: ١٦١ ].

صفحة PDF الأصلية ٢٧٦

وكان سبب نزول الآية كما ذكر القمي في تفسيره، قال: (... وكان سبب نزولها أنه كان في الغنيمة التي أصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما لنا لا نرى القطيفة ما أظن إلا أن رسول الله أخذها، فأنزل الله في ذلك "وما كان لنبي أن يغل.. الخ". فجاء رجل إلى رسول الله فقال إن فلاناً غل قطيفة فاخبأها هنالك، فأمر رسول الله بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة) (١).

تهمة الغل الباطلة التي ألصقها بعض المنافقين برسول الله أشار لها ولده الصادق (عليه السلام) أيضاً فيما رواه عنه علقمة الذي شكا للإمام تعيير المخالفين له، فقال (عليه السلام) - في حديث طويل - مهوّناً عليه الأمر: (ألم ينسبوا نبينا محمداً صلى الله عليه وآله إلى أنه يوم بدر أخذ من المغنم قطيفة حمراء، حتى أظهره الله على القطيفة، وبرأ نبيه من الخيانة، وأنزل في كتابه: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة") (٢).

٣- الرسول إمام معصوم وحكيم وهادي إلهي للناس، ومن يشك في ذلك يتعيّن عليه البحث في حجّته ودليل صدقه، وليس من حقه - وفق النهج العلمي الصحيح - تجاوز هذه النقطة والقفز إلى طرح شبهات تحاكم بعض أفعال الرسول وتصرّفاته دون إحراز هذا الأصل الجوهري والتحقق منه قبل أي شيء آخر. طبعاً، هذا إن كان الطرف المشكك يستهدف الحوار والنقاش العلمي والموضوعي فعلاً.

وبالتالي، فنحن نعتقد أنّ ما يصطفيه الرسول من صفايا الغنائم - وهو أمر يحصل أحياناً لا دائماً - لم يكن بمعزل عن مراد الله ورضاه سبحانه ولغايات وحِكَم جليلة تقف خلفها بالتأكيد حتى وإن جهلنا نحن تلك الغايات، وصفة الحكمة التي كان الرسول متصفاً بها بدرجة عالية - بشهادة خصومه قبل أتباعه - لم تكن لتفارقه في عملية الاصطفاء التي كانت تحصل من قبل الرسول بصورة علنية وأمام الجميع ولم تكن خلسة كما يزعم المشككون.

صفحة PDF الأصلية ٢٧٧

علماً، أنّ بعض صفايا الرسول كانت من "الفيء" الذي وضعه الله تحت تصرّف رسوله وليست من الغنيمة، ولكن الرسول لكرمه وجوده ورحمته كان يشرك المسلمين أحياناً كثيرة فيما اختصّه الله به. والفرق بين الفيء والغنيمة: أنّ "الفيء" هو ما يؤخذ من أموال أعداء الرسول المحاربين له والكافرين بنبوته بغير حرب، بينما تؤخذ "الغنيمة" أثناء الحرب والقتال.

٤- بالنسبة للفيء، قلت: إنّ الله وضعه تحت تصرّف رسوله لأنه لم يؤخذ بقتال، قال تعالى: "وَمَا أَفَاءَ اللَُّّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللََّّ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَُّّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَُّّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللََّّ إِنَّ اللََّّ شَدِيدُ الْعِقَابِ"

[الحشر: ٧ - ٦ ].

واضح أنّ مصرف "الفيء" لا يتعلّق بالرسول شخصياً فقط، و إنما له علاقة بذوي قرباه "أهل بيته المعصومين" أيضاً الذين تحرم عليهم الزكاة، والله سبحانه يقول: "وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا" [الإسراء: ٢٦ ]. إذن، فهو مأمور من قبل الله بإيتاء حق ذي القربى، والرسول لا تأخذه في تنفيذ أمر الله لومة لائم ولا عتب أو جهل معاتب أو جاهل.

(عن سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نحن والله الذين عنى الله بذي القربى، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله، فقال: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين" منّا خاصة ولم يجعل لنا سهماً في الصدقة، أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس) (١).

الرسول بصفته مبعوثاً من الله وأميناً على رسالته، كان جلَّ همّه يتركّز على إنجاز مراد الله وإبلاغ رسالته وتنفيذ مشروعه في هداية الخلق بأدق صورة ممكنة، ولما كانت الخطة الإلهية قائمة على استمرار المشروع الإلهي بتولي الأوصياء الهداة من بعده ولا

صفحة PDF الأصلية ٢٧٨

ينتهي بموت الرسول ورحيله إلى ربه؛ لئلا تخلو الأرض من حجة ولا تكون للناس على الله الحجة، قال تعالى: "رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَِّّ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَُّّ عَزِيزًا حَكِيمًا" [النساء: ١٦٥ ]، كان الرسول - والحال هذه - يسعى جاهداً للتمهيد لتلك المهمة الكبرى واعتلاء أول أوصيائه من بعده (الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام) دفة قيادة الناس وهدايتهم بهدى الله ورسوله.

ولم يخرج منح الرسول "فدك" لابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن هذه الغاية الإلهية السامية، فالجانب الاقتصادي - ولا شك - مهم جداً في إنجاز مهمة الخليفة الإلهي ونجاحها، وإذا أردنا استثناء جميع الأمور والمصالح العامة التي يحتاج فيها خليفة الله إلى المال لأجل تنفيذها كرعايته للفقراء والمساكين والأيتام ونحو ذلك، فلا أقل أنه يسهم بتأمين نفقته وحاجته وكذلك نفقة وحاجة من يعول بهم، وبذلك يتحقق غناه عن الناس؛ خصوصاً بعد أن كانت الزكاة وسائر الصدقات الواجبة محرّم أخذها عليهم، ولهذا عمد الآخرون - الذين لم يرق لهم التمكين لأوصياء الرسول و زحزحوهم عن المراتب التي رتّبهم الله فيها - إلى أخذ فدك من فاطمة (عليها السلام) وحرموها - وحرموا الأوصياء من ولدها بالتبع - من حقهم الذي اختصّهم الله به.

(عن علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى عليه السلام على المهدي رآه يرد المظالم فقال: يا أمير المؤمنين ما بال مظلمتنا لا ترد؟ فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما فتح على نبيه صلى الله عليه وآله فدك وما والاها، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله "وآت ذا القربى حقه" فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وآله من هم، فراجع في ذلك جبرئيل وراجع جبرئيل عليه السلام ربه فأوحى الله إليه أن ادفع فدك إلى فاطمة عليها السلام، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: يا فاطمة إن الله أمرني أن أدفع إليك فدك، فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك.

فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله صلى الله عليه فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته أن يردها عليها، فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن فشهدا لها فكتب لها بترك التعرض، فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد؟ قالت كتاب كتبه لي ابن أبي

صفحة PDF الأصلية ٢٧٩

قحافة، قال: أرينيه فأبت، فانتزعه من يدها ونظر فيه، ثم تفل فيه ومحاه وخرقه، فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب؟ فضعي الحبال في رقابنا. ...) (١).

قال القاضي المغربي: (وروينا عن جعفر بن محمد صلوات الله عليه أنه قال: إن فدكاً كانت مما أفاء الله على رسوله بغير قتال، فلما أنزل الله: "فآت ذا القربى حقه" أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة صلوات الله عليها فدكاً. فلما قبض صلى الله عليه وآله أخذ منها أبو بكر، فلما ولى عثمان أقطعها مروان، فلما ولى مروان جعل الثلثين منها لابنه عبد الملك، والثلث لابنه سليمان، فلما ولى عبد الملك جعل ثلثيه لعبد العزيز وبقى الثلث لسليمان، فلما ولى سليمان جعل ثلثه لعمر بن عبد العزيز، فلما ولى عمر بن عبد العزيز ردها كلها على ولد فاطمة عليها السلام، فاجتمع إليه بنو أمية وقالوا: يرى الناس أنك أنكرت فعل أبي بكر وعمر وعثمان والخلفاء من آبائك فردها. وكان يجمع غلتها في كل سنة ويزيد عليها مثلها. ويقسمها في ولد فاطمة عليها وعليهم أفضل السلام. وكان الامر فيها، كما قال أبو عبد الله صلوات الله عليه أيام عمر ابن عبد العزيز. ثم استأثر بها آل العباس من بعده إلى أن ولى المتسمى بالمأمون فجمع فقهاء البلدان من العامة وغيرهم، وتناظروا فيها، فثبت أمرهم بإجماع أنها لفاطمة صلوات الله عليه. وشهدوا بأجمعهم على ظلم من انتزعها منها، فردها في ولد فاطمة صلوات الله عليها، وذلك من الامر المشهور المعروف) (٢).

لم يكن الرسول يهدف شيئاً من مال الدنيا (وحاشاه)، وبالرغم من أنه رسول وإمام معصوم مأذون بالتصرف من قبل الله بما يشاء، لكن الرسول الذي كان يعي جيداً أنّ متع الدنيا تقلل من نصيب الآخرة، ولأنه أسوة لكل من تأسى به، اختار أكرم خلق الله أن ينام على الحصير الذي كان يؤثر في خدّه الشريف، وكان يخصف نعله ويحلب دابته ويرقّع ثوبه بيده، معرضاً عن زخارف الدنيا ومتعها إعراضاً لا نظير له، ويكفي أن نعرف أنه ما شبع من بر ولا شعير قط، وما رفعت له مائدة وعليها طعام؛ لقلته وبساطته، وقد رحل من الدنيا دون أن يترك شيئاً من صفراء أو بيضاء بالرغم من أنه كان مأذوناً باصطفاء وأخذ ما يشاء.

صفحة PDF الأصلية ٢٨٠

نعم، الرسول كان يهدف من جميع أفعاله وتصرّفاته - بما في ذلك صفاياه - إنفاذ مراد الله بالدرجة الأساس، أو سد حاجة ضرورية تتعلق بنفقته ونفقة من يعول بهم من يتامى وفقراء ومساكين وأرامل وأبناء سبيل ونحو ذلك؛ لأنه كان مأوى لمن لا مأوى له.

عن الإمام علي (عليه السلام): (قال له يهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان زاهداً، قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك: ومحمد صلى الله عليه وآله أزهد الأنبياء عليهم السلام كان له ثلاث عشر زوجة، سوى من يطيف به من الإماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطّئ (مهّد) له من البلاد، ومكّن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف، ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمداً بالحق ما أمسى في آل محمد صلى الله عليه وآله صاع من شعير ولا صاع من تمر ولا درهم ولا دينار) (١).

للإنصاف أقول: رجل بهذا المستوى أبعد ما يكون عن تهم المشككين العبثية كتهمة السرقة والاختلاس.

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول (وحاشاه) كان يسب ويشتم أعدائه، وكذا يقوم بلعنهم، مستندين في ذلك إلى بعض الآيات والروايات، مثل: "تبت يدا أبي لهب"، "إنّ شائنك هو الأبتر"، وما روي: (عن عائشة قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما اصابه هذان قال وما ذاك قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال أوما علمت ما شارطت عليه ربى قلت اللهم إنما انا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٢٨١

١- مسألة السب والشتم:

الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يصدر منه السب والشتم إطلاقاً؛ لأن السب والشتم ليس خلقاً إنسانياً سويّاً، والثابت القطعي بحسب ما عرفناه من سيرة الرسول قبل وبعد بعثته، وأيضاً بحسب تعريف ربه الكريم له، قال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]، أنه كان في قمة الاتصاف بمكارم الأخلاق التي لا يتنازع في اتصافه بها المؤمن به والكافر برسالته. وبالتالي، فكل حديث يخالف هذا الأمر القطعي مكذوب دون أدنى شك.

والأكثر من هذا، فإنّ البعض - ومنهم يدّعون الإسلام للأسف - تمادى لينسب إلى الله السب والشتم، بحجة أنّ لفظ "زنيم" في قوله تعالى: "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ" [القلم: ١٣ ]، هي سب وشتيمة!

من جهته، رفض السيد أحمد الحسن هذا الطرح بشدة، مستنكراً في الوقت نفسه اللجوء إلى المتشابه وترك المحكم الذي صرّح به الله تعالى في كتابه فيقول: "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللِّّ فَيَسُبُّواْ اللَّّ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" [الأنعام: ١٠٨ ].

يقول عن هذه الآية: (ظاهر الآية جلي في النهي عن السب واستخدام الألفاظ البذيئة، فهذا ليس خلقاً إنسانياً سوياً ولا يمكن لإنسان سوي متزن أن يتهم الله بالسب والشتم والكلام البذيء حاشاه سبحانه فهو القوي القادر المهيمن ولا حاجة به للسب والشتم وهو مصدر الأخلاق والقيم والكلام الطيب وهو سبحانه الذي يقول: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" النحل: ١٢٥ ، فهذا هو المنهج القرآني العام والذي يجب أن تفهم في إطاره الأوامر الإلهية.

أيها الأحبة يا شيعة آل محمد: انتبهوا وفقكم الله هذا هو المحكم وهو أن الله يأمر أن تكون دعوة المخالف بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالسب والشتم والألفاظ البذيئة

صفحة PDF الأصلية ٢٨٢

"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".

أيها الأحبة يا شيعة آل محمد: انتبهوا وفقكم الله هذا هو المحكم وهو أن الله يأمر بعدم السب وبكل وضوح وجلاء "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللِّّ فَيَسُبُّواْ اللَّّ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ".

هذا هو المحكم أيها الأحبة يا شيعة آل محمد: "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللِّّ ... ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

هذا هو المحكم وهذا ما يقوله العقل والإنسانية وهذا ما نعرفه عن الأخلاق الالهية العليا التي تعلمناها من محمد صلى الله عليه وآله.

أما كلمة "زنيم" فهي في أحسن أحوالها تكون كلمة متشابهة المعنى، وإليكم معناها الذي روي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه وكذا في بعض كتب اللغة وهو بعيد عن التفسير الخاطئ الذي قاله صادق الشيرازي:

فقد روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار فقال عن: "أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن معروف عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ قال العتل العظيم الكفروالزنيم المستهتربكفره" ق ) (١).

معاني الأخبار- الصدو : ١٤٩

أما آية سورة المسد: "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" [المسد: ١]، فقد ورد في سبب نزول السورة أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله): (جمع بني عبد المطلب وكانوا اثني عشر رجلاً، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة في المجلس فصنع لهم رجلاً من لحم ثم دعاهم فأكلوا حتى نهلوا ثم قال لهم: من يبايعني منكم على أن يكون أخي ووصيي ووارثي وخليفتي ووزيري من بعدي؟

صفحة PDF الأصلية ٢٨٣

فلم يبايعه إلا علي بن أبي طالب فقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟ تبت يداك؟! فأنزل الله "تبت يدا أبي لهب وتب" إلى آخر السورة) (١).

التبّ والتباب بحسب اللغة: يعني الخسران والهلاك أو الخيبة، والآية كانت بصدد إرجاع اللفظ الوارد في قول الكافر والمكذب بالرسول - أعني أبا لهب - الذي أطلقه بوجه الرسول عليه، بمعنى: أنه لما قال للرسول خبت وخسرت، أجابه الله سبحانه خبت وخسرت أنت يا أبا لهب، وواضح أنّ الآية ليس فيها سبّ ولا شتيمة.

نعم، السباب والشتم كانت من شيمة أعدائه، إذ روي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الليالي، فقرأ "تبت يدا أبي لهب". فقيل لأم جميل - أخت أبي سفيان - امرأة أبي لهب: إن محمداً لم يزل البارحة يهتف بك وبزوجك في صلاته، ويقنت عليكما. فخرجت تطلبه، وهي تقول: لئن رأيته لأسمعنه وجعلت تنشد: من أحس لي محمدا؟ حتى انتهت إلى رسول الله، وأبو بكر جالس معه. فقال أبو بكر: يا رسول الله لو تنحيت، فان أم جميل قد أقبلت، وأنا خائف أن تسمعك سباباً فقال: إنها لن ترني. فجاءت حتى قامت عليه، فقالت: يا أبا بكر رأيت محمدا؟ قال: لا. فمضت راجعة إلى بيتها.

فقال أبو جعفر: ضرب الله بينهما حجاجا أصفر. وكانت تقول له صلى الله عليه وآله: مذمم. وكذا قريش كلهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الله أنساهم [ذكر] اسمي وهم يسبون مذمماً، أنا محمد) (٢). و

وكذلك آية سورة الكوثر: "إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" [الكوثر: ٣]، فهي الأخرى لا تتضمن سبّاً ولا شتماً، فالأبتر: يعني من لا عقب له، وهذا القول ذكره عمرو بن العاص بحق الرسول لما توفي ولده إبراهيم، والله سبحانه أرجع قوله عليه؛ لأنه فعلاً أبتر من كل فضيلة وخير.

صفحة PDF الأصلية ٢٨٤

روى سليم بن قيس الهلالي: (لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله قام (يعني ابن العاص) فقال: إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له، وإني لأشنأ الناس له و أقولهم فيه سوء فأنزل الله فيه: "إن شانئك هو الأبتر"، يعني أبتر من الإيمان ومن كل خير) (١).

٢- مسألة اللعن:

أما لعن الرسول لبعض أعدائه، فهو لا يقدح بعصمته وسمو أخلاقه؛ لأن اللعن يعني الطرد من رحمة الله، وسبب طرد الملعونين أنهم بلغوا ذروة الإجرام والعداء للدعوات الإلهية ورسل الله الكرام بحيث استحقوا الطرد من رحمته سبحانه بسوء أفعالهم، والله هو من طردهم، قال تعالى: "إِنَّ اللََّّ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا" [الأحزاب: ٦٤ ].

وكذلك: الله لعن العلماء غير العاملين الذين يكتمون بيّناته وهداه، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَُّّ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" [البقرة: ١٥٩ ].

قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): (فمن شرار خلق الله بعد إبليس، وفرعون، ونمرود، وبعد المتسمين بأسمائكم، والمتلقبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في ممالككم؟ قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عز وجل: "أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا.." الآية) (٢).

ثم إنّ مسألة لعن من لعنهم الله ليس بأمر صدر من الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فحسب، ولكن رسل الله السابقين كانوا أيضاً يلعنون من لعنه الله، قال تعالى: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا

يَعْتَدُونَ" [المائدة: ٧٨ ].

وهكذا يتضح أنّ الرسول لم يصدر منه ما يتعارض ومكارم الأخلاق أصلاً، وإنما كان في كل أقواله و أفعاله ممتثلاً مراد ربه الذي لا تأخذه في مرضاته لومة لائم.

صفحة PDF الأصلية ٢٨٥

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول تزوج خديجة قسراً وبدون رضا أهلها؛ طمعاً بالحصول على مالها والاستفادة منه!

١- لا يوجد للزواج القسري الذي زعمه المشككون في كتب التاريخ والسير عين ولا أثر، بل العكس هو الموجود بين أيدينا، وهذه بعض الروايات التي تحكي قصة زواج الرسول (صلى الله عليه وآله) من السيدة خديجة (عليها السلام):

(كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله من صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج في مالها ذلك، ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله سلعته التي خرج فيها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسرة، وكان ميسرة فيما يزعمون قال: إذا كانت الهاجرة واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريباً، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين، فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وسطتك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً، وكل قومها قد كان حريصاً على ذلك لو يقدر عليه، فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالت

صفحة PDF الأصلية ٢٨٦

ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله) (١).

وأيضاً: نقل المؤرخون خطبة عمّه أبي طالب (عليه السلام) عند الزواج حيث قال:

(الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد أي معدنه وعنصر مضر أي أصله وجعلنا حضنة بيته أي المتكفلين بشأنه وسوّاس حرمه - أي القائمين بخدمته - وجعله لنا بيتا محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا حكام الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقية ونشاً) (٢).

ونقلوا أيضاً خطبة ورقة بن نوفل بعد كلام أبي طالب، إذ قال:

(الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليّ معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله) (٣).

وهكذا نرى أنّ مسألة زواج الرسول بالسيدة خديجة تم برضاها، بل وبرغبة ابتدائية منها، ولم يكن في الزواج أي قهر أو جبر مورس عليها كما زعم المشككون.

٢- أما قضية تبرعها بمالها نصرة لدين الله عند ابتداء بعثة الرسول، فهو فضل من الله عليها أن كانت أحد أعمدة قيام دين الله، ويكفيها شرفاً أنّ الله جعل غنى رسوله ودينه

صفحة PDF الأصلية ٢٨٧

عمّا في أيدي الناس بمالها الذي وضعته تحت تصرّف الرسول الكريم وليكون سبباً في إقامة دينه ونشر رسالته وهداه بين الناس.

وبعض المؤرخين روى أنّ السيدة خديجة (عليها السلام) وهبت كل ما تملك للرسول منذ أول أيام زواجها منه، بعد أن عاب الناس عليه فقره، فإنها لما سمعت بذلك قالت لعمها ورقة: (خذ هذه الأموال وسر بها إلى محمد صلى الله عليه وآله وقل له: إن هذه جميعها هدية له، وهي ملكه يتصرف فيها كيف شاء، وقل له: إن مالي وعبيدي وجميع ما أملك وما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد صلى الله عليه وآله إجلالا وإعظاما له، فوقف ورقة بين زمزم والمقام ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها قد وهبت نفسها ومالها وعبيدها وخدمها وجميع ما ملكت يمينها والمواشي والصداق والهدايا لمحمد صلى الله عليه وآله، وجميع ما بذل لها مقبول منه، وهو هدية منها إليه إجلالا له وإعظاما ورغبة فيه، فكونوا عليها من الشاهدين) (١).

وعموماً، كان لمال خديجة دور كبير في تمكين الرسول من أداء كثير من المهام المناطة به كرسول إلهي مبعوث من الله لهداية ورعاية خلقه.

روى الطوسي بسنده عن ابن أبي رافع، قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة عليها السلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفك من مالها الغارم والعاني ويحمل الكلّ، ويعطي في النائبة، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، ويحمل من أراد منهم الهجرة، وكانت قريش إذا رحلت عيرها في الرحلتين - يعني رحلة الشتاء والصيف - كانت طائفة من العير لخديجة، وكانت أكثر قريش مالاً، وكان صلى الله عليه وآله ينفق منه ما شاء في حياتها ثم ورثها هو وولدها بعد مماتها) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٢٨٨

يعتبر بعض المشككين أنّ ما فعله الرسول يوم الحديبية كان سبباً في إدخال الشك في نفوس الكثير من المسلمين، وهو أمر ينافي الحكمة التي يفترض أن يتصف بها الرسول الإلهي والقائد السياسي الحكيم!

ابتداءً، ينبغي أن نعرف - ولو باختصار - ماذا حصل في الحديبية:

ذكر المؤرخون (١) ضمن أحداث السنة السادسة من الهجرة أنّ الرسول سار بمن معه من المسلمين باتجاه مكة غير قاصد للحرب، و إنما كان غرضه أداء العمرة وقد ساق معه الهدي، فلما بلغ عسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال له: (يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فاجتمعوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبداً، ... قال رسول الله: يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإنْ هم أصابوني كان الذي أرادوا وإنْ أظهرني الله دخلوا في الاسلام و افرين).

غيّر الرسول طريقه حتى وصل وادي الحديبية القريب من مكة فبركت ناقته وقال: "حبسها حابس"، فأمر الناس بالنزول. وجاءه نفر من خزاعة يخبروه بعزم قريش على صده عن دخول مكة، فقال لهم: (إنا لم نأت لقتال أحَدٍ ولكنا جئنا معتمرين وإن شاءت قريش ماددناهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي).

وأيضاً: جاءه عروة بن مسعود الثقفي يتوسل إليه بأن لا يدخل مكة عنوة، ثم بعثت قريش سهل بن عمرو ليصالح الرسول بالرجوع في عامه هذا مقابل بنود تم الاتفاق عليها بين الطرفين، وكانت بنود الصلح كالتالي:

صفحة PDF الأصلية ٢٨٩

(هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال ولا إغلال وأن بيننا عيبةً مكفوفة وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمدٍ وعقده فعل وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريشٍ وعقدها فعل وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمدٍ لم ترده وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ويدخل علينا قابل في أصحابه فيقيم ثلاثاً لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب) (١).

من جهتهم، لما رأى المسلمون حصول الصلح دخل الشك في نفوس بعضهم؛ باعتبار أنّ الرسول كان قد وعدهم بدخول مكة نتيجة رؤيا رآها وأخبرهم بها، وهذا حال أحدهم كما يروي هو عن نفسه:

عن عمر بن الخطاب، قال: (لما كتب النبي صلى الله عليه [وآله] كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل بن عمرو، وكان في الكتاب أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد ومن خرج من المشركين إلى النبي صلى الله عليه [وآله] يرد إليهم، غضب عمر وقال لأبي بكر: ما هذا يا أبا بكر؟ أيرد المسلمون إلى المشركين؟! ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فجلس بين يديه، وقال: يا رسول الله! ألست رسول الله حقا؟! قال: بلى. قال: ونحن المسلمون حقا؟ قال: نعم. قال: وهم الكافرون؟! قال: نعم. قال: فعلى م نعطي الدنية في ديننا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا رسول الله أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني، فقام عمر مغضبا، وقال: والله لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا! وجاء إلى أبي بكر، فقال له: يا أبا بكر! ألم يكن وعدنا، أنا سندخل مكة، فأين ما وعدنا به؟! فقال أبو بكر: أقال لك أن العام ندخلها؟ قال: لا. قال: فسندخلها. قال: فما هذه الصحيفة التي كتبت؟ وكيف نعطي الدنية في أنفسنا؟ فقال: يا هذا! إلزم غرزه فوالله إنه لرسول الله، إن الله لا يضيعه، فلما كان يوم الفتح وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله مفتاح الكعبة، قال: ادعوا لي عمر، فجاء، فقال: هذا الذي كنت وعدت به) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٢٩٠

قال ابن الأثير في وصف حال بعض المسلمين بعد توقيع الصلح:

(فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمرٌ عظيم حتى كادوا يهلكون ....... فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من قضيته قال: قوموا فانحروا ثُمّ احلقوا فما قام أحدٌ حتى قال ذلك مراراً فلما لم يقم أحد منهم دخل ملى أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: يا نبي الله أخرج ولا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتحلق شعرك. ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً للازدحام فما فتح في الاسلام قبله فتح كان أعظم منه حيت أمن الناس كلهم بعضهم بعضاً فدخل في الاسلام تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك أكثر) (١). و

وتعليقاً على هذه الحادثة، أقول:

١- الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) رسول إلهي ويعمل بأمر ربّه الذي لا تأخذه في إنفاذ مراده وتحقيق مرضاته لومة لائم، بل كل ما يصدر منه من قول أو فعل يتصل برسالة الله الذي بعثه وأرسله لهداية خلقه يصدر منه بوحي من الله سبحانه. وبالتالي، فما صدر منه من صلح في الحديبية يقع ضمن هذا الإطار، ولذا قال ردّاً على من اعترض عليه فعله: "أنا رسول الله أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني"!

ما يأمر به الله يفعله رسوله شاء من شاء و أبى من أبى، مع ملاحظة أنّ المسلمين يفترض بهم أن يسلّموا للرسول في جميع أفعاله بعد أن ثبت لهم بالدليل ورأوا الآيات الدالة على أنه رسول من الله، سواء تعقّلوا الحكمة من فعله أو لا، قال تعالى: "مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللََّّ إِنَّ اللََّّ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الحشر: ٧]، حتى على مستوى الحرج النفسي من قضائه و أفعاله، قال تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"

[النساء: ٦٥ ].

٢- أيّ شك يعتري صدر أحدٍ من المسلمين نتيجة فعل صادر من الرسول هو ضعف في إيمان صاحبه ونقصاً في مستوى عقيدته، وبالتالي فهو طعن به ولا يصح اعتباره طعناً

صفحة PDF الأصلية ٢٩١

بالرسول؛ لأن الرسول لم يرسل أصلاً لتنفيذ رسالة الله وفق رغبات الناس ومقدار إدراكهم وتعقلهم للأمور، و إنما بُعث لتنفيذ مراد الله الحكيم العارف والمطلع على عو اقب الأمور ومآلها؛ العو اقب والحِكَم والعلل التي يغيب أكثرها على أغلب الناس الغافلين ثم ينتبهون ويدركون الحكمة منها بعد حين!

وهذا بالضبط ما حصل مع الصلح الذي عقده الرسول مع مشركي قريش في الحديبية؛ وذلك بعد معرفتنا:

أ- إنّ الصلح كان سبباً في انتشار دعوة الرسول وبلوغها مديات لم تكن لتصلها لولا الصلح الذي نصّت بنوده على وضع الحرب أوزارها عشر سنين وأن تخلي قريش بين الرسول وبين سائر العرب، وأنّ من أحب منهم الدخول في دعوته فله ذلك. ب- حقن الدماء، إذ لا يشك عاقل لديه أدنى مستوى إدراك وشيء من الحكمة أنّ القائد الذي يتمكّن من بلوغ أهدافه بالسلم ودون إراقة دماء يكون تصرفه أولى وأحجى ممّن يبلغها بالحرب والقتال؛ خصوصاً في مجتمع قبلي كالذي عليه العرب أيام بعثة الرسول، ولذا كان الرسول الحكيم يدّخر اللجوء إلى الحرب كآخر السبل التي يضطره إليها أعداؤه. ما فعله الرسول في الحديبية وإن كلّفه الصبر عاماً إضافياً على دخول مكة وزيارة بيت الله فيها، وأيضاً: كلفه الصبر على تسرب الشك إلى نفوس بعض أصحابه، لكن نتيجة صبره الظفر وتحقيق وعد الله سبحانه، فدخل مكة فاتحاً منتصراً نصراً مبيناً بدون إراقة قطرة دم واحدة. ويفترض - إن كان هناك إنصاف - أن يعتبر تصرف الرسول هذا غاية في الحكمة والتسديد الإلهي، وليس مجانباً للحكمة كما زعم المشككون.

قال تعالى: "لَقَدْ صَدَقَ اللَُّّ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَُّّ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا

قَرِيبًا" [الفتح: ٢٧ ].

صفحة PDF الأصلية ٢٩٢

روى الكليني: (عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الفرق (١) من السنة؟ قال: لا، قلت: فهل فرق رسول الله صلى الله عليه وآله: قال: نعم قلت: كيف فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وليس من السنة؟ قال: من أصابه ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله يفرق كما فرق رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أصاب سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فلا، قلت له: كيف ذلك؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين صد عن البيت وقد كان ساق الهدي وأحرم أراه الله الرؤيا التي أخبره الله بها في كتابه إذ يقول: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون" فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الله سيفي له بما أراه فمن ثم وفر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين أحرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله عز وجل فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر ولا كان ذلك من قبله صلى الله عليه وآله) (٢).

يدّعي بعض المشككين أنّ الرسول (وحاشاه) أباح لنفسه الخلوة بالنساء الأجنبيات والتغزل بهن في الوقت الذي حرّم فيه ذلك على أتباعه، ويحتجون لذلك ببعض الروايات التي وردت في كتب أهل السنة التي يظهر منها ذلك بحسب فهمهم!

١- عفّة الرسول وطهارة جانبه أمر ثابت وقطعي من خلال الاطلاع على المحكم والمتواتر من سيرته وأخلاقه التي يعرفه بها الجميع، أما التشبث بأمور مشتبهة وغير قطعية في حصولها أصلاً وفي دلالتها أيضاً فهي حيلة العاجز والمفلس حقيقة.

٢- مناقشة الروايات التي وردت في شبهة المشككين:

صفحة PDF الأصلية ٢٩٣

من الروايات التي استند إليها المشككون هي ما رواه البخاري في "باب مناقب الأنصار" عن أنس، قال: (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذي نفس بيده انكم أحب الناس إليّ مرتين) (١).

يزعم المشككون أنّ الرواية تدل على التغزل والخلوة!

وأعتقد أنّ أي مطلع منصف على كلامهم لا يتردد في وصفهم بالمرض والهوس الذي يجعلهم يقرؤون تصرّفات الآخرين - بما فيهم رسل الله - بعين الطبع الذي تطبّعوا عليه، وإلا فامرأة تدخل على الرسول (الذي كان يجلس عادة في مسجده أو مجلسه الذي لا يخلو من حضور المسلمين لقضاء حوائجهم وإجابة أسئلتهم كما هو الواضح في سيرته، ولا أقل من وجود أنس الذي يروي حصول الحادثة)، ثم يوضح لها ضمن كلامه الذي لم ينقل أنس كل تفاصيل الحادثة - التي يبدو أنها كانت تخص مجتمع الأنصار - سوى قول الرسول: "إنكم أحبّ الناس إليّ"، وواضح أنّ الرسول كان يقصد بذلك عموم مجتمع الأنصار الذين أكرمهم الله بنصرة رسوله بعد إيوائهم له ومن هاجر معه في مدينتهم "يثرب"، فأين هو التغزل والخلوة التي يتحدث عنها هؤلاء المرضى؟!!

و أيضاً: من الروايات التي احتجّوا بها: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أنّ الرسول كان يزور أم حرام بنت ملحان (خالة أنس بن مالك) في بيتها، وبحسب قولها: إنّ الرسول (وحاشاه) كان ينام في بيتها وتقوم هي بفلي رأسه، أو أنّ مكان نومه كان قريباً منها على حدِّ زعمها (٢).

صفحة PDF الأصلية ٢٩٤

وشبيه بهذا ما ذكرته عائشة من أنّ الرسول (وحاشاه) كان يدعوها للنظر إلى حبشية ترقص وصبيان حولها وهي متكئة على منكبه (١)، وبحسب ما نقله البخاري ومسلم أنّ الر اقصين كانوا رجالاً في المسجد (٢).

أقول: هذه روايات آحاد وردت من طرق المخالفين لأوصياء الرسول، وهي روايات باطلة وغير صحيحة قطعاً، فليس كل ما ورد ذكره في الكتب صحيح وله نصيب من التحقق في الو اقع، وقد قلت سابقاً: إنّ الجهة الشرعية التي تُعرِّف بالرسول وتبيّن سيرته الحقيقية والصحيحة تتمثل بالقرآن الكريم والأوصياء الطاهرين من عترته، ولا شك أنّ هذه الروايات تتنافى مع عظمة أخلاقه وحيائه وعفّته المنصوص عليها في كتاب الله والروايات المتواترة.

وإذا عرفنا هذا، لم نعد بحاجة للإصغاء إلى محاولات شرّاح أحاديث الصحاح عند أهل السنة الذين حاولوا توجيه مثل هذه الأحاديث، فحمل بعضهم رواية أم حرام على اختصاص الرسول بجواز الدخول على الأجنبية والخلوة بها، أو أنها كانت محرم عليه بدعوى أنها أمه أو خالته من الرضاعة (٣). كذلك حمل بعضهم رواية عائشة على أنّ اللهو المذكور فيها هو لهو مباح وعبارة عن لعب بالحراب يقوم به الأحباش وهو مما يجوز فعله في مسجد الرسول (٤).

صفحة PDF الأصلية ٢٩٥

وبخصوص رواية عائشة، يؤكد بعض المحدثين السنّة أنها أثبتت منقبة لعمر بن الخطاب الذي صرّحت عائشة في خاتمة حديثها أنه لما أقبل فرّت منه شياطين الإنس والجن!

ولعمري أنه إذا كان فعل الأحباش جائزاً فلِمَ غصَّ المسجد بحضور شياطين الإنس والجن؟ وإذا كانت هناك ضرورة من حضورهم لِمَ لمْ يكون تواجد الرسول العظيم بنفسه كافياً في هروبهم وتطهير المسجد من تواجدهم؟ لماذا فرّوا بمجرد مجيء عمر وهو شخص عادي ولم يفرّوا من الرسول نفسه وهو الرجل الإلهي الطاهر والمعصوم، هل لأن عمر أكثر هيبة أو طهارة من الرسول - مثلاً - بحسب اعتقادهم؟!

أعتقد أنّ هذه الأحاديث تقع ضمن دائرة الإساءة للرسول، وإضفاء مناقب مزعومة على من أصرَّ على زحزحة أوصياء الرسول عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ممّن نص عليهم الرسول بأسمائهم لهداية وإمامة الناس من بعده، فقريش الظالمة للرسول التي لم تتمكن من التأثير والتشويش على دعوة الرسول وسيرته أثناء حياته سعت إلى ذلك جاهدة بعد مماته من خلال دس الأكاذيب والموضوعات ونسبتها للرسول زوراً؛ طعناً بالرسول وأوصيائه من جهة، وتلميعاً لصفحات بعض الشخصيات القرشية المناوئة لخط الأوصياء الإلهي من جهة أخرى.

يزعم بعض المشككين أنّ الرسول كان يحابي بعض ذوي قر باه دون سائر الناس، مثل: نهي أصحابه عن قتل بني هاشم الذين وقعوا أسرى في معركة بدر، وكذلك أمره بحسن معاملتهم، أو إطلاق سراح "أبي العاص" زوج ابنته زينب بدون مقابل!

أولاً: عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر ثابت بالدليل، وحسن أخلاقه مع الجميع لا يسع أحد من المنصفين والباحثين في سيرته الطعن به؛ لأن الشواهد التاريخية

صفحة PDF الأصلية ٢٩٦

عليه أكثر من أن تحصى، وقد عرضت في البحوث المتقدمة - والآتية أيضاً - شيئاً من رحمته وعفوه وعدله وسائر سجاياه الحميدة بما يكفي لإبطال زعم المشككين.

ثانياً: بالنسبة إلى الأمثلة التي وردت في شبهة المشككين والتي اعتبروها محاباة من قبل الرسول لأقربائه، فهو كلام غير صحيح ولا دقيق من الناحية التاريخية.

١- تقدم في إجابة شبهة ( ٤٥ ) أنّ مسألة فداء أسرى بدر كانت باقتراح من قبل المسلمين ولم تكن بأمر الرسول ابتداءً، بل لم تكن صدرت تعليمات عسكرية منه تجيز الأسر؛ باعتبار أنّ السنة الإلهية لا تسمح لخليفة الله أسر أعدائه قبل أن تثبت دعوته وتستقر كما هو مقتضى قوله تعالى: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَُّّ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَُّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [الأنفال: ٦٧ ].

ولكن لما اقتاد المسلمون أسرى بدر - وكانوا سبعين رجلاً - وجيء بهم إلى الرسول تعامل مع القضية كأمر و اقع، وبدأ بإصدار أمره بقتل اثنين من أعداء دين الله هما: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، لكن المسلمين تدخلوا بعد أن خافوا أنه سيصدر أمره بقتلهم جميعاً، وأيضاً: كانوا يريدون الاستعانة بالمال على فقرهم، فقبل الرسول اقتراحهم بوحي من الله سبحانه مقابل شرط و افقوا عليه:

(..... فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر وعقبة خافت الأنصار ان يقتل الأسارى كلهم فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك هبهم لنا يا رسول الله وخذ منهم الفداء وأطلقهم فأنزل الله عليهم: "ما كان النبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا" فأطلق لهم ان يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط انه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء فرضوا منه بذلك) (١).

صفحة PDF الأصلية ٢٩٧

(..... فقال جماعة من المهاجرين: إن الأسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين، فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الأسارى والغنائم فنقوى بها على جهادنا. فأوحى الله إليه يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الأسارى إن لم يقتلوا [الأسارى] وأنزل الله: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة") (١).

واضح أنّ الرسول لم يميز بين الأسرى، وتعامل معهم جميعاً بنفس الطريقة، سوى أنه ابتدأ بعقبة والنضر لشدة عداوتهما لدين الله ورسالته، وكان النضر صاحب لواء المشركين ببدر.

٢- الفداء الذي اقترحه المسلمون وقَبِل به الرسول لم يميز به بين الأسرى أيضاً، والوثائق التاريخية تؤكد أنّ أسرى بدر السبعين لم يكن بينهم من بني هاشم غير أربعة أشخاص فقط، علماً أنّ الرابع لم يكن من بني هاشم وإنما كان حليفاً لهم اسمه عتبة، والثلاثة الهاشميين هم: العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. أما باقي الأسرى فكلهم من غير بني هاشم كبني عبد الدار وبني مخزوم وبني عبد شمس وبني سهم وغيرهم.

والرسول لما رضي بأخذ الفداء منهم لم يخص بني هاشم بذلك دون سواهم، وإنما شمل إذنه الجميع، وبحسب المصادر التاريخية فإنّ فداء الأسير الذي لديه مال بمكة كان أربعة آلاف درهم، وبذلك فُدِي أول أسير وهو أبو وداعة بن ضبيرة؛ باعتبار أنّ لديه ولداً تاجراً بمكة (٢)، أبووداعة من بني سهم ولم يكن من بني هاشم، ثم بعثت قريش في فداء و أسراهم.

وأيضاً: فُدِي أبو عزيز بن عمير (أخو مصعب بن عمير) بأربعة آلاف درهم، وهو من بني عبد الدار وليس من بني هاشم (٣).

صفحة PDF الأصلية ٢٩٨

وأما الأسرى الهاشميين، فقد حاول العباس بن عبد المطلب أن لا يدفع الفداء معتذراً بعدم المال، لكن الرسول أمره بدفعه وفداء نفسه وأخبره بأنّ لديه مالاً، وكذلك أمره بدفع فداء نوفل وعقيل.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أوقية، والأوقية أربعون مثقالا إلا العباس فإن فداءه كان مائة أوقية، وكان أخذ منه حين أسر عشرون أوقية ذهبا، فقال النبي: ذلك غنيمة، ففاد نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا، فقال: ليس معي شئ فقال: أين الذهب الذي سلمته إلى أم الفضل، وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل وعبد الله وقثم؟ فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: الله تعالى، فقال: أشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد إلا الله تعالى) (١).

أما من لم يكن لديه مال من الأسرى، جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فداؤه تعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة:

(عن ابن عباس قال كان ناس من الاسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم ان يعلموا أولاد الأنصار الكتابة) (٢).

واضح أنّ الرسول كان عادلاً ومنصفاً مع جميع الأسرى، وبالتالي فما ذكره المشككون مجرد جهل وعدم اطلاع منهم على سيرته لا أكثر.

٣- أما قصة فداء أبي العاص بن ربيع زوج زينب ابنة الرسول، وقد كان بين أسرى بدر، فقد روتها عائشة:

(عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبى العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبى العاص، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها" فقالوا: نعم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ

صفحة PDF الأصلية ٢٩٩

عليه، أو وعده، أن يخلى سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: "كونا ببطن ياجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها") (١).

عرفنا سابقاً أنّ فداء الأسرى كان بطلب من المسلمين، وكان أحد أهدافهم أنهم يستعينون بالمال على فقرهم، وحصل تفضّل عليهم وإذن مشروط من الرسول الذي لم يكن ليأذن به لولا الوحي الإلهي، ولما أرسلت ابنة خديجة (عليها السلام) فداء أسيرها بمال أهدته لها أمها، ونحن نعلم - بحسب ما لدينا من وثائق تاريخية - مدى تعلّق الرسول بخديجة ووفائه لها وحنينه لذكراها، خاطبهم الرسول: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها"!

"إن رأيتم": رجاء من الرسول.

الرسول يرجو المسلمين بالرغم من أنه أولى بهم من أنفسهم (ومالهم بطريق أولى)، قال تعالى: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ" [الأحزاب: ٦]، وله صلاحيات ممنوحة من ربه يتصرف بما يشاء في مثل هكذا أمور يعلم الله أنّ رسوله لا يحيد فيها عن رضاه سبحانه إطلاقاً، لكن خلقه الكريم يأبى أن يفرض على المسلمين طلبه بالرغم من بساطة الطلب وبالرغم من أنه السبب في هدايتهم و إنقاذهم وانتصارهم وكل خير هم فيه!

وللإنصاف أقول: إنّ ما جرى في معركة بدر ومع أسرى بدر دليل آخر يضيف نصوعاً وطهراً جديداً إلى نصوع وطهر سيرة محمد (صلى الله عليه وآله) وعبوديته لله وعصمته وحكمته وعدله ورحمته وإنصافه لخلق الله جميعاً، ولكن لو كان الإنصاف يُباع لاشترينا شيئاً منه للمشككين والحاقدين!

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
أخلاق الرسول - دفاع عن الرسول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.