الفصول

حروب الرسول

دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٣٠٠

يتهم المشككون الرسول (صلى الله عليه وآله) بالعنف وأنه نشر دينه بالسيف والقتل، وفرض الإسلام على الآخرين بالقوة والقهر، يتضح هذا - بحسبهم - من كثرة الحروب والغزوات التي قادها الرسول في زمنه بالرغم من الفترة الزمنية القصيرة التي قضاها في المدينة "يثرب".

ويمكننا إرجاع كلام المشككين في هذا الصدد إلى عدة شبهات:

١- الإسلام دين عنف ونشره رسوله بقوة السيف. ٢- أمر الرسول أتباعه بالقتال ودعاهم إليه. ٣- كثرة معارك الرسول وسراياه وما جرى فيها. ٤- القسوة في التعامل مع اليهود وإجلائهم من دورهم. ٥- عقاب يهود بني قريظة. ٦- إجلاء يهود خيبر وسبي نسائهم.

واضح جداً أنّ الشبهات كلها تدور في فلك واحد وهو العنف والقسوة، لكني عمدت إلى الفرز؛ لأجل الإيضاح ولأن الكلام فيها يطول ويحتاج إلى تفصيل، كما أنّ طرح المشككين يختلف وينحو إحدى النواحي التي أشرت لها.

وهذا تفصيل الكلام في الشبهات المذكورة والإجابة عنها تباعاً.

صفحة PDF الأصلية ٣٠١

وهي شبهة كثيراً ما يطرحها المشككون في كتبهم ومو اقعهم ويستشهدون لها بكثرة المعارك التي خاضها الرسول بعد هجرته من مكة إلى المدينة "يثرب"!

أما كثرة المعارك وبعض مجرياتها فسيأتي الحديث عنها لاحقاً، وأما أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) نشر دينه بالإرهاب والسيف فهو كلام باطل وغير صحيح، والصحيح أنّ دعوة الرسول سلمية وعانت من ظلم وإرهاب المعاندين لها الشيء الكثير.

وهذه النتيجة تتضح بملاحظة ما يلي:

أولاً: لم يفرض رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الإسلام بالسيف والقوة، ولم يجبر أحداً من الناس على اعتناقه طيلة حياته في مكة وكذا المدينة (كما سيتضح). فالفترة الزمنية التي قضاها الرسول في مكة أكثر من كافية للكشف عن طبيعة دعوته المباركة، حيث قضى فيها ثلاثة عشر عاماً يدعو فيها قومه إلى الله وإلى مكارم الأخلاق بالكلمة بالحكمة والموعظة الحسنة، ودون الجميع كتب التاريخ والسير ولن يعثروا على شاهد واحد يؤكد أنّ الرسول استعمل السيف والقوة - عملياً - عند دعوة أحد إلى الإسلام في مكة، أو أكره أحداً على الإيمان به.

كذا هو حاله بعد هجرته إلى المدينة. نعم، بعد وصوله لها وتوفر فسحة ومكنة لمخاطبة أكبر قدر ممكن من الناس ودعوتهم للإسلام، كان الرسول يرسل الكتب إلى رؤساء الدول والممالك والقبائل والجماعات الدينية والعرقية والشخصيات المعروفة يدعوهم فيها إلى الإسلام بالكلمة الطيبة، وقد جمع بعض العلماء منها ما يزيد على الخمسين كتاباً في كتبهم (١).

صفحة PDF الأصلية ٣٠٢

أما المعارك التي اضطر الرسول إلى خوضها بعد الهجرة فلم تكن لأجل دعوة الناس إلى الإسلام أو قهرهم وإجبارهم على الايمان بالله ورسوله، وإنما كانت لأسباب أخرى سيأتي بحثها بالتفصيل.

دين الله أساسه الاعتقاد، وهو لا يتحصّل إلا بالنظر والعلم واليقين، والاعتقاد أمر قلبي وجوانحي باطني لا ينفع معه الإكراه والقهر، بل يكون التدين مع القهر والإلجاء مجرد دين صوري ظاهري لا قيمة له إطلاقاً، والأكثر من هذا: إنّ المقهور ما لم يعتقد بالدين بصدق ويقين اختياري يكون إيمانه لقلقة لسان لا أكثر، يخالف فيها ظاهره باطنه ويكذب قلبه لسانه، وهو ما لا يريده الإسلام ولا رسوله الكريم، لذا قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة: ٢٥٦ ].

يقول السيد أحمد الحسن: (ويجب أن نلتفت الى أنّ الدين والعقيدة لا يمكن أن تنتشر بالسيف كما لا تقتل عقيدة بالسيف؛ ولذا فإنّ منهج جميع الأديان الإلهية ومنها خاتمها الإسلام في الدعوة إلى الله هو الحوار والتذكير، بل إنّ وجود الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن خير دليل على ذلك؛ لأنها كتب تفيض حكمة وحواراً ودعوة إلى الله، وليست سيوفاً تقطر دماً) (١).

ثانياً: بالمقابل، فإنّ قريشاً ما تركت وسيلة من وسائل القهر والأذى والعذاب إلا واستعملته في مواجهة دعوة الرسول السلمية، ومحاولات اغتيال الرسول وقتل أتباعه في مكة خير شاهد على طريقة التعامل القرشية الوحشية، ولم يكن الرسول وهو في أوج ألمه وعذاباته يفكر بمجابهتهم بالمثل فضلاً عن ممارسة ذلك عملياً.

وهذه بعض الأحداث التي جرت في مكة في بداية الدعوة الإسلامية عندما أمر الله سبحانه رسوله الكريم بالجهر والإعلان بدعوته:

صفحة PDF الأصلية ٣٠٣

١- سعت قريش منذ اليوم الأول لإعلان الرسول دعوته إلى إسقاط شخصيته من خلال اتهامه بالكذب والسحر والكهانة والجنون وغير ذلك، بل وأغروا سفاءهم وعبيدهم ليؤذوه ويتهموه بأنواع التهم إضافة للأذى الجسدي:

(عن ابن عباس: دخل النبي صلى الله عليه وآله الكعبة، و افتتح الصلاة، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب وقد سل سيفه، فلما رأوه جعلوا ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام أحد حلاته بسيفي، ثم قال: يا ابن أخي، من الفاعل بك هذا؟ قال: عبد الله، فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً فألقى عليه) (١).

بل وسلبوه حتى حقه في الاسم وهو حق متاح للجميع كما هو معلوم، فالجميع يعرف أنّ اسم الرسول هو "محمد"، لكن أم جميل وزوجها أبا لهب ومعهم الملأ من قريش وعتاتها لم يكتفوا بالاستهزاء والسب والاتهام ونحوها، ولا شفى غليل حقدهم على الرسول رميه بالحجر والقاذورات ونثر الشوك في طريقه الذي يسلكه عادة، وإنما أضافوا لقاموس أفعالهم الظالمة أنهم كانوا يسمونه "مذمّم" هجاءً له انتقاصاً منه (٢). و

٢- كان لقريش عدة محاولات تهدف إلى قتل الرسول وتصفيته جسدياً، وفي إحدى تلك المحاولات أنهم جاؤوا إلى أبي طالب "عم الرسول" بفتى لهم قرشي اسمه عمارة بن الوليد، وكان معروفاً بالحسن والجمال ليسلموه إليه عبداً مقابل رفع حمايته عن ابن أخيه "محمد" وتسليمه لهم ليقتلوه. وبالطبع، فإنّ موقف عمّه أبي طالب كان الرفض، وقال لهم: (والله لبئس ما تسومونني! أتعطفونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبداً) (٣). وقال أيضاً لكبار قريش عقب محاولة أخرى لقتل الرسول: (والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل) (٤).

صفحة PDF الأصلية ٣٠٤

أيضاً: محاولة أبي جهل لقتل الرسول، حيث اتفق مع كبار قريش على قتله في اليوم التالي لأحد الحوارات التي دارت بينهم وبينه، وشجعوه على تنفيذ مراده، وفعلاً قام أبو جهل برفع حجر كبير ليضرب رأس الرسول وهو ساجد قرب الكعبة، إلا أنّ مشيئة الله حالت دون تحقيق مراده الخبيث، إذ حدث أمر أدى إلى سقوط الحجر من يده ورجع مرعوباً إلى الملأ الذين كانوا يترقبون وصول خبر مقتل محمد بفارغ الصبر (١)!

٣- بعد يأس طغاة قريش من رفع أبي طالب حمايته عن الرسول وتسليمه لهم ليقتلوه عمدت إلى فرض حصار اقتصادي واجتماعي على الرسول ومن آمن به من بني هاشم، وتأكيداً لذلك كتبت صحيفة ظالمة أوجبت على الجميع مراعاتها، جاء فيها: (ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمداً فيقتلوه. وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً، .... ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب ابن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب بني هاشم بعد ست سنين من مبعثه. فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله ماله، وأنفق أبو طالب ماله، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها، وصاروا إلى حد الضر والفاقة) (٢).

واشتد ألم المقاطعة والحصار على الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكانت أيام الحصار في الشعب أكثرها قسوة وإيلاماً له؛ خصوصاً بعد رحيل كفيله أبي طالب (عليه السلام) بعد ثلاث أيام من وفاة زوجته ورفيقة دربه السيدة خديجة (عليها السلام).

٤- أما ما لاقاه المسلمون الأوائل في مكة من أذى وحبس وتعذيب قومهم كان شديداً جداً، حيث كانوا يعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، حتى يبلغ المعذَّب مرحلة لا يتمكن فيها من الجلوس من شدة الضرب والألم ولا يتركوه حتى يقر أمام كبار قريش بعبودية اللات والعزى وترك عبادة الله، بل ويقبلون منه أن يقر بألوهية كل شيء حتى الديدان والصراصر إلا الله "رب محمد" (٣). وما الحادثة الإجرامية والإرهابية

صفحة PDF الأصلية ٣٠٥

التي حصلت لآل ياسر (والد ووالدة عمار) وقتل أبويه أمامه بعد تعذيبهما - وهي معروفة للجميع - إلا مثال واضح لطريقة تعامل قريش مع الرسول والمؤمنين به.

٥- في ظل كل تلك الانتهاكات الخطيرة التي طالت الرسول وأتباعه من قومهم، وقف الرسول عاجزاً عن دفع أذى قريش عن المؤمنين به، فاضطر إلى أن يأمرهم بترك وطنهم الأم "مكة" بما فيها من أهل ودور ومال والهجرة منها إلى مكان آمن يتمكنون فيه من الحفاظ على حياتهم، فكانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة حيث هاجر العشرات من المسلمين المستضعفين والمشرّدين، ثم أخيراً هجرتهم إلى المدينة المنورة.

٦- لم تنل قريش الظالمة من الرسول في حياة أبي طالب ما نالت منه بعد وفاته صلوات الله عليه، إذ ازدادت محن الرسول وآلامه بعد رحيل المحامي حتى صار يقول: (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب) (١)!

(إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات أبو طالب عليه السلام لج المشركون في أذيته، فصار يعرض نفسه على القبائل بالإسلام والايمان، فلم يأت أحد من القبائل إلا صده ورده) (٢).

بعد رحيل عمّه، اعترضه بعض سفهاء قريش يوماً وحثا التراب على رأس الرسول، فذهب الرسول لبيته وحيداً تنظر ابنته حال أبيها المعذّب فتمسح التراب عن وجهه وهي تبكي، فيطمئنها أنه بخير وأنّ ربه الكريم وعده خيراً. بل لم يسلم من أذاهم حتى وهو في بيته، فقد كان جيرانه - كأبي لهب والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط - يلقون عليه رحم الشاة وأحشائها وهو يصلي في داره، وكان يستتر بالحجر من أذاهم له (٣).

(نحر أبو جهل يوماً جزوراً، ثم أخذ سلاها (أحشائها)، ورسول الله صلى الله عليه وآله ساجد، فغرسها بين كتفيه، وإذا بفاطمة عليها السلام طرحته عنه فلما فرغ، قال: اللهم

صفحة PDF الأصلية ٣٠٦

عليك بأبي جهل بن هشام وبعتبة بن ربيعة، وبشيبة بن ربيعة وبالوليد بن عتبة، وبأمية بن خلف، وبعقبة بن أبي معيط، إنهم أوهنوني) (١).

٧- ولما آيس من قومه في مكة، ذهب إلى الطائف يلتمس من أهلها النصرة ودعا كبار ثقيف إلى الإسلام، لكن ما ناله منهم ليس بأقل ممّا ناله من سادة قريش، إذ قابلوه بالاستهزاء ثم أغروا سفاءهم وعبيدهم وحملوهم على سبّه ورميه بالحجارة وقد أخذه نزف الدماء، فلجأ في تلك الحال إلى حائط يشكو إلى الله غربته ووحدته وما حلّ به من أذى داعياً ربه: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) (٢).

(لما توفي أبو طالب رحمة الله عليه واشتد على النبي صلى الله عليه وآله البلاء والأذى، عمد إلى ثقيف بالطائف، رجاء أن يؤوه سادتها: عبد يا ليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير الثقفي، فلم يقبلوه، وتبعه سفهاؤهم بالأحجار، وأدموا رجليه، فخلص منهم، واستظل في ظل حبلة منه، وقال: اللهم إني أشكوا إليك من ضعف قوتي، وقلة حيلتي وناصري، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين.

فأنفذ عتبة وشيبة، ابنا ربيعة إليه بطبق عنب، على يد غلام يدعى عداسا وكان نصرانيا، فلما مد يده وقال: بسم الله، فقال: إن أهل هذا البلد لا يقولونها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: من أين أنت؟ قال: من بلد نينوى، فقال صلى الله عليه وآله: من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى، قال: ومن أين تعرفه؟ قال: أنا رسول الله والله أخبرني خبر يونس.

فخر عداس ساجدا لله، وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء.

صفحة PDF الأصلية ٣٠٧

فقال عتبة لأخيه: قد أفسد عليك غلامك: ولما انصرف عند سيده قال: إنه والله نبي صادق، فقالوا: إنه رجل خداع، لا يفتنك عن نصرانيتك) (١).

٨- وبعد كل العناد والأذى الذي لاقاه من قريش صار الرسول يعرض دعوته على قبائل العرب في مواسم الحج واجتماع الناس، وأيضاً: يذهب بنفسه إلى منازل بعض القبائل ويدعوهم إلى الله سبحانه، وقريش مع هذا لم تتركه بحاله، إذ كان أبو لهب يقف وراءه في بعض الأماكن ويعلّق على كلامه باستهزاء ويدعو المستمعين إلى رفض دعوته.

والرسول، وهو بكل تلك الآلام وخذلان القريب والبعيد له، لم يتنازل (وحاشاه) عن مبدأ، أو يلين له جانب، أو تضعف له همة في إنجاز مراد ربه ونشر رسالته، ولهذا لما عرضت بعض القبائل عليه قبول دعوته بشرط أن يجعل لها أمر الخلافة من بعده أبى (صلى الله عليه وآله) ولم يجامل أحداً على حساب الحق الذي يريده الله، فرفض طلبهم قائلاً: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء) (٢).

هذا وأنصاره بين معذّب، أو محبوس، أو خائف مستور في مكة، أو منفي وهارب عنها في أطراف الأرض، أو مهاجر لأرض الحبشة أو بلاد أخرى ... وهكذا، إلى أن شاء الله وفرّج عن رسوله بإيمان وبيعة بعض المسلمين "الأنصار" في العقبة الذين اجتهدوا في إيصال دعوة الرسول إلى قومهم في المدينة "يثرب"، ثم شيئاً فشيئاً زاد عددهم ومهّدوا إلى هجرة المسلمين الأوائل من مكة إلى مدينتهم، وصولاً إلى خروج الرسول من مكة وهجرته إلى المدينة "يثرب" بعد أن نجّاه الله سبحانه من محاولة الاغتيال الأخيرة التي قرّرت مشيخة قريش الإقدام عليها، بمشورة من المجرم أبي جهل، إذ شار عليهم - بعد طرح خطط تنفيذ عملية القتل التي تداولها المجتمعون - قائلاً:

(أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح

صفحة PDF الأصلية ٣٠٨

منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم) (١)، فقبلوا بخطته.

الله سبحانه أعلم رسوله بمخطط قريش، فقرّر الرسول (صلى الله عليه وآله) ترك مكة فوراً وانتدب وصيه وابن عمّه علياً (عليه السلام) ليبيت مكانه في فراشه تمويهاً على الأعداء، وخرج الرسول بنفسه تاركاً وراءه كل شيء بما في ذلك أحب الناس إليه ابنته الوحيدة وثمرة فؤاده فاطمة (عليها السلام).

وهذه رواية توضح محاولة قريش الأخيرة لقتل الرسول في مكة، نقلها الطوسي بسنده عن هند بن أبي هالة وعمار بن ياسر وأبي رافع، قالوا:

(كان الله عز وجل مما يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبي طالب، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله بغيتها وأصابته بعظيم من الأذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه وآله: لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم! وصلتك رحم، فجزيت خيرا يا عم. ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر فاجتمع بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله حزنان حتى عرف ذلك فيه.

قال هند: ثم انطلق ذوو الطول والشرف من قريش إلى دار الندوة، ليأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله وأسروا ذلك بينهم، فقال بعضهم: نبني له علما، وينزل برجا نستودعه فيه، فلا يخلص من الضباة إليه أحد، ولا يزال في رنق من العيش حتى يتضيفه ريب المنون، وصاحب هذه المشورة العاص بن وائل وأمية وأبي ابنا خلف.

وقال قائل: بئس الرأي ما رأيتم، ولئن صنعتم ذلك ليتنمرن له الحدب الحميم والمولى الحليف، ثم ليأتين المواسم والأشهر الحرم بالأمن فلينتزعن من أنشوطتكم قولوا قولكم.

صفحة PDF الأصلية ٣٠٩

قال عتبة وشيبة وشركهما أبو سفيان، قالوا: فإنا نرى أن نرحل بعيرا صعبا، ونوثق محمدا عليه كتافا وشدا، ثم نقصع البعير بأطراف الرماح، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا.

فقال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق، فأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه وطلاوة لسانه، فصبا القوم إليه، واستجابت القبائل له قبيلة فقبيلة، فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب والمقانب، فلتهلكن كما هلكت إياد ومن كان قبلكم؟! قولوا قولكم.

فقال له أبو جهل: لكن أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة، فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا، ثم تسلحوه حساما عضبا، وتمهل الفتية حتى إذا غسق الليل وغور بيتوا بابن أبي كبيشة بياتا، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعا فلا يستطع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم، فيرضون حينئذ بالعقل منهم، فقال صاحب رأيهم: أصبت يا أبا الحكم.

ثم أقبل عليهم فقال: هذا الرأي فلا تعدلوا به رأيا، وأوكئوا في ذلك أفواهكم حتى يستتب أمركم، فخرج القوم عزين، وسبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل عليه السلام، فتلا هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".

فلما أخبره جبرئيل عليه السلام بأمر الله في ذلك ووحيه، وما عزم له من الهجرة، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام، وقال له: يا علي إن الروح هبط علي بهذه الآية آنفا، يخبرني أن قريشا اجتمعوا على المكر بي وقتلي، وأنه أوحى إلي ربي عز وجل أن أهجر دار قومي، وأن انطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال : مضجعي - ليخفى بمبيتك عليه أثري، فما أنت قائل، وما صانع؟ فقال علي عليه السلام: أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي الله؟ قال: نعم، فتبسم علي عليه السلام ضاحكا، وأهوى إلى الأرض ساجدا، شكرا بما أنبأه رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته، وكان علي صلوات الله عليه أول من سجد لله شكرا، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رفع رأسه قال

صفحة PDF الأصلية ٣١٠

له: امض لما أمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومرني بما شئت أكن فيه كمسرتك، و أقع منه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله.

قال: وإن القى عليك شبه مني، أو قال: شبهي، قال: إن - بمعنى نعم - قال: فارقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي، ثم إني أخبرك يا علي أن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد امتحنك يا بن عم وامتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل، فصبرا صبرا، فإن رحمة القريب من المحسنين. ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله إلى صدره وبكى إليه وجدا به، وبكى علي عليه السلام جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله.

واستتبع رسول صلى الله عليه وآله أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه مع علي عليه السلام يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في فحمة العشاء الآخرة، والرصد من قريش قد أطافوا بداره، ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين، فخرج وهو يقرأ هذه الآية "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وأخذ بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم، ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه، حتى وصلوا إلى الغار.

ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر إلى الغار، فلما غلق الليل أبوابه وأسدل أستاره وانقطع الأثر، أقبل القوم على علي عليه السلام يقذفونه بالحجارة والحلم، ولا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح، هجموا على علي صلوات الله عليه، وكانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها، فلما بصر بهم علي عليه السلام قد انتضوا السيوف و أقبلوا عليه بها، وكان يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة، وثب له علي عليه السلام فختله وهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر ، ويرغو رغاء الجمل، ويذعر ويصيح، وهم في عرج الدار من خلفه، وشد عليهم علي عليه السلام بسيفه - يعني سيف خالد - فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار، فتبصروه فإذا هو علي

صفحة PDF الأصلية ٣١١

عليه السلام، فقالوا: إنك لعلي؟ قال: أنا علي. قالوا: فإنا لم نردك، فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به، وقد كان علم - يعني عليا عليه السلام - أن الله تعالى قد أنجى نبيه صلى الله عليه وآله بما كان أخبره من مضيه إلى الغار واختبائه فيه، فأذكت قريش عليه العيون، وركبت في طلبه الصعب والذلول، وأمهل علي صلوات الله عليه حتى إذا أعتم من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب. فقال: إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن. قال: فهي لك بذلك، فأمر صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فأقبضه الثمن، ثم أوصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته.

وكانت قريش تدعو محمدا صلى الله عليه وآله في الجاهلية الأمين، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءته النبوة والرسالة والأمر كذلك، فأمر عليا عليه السلام أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة وعشيا: ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤد إليه أمانته.

قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله: إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما، وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع للهجرة معه من بني هاشم) (١).

علماً، إنّ محاولات اغتيال الرسول من قبل قريش لم تنتهِ بهجرته من ديارهم، وإنما استمرت حتى بعد هجرته إلى المدينة، ففي السنة السادسة للهجرة قال أبو سفيان لنفر من قريش: (ألا أحد يغتال محمداً فإنه يمشي في الأسواق؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلباً وأشده بطشاً وأسرعه شداً، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأسوره ثم آخذ في عير وأسبق القوم عدواً فإني هاد بالطريق خريت! قال: أنت صاحبنا).

صفحة PDF الأصلية ٣١٢

وفعلاً، زوّده براحلة ونفقة ودخل الرجل المدينة قاصداً قتل الرسول بخنجره المسموم، إلا أنّ مشيئة الله حالت دون ذلك؛ إذ فضح الرسول خطته وهو في مسجد بني عبد الأشهل وأراد المسلمون قتله، فآمنه الرسول وخلا سبيله بعد أن اعترف بأنه مرسل من قبل أبي سفيان بن حرب لتنفيذ عملية الاغتيال (١).

٩- ثم إنّ قريشاً التي ما تركت وسيلة إلا واستعملتها لإيلام الرسول وأتباعه، بمجرد أن هاجر المسلمون من مكة وتركوا ديارهم، عمد طغاة قريش إلى مصادرة دورهم وأموالهم، فمثلاً: لما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش للرسول، فأجابه: (ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها داراً خيراً منها في الجنّة) (٢). ولما أراد صهيب الخروج من مكة لم يسمحوا له بالخروج منها إلا بعد أن أخذوا منه كل ما يملك، وقالوا له: (أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم)، فاضطر إلى أن يترك لهم جميع ماله (٣).

هذه خلاصة لبعض الأحداث التي واجهها الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل هجرته من مكة، ويمكن لأي باحث الاطلاع على تفاصيل ما لاقاه من أذى قومه وقبيح صنيعهم به وبأنصاره مما أجمع عليه المؤرخون وأصحاب السير، وقص القرآن الكريم بعض أفعالهم واتهاماتهم له في الكثير من آياته.

هذا، وإني لأعجب حقيقة من قول بعض المشككين المنكوسين الذين يرون الأمور بالمقلوب تماماً ويصوّرون التطرف والعنف في ساحة الرسول (الذي يصفح حتى عمّن أراد اغتياله لأنه مغرّر به)، وأنّ قريشاً (بالرغم من كل أفعالها التي فعلتها بالرسول قبل وبعد هجرته) بريئة من ذلك، وكانت تحاوره بفكر وأدب على حد تعبير بعض المنكوسين!

صفحة PDF الأصلية ٣١٣

وهذا نموذج آخر من أدب قريش وحوراهم الحضاري مع الرسول:

(عن طارق المحاربي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في سويقة ذي المجاز، عليه حلة حمراء وهو يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب) (١).

يعتبر المشككون - وبعضهم مسيحيين - أنّ أمر الرسول أتباعه بالقتال دليلاً على أنه رجل ينتهج العنف والقتل في دعوته، وهذا يكشف عن أنّ رسالته ودعوته ليست إلهية!

١- لابد من معرفة أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يأمر أتباعه بالقتال ابتداءً، وإنما أذن لهم بذلك في فترة زمنية متأخرة من دعوته، وتحديداً بعد هجرته هو وأنصاره إلى المدينة المنورة، وأكيد أنّ الباحث المنصف يفهم الفرق بين الأمرين. وباختصار أقول: معنى "الأمر بالقتال" ابتداءً وبدون أي مقدمات وأسباب يعني أنّ الرسول يختار القتال الهجومي منهجاً لدعوته ونشر رسالته، أما الإذن بالقتال فيوحي بأنّ هناك أسباباً قاهرة اضطرت الرسول إلى أن يأذن به لأتباعه والمؤمنين به، فيكون القتال - والحال هذه - قتالاً دفاعياً.

الحق، إنّ القرآن الكريم وسيرة الرسول يؤكدان أنه (صلى الله عليه وآله) أذن لأتباعه بالقتال في وقت متأخر من دعوته المباركة بعد أن لاقى "هو وأتباعه" من قريش أقسى أنواع الظلم والاضطهاد من قتل وتعذيب وظلم ونفي، وقد تقدمت الإشارة إلى بعضه، فعند ذاك أذن الله سبحانه لرسوله أن يقاتل من قاتله وظلمه وعامله هو والمؤمنين به بالقسوة والاضطهاد.

صفحة PDF الأصلية ٣١٤

قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللََّّ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَُّّ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَِّّ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَِّّ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَُّّ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللََّّ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " [الحج: ٤٠ - ٣٩ ].

واضح أنّ الآيتين تشيران إلى أنّ المأذون لهم بالقتال هم قوم قوتلوا وظُلِموا وأُخرِجوا من ديارهم ظلماً، ولهذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام) - بعد أن وصف شرائط الإيمان -: (....... وإنما أذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الإيمان التي وصفناها وذلك أنه لا يكون مأذوناً له في القتال حتى يكون مظلوماً ولا يكون مظلوماً حتى يكون مؤمناً ولا يكون مؤمناً حتى يكون قائماً بشرائط الإيمان التي اشترط الله عز وجل على المؤمنين والمجاهدين فإذا تكاملت فيه شرائط الله عز وجل كان مؤمناً وإذا كان مؤمناً كان مظلوماً وإذا كان مظلوماً كان مأذوناً له في الجهاد لقوله عز وجل: "اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير"، ......) (١).

وذكر ابن هشام في سيرته: (قال محمد بن إسحاق المطلبي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من [قومه من] المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفى كل وجه، فلما عتت قريش على الله عز وجل، ورداً عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء، قول الله تبارك وتعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ولولا دفع الله الناس

صفحة PDF الأصلية ٣١٥

بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوى عزيز * .........) (١).

توضيح: "بيعة العقبة" حصلت في السنة الأخيرة من وجود الرسول (صلى الله عليه وآله) في مكة، أي في السنة الثالثة عشرة من بعثته، إذ بايعه مجموعة من كبار الأوس والخزرج وهو في مكة على الإيمان به والنصرة له وللمؤمنين به، حينها أمر الرسول أتباعه المضطهدين في مكة بالهجرة إلى المدينة "يثرب" واللحوق بإخوانهم الأنصار، ثم تبعهم هو بعد أن أذن الله له بالخروج من مكة.

٢- إذن الله سبحانه لرسوله بمقاتلة أعدائه يعني أنّ القتال الذي خاضه الرسول وأتباعه هو قتال دفاعي، إما دفاع عن النفس أو لاسترداد الحقوق المغتصبة من قبل المعتدين أو لرد كيد الأعداء و إفشال مخططاتهم ومساعيهم للقضاء على الإسلام ورسوله الكريم. وسيتضح هذا الأمر بالتفصيل في جواب الشبهة القادمة "كثروة الحروب".

ولا شك أنّ الدفاع عن النفس مبدأ إنساني ومشروع ومعمول به في جميع الشرائع سواء على مستوى قوانين الدول الداخلية أو على مستوى القانون الدولي العام، فقد نصّت المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة على اعتبار الدفاع عن النفس حق طبيعي ومشروع في حال الاعتداء المسلح من قبل الآخرين (٢). وعلى الرغم من احتدام الجدل القانوني الدائر عن مدى صلاحية "المادة ٥١ " من الميثاق لشمول حالات الدفاع الوقائي أو الاستباقي (٣)، لكنه - كيفما كان - جدل نظري ليس إلا، وإلا فالدول - عملياً - تتعامل مع حالة استعداد عدوها للحرب أو التجهيز لها معاملتها مع الحرب الفعلية، بل وحتى قبل الوصول إلى مرحلة التجهيز والاستعداد الفعلي كما حصل في غزو العراق عام ٢٠٠٣ م من

صفحة PDF الأصلية ٣١٦

قبل جيوش الحلفاء بقيادة أمريكا، أو ما فعلته إسرائيل في ضرب مفاعل تموز النووي في العراق في ثمانينات القرن الماضي لمجرد إحساسها بالخطر منه.

وإذا كان العالم المتمدن في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين لم يمنع الدول عن حقها في الدفاع الفعلي وكذا الوقائي والاستباقي، (بل وحتى الوقائي المزعوم والملفق)، فلماذا يريد المشككون منع الرسول (صلى الله عليه وآله) وأتباعه الذين يعيشون في القرن السابع الميلادي عن حقهم في ممارسة الدفاع الفعلي والوقائي أيضاً؟!! علماً أنهم معتدى عليهم حقيقة وليس زيفاً ولا تلفيقاً، فإنّ الحروب التي خاضها الرسول لا تخرج عن أن تكون دفعاً لعدو هجم بالفعل على المسلمين، أو دفعاً لعدو يستعد ويتجهز بالفعل لقتال المسلمين والزحف نحو عاصمتهم "يثرب"، وهو أمر سنلاحظه بوضوح في جواب الشبهة القادمة.

٣- وبالنسبة إلى المسيحيين الذين يتبنّون طرح هذا الإشكال، أقول:

إنّ نصوص الكتاب المقدس تؤكد قتال بعض الأنبياء لأعدائهم، فإذا كان قتال الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لأعدائه يؤثر على صحة رسالته وبعثه من الله، فهل هم يعتقدون بأنّ موسى ويوشع وداود وسليمان - مثلاً - ليسوا بأنبياء ولا مبعوثين من الله؛ لأنهم قاتلوا أعداء الله بأمر الله؟!!

وهذه مثال للنصوص التي تؤكد ذلك:

( ٣٤ ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون فنزلوا عليها وحاربوها ٣٥ وأخذوها في ذلك اليوم وضربوها بحد السيف وحرم كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش ٣٦ ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون وحاربوها ٣٧ وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها.لم يبق شارداً حسب كل ما فعل بعجلون فحرمها وكل نفس بها ٣٨ ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها ٣٩ وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربوها بحد السيف وحرمـوا كل نفس بها .لم يبق شارداً، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها ٤٠ فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها. لم يبق شارداً

صفحة PDF الأصلية ٣١٧

بل حرم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل ٤١ فضربهم يشوع من قادش برنيع إلى غزة وجميع أرض جوشن إلى جبعون ٤٢ وأخذ يشوع جميع أولئك الملوك وأرضهم دفعة واحدة لأن الرب إله إسرائيل حارب عن إسرائيل ٤٣ ثم رجع يشوع وجميع إسرائيل معه إلى المحلة إلى الجلجال) (١).

ثم إنّ حروب الرسول - كما قلنا وسيأتي بحثها بالتفصيل - دفاعية، وإذا كانت كذلك فعلماء الكنيسة تعتبر الجهاد ومقاومة المحتل والدفاع عن الأوطان قيم ثابتة وأساسية.

قال الباب شنودة الثالث: (.. ومن القيم الثابتة الأساسية التي تلزم لكل إنسان: محبة الوطن والدفاع عنه، والتضحية من أجله بالدم، إذا احتاج الأمر) (٢).

من يراجع كتب التاريخ والسير - من جانب تعلقها بالرسول - يجد عشرات الغزوات (بحسب مصطلح أهل التاريخ والسيرة) التي كانت في عهده، وكثرتها - بحسب المشككين - يؤكد أنّ الرسول أراد فرض الإسلام على الآخرين بالقوة والعنف فأما الإيمان به أو السيف، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإنّ الكثير من البعوث والسرايا التي أرسلها الرسول كانت تحصل فيها عمليات سطو وسلب، بل وأرسلت لهذا الغرض أساساً وفق رأي المشككين!

بحسب المؤرخين، فإنّ عدد المعارك التي حضر فيها الرسول بنفسه للقتال هي تسعة: بدر، وأحد، وبنو المصطلق، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف (٣).

صفحة PDF الأصلية ٣١٨

ولمعرفة الحقيقة، ينبغي البحث في الحروب التي خاضها الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد هجرته إلى المدينة، والوقوف على أسبابها ودو افعها، وخصوصاً الحروب التي حصلت فيها مجريات وأحداث تسبّبت بنشوء الإشكالات والشبهات لدى الكثير من المشككين، وبالتبع بحث ومعرفة الأسباب التي دعت الرسول إلى بعث السرايا إلى أماكن مختلفة أيضاً.

وقبل الشروع في التفاصيل لابد من معرفة أمرين:

١- التعاطي الصحيح مع شخصية الرسول. ٢- القوانين المتعلقة بالحروب في زمنه.

كيفية التعاطي مع شخصية الرسول:

لا يصح للمشككين - ولا غيرهم - أن يتعاطوا مع شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) على أساس ديني وحسب، بمعنى: أن يقصروا نظرهم على أنه رجل دين يفترض به أن يكتفي بدعوة الآخرين إلى الايمان بالرب الذي يدّعي أنه مرسل من قبله، يضاف لها طرح مجموعة من العقائد والأحكام والأخلاق ربما، وجميعها لا يتعدّى أن تكون طقوساً دينية تمارس في أماكن محددة وضيّقة كالمساجد مثلاً.

الصحيح - بحسب ما نعتقد، وبحسب سيرة الرسول نفسه عملياً - أنّه رجل دين ودولة معاً، أي قائد لدين الناس ودنياهم معاً، وبالتالي فكما أنه يسعى لهداية الناس وتعليمهم العقائد والأحكام الصحيحة ويربّيهم على مكارم الأخلاق بما يضمن نجاتهم في أخراهم وسعادتهم في دنياهم، يسعى في الوقت نفسه إلى إقامة دولة تستند إلى نظام حاكمية الله في أرضه، النظام الذي يعني باختصار أنّ الشريعة والمطبق لها كلاهما من الله، ويسعى إلى تنظيم حياة الناس من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك طبقاً لذلك النظام الإلهي. وهكذا نرى أنّ السياسة والاقتصاد وإدارة كل جوانب الدولة التي يريدها الله سبحانه لا تنفصل في نظر الرسول عن المعتقد والحكم والخلق الصحيح الذي يدعو إليه.

صفحة PDF الأصلية ٣١٩

وإذا أصرّ المشككون على عدم الاعتقاد بذلك فهذا شأنهم، لكن ليس من حقهم الاعتراض - ولا أقل فإنهم مخطئون في تشككيهم - على فعل يفعله الرسول يراعي فيه جانب اقتصادي معين لرعيّته وشعبه، أو جانب يتعلق بإدامة استقرار دولته التي أنشأها بأمر الله، إلى غير ذلك من أفعال لو قدّر وفعلها أي رجل دولة غيره لوصف فعله بالذكاء والفطنة والحكمة في تدبير الأمور.

القوانين الحربية في زمن الرسول:

لا شك أنّ لكل زمن سلاحه وأدواته التي تستعمل في الحروب، وكما أنّ زمننا الحالي يشهد استعمال الأسلحة الثقيلة في الحروب كالطائرات والبوارج والسفن والمدافع والدبابات والغواصات وكذلك الأسلحة المتوسطة والخفيفة، فإنّ زمن الرسول كان يشهد استعمال السيوف والرماح والسهام ونحو ذلك.

وأيضاً: كما أنّ زمننا الحالي يشهد وجود أساليب للحروب والنزاعات المسلحة التي تحصل بين الدول والجماعات وقوانين خاصة تحكمها، فإنّ زمن الرسول كان يشهد وجود مجموعة من الأساليب والأعراف والعادات الخاصة التي تناسب ذاك الزمان، فمثل: الأسر، السبي، الحصار، الغنائم، وغير ذلك كانت متعارفة ومترسخة في أذهان الناس، وتعمل بها جميع الجيوش والجماعات، ليس فقط في شبه جزيرة العرب وإنما خارجها أيضاً كما يحصل في حروب الروم والفرس وغيرهم.

لذا لم يكن من السهل تغييرها في ليلة وضحاها، أو رفضها جملة وتفصيلاً وابتداع طرق وأساليب جديدة دفعة واحدة، فمن المعلوم أنّ مثل هكذا أمر يحتاج فترة زمنية طويلة ويحصل بشكل تدريجي وبطيء عادة؛ لأن له صلة وثيقة بتطور ثقافة الناس ونضجهم وتطور سبل عيشهم وحياتهم وعاداتهم عموماً.

وفي مثل حالة الرسول ودولته الفتية التي أنشأها في المدينة المحاطة بالأعداء من جميع الجهات، فإنّ التنازل عن تلك العادات والأساليب المعمول بها نهائياً يعني في أقل النتائج المتوقعة:

صفحة PDF الأصلية ٣٢٠

- إما القضاء على دولته بأسرع ما يمكن؛ لأنّ طبيعة الأعداء وبيئتهم التي يعيشون فيها تفترض أنّ عدوك ما لم يعلم منك أنك تقابله بالمثل ولديك وسائل مؤذية تواجهه بها كالتي ينوي مواجهتك بها فإنه يفترسك في أقرب فرصة تتاح له، خصوصاً في حالة تشبه حالة الرسول (صلى الله عليه وآله). - أو تفرّق جيشه وتفككه في وقت ضئيل، ومن ثم انهيار دولته تبعاً لذلك؛ لأنه جيش قائم بالأساس على أناس أغلبهم فقراء ومعوزين ومضطهدين من القريب والبعيد، فالمهاجرون منهم نجوا بأنفسهم من مكة وكانوا مطرودين من أهلهم وديارهم، صادرت قريش بيوتهم وأموالهم، وكانوا يعيشون عالة على الأنصار الذين كانت بيوتهم تضيق بهم. كما أنهم - وكذا الأنصار - ليس جميعهم على مستوى إيماني واحد بحيث إنّ الجميع يهدف بقتاله بين يدي الرسول وجه الله ورضاه فقط دون أن يكون للدنيا في نظره نصيب؛ لا سيما وأنّ بعض متطلباتها ضرورية ولا غنى لأحد عنها، كتوفير حياة اقتصادية للفرد المقاتل وعائلته ولو بنحو بسيط وبالحد الأدنى للعيش.

لم يكن الرسول يتعامل مع أتباعه على أساس أنهم جميعهم أناس مثاليون، وهو يعرف هذا جيداً، لكن القائد الناجح - كما هو معروف - هو من يجعل جميع رعيته تلتف حوله قدر الإمكان؛ صالحهم ودونه في الصلاح وحتى السيئ منهم ثم تدريجياً يأخذ حاله بالتحسن شيئاً فشيئاً بمسايرته ومتابعته لقائده المعصوم، طالما أنّ لدى الجميع الحد الأدنى المقبول من انتسابهم إليه، وهو (في حالة الرسول) التصديق برسالته ودعوته ولو ظاهراً. فالرسول وإن كان مصلحاً إلهياً كما نعتقد لكنه في نفس الوقت مأمور بالعمل بالممكن والمتاح له في دنيا الامتحان، ومأمور أيضاً بتوفير أسباب بقاء المشروع الإلهي على الأرض والحفاظ عليه من كيد الأعداء الذين يسعون جاهدين إلى إطفاء نوره والقضاء عليه تماماً.

أضف إلى ذلك: إنّ أعداء الإسلام لم يتركوا للرسول فرصة يلتقط فيها أنفاسه وينفض عن رأسه وعثاء سفر الدفاع عن دين الله، أو يسمحوا لأتباعه بفترة يشعروا فيها بالأمان، حتى كسر الله شوكة عتاة قريش واليهود وغطفان وأمثالهم. فالرسول الذي بدت

صفحة PDF الأصلية ٣٢١

ثمار إصلاحه الاجتماعي سريعاً على المجتمع الإسلامي في المدينة لم تتح له الفرصة لجني ثمار خطة إصلاح اقتصادية شاملة لدولته الفتية.

سنين عشرة قضاها الرسول في المدينة (خصوصاً قبل فتح مكة) يندر جداً أن يمر شهر واحد (واحد فقط) دون أن يتناهى لسمعه أخبار هجوم أعدائه على أطراف المدينة أو القرى والنواحي القريبة منها وقتل الأبرياء العزّل من المسلمين! نادر جداً أن يمر شهر دون أن يسمع الرسول بجيش يزحف نحو المدينة للقضاء عليه وعليها بقيادة أبي سفيان أو أحد حلفائه، أو رجل من غطفان أو سليم أو غيرهم! أو لم يسمع بدسائس اليهود وطو افهم على قبائل العرب وتجييشهم الجيوش لحرب الرسول وقتله والخلاص منه!

بعض العرب الأجلاف من حلفاء قريش لم يتبقَ في جعبتم شر إلا ومارسوه تجاه الرسول وأتباعه، وبلغ بهم حقدهم على الرسول أن يتظاهر بعضهم بالإسلام ويذهب للرسول ويطلب منه أن يرسل معه بعض أصحابه ليعلّمهم القرآن والأحكام، ولما ذهب معهم غدروا به وأسلموه لقريش ليقتل شر قتلة وحيداً مغدوراً، كما حصل مع الصحابي خبيب وأصحابه (١).

عموماً، سنمر على أهم معارك الرسول وسراياه ونرى أسبابها، وسنرى أنها لا تخلو من أن تكون دفاعاً عن النفس، أو سعياً لاسترجاع حق مغتصب، أو صداً لهجوم وحشي ونحو ذلك. وكثرة الحروب وبعث السرايا (التي يتحدث عنها المشككون والطاعنون بالرسول) هذه هي أسبابها، ويُلام عليها المعتدي الحقود المهاجم وليس الضحية الصبور المدافع! يُلام عليها رؤوس الشر والظلم والطغيان كأبي سفيان وعيينة بن حصن وحيي بن أخطب وأمثالهم والهمج الرعاع الذين يحملونهم على عداء محمد وحربه! نعم، يُلام عليها من يسعى لتجييش الجيوش بعشرات الألوف للزحف نحو المدينة وترويع أهلها وتهديد السلم الأهلي فيها.

الأسباب المشار لها تجعل من الطبيعي جداً أن يأذن الرسول بأخذ الغنائم - والسبي أحياناً - في الحروب التي قادها، لكن ليس لأجل بناء قصر يترفه فيه هو وعياله كعادة رؤساء الدول والملوك، وإنما لأجل تقسيمها على عسكره ورعيته من سائر المسلمين بما

صفحة PDF الأصلية ٣٢٢

فيهم من أيتام وأرامل ومساكين محتاجين، وإلا فمن أين يوفر لهم الرسول سبل العيش وهو مشغول بصد هجمات الأعداء المتكررة، وإبطال دسائس اليهود وقريش ومؤامراتهم التي ما فتأت تحاك للقضاء عليه وعلى رسالته، خصوصاً وأنه - كما بيّنت وسنرى ذلك بالتفصيل لاحقاً - يخوض معارك دفاعية تهدف إلى الدفاع عن النفس والدين أو إرجاع الحقوق المغتصبة من أعدائه المحاربين له.

ومع هذا كله، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) سعى جاهداً لأن يتعامل مع المخالفين لدعوته بما في ذلك أعدائه بما يلي:

أ. عدم الاعتداء على أحد أصلاً. ب. التعامل بالمثل في الحالات القصوى التي تهدد بقاء دولته. ج. الاكتفاء بدفع الخطر بأقل ما يمكن. د. لم يبدأ أحد بقتال حتى في حالات الاضطرار للحرب دفاعياً. ه. العفو والصفح في بعض الحالات الخاصة به هو. و. عدم السماح بتعذيب الأسرى، وابتداع أساليب جديدة لإطلاق سراحهم مثل تعليم المسلمين القراءة والكتابة.

وبالنتيجة فإنه (صلى الله عليه وآله) لم يخرج في تصرفاته في أقصى حالات الخطر والدفاع عن المألوف في الحروب، بل اقتصر على أقل السبل كلفة لدفع الضرر عن الإسلام والمسلمين ممّا لو كان العكس لتم استئصال الإسلام وسحقه نهائياً.

ما تقدم في المقدمتين الآنفتين، إن لم يكن كافياً لتفسير ما حصل في بعض معارك الرسول، فلا أقل أنه يدفع الباحث المنصف إلى التروّي قبل إطلاق الأحكام الجز افية والعدائية للرسول، أو يدعوه إلى إعادة تقييمها من جديد بصورة أكثر و اقعية ومنطقية ليخرج بحكم وقرار يراعي فيه ولو أدنى مبادئ العدل والإنصاف.

وإذا اتضحت هاتان المقدمتان، نأتي الآن لمناقشة أفعال الرسول وتصرّفاته التي حدثت في بعض معاركه أو بعثه لسراياه، مما أشكل عليها المشككون وأكثروا من طرحها في كتاباتهم ومو اقعهم ومنتدياتهم.

صفحة PDF الأصلية ٣٢٣

أسباب بعث السرايا وخروج الرسول بنفسه أحياناً:

من يطالع كتب التاريخ والسير التي تحكي بعث الرسول للسرايا أو الخروج بنفسه أحياناً مع المسلمين، فإنه يجد أنّ سببها لا يُخطئ أحد الأمور التالية:

١- استرداد حق مغتصب:

بعد وصول الرسول إلى المدينة "يثرب" بسبعة أشهر، بعث حمزة بن عبد المطلب ومعه ثلاثين رجلاً من المسلمين (كلهم من المهاجرين) لاعتراض عير لقريش قادم من الشام إلى مكة برفقة أبي جهل. وكذلك بعث بعدها سرية بقيادة سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلاً من المسلمين (كلهم من المهاجرين) لاعتراض عير لأبي سفيان متجهة إلى مكة (١).

وأيضاً: خرج الرسول بنفسه ومعه المسلمون المهاجرون فقط ليس فيه مسلم أنصاري إلى الأبواء وبواط وذي العشيرة لاعتراض عير قريش أيضاً (٢).

واضح من بعث الرسول لهذه السرايا أو خروجه معها في نهاية السنة الأولى وبداية السنة الثانية من الهجرة أنه يهدف إلى القصاص من قريش التي صادرت بيوت وأموال المسلمين المهاجرين الذين اضطرهم ظلم عتاتها إلى ترك مكة والخروج منها حفاة عراة، وبالنتيجة ليست المسألة سطو وسلب ونهب كما صورها المشككون، وإنما هي استرداد حق مغتصب من ظالم، وهو أمر تقرّه جميع الشرائع السماوية والأرضية على حد سواء، ولهذا رأينا الرسول لا يسمح بخروج غير المهاجرين في تلك البعوث.

٢- دفع خطر الأعداء قبل وقوعه:

من سرايا الرسول في السنة الثالثة للهجرة كانت سرية بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى "قطن" بناحية فيد؛ والسبب في بعثها أنّ الرسول علم بأنّ طليحة

صفحة PDF الأصلية ٣٢٤

ومسلمة ابنا خويلد سارا بين الناس يدعونهم إلى حرب الرسول، فبعث الرسول بعثه لتفريق جمعهم (١).

في السنة الخامسة للهجرة، بلغ الرسول أنّ جمعاً من الشاميين في دومة الجندل يتهيؤون إلى قصد المدينة والزحف لها، فخرج بمن معه من المسلمين لدفعهم (٢).

وفي السنة السادسة أرسل الرسول علي بن أبي طالب (عليه السلام) بجماعة من المسلمين إلى فدك ليمنع أهلها عن إمداد يهود خيبر التي كانت تتهيأ لحرب الرسول (٣).

وفي نفس السنة أرسل الرسول عبد الله بن رواحة بجماعة من المسلمين إلى يهود خيبر بعد تأمير أسير بن زارم عليهم، إذ عمد هذا الأخير للذهاب إلى غطفان وغيرهم من قبائل العرب لجمع أكبر قدر ممكن منهم لحرب الرسول (٤).

وفي السنة السابعة للهجرة بلغ الرسول أنّ جمعاً من غطفان بالجناب تواعدوا مع عيينة بن حصن الفزاري ليزحفوا بجيشهم باتجاه المدينة، فبعث الرسول سعد بن بشير ومعه ثلاثمائة رجل من المسلمين لدفعهم (٥).

٣- نصرة المسلمين المظلومين المغدور بهم:

في مطلع السنة الثانية للهجرة أغار كرز بن جابر الفهري ومعه جماعة من رجاله على مناطق تقع على بعد بضع أميال من المدينة يرعى فيها بعض المسلمين وقتل بعضهم وهرب فخرج الرسول في طلبه حتى بلغ إحدى نواحي بدر لكنه لم يلحق بهم ورجع (٦).

صفحة PDF الأصلية ٣٢٥

وكذلك ما حصل في السنة السادسة للهجرة (١):

- ففي مطلعها أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل من غطفان على منطقة تدعى الغابة بذي قرد على مقربة من المدينة، وفيها جماعة من بني غفار، فيهم رجل وامرأة فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة معهم. فأرسل الرسول جماعة في طلبهم (٢)، وهي المعروفة في كتب التاريخ بغزوة "ذي قرد". - وفيها أيضاً: خرج الرسول بمن معه من المسلمين بعد أن بلغه أنّ عيينة بن حصن الفزاري شنّ غارة في أربعين من رجاله على المسلمين العزل في منطقة تدعى "الغابة" على مقربة من المدينة، وكان فيها أبو ذر الغفاري وابنه، فقتل المهاجمون ابنه ونهبوا ما تمكنوا من نهبه. - وأيضاً: بعث الرسول سرية بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لدفع هجوم شنّه بنو محارب و أنمار من غطفان على منطقة "سرح" التي يقطنها مسلمون وتقع على بعد سبعة أميال من المدينة. - وكذلك أرسل الرسول سرية إلى طريق الشام لإنقاذ أحد المسلمين "دحية الكلبي" بعد قطع الطريق عليه وسلبه. - وأيضاً: كان لزيد بن حارثة قافلة قادمة من الشام فيها مال للمسلمين فكمن له بنو فزارة وضربوه وأخذوا ما كان معه، ولما وصل إلى المدينة بعثه الرسول بجماعة من المسلمين لاستنقاذ أموالهم.

وفي السنة الثامنة تجمع جمعاً من قضاعة أرادوا الاقتراب من أطراف المدينة، فبعث الرسول جماعة لملاقاتهم في ذات السلاسل (٣).

والملاحظ أنّ المسلمين في كل هذه الأحداث معتدى عليهم، وبالتالي فالسرايا التي بعثها الرسول كان تهدف إلى رد الاعتداء وكف الأذى.

صفحة PDF الأصلية ٣٢٦

وسأذكر الآن مجموعة أخرى من الحروب المهمة والكبرى لتتضح الحقيقة أكثر.

حروب الرسول دفاعية:

١- معركة بدر، والسويق:

لم يكن خروج الرسول (صلى الله عليه وآله) لبدر للقتال ابتداءً، وإنما كان ندب جماعة من المسلمين لاعتراض قافلة لقريش قادمة من الشام تحمل أموالاً لهم، بقصد استرداد أموال المسلمين المهاجرين وحقوقهم التي اغتصبتها قريش منهم عنوة وأخرجتهم من وطنهم حفاة عراة، لهذا كان الرسول يدعو لمن خرج معه في بدر: (اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم) (١).

بحسب المؤرخين (٢): لما سمع الرسول بقدوم قافلة أبي سفيان من الشام فيها مال لقريش، استنفر أصحابه لاعتراضها، فعلم أبو سفيان بالأمر وأرسل إلى قريش من يخبرهم ليمدّوه بالرجال وينقذوا أموالهم. فخرجت قريش بساداتها لم يتخلّف منهم أحد غير أبي لهب الذي أرسل من ينوب عنه، وكان خروجها من أجل استنقاذ مالها وقتال الرسول وأصحابه.

تصميم قريش على القتال كان واضحاً، ولهذا لما سار أبو سفيان بالقافلة بعيداً عن عيون المسلمين وأمن عليها أرسل رسولاً إلى قريش يدعوهم للرجوع، لكنهم أبوا واتجهوا نحو "بدر" والتحق بهم أبو سفيان أخيراً.

الرسول من جهته خرج بأصحابه من المدينة لملاقاة جيش قريش في بدر، وأذن للأنصار بالخروج معه هذه المرة، وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.

وأرسلت قريش عمير بن وهب ليستطلع لهم وضع المسلمين وعدتهم قبل بدء القتال، فحزر عددهم بثلاثمائة رجل بلا أي مدد يعينهم، حينها عرف أنّ قريشاً إن قاتلتهم فسيكثر

صفحة PDF الأصلية ٣٢٧

ضحاياها؛ لأنهم بلا منعة وسيقاتلون بكل استبسال دفاعاً عن نبيهم، فأشار حكيم بن حزام على عتبة بن ربيعة (وكان سيداً مطاعاً في قريش) أن يتركوا قتال الرسول ويخلوا بينه وبين سائر العرب فقبل بر أيه، لكن أبا جهل رفض ذلك وقال: (كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد). ثم أمر من ينادي بالناس ويرفع حماسهم للقتال (١).

(فبعث رسول الله إلى قريش، فقال: يا معشر قريش ما أجد من العرب أبغض إليّ من أن أبدأ بكم فخلوني والعرب، فان أكُ صادقاً فأنتم أعلى بي عينا، وإن أك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري فارجعوا)، وتأثر عتبة بادئ الأمر بنصيحة الرسول وأراد نصح قريش بالرجوع إلى مكة، لكن أبا جهل لم يقبل نصيحته وبدأ يحرض على القتال وكانت الغلبة لرأيه (٢).

ولما اصطف الطرفان للقتال، وكان جيش قريش يتفوق على جيش المسلمين بأكثر من ضعفين، لم يسمح الرسول لجنود جيشه أن يبدأوا بالقتال بالرغم من أنه يخوض حرباً دفاعية، حتى بدأت قريش بالمناوشات على يد عمير بن وهب ثم هجوم قاده عامر بن الحضرمي على المسلمين وقتل بعضهم (٣).

حين ذاك وجد الرسول وأصحابه أنفسهم مضطرين للدفاع عن أنفسهم، فأخزى الله قريشاً وأذلها بالهزيمة ومقتل رؤوس الكفر والظلم كأبي جهل وأمية بن خلف وابنا ربيعة عتبة وشيبة وغيرهم، ونصر الله رسوله الكريم.

في بدر تجلّت واحدة من معالم شخصية الرسول القيادية الرائعة، لما كره أن يتقدم الأنصار قبل قومه، فالقائد الحقيقي هو من يضحي بأعز ما لديه من أجل المبدأ الذي يدعو إليه قبل أن يدعو الآخرين للتضحية من أجله، لهذا لما خرج كبار قريش عتبة ومعه شيبة والوليد، ودعا عتبة المسلمين للبراز خرج بعض الأنصار لمواجهتهم فكره الرسول أن يبتدئ القتال بتقديم الأنصار، وأحب أن يبتدئ التضحية بقومه وبني عمّه و أقرب الناس إليه قبل الآخرين فقال: (يا بني هاشم! قوموا قاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ

صفحة PDF الأصلية ٣٢٨

جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله). فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فمشوا إليهم، وثلاثتهم قتلوا على أيدي ليوث الله (١).

قول الرسول: " إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله" يؤكد هو الآخر على أنّ قتال الرسول لهم في بدر كان دفاعياً.

وفي بدر أيضاً، تجلّت في الرسول الرحمة بأروع ما يكون، فعلى الرغم من أنّ العدو جاء لاستئصاله، وقد تقوم جيوش أخرى بقتل الأسرى في حالة أقل من حالة الرسول بكثير، لكن الرسول طلب من المسلمين معاملة الأسرى بالحسنى وعدم تعذيبهم، وكانوا سبعين أسيراً، وجعل فداء الأسرى أن يقوم الأسير بتعليم القراءة والكتابة لمن لا يحسنهما من صبيان المسلمين، ومن لا يحسن القراءة والكتابة من الأسرى جعل فداءه مبلغاً من المال لمن كان لديه مال وتجارة في مكة، ومن لا مال له أطلق سراحه بدون مقابل (٢).

بالمقابل، فإنّ الطاغية أبا سفيان بعد رجوعه إلى مكة مهزوماً نذر أن لا يمس الماء جسده إلا ويأخذ بثأره من الرسول، فذهب بمائتي فارس من قريش وأتى منطقة "ثيب" على أطراف المدينة، ومنها تسلل إلى بني النضير والتقى بكبيرهم سلام بن مشكم الذي ضيّفه وأكرمه ونقل له أخبار الرسول، فخرج منه في وقت السحر وغار على منطقة "العريض" التي تبعد عن المدينة ثلاثة أميال وقتل رجلين أحدهما من الأنصار وحرق بعض بيوت المسلمين ونخيلهم وولّى راجعاً، فخرج الرسول ومعه جماعة من المسلمين يتعقبون أثره، ولم يظفروا به (٣).

هذه الحادثة يصطلح عليها المؤرخون وأصحاب السير "غزوة السويق" في السنة الثانية للهجرة، وتحسب ضمن غزوات الرسول، ويعدّها المشككون من ضمن معارك الرسول وغزواته التي تؤكد (بنظرهم) أنه رجل عنف وحرب وقتل، لكن لو كانت لديهم ذرة إنصاف لوجّهوا لومهم إلى أبي سفيان وأمثاله من المجرمين، ولأنصفوا الرسول المعتدى

صفحة PDF الأصلية ٣٢٩

عليه، القائد الذي يهب لنصرة أتباعه المظلومين، الرحيم الذي كان يكتفي بأقل السبل لدفع الخطر، وخروجه ما كان إلا لدفع اعتداء وظلم الآخرين كما لاحظنا.

٢- معركة أحد:

في السنة الثالثة للهجرة زحف طغاة قريش بجيشهم نحو المدينة، إذ خرجوا للثأر من قتلاهم في بدر، وبلغوا جبل أحد الذي يقع في أطراف المدينة، وهو في داخلها في أيامنا هذه، لذا اضطر الرسول وأتباعه للدفاع عن أنفسهم، وبالتالي فهي معركة دفاعية بامتياز.

٣- معركة ذات الرقاع:

عانى الرسول وأتباعه من غطفان كثيراً، فقد كان كبارها في حلف مع قريش، وجمع كبار الطرفين عداؤهم للرسول والمسلمين، ومن يقرأ كتب التاريخ والسير ربما يجد من بين أكثر الأسماء التي تقرن مع أبي سفيان في الشر والعداء للرسول ورسالته هو عيينة بن حصن الفزاري من غطفان.

في السنة الرابعة للهجرة، بلغ الرسول أنّ بعض غطفان تتهيأ لقتاله وتجمع الجموع لذلك، فخرج الرسول في أربعمائة رجل من أصحابه لملاقاتهم، وصلى الرسول فيها بأصحابه صلاة الخوف لكثرة عدوه (١).

٤- معركة بني المصطلق:

في السنة الخامسة للهجرة، كان رأس يهود بني المصطلق وسيدهم الحارث بن أبي ضرار يسير إلى العرب ويطوف بين قبائلهم يدعوهم إلى القتال بجانبه ضد الرسول، فأجابوه وتهيؤوا للمسير معه لحرب الرسول وأتباعه، فأسرع الرسول بالخروج بالمسلمين لهم وصد عدوانهم وقاتلهم في مكان يدعى المريسيع (٢).

صفحة PDF الأصلية ٣٣٠

٥- معركة الخندق "الأحزاب":

حدثت المعركة في السنة الخامسة من الهجرة، وكانت من أشد المعارك أذى للمسلمين بعد أن وصلت جيوش المشركين إلى أطراف المدينة "يثرب" وفرضوا عليها حصاراً مطبقاً من جميع الجهات بعد أن حال الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة عن عبور قواتهم إلى المدينة واحتلالها و إبادة أهلها، وبالتالي فواضح أنها معركة دفاعية بامتياز؛ وسأترك الكلام عن تفاصيلها إلى شبهة لاحقة تتعلق بالعقاب الذي أنزله الرسول بيهود بني قريظة في شبهة ( ٦٦ )؛ للارتباط الوثيق بين الأمرين.

٦- معركة مؤتة:

كانت في السنة الثامنة للهجرة، وسببها معروف وهو أنّ الرسول أرسل الحارث بن عمير الأزدي رسولاً منه إلى ملك "بصرى" بالشام بكتاب، فاعترضه شرحبيل الغساني وقتله، وكان يعد مثل هذا الفعل انتهاكاً سافراً غير مسموح به، فأرسل الرسول جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة يليه جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة. فجمع شرحبيل لقتالهم جيشاً قوامه مائة ألف مقاتل (١).

وهذه خلاصة لبعض ما فعله الغساسنة وبعض عرب الشام:

- دأبت قبيلة كلب التي كانت تنزل دومة الجندل على مضايقة المسلمين وفرض نوع من الحصار الاقتصادي من خلال إيذاء التجار الذين كانوا ينقلون البضائع من الشام إلى المدينة "يثرب"، إضافة الى تهيؤهم بالزحف نحو المدينة، ولهذا بعث الرسول سرية إلى دومة الجندل عام (٥ ه) لكن لم يحصل فيها قتال (٢). - كلّف الرسول دحية الكلبي لإنجاز مهمة في الشام، لكن قوماً من جذام ولخم قطعوا عليه الطريق وقاموا بسلب كل ما كان معه في منطقة "حسمى"، فأرسل الرسول سرية بقيادة زيد بن حارثة إلى المنطقة في سنة (٦ ه) لاستنقاذه. وأيضاً:

صفحة PDF الأصلية ٣٣١

قامت قبليتا مذحج وقضاعة بالاعتداء على زيد بن حارثة وصحبه في نفس العام وكانوا في مهمة الدعوة إلى الإسلام، كما تقدم في أحداث السنة السادسة. - أساء الحارث بن أبي شمر الغساني "حاكم دمشق التابع لهرقل ملك الروم" استقبال "شجاع بن وهب الأسدي" مبعوث الرسول إليه ورمى الكتاب من يده، وهدد بإعلان حرب على المدينة والزحف نحوها (١). - بعث الرسول جماعة من المسلمين بقيادة عمرو بن كعب الغفاري إلى منطقة "ذات أطلاح" بالشام فأحاطوا بهم وقتلوهم إلا عمرو الذي جرح وتمكن من النجاة منهم ورجع إلى المدينة (٢). - وأخيراً: قتل شرحبيل الغساني رسول رسول الله الحارث بن عمير الأزدي.

ونتيجة لهذه الأفعال العدائية الصادرة من الغساسنة وبعض عرب الشام ما كان بداً من أن يرسل الرسول (صلى الله عليه وآله) جيشاً لوقف اعتداءاتهم المتكررة وانتهاكهم لمبادئ حسن الجوار التي يفترض أن تسود بين المسلمين وملوك الشام وقبائلها آنذاك.

الخلاصة:

لاحظنا في السرد المتقدم أهم المعارك والسرايا التي بعثها الرسول أو التي خرج معها بنفسه، ورأينا أنّ أسبابها - كلها - لا تخلو بين أن تكون دفعاً لخطر يداهم المسلمين، أو نصرة لمظلوم مغدور، أو استرداد حق مغتصب، وبالتالي فهي حروب دفاعية وليست هجومية.

إذن، ليس الأمر كما صوّره المشككون من أنّ خروجه للمعارك وبعثه للسرايا كان ميلاً منه لانتهاج العنف وسفك الدماء أو لقهر الناس على الإيمان به والتصديق برسالته.

وكشأن أي جيش يحصل من بعض مقاتليه في الحروب بعض الأخطاء أو التهاون في تنفيذ الأوامر والوصايا، كان الرسول القائد سرعان ما يهب لرفض أي تجاوز يحصل من

صفحة PDF الأصلية ٣٣٢

قبل بعض أتباعه، كالخطأ الذي حصل في سرية بعثها بقيادة عبد الله بن جحش ومعه جماعة من المسلمين لرصد حركة قريش بين مكة والطائف، فلما مرت بهم عير قريش هجموا عليها وقتلوا شخصاً وأسروا اثنين، وعلى الرغم من أنهم غير مؤمنين به وبرسالته الإلهية وأنهم يحملون أموال ألد أعدائه وخصومه، لكن لما أتوا بهما إلى الرسول أدان فعلهم ورفضه؛ لأنه لم يكن قد أمرهم بقتال وسفك دم (١).

وبخصوص الأسيرين، فقد اشترط الرسول في إطلاق سراحهما إطلاق سراح أسيرين مسلمين كانا عند قريش، فتم تبادل الأسرى بين الطرفين (٢).

السيد أحمد الحسن يفسّر بعض آيات القتال:

سئل السيد أحمد الحسن سؤالاً تضمن ذكر بعض آيات القتال الواردة في القرآن الكريم، وأيضاً: ما إذا كان الإسلام - الذي جاء به الرسول - يدعو إلى العنف وتهميش الآخر، وهذا نص جوابه:

(مسألة الجهاد في الدين الإلهي عموماً وليس في الإسلام فقط بيَّنتها في كتاب الجهاد باب الجنة، وأما الآيات التي في القرآن ويعتبرونها تحريضاً على العنف أو تهميشاً للآخرين:

أولاً: آل عمران: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللِّّ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللِّّ فَإِنَّ اللِّّ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [ ١٩ ]. "أَفَغَيْرَ دِينِ اللِّّ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" [ ٨٣ ]. "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [ ٨٥ ].

المعنى: آل عمران: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللِّّ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللِّّ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ

صفحة PDF الأصلية ٣٣٣

مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [ ٨٥ - ٨٣ ].

الآية ٨٤ من سورة آل عمران تُبيِّن بوضوح معنى الإسلام في الآيات بأنه التسليم لله ولخليفة الله في أرضه في كل زمان، المنصب وفق قانون خلافة الله في أرضه الذي كان منذ اليوم الأول للإنسان الأول على هذه الأرض، وهو نبي الله آدم u الذي نصّبه الله خليفة في أرضه.

فهذه الآيات ليست بصدد تهميش أحد أو الحكم على أحد، إنما هي بصدد بيان قانون الإيمان المقبول عند الله وهو التسليم له ولخليفته في أرضه. أما إن كنت تعتبر أنّ وضع قانون للإيمان هو تهميش للآخرين الذين لا يقبلونه فمعنى كلامك أنّ كل أصحاب دين - باعتبار أنّ عندهم قانون إيمان - يهمّشون غيرهم بل يتعدى الأمر إلى كل مجموعة يؤمنون بفكر معيَّن.

ثانياً: التوبة: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّّ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللُّّ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ

صَاغِرُونَ" [التوبة: ٢٩ ].

المعنى: القرآن وحدة متكاملة وما يفعله الوهابيون لتمرير عقائدهم الباطلة وفتاواهم في قتل الناس، وما يفعله المسيحيون وغيرهم هذه الأيام للطعن في القرآن هو عملية اقتطاع آيات من كتاب هو عبارة عن وحدة متكاملة لا يمكن أن يؤخذ منها جزء بمعزل عن الكل أو بقية الأجزاء، وقد بيَّن الله في القرآن أنه وحدة متكاملة لا يصح تجزئتها وأنّ من يجزئها هو شخص مغرض؛ إما أنه يريد الطعن بصورة عبثية عشوائية كمن يقول لمن قال: "لا إله إلا الله" أنت كافر وتنكر وجود الله لأنك قلت "لا إله"، وإما أنه شخص يريد أن يُمرِّر عقيدة أو فتوى فاسدة لغرض في نفسه كما فعل الوهابيون (أو المتسمون بالسلفية).

وهذه آيات قرآنية تنهى عن هذا السلوك المنحرف المغرض في تجزئة القرآن:

صفحة PDF الأصلية ٣٣٤

"...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللُّّ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"

[البقرة: ٨٥ ].

"الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الحجر:

٩٣ - ٩١ ].

أما الآية ٢٩ من سورة التوبة، فنحتاج أن نقرأ الآيات بعدها لنتبيَّن لماذا حثَّ الله المؤمنين على القتال هنا؟

التوبة: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّّ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللُّّ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللِّّ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللِّّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللُّّ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللِّّ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللِّّ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللُّّ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ

الْمُشْرِكُونَ" [ ٣٣ - ٢٩ ].

إذن، الله يحث على قتالهم لأنهم هم من بدأ بالحرب "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللِّّ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللُّّ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"، ولا أعتقد أنّ التحريض على قتل الآخر، أو أنّ التهيؤ لقتل الآخر، أو أنّ إعداد العدة لقتل الآخر ليس حرباً، وأعتقد أنّ إرادة إطفاء نور الله بأفواههم تحتمل هذه الأمور وأكثر.

وإن كانت الآيات المتقدمة تحتمل الأخذ والرد وأنها متشابهة، فهناك آية واضحة ومحكمة تُبيِّن أنّ الله يحث المؤمنين على قتال من يقاتلونهم وينهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الآخرين، والمتشابه يرجع إلى المحكم، قال تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللِّّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّّ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" [البقرة: ١٩٠ ].

صفحة PDF الأصلية ٣٣٥

ثم إنّ فعل الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) واضح، فاليهود - وهم أهل كتاب - كانوا يعيشون معه في المدينة بأمان ولم يمسهم بسوء حتى بدأوا هم بمحاربته وإعانة من يقاتلونه.

وأيضاً: يجب الانتباه أنّ الإسلام والدين الإلهي لا يعتبر أنّ الدين مفصول عن السياسة بل أنّ الحكم والسياسة جزء من الدين، وبالتالي فكثير من الآيات في القرآن هي عبارة عن قوانين عسكرية تُبيِّن حقوق الجندي في المعركة وما يجوز له أن يفعله تجاه من يقاتله، فالمؤمن لا يقتل - حتى من يقاتله - إلا بأمر الله ليؤجر، ولهذا شرَّع الله للمؤمنين في ساحة المعركة قتل من يقاتلهم وبيَّن هذا الأمر في آيات قرآنية، كما تسنُّ - الآن وقبل الآن- الدول القوانين لجيوشها وتُبيِّن فيها حقوق جنودها في ساحة المعركة وما يجوز وما لا يجوز .. إلخ.

ثالثاً: "سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً" [النساء: ٩١ ].

أين الإشكال في هذه الآية؟

هي تحثُّ على مقاتلة الكافر المحارب الذي لا يكف يده عن أذى المؤمنين.

إضافة إلى أنّ الآية التي قبلها من نفس السورة فيها بيان أيضاً لجواز مهادنة من يطلب السلام ولا يحارب المؤمنين ولا يطلب أذاهم: "إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللُّّ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللُّّ لَكُمْ عَلَيْهِمْ

سَبِيلاً" [النساء: ٩٠ ].

رابعاً: "فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَُّّ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَِّّ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ" [محمد: ٤].

صفحة PDF الأصلية ٣٣٦

المعنى: هذه الآية تُبيِّن بعض حقوق الجنود المؤمنين - في الجيش الإسلامي - أثناء الحرب وفي ساحة المعركة، وهو أنّ من حقهم أن يقتلوا الكافر الذي يقاتلهم. وتُبيِّن أنّ من حقهم أيضاً أخذ الأسرى وتعطيهم الحرية في التعامل مع الأسرى؛ فإما أن يطلقونهم بدون مقابل، أو يبادلونهم، أو يفدونهم... إلخ.

فأين الإشكال في هذه الآية وقد قلنا إنّ القرآن عبارة عن قانون إلهي ليس للعبادة فقط، بل يُبيِّن أيضاً السياسة والحكم الإلهي وحقوق المؤمنين وما يجب عليهم.. إلخ) (١).

يتهم المشككون الرسول بأنه تعامل مع اليهود المجاورين له معاملة قاسية وغير إنسانية تمثلت بحربه لهم وأجلائهم من ديارهم، ما يؤكد - بحسبهم طبعاً - الطابع العنفي والقمعي الذي يتصف به الرسول (وحاشاه)، ويؤكد كذلك أنّ دولته التي يسعى لإقامتها هي دولة إقصائية لا تسمح بوجود الأقليات فيها!

السبب في إجلاء اليهود من دورهم هو غدرهم وخيانتهم للرسول، وهذا الحكم بحقهم ليس متشنجاً أو متسرعاً وإنما هو الو اقع الذي سنتعرف عليه الآن.

بعد وصول الرسول إلى المدينة "يثرب" مهاجراً لها من مكة، جاءه كبار اليهود الذين كانوا يقطنون فيها وسألوه عن دعوته فذكر لهم صفته في كتبه وما قاله علماؤهم (٢)، وهم طلبوا أن تكون بينهم وبين الرسول معاهدة صلح وميثاق يحترمه الطرفان، فكتبت المعاهدة بمحضر كبار جميع طوائف اليهود "النضير، قريظة، قينقاع" وهذا بعض ما ورد فيها:

صفحة PDF الأصلية ٣٣٧

(قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، و أقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس ...... وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، .... وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ..... وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، ..... وإن ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة أبره، إنه لاتجارقريش ولامن نصرها، .....) (١). و و

وهذا يعني أنّ المعاهدة بين الطرفين نصّت على:

١- التعايش السلمي بين المسلمين واليهود، ولكل منهما دينه. ٢- عدم اعتداء طرف على طرف. ٣- يعتبر جوف المدينة "داخلها" منطقة محرمة على الجميع. ٤- الدفاع المشترك عن المدينة إذا تعرضت لخطر. ٥- في حال السلم: على المسلمين نفقتهم وعلى اليهود نفقتهم، وفي حال الحرب: ينفق اليهود مع المسلمين ما داموا محاربين. ٦- عدم مساعدة قريش ولا من حالفها. ٧- إرجاع الأمور المختلف فيها بين الأطراف المتعاهدة إلى الرسول.

صفحة PDF الأصلية ٣٣٨

وبعض الروايات التاريخية نصّت على أنّ جزاء اليهود إذا قاموا بنقض المعاهدة هو القتل والسبي، ووقّع كبار اليهود على هذا الجزاء:

(قال علي بن إبراهيم بن هاشم: وجاءته اليهود قريظة والنضير وقينقاع فقالوا: يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأني الذي تجدونني مكتوباً في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة، ومهاجري في هذه الحرة، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال: "تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة مخرجه بمكة، ومهاجره ههنا، وهو آخر الأنبياء و أفضلهم، يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، وهو الضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر"، فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحداً، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وكتب بينهم كتاباً ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، الله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حل من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة، وكان الذي تولى أمر بني النضير حيي ابن أخطب، فلما رجع إلى منزله قال له إخوته: جدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك؟ قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدواً، لأن النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

وكان الذي ولى أمر قريظة كعب بن أسد، والذي ولى أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالاً وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنه النبي المبعوث؟ فهلموا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين، فلم يجبه قينقاع إلى ذلك) (١).

صفحة PDF الأصلية ٣٣٩

الرسول (صلى الله عليه وآله) من جهته كان وفياً وملتزماً ببنود المعاهدة، ولم يسمح لأحد من أصحابه بنقض بند من بنودها، وهذا ما تشهد به سادات اليهود أنفسهم قبل غيرهم. وليس هذا فقط، بل كان يتعامل معهم بالعدل كما لو كان يعدل بين أصحابه، فمثلاً: لما حدثت مشكلة قتل بين يهود بني النضير ويهود بني قريظة، وكان المعمول به عندهم أنّ يهود بني النضير يؤدون نصف الدية إذا قتلوا شخصاً من بني قريظة بينما يؤدي بنو قريظة الدية كاملة لبني النضير لشرفهم، لكن الرسول لما حكم بينهم حملهم على الحق وجعل الدية سواء بينهم (١).

وأيضاً: كان (صلى الله عليه وآله) يرفض أن ينحاز إلى طرف منهم دون طرف، إذ جاءه يوماً بعض أحبار اليهود وساداتهم كانت بينهم وبين بعض قومهم خصومة فعرضوا عليه إن هو حكم لهم اتبعوه، لكن الرسول رفض عرضهم (٢).

لكن، بالمقابل: هل كان اليهود أوفياء لبنود المعاهدة التي أبرموها مع الرسول؟

الو اقع يشهد أنهم ما سنحت لهم فرصة لنقض العهد إلا وفعلوا وخانوا العهد والميثاق الذي كان بينهم وبين الرسول.

وهذه بعض الشواهد على نقضهم للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين الرسول:

١- محاولات إيقاع الفتنة بين المسلمين:

بعض رجالات اليهود ومشايخهم كانوا يسعون جاهدين لإحداث الوقيعة والفتنة بين المسلمين الأنصار (الأوس والخزرج) منذ الأيام الأولى، وكمثال لذلك: ما فعله "شاس بن قيس" من فتنة كادت تؤدي إلى مذبحة كبيرة بين الأنصار لولا تدخل الرسول. حيث رأى حلقة يجلس فيها الأنصار "أوس وخزرج" متحابين ومتآلفين، فغاظه ألفتهم فكلّف أحد الشبان أن يدخل بينهم ويذكر بعاث (اليوم الذي اقتتلت فيه الأوس والخزرج في الجاهلية) وبعض ما كان فيها، وفعلاً فعل ذلك فحصل لغط بين الطرفين وهمّوا بالاقتتال فيما بينهم

صفحة PDF الأصلية ٣٤٠

ونادى كل منهم السلاح السلاح، فبلغ الرسول الخبر فخرج إليهم مسرعاً ولما وصل إليهم قال: (يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً) (١).

٢- يهود بني قينقاع ينقضون العهد:

بنو قينقاع: قوم من اليهود يسكنون داخل المدينة، وكان عندهم سوق كبير يرده المسلمون، إذ الكثير منهم يعمل في مهن مختلفة كالحدادة وصياغة الذهب وبعض الحرف. كان بينهم وبين الرسول عهد وميثاق تقدم الحديث عنه، لكن أذاهم كان مستمراً للمسلمين ولنسائهم بالخصوص.

روي ابن هشام عن أبي عون: (أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع) (٢).

تعاظم حقدهم وغيظهم على المسلمين بعد انتصار الرسول في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة، حيث أظهروا بغيهم وخيانتهم للرسول ونبذوا العهد وخصوصاً كبيرهم كعب بن الأشرف.

أراد الرسول نصحهم ووعظهم، فجمعهم في السوق قائلاً: (يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك؟! لا يغرنك إنك لقيت قوماً

صفحة PDF الأصلية ٣٤١

لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس) (١). فكادت تقع بينهم المناجزة (٢).

(قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد) (٣).

فكانوا أول من غدر من اليهود، فسار لهم الرسول وحاصرهم في حصونهم واضطروا للنزول على حكمه، فحكم بإجلائهم من المدينة وأخرجهم منها ولم يقتلهم (٤).

٣- إجلاء بني النضير بسبب محاولة اغتيال الرسول:

يبدي المشككون أسفهم وحسرتهم على إجلاء يهود بني النضير من ديارهم في السنة الرابعة للهجرة بأمر من الرسول، ويتهمون الرسول بالعنف والقسوة، لكن يصعب عليهم ذكر سبب الإجلاء والإبعاد! شيء غريب حقاً لمن يزعم أنه باحث منصف.

وهذه هي الحقيقة بحسب ما يرويها جميع المؤرخين للسيرة النبوية:

إنّ الرسول ومعه جماعة من المسلمين خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر قتلهما أحد المسلمين بدون علمه وأراد الرسول أن يدفع ديتهما لأهلهما، إذ كان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، فأظهروا للرسول قبولهم بطلبه، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - والرسول جالس إلى جنب جدار من بيوتهم - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فصعد ليلقى عليه صخرة لكن الرسول أتاه خبر

صفحة PDF الأصلية ٣٤٢

من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلما أبطأ على أصحابه قاموا في طلبه، فوجدوه قد رجع إلى المدينة وأخبرهم بغدر اليهود وعزمهم على قتله (١).

قال الو اقدي: (وندمت اليهود على ما صنعوا فقال لهم كنانة بن صويراء: هل تدرون لم قام محمد قالوا: لا والله ما ندري وما تدري أنت! قال: بلى والتوراة إني لأدري قد أخبر محمدٌ ما هممتم به من الغدر فلا تخدعوا أنفسكم والله إنه لرسول الله وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به. وإنه لآخر الأنبياء كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله الله حيث شاء. وإن كتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم تغير ولم تبدل أن مولده بمكة ودار هجرته يثرب وصفته بعينها ما تخالف حرفاً مما في كتابنا وما يأتيكم به أولى من محاربته إياكم ولكأني أنظر إليكم ظاعنين يتضاغى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفاً وأموالكم وإنما هي شرفكم فأطيعوني في خصلتين والثالثة لا خير فيها! قالوا: ما هما قال: تسلمون وتدخلون مع محمد فتأمنون على أموالكم وأولادكم وتكونون من علية أصحابه وتبقى بأيديكم أموالكم ولا تخرجون من دياركم. قالوا: لا نفارق التوراة وعهد موسى! قال: فإنه مرسل إليكم: اخرجوا من بلدي فقولوا نعم فإنه لا يستحل لكم دماً ولا مالاً وتبقى أموالكم إن شئتم بعتم وإن شئتم أمسكتم. قالوا: أما هذا فنعم) (٢).

وقال ابن كثير: (قال الو اقدي: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمى حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود. فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم) (٣).

وحاصرهم الرسول خمس عشرة ليلة كما ذكر المؤرخون، حتى نزلوا على حكمه بعد أن خذلتهم قريظة وغطفان وما منّاهم به عبد الله بن أبي سلول وبقية المنافقين.

صفحة PDF الأصلية ٣٤٣

وذكر ابن هشام في سيرته: أنهم سألوا الرسول أن يجليهم ويكف عن قتالهم ولهم ما حملت الإبل من أموالهم، فكان بعضهم يهدم بيته ويحمله على بعيره، فخرج قسم منهم إلى خيبر، وقسم إلى الشام، وممّن قصد خيبر من ساداتهم حيي بن أخطب وسلام بين أبي الحقيق وكنانة بين الربيع بن أبي الحقيق، وقسّم الرسول أموالهم التي تركوها على المهاجرين، ومن أسلم منهم أقرّ على ماله (١).

هذه هي قصة خيانة يهود بني النضير للرسول، وأعتقد - ويتفق معي في ذلك جميع المنصفين - أنّ الرسول كقائد دولة فتية ومحاطة بالأعداء قد اكتفى بأدنى مستوى عقابي لجماعة تستهدف حياته وتصفيته الجسدية وبالتبع القضاء على دينه ورسالته ودولته.

وأما إجلاء يهود خيبر من حصونهم في السنة السابعة للهجرة، فسببه أيضاً تحالفهم مع أعداء الرسول وتجييشهم الجيوش للقضاء عليه وعلى دولته، وسيتضح ذلك لاحقاً.

يتهم الكثير من المشككين الرسول بأنه أباد بني قريظة إبادة جماعية، ولم يكونوا يستحقون مثل هذا العقاب، فلماذا لم يتم التعامل معهم بالإجلاء كما حصل مع يهود بني قينقاع وبني النضير؟!

١- ماذا فعلت بنو قريظة لتستحق العقاب؟

العقاب الذي استحقه يهود بني قريظة كان نتيجة خيانتهم للعهد الذي كان سارياً بينهم وبين الرسول واصطفافهم مع الأحزاب التي زحفت نحو المدينة "يثرب" في معركة الأحزاب "الخندق" في السنة الخامسة من الهجرة.

صفحة PDF الأصلية ٣٤٤

قال تعالى في وصف أحداثها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَِّّ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَُّّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَِّّ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَُّّ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا" [الأحزاب:

١٣ - ٩ ].

وهذا ملخص مجريات المعركة بحسب ما ذكره المؤرخون:

ابتداءً، ينبغي لنا معرفة أنّ الجهة التي حزّبت الأحزاب وسعت إلى تجميع فلولها للزحف نحو الرسول هم كبار يهود بني النضير:

(قال ابن إسحاق: وكان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبنى قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمار، وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير) (١).

كان هدفهم حرب الرسول واستئصاله؛ إذ خرجوا إلى قريش وغطفان لتحشيدهم والاتفاق معهم على موعد للحرب، فخرجت قريش بأربعة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان، وانضمت لهم بنو سليم بسبعمائة مقاتل يقودهم سفيان بن عبد شمس، والتحقت بهم فزارة من غطفان بألف بعير يقودهم عيينة بن حصن، وغيرهم من قبائل العرب حتى بلغ جمعهم عشرة آلاف مقاتل (٢).

لما سمع الرسول بزحفهم نحو المدينة - وكان كل قوام جيشه لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل - أمر بحفر خندق حول المدينة لحماية أهلها، وأمر أيضاً بوضع النساء والأطفال في حصون من الحجارة؛ خوفاً عليهم من غدر بني قريظة التي كانت داخل المدينة آنذاك،

صفحة PDF الأصلية ٣٤٥

فكان الرسول مشغولاً - من جهة - بملاقاة جيش الكفر من أمامه، ومن جهة أخرى: كان مشغولاً بنساء المسلمين وأطفالهم من خلفه، لذا كان يكثر من إرسال زيد بن حارثة وسلمة بن أسلم بمئات المسلمين وإظهار التكبير في مركز المدينة؛ خوفاً من غدر يهود بني قريظة ودفعاً لخطرهم (١).

(وخرج إليهم اليهود وبعض من كان منهم قد حالف رسول الله صلوات الله عليه وآله حلفه - وهم بنو قريظة - وصاروا مع الأحزاب إلباً على رسول الله صلوات الله عليه وآله، فأرجف المنافقون من أهل المدينة لذلك. وأمر رسول الله صلوات الله عليه وآله المسلمين بالثبات في مكانهم ولزوم خندقهم وبإدخال النساء والولدان والضعفاء من الرجال في أطام المدينة وحصونها لتسكن أنفسهم ووعدهم نصر الله عز وجل إياهم) (٢).

كان كل هم قادة جيوش الكفر هو أن تجد مضيقاً في الخندق يمكّن مقاتليها من العبور بخيولهم و اقتحام المدينة، وفعلاً تمكّن بعضهم من العبور:

(فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار ابن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود، فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول: "ولقد بححت من النّدا * ء لجمعهم: هل من مبارز؟" وهو ابن تسعين سنة، فقال علي بن أبي طالب: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه رسول الله سيفه وعممه وقال: اللهم أعنه عليه؛ ثم برز له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غبرة وضربه علي فقتله وكبر) (٣).

(ابن مسعود والصادق عليه السلام في قوله تعالى: "وكفى الله المؤمنين القتال" بعلي بن أبي طالب وقتله عمرو بن عبد ود) (٤).

صفحة PDF الأصلية ٣٤٦

في مثل هذا الظرف العصيب طلب أبو سفيان من حيي بن أخطب أن يتسلّل إلى المدينة ويذهب إلى بني قريظة ويطلب منهم نقض عهدهم مع الرسول، فامتعنوا في البداية لكنهم أجابوا طلبه في نهاية الأمر.

(وخرج عدو الله حيى بن أخطب النضري، حتى أتى كعب ابن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيي ابن أخطب أغلق دون باب حصنه، فأستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب! افتح لي، قال: ويحك يا حيى، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً، قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شئ، ويحك يا حيى! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا [من الله] وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم) (١).

(قال موسى بن عقبة: وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيى بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا: وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشر افهم. فنازلهم حيى على ذلك. فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة، أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٣٤٧

ولما سمع الرسول بخبرهم أرسل لهم سعد بن معاذ؛ لأنه كانت تربطه بهم رابطة حلف قبل الإسلام، وتأكد من خيانتهم للعهد خصوصاً بعد أن نالوا من الرسول بمحضره وقالوا: (من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة. أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه) (١).

في تلك الأثناء، فرض الأعداء حصاراً عسكرياً و اقتصادياً خانقاً على المدينة "يثرب" شهراً كاملاً حتى بلغت قلوب أهلها الحناجر من شدة البلاء والخوف وقلة الطعام، كما اشتدت حركة المنافقين لإحداث فتنة داخلية بين المسلمين حتى قال أحدهم: (كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!) (٢).

لم تضعف همة الرسول أمام البلاء والضيق النازل به وبأتباعه، فأرسل رسله إلى قادة جيش غطفان عارضاً عليهم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم بمن معهم من أتباع، لكن العرض لم يتم لعدم رضا بعض المسلمين به (٣).

ثم بادر الرسول بحنكته وحكمته إلى استعمال نعيم بن مسعود (رجل مسلم من غطفان وله صداقة ببعض قادة جيوش الأحزاب الذين لم يكونوا يعلمون بإسلامه) لإيقاع الفرقة بين جيوش المشركين وبين اليهود وتفتيت عضد الجيش، وفعلاً استطاع أن يوقع بينهم بعد أن تأثروا بكلامه، ثم بعث الله عليهم الريح التي ما مرت بشيء من أبنيتهم وقدورهم إلا أتت عليه (٤)، وكفى الله رسوله أمرهم استجابة لدعائه؛ إذ كان يكثرمن و قول: " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده".

وبعد انسحاب قريش وغطفان، ذهب الرسول مباشرة (بأمر ربه) لمعاقبة بني قريظة على خيانتهم العهد الذي كان بينهم وبينه وإعانتهم ومظاهرتهم للأعداء على الرسول.

صفحة PDF الأصلية ٣٤٨

(لما كشف الله الأحزاب ورجع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل، عليه السلام، فقال: عفا الله عنك! وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله، إئتنا عند حصن بني قريظة؛ فنادى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس أن ائتوا حصن بني قريظة) (١).

حاصرهم الرسول في حصنهم خمسة وعشرين ليلة، وكان حيي بن أخطب معهم داخل الحصن، وبعد أن أيقنوا أنهم لا طاقة لهم على مواجهة الرسول، عرض كبيرهم كعب بن أسد على قومه متابعة الرسول وتصديقه في دعوته لما ظهر لهم من آياته، أو قتل النساء والأولاد والخروج للقتال دون أن يتركوا وراءهم شيئاً يخشون عليه، فلم يرضوا بما عرض عليهم، فطلبوا من الرسول أن يرسل لهم أبو لبابة بن عبد المنذر (وكان بينهم وبينه علاقة وحلف قبل الإسلام) ليستشيروه في أمرهم فأذن له الرسول. ثم إنهم رضوا بالنزول على حكم الرسول فيهم، ولما سمعت الأوس بذلك قالت للرسول: إنهم موالينا دون الخزرج، فأشار لهم الرسول أن يحكموا فيهم فرضوا ونصحهم بسعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذراري والنساء وتقسيم الأموال (٢).

٢- ما هي عقوبة بني قريظة؟

بحسب المحدثين والمؤرخين فإنّ العقوبة التي عوقب بها يهود بني قريظة بعد خيانتهم ونقضهم العهد الذي كان بينهم وبين الرسول (صلى الله عليه وآله) هي: "قتل المقاتلين منهم، وسبي نسائهم وذراريهم" (٣). ولم تكن هذه العقوبة قد صدرت من الرسول مباشرة، وإنما هي عقوبة قضى بها سعد بن معاذ الذي كانت تربطه بيهود بني قريظة رابطة حلف قبل الإسلام، و أقرّ الرسول حكمه؛ وبحسب نقل بعض المؤرخين فإنّ يهود بني قريظة هم من اختاروا سعداً ليحكم في أمرهم.

صفحة PDF الأصلية ٣٤٩

روى المؤرخون عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار، فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا لسيدكم أو خيركم ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله) (١).

٣- تقييم العقوبة:

ليس في العقوبة المذكورة ما يخالف مبدأ دينياً ولا إنسانياً:

- أما مسألة "السبي"، فقد تقدم الكلام فيها عند الحديث عن القوانين الحربية المعمول بها والمتعارف عليها في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله). - وأما "قتل المقاتلين منهم" فهو أمر منطقي جداً، فالمسلمين في الحقيقة قتلوا من رفع سيفه بوجههم من بني قريظة، ولم يتعرضوا لغير هؤلاء بالقتل.

وبخصوص الرسول فقد كان غاية ما يريده هو إجلاؤهم و إبعادهم عن المدينة؛ لأنهم غدروا به أكثر من مرة كما عرفنا، وهذا مطلب عقلائي ومنطقي، في حين أنهم لو قدّر لهم تحقيق غايتهم ونجاح مخططهم لفتكوا بالرسول وبالمؤمنين به جميعاً.

والخلاصة بالنسبة إلى عقوبة القتل ليهود بني قريظة هي: إنّ المسلمين قتلوا من قاتل منهم ورفع السيف بوجوههم كما قلت، ولم يقتلوا كل رجالهم (٢)؛ فضلاً عن قتل كل من بلغ من ذكورهم كما توحي به بعض الروايات التاريخية غير الصحيحة.

صفحة PDF الأصلية ٣٥٠

يرى المشككون أنّ الرسول عامل يهود خيبر بالقسوة والشدة التي لا ينبغي لمرسل من قبل الله أن يتعامل بها مع قوم مجاورين له!

تقع خيبر إلى الشمال من المدينة "يثرب" ويفصلها عن المدينة نحو ١٧٠ كم تقريباً، وكما لم تكفِ أقوام يهود المدينة عن الغدر ونقض العهد والاصطفاف مع أعداء الرسول - وكانت السبب في إجلائهم وإبعادهم عن المدينة كما لاحظنا سابقاً - كانت سيرة يهود خيبر على نفس المنوال؛ حيث تمثلت بتآمرهم على الرسول ودولته من خلال عقد حلف مع طغاة قريش، وكذلك الحلف الوثيق بينهم وبين غطفان المعروفة بعدائها الشديد للرسول، ولذلك لما خرج إليهم الرسول في السنة السابعة من الهجرة جعل معسكره بوادٍ يقال له "الرجيع" ليحول بينهم وبين غطفان وبالتالي قطع المد الغطفاني والقرشي عنهم. وبالفعل، بمجرد أن سمعت غطفان بخروج الرسول إلى خيبر جمعوا جيشهم وخرجوا لإعانة اليهود عليه، لكن مشيئة الله سبحانه حالت بينهم وبين ما تمنّوا (١).

وأيضاً: كانت خيبر ملجأ لأعتى طغاة اليهود الذين سيّرهم الرسول وأجلاهم من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة مثل حيي بن أخطب وسلام بن مشكم وأولاد ابن أبي الحقيق "سادة بني النضير" المعروفين بشدة عدائهم للإسلام وتعاونهم مع أبي سفيان وسعيهم لاغتيال الرسول كما مرّ بنا في إجلاء بني النضير.

كذلك: ينبغي أخذ الدور الذي مارسه سادة يهود خيبر - وخصوصاً حيي بن أخطب - في معركة الأحزاب "الخندق" بنظر الاعتبار؛ حيث عرفنا أنّ لهم النصيب الأوفر في تجييش جيوش أعداء الرسول بالألوف والزحف بهم نحو مدينة الرسول للقضاء على الإسلام ورسوله واستئصال دعوته تماماً، المعركة التي بلغت قلوب المسلمين فيها الحناجر من شدة وكثرة عدوهم وإحكام طوق الحصار الذي ضربوه على مدينتهم شهراً بأكمله،

صفحة PDF الأصلية ٣٥١

وباعتراف جميع المؤرخين فإنّ أيام حصار الأحزاب كانت أشد أيام الإسلام خطورة على الرسول ودولته.

لهذا، لما كان الرسول يضطر أحياناً إلى الخروج مع المسلمين لخوض المعارك الدفاعية مع قريش أو أحد حلفائها، لم يكن يأمن على المدينة "يثرب" وأهلها من يهود خيبر، فاليهود الذين جاوروا الرسول عموماً قوم معروفون بالغدر ونقض المواثيق ولا يأمن لهم جانب، خصوصاً وقد فعلها قبل يهود خيبر يهود قينقاع والنضير وقريظة لما نقضوا عهودهم التي وقعها كبارهم مع الرسول وطعنوا المسلمين بخنجر غدرهم واصطفافهم مع العدو في أحرج الأوقات وأكثرها صعوبة على الرسول وأتباعه.

هذه المعطيات تجعل من تصرف الرسول وقراره الذي اتخذه بتفكيك قوتهم وإبعاد خطرهم عن عاصمة دولته الإسلامية صائباً ومنطقياً جداً، فمن من دول العالم المتحضر اليوم (التي ينتمي لها المشككون وغيرهم) تقبل ببقاء بؤرة قريبة لعاصمتها - وتقع ضمن مساحة سلطتها - لا تحترم حقوق الجوار، ولا تنفك عن عقد أحلاف التعاون العسكري والاقتصادي مع أعدى أعداء تلك الدولة، بل وتوفر المأوى لألد الأعداء الذين يسعون جاهدين لاغتيال قائدها ورمزها الأول، بل يصل بها الحال إلى تجييش الجيوش للقضاء عليها تماماً؟!

أعتقد إنّ أي عاقل منصف يحكم بأنّ عدم محاسبة هكذا بؤرة توتر عدائية على أفعالها والإبقاء عليها غباء كبير وغير مبرر.

ومع هذا كله، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد أنزل بهم عقوبة تتناسب وحجم فعلهم العدائي كما تفعل قادة وملوك كل دول العالم، وإنما ابتدأ فعرض عليهم النزول على حكمه "وهو الجلاء من حصن خيبر" كما فعل مع أمثالهم في قينقاع والنضير، لكنهم رفضوا ذلك وتحصنوا بحصونهم ابتداءً، ولما انتهى الطرفان للقتال اكتفى الرسول بقتال من قاتل منهم، ومن طلب الصلح صالحه بشروط كما فعل أهل حصني الوطيح والسلالم (من حصون خيبر) لما سألوا الرسول أن يسيّرهم دون قتال فرضي بذلك (١).

صفحة PDF الأصلية ٣٥٢

بل والأكثر من هذا، فإنّ الرسول لما فتح خيبر ونزل أهلها على حكمه بالجلاء منها سأله بعض أهلها أن يتركهم يعملون في مزارع النخيل الموجودة فيها وطلبوا منه أن يكون لهم نصف ربحها (وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف) (١).

أيضاً: من رضوا بالصلح منهم صالحهم على حقن دمائهم، ولهم ما حملت ركابهم (٢).

أما مسألة السبي الذي طال نساء المقاتلين منهم (ولم يطل من رضي منهم بالصلح)، فقد تقدم أكثر من مرة أنه أمر متعارف عليه ضمن قوانين الحرب السائدة في تلك الحقبة الزمنية، والرسول لم يخرج عن المألوف والمعمول به، مع تهذيبه بحسب ما تسمح به حالته وظروفه بالرغم من صعوبتها، فقد ذكر المؤرخون أنّ الرسول أوصى مقاتليه بعدم الاعتداء على النساء جنسياً، وأنّ من وقعت امرأة من نصيبه لا يحق له الاقتراب منها قبل أن تستبرئ من الحمل لئلا تختلط الأنساب ونحو ذلك من أمور ممكنة في ذلك الوقت. أما ما غنمه المسلمون من أعدائهم المقاتلين فقد عمد الرسول إلى تقسيمه على المسلمين بما فيهم الأيتام والفقراء (٣).

وإني على يقين أنّ الباحث الذي يأخذ ظروف معركة خيبر بعين الدراسة والتحقيق العلمي المنصف (وقد أشرت لبعضها)، يجد في فعل الرسول حكمة وعدل ورحمة وليس عنف واضطهاد لقوم أبرياء وودعاء كما يصور المشككون، ولا أقل ليست الحقيقة كما يحاولون تسويقها لغرض مسبق في أنفسهم.

الصلح وحقن الدماء شيمة الرسول:

محمد رسول الله ورحمته المرسلة إلى عباده، لهذا يجد المتتبع لسيرته أنه يقدّم الصلح مع من يخالفه دائماً ما وجد لذلك سبيلاً، فالصلح حقناً للدماء كان شيمته

صفحة PDF الأصلية ٣٥٣

وسجية من سجاياه، وكمثال لذلك ما فعله مع ألدّ أعدائه وهو في أوج قدرته وظهوره على خصومه.

في عام ٦ ه في ذي القعدة خرج الرسول من المدينة بمئات المسلمين قاصداً مكة وزيارة البيت الحرام، وأحرم في الطريق بلا سلاح - إلا السيوف التي وضعت في قربها - وساق معه البدن التي أشعرها (١) ليعلم الجميع أنه لا يريد الحرب والقتال، حتى وصل الحديبية التي تقع على أطراف الحرم على بعد تسعة أميال من مكة، ومع هذا فإنّ قريشاً قررت الخروج إليه بالرجال والعبيد لصدّه ومنعه عن دخول مكة وزيارة بيت الله الحرام.

هذا، والرسول يصرح بأنه لم يأتِ لقتال أحد، ثم أرسل أحد أصحابه لقريش قائلاً له: (اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زواراً لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبداً ولا يدخلها علينا العام)، وأخيراً و افقت على رجوعه عن البيت في عامه هذا والمجيء له في السنة القادمة، ثم اضطرت قريش للرضوخ إلى الصلح وأرسلت الرسل والكتب التي أعلنت فيها قبولها بالصلح والهدنة بينها وبين الرسول عشر سنين يكف فيها بعضهم عن بعض، وكان من بنود الصلح (أنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه) (٢).

لكن قريشاً نقضت العهد مع الرسول بإعانتها على قتل عشرين شخصاً من خزاعة وهم آمنون في منازلهم. ففزعوا إلى الرسول يطلبون نصرته ويخبروه بالذي أصابهم من غدر قريش، فلما سمعهم الرسول قام يجر رداءه وهو يقول: (لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي).

وجهّز الرسول جيشه للذهاب إلى مكة بعد أن آمن بالإسلام الكثير من العرب، وبلغ قوام جيش الرسول عشرة آلاف مقاتل، وكان بوسع الرسول سحق عتاة قريش وجبابرتها سحقاً (وعلى رأسهم الطاغية أبو سفيان) والثأر لنفسه وللمسلمين من كل ما تسببوا به

صفحة PDF الأصلية ٣٥٤

من أذى وألم جعله يقول "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" (١)، لكنه - وبعكس كل القادة الفاتحين الذين يسعون للخلاص من أعدائهم بأي وسيلة - دخل مكة فاتحاً ومناديه ينادي: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" (٢).

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
حروب الرسول - دفاع عن الرسول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.