الفصول
التعاليم العبادية
دفاع عن الرسول · د. علاء السالم
![]()

الدين الإلهي - كما هو معلوم - يتألف من جانبين أساسيين هما: العقيدة والشريعة، والإسلام كدين إلهي بُعث به الرسول (صلى الله عليه وآله) احتوى في جانبه التشريعي على مجموعة من العبادات التي أرسى الرسول معالمها وأمر المسلمين بالإتيان بها كالصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها.
من جهتهم، المشككون بالرسول تناولوا الكثير من هذه العبادات بالاستهزاء والسخرية من جهة، ومن جهة ثانية: اعتبروها مدعاة للوثنية التي يدّعي رسول الإسلام أنّه كفيل بالقضاء عليها.
وبالنتيجة هم يزعمون أنّ الرسول استبدل عبادة وثنية بأخرى وثنية بدلاً عنها.
وقبل استعراض شبهاتهم في هذا الصدد، أشير إلى عدة أمور:
١- إنّ النقاش العلمي الصحيح - خصوصاً في القضايا التي يستتبع النقاش فيها حكماً وتقييماً معيّناً - يفترض أن يكون خاضعاً لنهج علمي رصين ودقيق، لا أن يكون بالعبثية التي رأيناها في كلام المشككين.
فهم - أعني المشككين - لا يخلو حالهم من أحد أمرين:
- إما أنهم غير مؤمنين بالله أصلاً. - أو أنهم يؤمنون بالله لكنهم غير مؤمنين بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله).
فإن كانوا غير مؤمنين بالله من الأساس، فالنقاش معهم - حتى يكون علمياً ومثمراً - ينحصر في إثبات وجود الله من عدمه، وعلى كلا الطرفين (المؤمن بالله والمنكر له) أن يقدّما الدليل العقلي القطعي الذي تستند عليه عقيدة كل منهما.
وإن كانوا مؤمنين بالله ومنكرين لرسوله (كالمسيحيين مثلاً)، فالنقاش معهم يتركز على إثبات حجية الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وصدقه في دعواه وفق المنهج الإلهي الذي به عرف رسل الله جميعاً.
هذا ما تقتضيه أصول النقاش العلمي والمعرفي المثمر، أما أن يترك هذا الأساس ويتم اللجوء إلى مناقشة تفاصيل الشريعة وجزئياتها فهو أقرب إلى العبث منه إلى النقاش العلمي. فمنهجياً، غير صحيح إطلاقاً طرح إشكالات على تفاصيل جزئية تخص ديناً إلهياً قبل التحقق من معرفة الله وصفاته وأسباب بعث رسله، وقبل التحقق من صدق الرسول في دعوته الإلهية، وحال من يناقش في التفاصيل قبل التحقق من الأصل تماماً كحال من يرى خطوطاً متقاطعة في رسم هندسي معين لمنشئة هندسية ويسخر منها لأنها باعتقاده مجرد خطوط لا قيمة لها؛ نتيجة جهله بمبادئ الهندسة وقوانينها، ولو كان قد درس تلك المبادئ والقوانين لعرف أنّ خطوط الخريطة رسمت بدقة عالية وفق مبادئ وقوانين رياضية محسوبة وثابتة في علم الهندسة.
٢- دينياً، نحن نعتقد أنّ ارتباط النفس بالجسد أمر أساسي في هذا العالم السفلي، فالجسد آلة النفس التي تتمكن من خلاله تأدية وإنجاز أفعالها في هذا العالم، وطالما كان الجسد مجرد آلة لإظهار مراد النفس فالتكليف الديني إذن يتوجه - في الحقيقة - إلى النفس لا الجسد، ولكن طاعة النفس تظهر من خلال سلوك الجسد نفسه.
إذا اتضح هذا، فالعبادات الدينية (كالصلاة والصيام والحج) التي شرّعها رسول الإسلام ليست مجرد ممارسات بدنية تقتصر على الجسد فقط، وإنما هي عبادات تتألف من أفعال معينة شاء الله سبحانه أن يتقرّب العبد بها إليه، أي يشترط فيها قصد التقرّب إلى الله عند الإتيان بها، وهذا هو الفارق الأساسي بينها وبين المعاملات كعقود البيع والإجارة والزواج ونحو ذلك.
وأيضاً: أوضح خلفاء الله (الرسول وأوصياؤه الكرام) أنّ وراء أفعال العبادات مقاصد وغايات أرشدوا المسلمين إلى استحضارها أثناء تأدية العبادة، وبدون استحضار تلك المقاصد لا تكون عبادة المسلم تامة ومحققة للغرض الداعي إلى تشريعها أساساً وتصبح مجرد قشور خالية من اللب والجوهر. فمثلاً: واحدة من غايات الصيام هي تذكّر جوع وألم الفقراء والمساكين ليكون ذلك مدعاة إلى مساعدتهم ومد يد العون لهم، وأيضاً: تحفيز الرقيب الذاتي ومخافة الله في السر والعلن (باعتبار أنّ الصيام امتناع عن المفطرات، ويمكن للصائم أن يتناول المفطر دون أن يراه أحد من الناس)، وغير ذلك من غايات ومقاصد، والصائم ما لم يستحضر هذه المقاصد لا يكون صيامه حقيقياً، بل ويكون مصداق لقول الرسول (صلى الله عليه وآله): (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) (١).
وهكذا الحال في الصلاة والحج ونحوها من العبادات التي تقرب العبد إلى الله، وبالتالي فمن غير الصحيح النظر لها باعتبارها ممارسات جسدية تشبه في الكثير منها سائر الممارسات الجسدية التي يؤديها الناس عموماً.
٣- أيضاً: نحن نعتقد أنّ عالمنا الذي نحن فيها يتصل اتصالاً وثيقاً بعوالم علوية مدبّرة له ومهيمنة عليه (علماً، أنّ مسألة تعدد العوالم والأكوان هي نظرية علمية مبرهنة رياضياً، وتطرح بقوة في علم الفيزياء الكونية كما هو معلوم للمتتبع)، والنصوص الدينية الثابتة أشارت إلى أنّ ما موجود في هذا العالم إنما هو ظهور وتجلي لما هو موجود في العوالم العلوية، فالكعبة مثلاً ظهور وتجلي للبيت المعمور الموجود في عالم أعلى، ووجودها في هذا العالم يرمز لتلك الحقيقة العلوية، وبالتالي فالغاية المرجوة من وجودها هنا هي نفس الغاية من وجود البيت المعمور في العالم الأعلى، وهناك غايات أخرى للحج ستتضح لاحقاً، بالتالي ليست المسألة تقتصر على الدوران حول جدران وبيت من الحجر كما يتصور المشكك!
وخلاصة ما أريد قوله هنا: إنّ العبادات التي شرّعها رسول الإسلام لا يصح قصر النظر على ظاهرها واعتبار أنها مجموعة من الممارسات والحركات الجسدية التي تشبه
سائر الأفعال التي يأتي بها غير المؤمنين بالرسول - بما في ذلك الوثنيين - ومحاكمتها على ضوء ذلك، فما لم يحيط المرء بغايات تشريع تلك العبادات والمقاصد التي ترمي إليها لا يكون تقييمه لها دقيقاً وصحيحاً إطلاقاً.
وعموماً، سأطرح أهم إشكالاتهم في هذا الصدد مما يرد ذكره في مقولات المشككين وأجيب عليها.
![]()
يزعم المشككون أنّ الصلوات قبل الإسلام كانت تقدّم للأوثان ثم تحوّلت إلى الصلوات الخمس اليومية، فهي - أي الصلاة - عبادة وثنية واستبدلت بوثنية مثلها. ثم ما يسبقها من وضوء لا وجه له؟ لماذا الأذكار المخصوصة في الصلاة، وما هي فائدتها؟

١- بغض النظر عن كيفيتها وشروطها، لم تكن "الصلاة" كأمر عبادي شيئاً أتى به رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) فحسب، وإنما هي عبادة وردت ضمن تعاليم رسل الله السابقين:
- قال تعالى حكاية عن قول نبي الله إبراهيم (عليه السلام): "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" [إبراهيم: ٣٧ ]. - قال تعالى عن موسى وهارون (عليهما السلام): "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ" [يونس: ٨٧ ].
- قال تعالى عن عيسى (عليه السلام): "وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَ ايا"
[مريم: ٣١ ].
- قال تعالى عن زكريا (عليه السلام): "فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللََّّ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَِّّ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِ ايا مِنَ
الصَّالِحِين" [آل: عمران: ٣٩ ].
بل ويظهر أنّ "الصلاة" من شريعة سائر الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَُّّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِ ايا * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَ ايا"
[مريم: ٥٩ - ٥٨ ].
٢- لما كان الغالب على المجتمع المكي وما جاوره عموماً أنهم كانوا حنفاء أي على دين الحنيفية التي بعث بها نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، لكنها بالتأكيد حنيفية محرّفة عند الغالبية العظمى منهم بسبب ابتعادهم عن رسل الله وطاعتهم لكبرائهم وساداتهم وعلماء الضلال الذين كانوا بينهم، فأكيد أنّهم يعرفون الصلاة - ولو إجمالاً وبشكل صوري - باعتبار أنها من ضمن تعاليم إبراهيم (عليه السلام) الموروثة عندهم ولو بنحو محرّف.
وأيضاً: الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بعث في مكة بالحنيفية، قال: (لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنيفة السهلة السمحة أصوم وأصلي وألمس أهلي) (١)، وكان حريصاً على تخليص دين جدّه إبراهيم مما علق به من تحريف للعقيدة والشريعة على حد سواء وإعادته غضاً طرياً نقياً.
ولأن الصلاة عبادة يشترط فيها قصد التقرب لله بعد التصديق بخليفته المرسل من قبله، اعتبر الله سبحانه صلاة مشركي الجاهلية عند البيت الحرام مكاء وتصدية (أي: صفير وتصفيق) (٢)؛ باعتبار أنها فعل خالٍ من روح الصلاة الحقيقية المرادة من قبل الله، قال تعالى: "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ" [الأنفال: ٣٥ ].
إذن، فالرسول الأكرم لم يستبدل شريعة وثنية بأخرى مثلها كما زعم المشككون، وإنما الصلاة عبادة وشريعة إلهية توحيدية إبراهيمية، وحقيقتها أنها دعاء واتصال بين العبد وربه سبحانه، الصلاة سبيل لذكر الله وإعظامه والاعتراف بربوبيته والخشوع والتذلل بين يديه، وهي أيضاً: باب لطلب الخير والأمر بالمعروف والزيادة في الدين والدنيا، وهي كذلك باب للنهي عن المنكر وغفران الذنوب ومنع الفساد، وهي بهذا سبيل من سبل رقي الإنسان وتكامله ورفعته في الآخرة والدنيا.
قال تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَ أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَِّّ أَكْبَرُ وَاللَُّّ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" [العنكبوت: ٤٥ ].
قال وصي الرسول - الإمام الرضا (عليه السلام) -: (إن علة الصلاة أنها إقرار بالربوبية لله عز وجل وخلع الأنداد، وقيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل والمسكنة، والخضوع والاعتراف والطلب للإقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض كل يوم خمس مرات اعظاماً لله عز وجل وأن يكون ذاكراً غير ناسٍ ولا بطر ويكون خاشعاً متذللاً راغباً طالباً للزيادة في الدين والدنيا مع ما فيه من الانزجار والمداومة على ذكر الله عز وجل بالليل والنهار لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى ويكون في ذكره لربه وقيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي ومانعاً من أنواع الفساد) (١).
هذا هو غرض الصلاة ومقصدها الأساس والأثر المرجو منها، أما جهل الناس (بما فيهم الكثير من المسلمين) بهذه الحقائق والمقاصد المرجوة من الصلاة، أو معرفتهم بها مع عدم تفعيل أثرها في سلوكهم و أفعالهم، فسببه تقصيرهم وغفلتهم وتقديمهم لملذات الدنيا وشهواتها على طاعة الله ورسوله المؤدية حتماً إلى خسرانهم أحد مفاتيح تكاملهم ورقيهم الإنساني والمعرفي، وبالنتيجة فهم من يلامون على ذلك، وليس رسل الله وخلفاؤه.
وكذلك الحال بالنسبة إلى الوضوء، فأيضاً له (بما يتضمّنه من أفعال) غاية يرجو المشرّع إلفات نظر المتوضئ لها عند الإتيان به، وأكيد أنّ توحيد الله والتطهر عند القيام والحضور بين يديه على رأس تلك المقاصد والغايات:
قال الإمام الرضا (عليه السلام): (وعلة الوضوء التي من أجلها صار غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس والرجلين فلقيامه بين يدي الله عز وجل واستقباله إياه بجوارحه الظاهرة وملاقاته بها الكرام الكاتبين فغسل الوجه للسجود والخضوع وغسل اليدين ليقلبهما ويرغب بهما ويرهب ويتبتل ومسح الرأس والقدمين لأنهما ظاهران مكشوفان يستقبل بهما في كل حالاته وليس فيهما من الخضوع والتبتل ما في الوجه والذراعين) (١).
٣- لاحظنا علة الصلاة والوضوء وأنها باب لتوحيد الله وذكره والاتصال به سبحانه ونيل التكامل الإنساني والرقي النفسي والروحي، وأضيف: إنّ من راجع نصوص خلفاء الله (أعني الرسول وأوصياءه الطاهرين) يجد تفسير أفعال الصلاة بنحو يظهر توحيد الله وإعظامه والاعتراف بربوبيته بشكل جلي وواضح، وهذا مثال للنصوص:
(عن أحمد ابن عبد الله قال: قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام يا بن عم خير خلق الله ما معنى رفع يديك في التكبيرة الأولى؟ فقال (ع) قوله: الله أكبر - يعنى الواحد الأحد الذي ليس كمثله شئ لا يقاس بشئ ولا يلتبس بالأجناس ولا يدرك بالحواس قال الرجل: ما معنى مد عنقك في الركوع؟ قال: تأويله، آمنت بوحدانيتك ولو ضربت عنقي) (٢).
كذا الحال بالنسبة إلى أذكار الصلاة:
(عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى (ع) قال: قلت له لأي علة صار التكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل ولأي علة يقال في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده ويقال في السجود سبحان ربي الأعلى وبحمده قال يا هشام ان الله تبارك وتعالى خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً والحجب سبعاً، فلما أسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح فلما رفع له الثاني كبر فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب وكبر سبع تكبيرات فلذلك العلة يكبر في الافتتاح في الصلاة سبع تكبيرات فلما ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه فأبترك على ركبتيه وأخذ يقول سبحان ربي العظيم وبحمده فلما اعتدل من ركوعه قائماً نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع
خر على وجهه وجعل يقول سبحان ربي الأعلى وبحمده فلما قال سبع مرات سكن ذلك الرعب فلذلك جرت به السنة) (١).
بل حتى امتياز ذكر الركوع عن السجود في الصلاة حيث يقال في الركوع: "سبحان ربي العظيم (أو العلي) وبحمده" ويقال في السجود: "سبحان ربي الأعلى (أو الأعظم) وبحمده"، أقول: حتى هذا الفرق بين الذكرين في الحالتين له سبب وعلة معرفية أوضحها خلفاء الله القائمون على دين الله، وليست بالصورة التي يتوهمها المشككون.
سُئل السيد أحمد الحسن عن الفرق بين الذكرين، فأجاب:
(الركوع هو حالة خضوع وتذلل من العبد لله سبحانه وتعالى بمرتبة الذات، والذكر الملائم لهذا الخضوع لهذه المرتبة هو: حمد المربي العظيم أو العلي.
أما السجود فهو: حالة خضوع وتذلل من العبد له سبحانه وتعالى بمرتبة "الكنه أو الحقيقة" والذكر الملائم لهذا الخضوع لهذه المرتبة هو: حمد المربي الأعلى أو الأعظم. فمرتبة معرفة العبد ربه في السجود أعظم من مرتبة معرفة العبد ربه في حال الركوع) (٢).
ولأن الصلاة سبيل للتواصل بين العبد وربه وحضور بين يديه، حث خلفاء الله على مراعاة إقبال القلب على الله والانقطاع إليه والابتعاد عن كل ما يشغل المسلم عن ربه أثناء الصلاة.
قال الإمام الباقر (عليه السلام) لزرارة: (عليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه منها بقلبك ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس ولا تقولن إذا فرغت من قرائتك آمين فان شئت قلت الحمد الله رب العالمين وقال لا تلثم ولا يختفر ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع أصابعك فان ذلك كله نقصان في الصلاة وقال لا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فإنها من خلال النفاق وقد نهى الله عز وجل
المؤمنين ان يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى - يعنى من النوم - وقال للمنافقين "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا") (١).
بالتأكيد، المشككون يصعب عليهم إدراك مثل هذه الحقائق في علل الصلاة والوضوء وأذكار كل منهما المطهرة للقلوب والنفوس، لكن كونهم جاهلين بحقيقتها ومراميها التوحيدية لا يمنحهم الحق في الإشكال عليها وتشبيهها بأفعال الوثنيين مع أنها بعيدة غاية البعد عنها في مغزاها وأهدافها ولا تلتقي معها أصلاً، اللهم إلا في شيء من الظاهر الذي لا يعدو أن يكون مجرد قشر لا قيمة له بعد اختلاف المغزى والحقيقة والهدف، بل كيف استساغوا لأنفسهم الحكم عليها مع أنّ حالهم يشبه تماماً حال من يصعب عليه إدراك قيمة الخطوط الهندسية في الرسم الهندسي لمن يجهل بقوانين الهندسة ورياضياتها، لذا قلت سابقاً: إنّ المنهج الصحيح الذي يجب على المشككين سلوكه في النقاش الديني هو حصر نقاشهم على إثبات وجود الله ثم إثبات أحقية الرسول وصدق دعواه، أما القفز على هاتين المسألتين واللجوء إلى نقاش تفاصيل الشرائع فإنه لن يفضي إلى نتيجة مثمرة أبداً.
وبخصوص الصلاة أيضاً: وجدت بعض المشككين يتهم الرسول بأنه كان يقدّم ويؤخر الصلاة تبعاً لهواه (وحاشاه) مستندين في ذلك إلى بعض الروايات التي تنص على أنه كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء!
وجواب ذلك واضح، فالرسول لا يفعل شيئاً يتصل برسالة الله ودينه وشرعه إلا بوحي من الله سبحانه، ومن يشكك في ذلك عليه أن يبحث ويحقق في أدلة صدق نبوّته وبعثه من الله وليس من خلال التشكيك بتشريعاته.
ومسألة الجمع بين صلاتي "الظهر والعصر" أو "المغرب والعشاء" هي رخصة تفضّل الله بها على المؤمنين برسوله، وهذه بعض الروايات الواردة عن أوصياء الرسول التي تؤكد هذه الحقيقة:
(عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقت الظهر والعصر فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعا إلا أن هذه قبل هذه ثم أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس.
عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة) (١).
(وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة) (٢).
الصلاة وأعدادها اليومية وأوقاتها بل الدين كله - وما يجوز فيه وما لا يجوز - لا يعرف إلا من قبل رسول الله ثم الأوصياء من بعده، وكل ذلك بوحي منه سبحانه:
(عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما فرض الله عز وجل من الصلاة فقال، خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت: فهل سماهن وبينهن في كتابه؟ قال: نعم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" ودلوكها زوالها ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن وغسق الليل هو انتصافه ثم قال تبارك وتعالى: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" فهذه الخامسة ...) (٣).
![]()
يرى المشككون أنّ أعمال الحج ما هي إلا ترسيخ للوثنية أيضاً، فالرسول أمر أصحابه بالطواف حول الكعبة وهي من الحجارة، وأمرهم أيضاً بالسعي بين الصفا والمروة وكل منهما كان عليه صنم شهير. أمرهم أيضاً برم ي الجمرات على حجر يقولون إنه
الشيطان، كما أمرهم بتقبيل حجر أسود، والملاحظ أنها أمور ترسخ الجانب الوثني وتكشف عن أنّ هذا الدين لا يحترم عقول أتباعه على حد تعبيرهم!

يمكننا أن نجيب على هذا الإشكال بنفس ما أجبنا به الإشكال السابق، فكما أنّ الصلاة اتضح لنا أنّ لها عللاً وغايات توحيدية استهدفها الإسلام عند تشريعها، كذلك الحال بالنسبة إلى الحج بما يتضمنه من أفعال شرّعها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وأوضح - هو وأوصياؤه - عللها وغاياتها، وهذا نماذج من النصوص التي تبيّن مرامي وغايات بعض أفعال الحج.
١- نبي الله إبراهيم (عليه السلام) يشرّع الحج بأمر الله سبحانه:
قال الإمام الكاظم (عليه السلام) للفضل بن موسى الكاتب: (إن إبراهيم عليه السلام لما أسكن إسماعيل وهاجر مكة وودعهما لينصرف عنهما بكيا، فقال لهما إبراهيم: ما يبكيكما فقد خلفتكما في أحب الأرض إلى الله وفي حرم الله؟ فقالت له هاجر: يا إبراهيم ما كنت أرى أن نبيا مثلك يفعل ما فعلت، قال: وما فعلت؟ فقالت: إنك خلفت امرأة ضعيفة وغلاما ضعيفا لا حيلة لهما بلا أنيس من بشر ولا ماء يظهر ولا زرع قد بلغ ولا ضرع يحلب، قال: فرق إبراهيم ودمعت عيناه عندما سمع منها فأقبل حتى انتهى إلى باب بيت الله الحرام فأخذ بعضادتي الكعبة ثم قال: اللهم إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
قال: أبو الحسن: فأوحى الله إلى إبراهيم: أن اصعد أبا قبيس فناد في الناس: يا معشر الخلائق إن الله يأمركم بحج هذا البيت الذي بمكة محرما من استطاع إليه سبيلا، فريضة من الله، قال: فصعد إبراهيم أبا قبيس فنادى في الناس بأعلى صوته : يا معشر الخلائق إن الله يأمركم بحج هذا البيت الذي بمكة محرما من استطاع إليه سبيلا فريضة من الله، قال: فمد الله لإبراهيم في صوته حتى أسمع به أهل المشرق والمغرب وما بينهما من جميع ما قدر الله وقضى في أصلاب الرجال من النطف، وجميع ما قدر الله وقضى في أرحام
النساء إلى يوم القيامة، فهناك يا فضل وجب الحج على جميع الخلائق، فالتلبية من الحاج في أيام الحج هي إجابة لنداء إبراهيم عليه السلام يومئذ بالحج عن الله) (١).
ولما عرفنا سابقاً أنّ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) بعث في مكة بالحنيفية لتجديد دين جده إبراهيم (عليه السلام) وتنزيهه مما علق به من التحريف، يكون الحج - والحال هذه - عبادة إلهية إبراهيمية ولا دخل للوثنيين المحرفين في تأسيسها وتشريعها إطلاقاً.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (مر موسى النبي عليه السلام بصفاح الروحاء على جمل أحمر خطامه من ليف عليه عباءتان قطوا نيتان وهو يقول: لبيك يا كريم لبيك; قال: ومر يونس بن متى بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك; قال: ومر عيسى ابن مريم بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك عبدك وابن أمتك [لبيك] ومر محمد صلى الله عليه وآله بصفاح الروحاء وهو يقول: لبيك ذا المعارج لبيك) (٢).
٢- بالنسبة إلى علل وغايات الحج و أفعاله، فهذه بعضها:
أولاً: علة الحج عموماً عبادة الله والتقرّب إليه وتحصيل الخير والمنفعة الأخروية والدنيوية.
روى الفضل بن يونس أن ابن أبي العوجاء (دخل مكة تمرداً وانكاراً على من يحج وكان يكره العلماء مسائلته إياهم ومجالسته لهم لخبث لسانه وفساد سريرته فأتى جعفر بن محمد (ع) فجلس إليه في جماعة من نظرائه ثم قال له يا أبا عبد الله ان المجالس أمانات ولا بد لكل من به سعال أن يسعل أفتأذن لي في الكلام فقال أبو عبد الله (ع) تكلم بما شئت فقال إلى كم تدوسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الحجر وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر وتهرولون هرولة البعير إذا نفر ان من فكر في الامر قد علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر فقل فإنك رأس هذا الامر وسنامه وأبوك اسمه ونظامه فقال أبو عبد الله (ع) ان من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه صار
الشيطان وليه يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره وهذا بيت استعبد الله تعالى به خلقه ليختبر به طاعتهم في اتيانه فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدى إلى غفرانه منصوب على استواء الكمال ومجتمع العظمة والجلال خلقه الله تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام وأحق من أطيع فيما أمر انتهى عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للأرواح والصور. ...) (١). و
قال الإمام الرضا (عليه السلام): (وعلة الحج الوفادة إلى الله تعالى وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف وليكون تائباً مما مضى مستأنفاً لما يستقبل وما فيه من استخراج الأموال وتعب الأبدان وحظرها الشهوات واللذات والتقرب بالعبادة إلى الله عز وجل والخضوع والاستكانة والذل شاخصاً إليه في الحر والبرد والامن والخوف دائباً في ذلك دائما وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع والرغبة والرهبة إلى الله عز وجل ومنه ترك قساوة القلب وجسارة الأنفس ونسيان الذكر وانقطاع الرجاء والعمل وتجديد الحقوق وحظر النفس عن الفساد ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر ممن يحج وممن لا يحج من تاجر وجالب وبائع ومشتر وكاسب ومسكين وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم. ...) (٢).
ثانياً: وأيضاً علة الحج هي أن يعرض الإنسان نصرته وولايته على إمام زمانه ويجدد طاعته وولاءه له سواء كان نبياً أو رسولاً أو إماماً.
عن الفضيل، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما أمروا أن يطوفوا بها، ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم، ثم قرأ هذه الآية "واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) (٣).
المشككون بعبادات الإسلام ومنها الحج أكيد أنهم يعيشون في بلدان يعمل قادتها ورؤساء أحزابها السياسية مهرجانات يجدّد فيها أتباعهم وأنصارهم الولاء والنصرة
لأولئك القادة، فلِمَ يستكثرون على رسل الله دعوتهم أتباعهم (بأمر الله) للاجتماع في وقت مخصوص في بيت الله وأداء مناسك ومشاعر و أفعال مخصوصة (ولها غايات ستتضح) تقرّبهم لله ثم يتبعها عرض ولائهم ونصرتهم لأولياء الله المعصومين المنصّبين من قبله سبحانه؟!!
ثالثاً: علة الطواف
قال الإمام الرضا (عليه السلام): (... وعلة الطواف بالبيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة "إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" فردوا على الله تعالى هذا الجواب فندموا ولاذوا بالعرش واستغفروا فأحب الله عز وجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش يسمى الضراح ثم وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمى المعمور بحذاء الضراح ثم وضع هذا البيت بحذاء البيت المعمور ثم أمر آدم عليه السلام فطاف به فتاب الله عز وجل عليه وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة) (١).
الكعبة - إذن - تجلي وظهور لبيت الله في العوالم العلوية، وكما أنّ الهدف من وجوده في تلك العوالم (بالهيئة التي تناسب تلك العوالم) أنه موضع لاستغفار خلق الله من الملائكة والتوبة عليهم، كذلك كان الهدف من وجود الكعبة (بهيئتها المناسبة لعالمنا الجسماني) والطواف حولها هو أن تكون موضعاً لاستغفار العبد من ذنوبه وتوبته من خطاياه ومعاصيه.
القدسية التي يضفيها المسلمون على الكعبة ليس لمجرد كونها بناء حجري، فهي بهذا اللحاظ لا تكاد تختلف عن أي بناء حجري آخر مشابه لها في الهيئة والصورة. القدسية والمكانة أتتها من حيث الجهة التي تنتسب لها، وكذلك من حيث العلة التي استهدفتها تلك الجهة عند تشريع إتيانها والطواف حولها، وبالتالي تجرّد طواف الإنسان حولها عن ذلك الهدف المرجو من الطواف حولها يجعل فعله ودورانه مجرد جهد لا قيمة حقيقة له.
وأيضاً: نحن كأتباع للرسول محمد (صلى الله عليه وآله) نعتقد أنّ القدسية والقيمة المعنوية التي اكتسبتها الكعبة ليست من جهة الأحجار التي تعرّضت للهدم وإعادة البناء والتشييد أكثر من مرة كما هو المعروف تاريخياً، وإنما من جهة أنّ الكعبة شهدت حدثاً مهماً لم ولن يتكرر؛ إذ كانت موضعاً لولادة أعظم خليفة إلهي قدراً وعلماً وعدلاً وطهارة وتوحيداً لله بعد الرسول الأكرم، أعني الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. ونحن إذ عرفنا أنّ واحدة من علل الحج هي أن يعرض المؤمن ولايته ونصرته على إمام زمانه وخليفة الله في أرضه الذي جعل الله طاعته طاعته يكون الطواف حول الكعبة - والحال هذه - طو افاً على ولي الله باعتباره بوصلة وقبلة التوحيد الحقيقي والمدار الذي لا سبيل للسائر إلى الله غير سلوكه واتباعه وانتهاج نهجه، وبالتالي فهو طواف حول التوحيد الخالص لله والعلم والمعرفة الحقيقية؛ طواف حول العدل والنبل والطهر المتجسد في ذلك الخليفة المولود في بطن الكعبة.
سئل السيد أحمد الحسن: "هل هناك سبب لولادة علي عليه السلام في الكعبة؟"، فأجاب: (الكعبة أو بيت الله الحرام إنما هو تجلي وظهور للبيت المعمور الذي وضع في السماء لتطوف عليه الملائكة، وتستغفر عن مجادلتها لله سبحانه وتعالى في أمر خليفته آدم عليه السلام. ولما تعدّى آدم على شجرة علم آل محمد عليهم السلام وشجرة الولاية "وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" [طه: ١١٥ ]، أي على تحمّل الولاية لآل محمد عليهم السلام، أنزل إلى الأرض وأمر بالطواف حول الكعبة ليغفر الله له تقصيره.
ثم إنّ الله شرع الحج إلى بيته الحرام (الكعبة) ليعرض الناس على حجة الله في زمانهم ولايتهم ويعترفوا بالتقصير ويستغفروا عن تقصيرهم في حقه، كما أنّ الله أمر المسلمين أن يجعلوا الكعبة قبلة لهم دون الأمم السابقة حيث كانت القبلة بيت المقدس.
وهنا أمور:
١- الكعبة مرتبطة بالولاية ارتباطاً وثيقاً، حيث جعل الحج إليها للقاء الحجة، وعرض الولاية عليه من الناس والاستغفار عن التقصير في حقه.
٢- الكعبة قبلة الصلاة والسجود لله سبحانه وتعالى، مع أنّ السجود قبلها كان لآدم عليه السلام خليفة الله وحجته، بل إنّ السجود كان للنور الذي في صلبه وهو نور أمير المؤمنين علي عليه السلام، فالقبلة الأولى التي ولّى الملائكة وجوههم شطرها هي علي بن أبي طالب عليه السلام، فالقبلة الحقيقية ليست الكعبة والأحجار، إنما القبلة هي الجوهرة التي ولدتها الكعبة، وهي ولي الله وحجته التامة علي بن أبي طالب عليه السلام، ولهذا وضع الحجر الأسود في ركن الكعبة؛ لأنه كتاب الميثاق الذي أخذه الله على الناس بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. فالذي يتوجه إلى الكعبة يعترف مقهوراً بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بفعله وإن كان كافراً بها بقوله وقلبه، قال تعالى: "وَللَِِّّ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً" [الرعد: ١٥ ]، طوعاً من اعترف بالولاية وكرهاً من لم يعترف بالولاية. .....
ويبقى أنّ القبلة هي ما يُتَوَجه به إلى الله وتَعرِف به الله سبحانه وتعالى، فالقبلة الحقيقية هي الإنسان الكامل، فبه يعرف الله وهو وجه الله سبحانه وتعالى الذي واجه به خلقه، فالتوجه إليه توجه إلى الله. والإنسان الكامل هو علي بن أبي طالب عليه السلام سيد الأوصياء والأولياء، وقد أخرجه الله من الكعبة ليقول للناس إنّ هذا الإنسان هو قبلتكم وإليه حجكم، وليقول الله سبحانه وتعالى إني ما خلقت الكعبة إلا لأجل علي عليه السلام وليولد فيها علي عليه السلام، فلو كان لي ولد لكان الذي ولد في بيتي، "قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ" [الزخرف: ٨١ ].
فمَن الأولى أن يتخذ قبلة؛ الأحجار، أم الذي قدس الأحجار بولادته فيها؟
قال عيسى عليه السلام ما معناه: "أنتم علماء السوء تقولون من حلف بالهيكل لا يلتزم بيمينه ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم بيمينه، فأيما أعظم أيها الجهال العميان؛ الذهب أم الهيكل الذي قدس الذهب") (١).
ثم إذا كانت دول العالم وأغلب شعوب الأرض تفتخر بعمل النصب التذكارية للحرية والسلام والعلم والعلماء وأصحاب العطاء والمو اقف الإنسانية تخليداً لهم ولعطائهم ولا
يستنكر عليهم أحد فعلهم، فما بال المشككين يشكلون على الإسلام ورسوله إحياء معالم القرب الإلهي والعطاء الإنساني الشامخ!
رابعاً: علة استلام الحجر
قلنا سابقاً: إنّ عالمنا الجسماني متصل بعوالم علوية، وما يحصل فيه إنما هو ظهور وتجلي لما يحصل في تلك العوالم، ولا أقل هذا ما نعتقد به وفق ما أخبر به رسل الله ومنهم رسوله الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) والأوصياء من عترته، وبالنسبة للمشككين فإنّ التأكد من صحة ذلك ينحصر بالبحث في إثبات وجود الله وإثبات أحقية رسوله وصدقه، أما عدم اعتقادهم بما نقول فهذا شأنهم ولكن أبداً لا يمنحهم جهلهم بمقاصد شرائع الإسلام الحق بالطعن بها وتسفيهها؛ لأن قناعتهم ليست كل شيء في عالم الوجود ولا أنها المدار الذي يدور الحق معه وجوداً وعدماً.
وفق ما أخبر به خلفاء الله، فإنّ الحجر الأسود في الكعبة يرمز إلى مخلوق تكفل مسألة العهد والميثاق الذي أخذه الله على عباده بولاية سادة حججه على خلقه أعني محمداً وآله الأوصياء صلوات الله عليهم، فالابتداء به وتقبيله وذكر الأدعية المخصوصة عند الوصول إليه في طواف الحج إنما كان لهذا الغرض أي تجديد العهد والولاء لأولياء الله وليس مجرد تقبيل حجر كما توهمه المشكك!
وقد تبيّن ذلك في كلام السيد أحمد الحسن المتقدم، ويقول الإمام الرضا (عليه السلام) أيضاً: (... وعلة استلام الحجر أن الله تبارك وتعالى لما أخذ ميثاق بني آدم التقمه الحجر فمن ثم كلف الناس تعاهد ذلك الميثاق ومن ثم يقال عند الحجر: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالمو افاة) (١).
خامساً: علة السعي
السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله و أفعال الحج، قال تعالى: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَِّّ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ
خَيْراً فَإِنَّ اللََّّ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" [البقرة: ١٥٨ ]، وهو سنّة إلهية جرت منذ عهد إبراهيم وولده إسماعيل وأمه هاجر صلوات الله عليهم، ولا علاقة لوثنيي الجاهلية بها من قريب أو بعيد كما زعم المشككون.
عن معاوية بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إن إبراهيم عليه السلام لما خلف إسماعيل بمكة عطش الصبي وكان فيما بين الصفا والمروة شجر فخرجت أمه حتى قامت على الصفا فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد ثم رجعت إلى الصفا فقالت كذلك حتى صنعت ذلك سبعاً فأجرى الله ذلك سنة فأتاها جبرئيل عليه السلام فقال لها من أنت؟ فقالت أنا أم ولد إبراهيم فقال إلى من وكلكم؟ فقالت أما إذا قلت ذلك فقد قلت له حيث أراد الذهاب يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله تعالى فقال جبرئيل لقد وكلكم إلى كاف قال وكان الناس يتجنبون الممر بمكة لمكان الماء ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم ورجعت من المروة إلى الصبي وقد نبع الماء فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة أن يسيح الماء ولو تركته لكان سيحاً قال فلما رأت الطير الماء حلقت عليه قال فمر ركب من اليمن فلما رأوا الطير حلقت عليه قالوا ما حلقت إلا على ماء فأتوهم ليستقونهم فسقوهم من الماء وأطعموا الركب من الطعام وأجرى الله تعالى لهم بذلك رزقاً فكانت الركب تمر بمكة فيطعمونهم من الطعام ويسقونهم من الماء) (١).
الحج بكل أفعاله يرمز إلى معاني وحقائق كامنة وراء تلك الأفعال والشعائر، فمراد الإسلام ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) ليس أداء مناسك الحج بشكل ظاهري جسدي فحسب، ولكن المراد هو الوصول إلى الحج الحقيقي ونيل رضا الله وتمام مراتب الإيمان والكمال الممكنة للإنسان. وبخصوص السعي، فإنّ تحصيل المقصود منه بالأصالة لا يمكن التوصل إليه بمجرد الجري بين جبلين جسمانيين ودون استحضار الحقائق المحكية بذلك الفعل. نعم، يمكنك تحسس واستشعار حقيقة السعي إن استحضرت أثناء سعيك أنك تسعى بين خوف الله ورجائه، أن تستحضر في قلبك أنّ الجبلين اللذين تسعى بينهما يرمزان إلى وليين عظيمين لله لتكون حركتك وجريك بينهما اعتراف منك بأنك تتحرك ضمن الدائرة المرضية عنده سبحانه، أن تعتبره سعياً نحو الله
والدار الآخرة وتلبية لنداء "أقبل" الصادر من الله في أول الخلق، وبهذا يكون سعيك عبادة وسبيلاً للتقرب إلى الله سبحانه. أما إن كان المنحرفون استعاضوا عن أولياء الله بأصنام نحتوها وصاروا يسعون بينها فهذا خطؤهم هم، وهو عادة أغلب الناس منذ فجر البعثات الإلهية وإلى يوم الناس هذا، فكثير من الناس على طول الخط يقومون بتنصيب وطاعة من لم يأمرهم الله بطاعته ويتركون طاعة من أمرهم الله بطاعته، ولكن هذا لا يفقد الشعيرة الإلهية هدفها والغاية التوحيدية الحقيقية التي شرّعت لأجلها.
سادساً: علة رمي الجمار
رمي الجمرات الثلاث أحد أفعال الحج، الفعل الذي طاله استهزاء المشككين واعتبروه استخفافاً بعقول المسلمين، بالرغم من جهلهم بعلته والقصد منه، "والناس أعداء ما جهلوا" كما يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
سأل علي بن جعفر أخاه الإمام الكاظم (عليه السلام): (قال: سألته عن رمي الجمار لم جعل؟ قال: لأن إبليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم عليه السلام في موضع الجمار فرجمه إبراهيم فجرت السنّة بذلك) (١).
واضح أنّ الهدف من رمي شاخص مشيّد في "منى" ليس رمياً لأسطوانة حجرية فحسب كما ظن المشككون، ولكنه رمي ورجم لإبليس اللعين الذي ظهر لنبي الله إبراهيم (عليه السلام) في الأمكنة الثلاث المخصوصة، وأكيد أنّ إبليس بوساوسه التي يحيكها لابن آدم في دنيا الامتحان يعتبر عائقاً كبيراً للوصول إلى طاعة الله وفعل أوامره واجتناب نواهيه وبالتالي نيل رضاه وجنانه، وبالتالي فرميك له سيكون رمياً بالتبع للهوى والنفس الأمارة بالسوء والأنا وكل العوائق التي يصادفها السائر إلى الله في طريقه المليء بالعثرات، وبهذا يكون الرمي بمثابة إعلان ثورة ورفض لكل العوائق والأنداد التي تحول دون وصولك لله وقربك منه.
وهكذا الحال بالنسبة إلى باقي أفعال الحج التي يطول بنا الكلام إذا ما أردنا بيان عللها وغاياتها التي استهدفها المشرع الحكيم، وجميعها علل وأهداف تلتقي مع مبادئ
الرسالة الإلهية القائمة على عبادة الله وتوحيده ونيل رضاه والتخلّق بأخلاقه التي يدعو إليها رسل الله جميعاً قولاً وفعلاً.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول ما شرّع الصيام على المسلمين إلا من أجل أن يوطّن قلوب ونفوس أتباعه على الجهاد وتحمّل مصاعب وآلام الحروب التي كان ينوي فعلها مستقبلاً مع قريش ومن وقف ضد دعوته، وهذا - بنظرهم - يعني أنّ العبادات التي شرّعها الرسول جاءت لتحاكي البيئة والظروف التي مرّت بها الدعوة الإسلامية ولم تكن بأمر إلهي كما يتصور جميع المسلمين!

١- ما ورد في الشبهة مجرد كلام عبثي وظنون لا دليل قطعي عليها.
٢- الصيام أمر فرعي وجزء من منظومة عبادية متكاملة تضم العديد من العبادات التي بيّن الرسول وأوصياؤه الطاهرون علل وحكم بعضها، وكما تقدم أكثر من مرة فإنّ التحقق من صدق دعوة الرسول الإلهي يتم من خلال النظر في أدلته الأساسية التي احتج بها على الناس وليس من خلال منا قشة أمر جزئي يتوقف العمل به على الاعتقاد بصدق الرسول الإلهي نفسه.
٣- النصوص الدينية القطعية والوثائق التاريخية المتواترة جميعها يؤكد أنّ الرسول كان ينتهج الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يُكره أحداً على الإيمان به والتصديق برسالته. وبالتالي، فلم يكن الرسول رجل عنف وحرب بالأساس كما يوحي بذلك كلام المشككين، لكن هذا لا يعني عدم معرفته بفنون الحرب أو عجزه عن قيادة جيشه نحو الانتصار في المعارك التي اضطر إلى خوضها، بل ما حصل هو العكس - بالرغم من قلة جيشه عدداً وعدة - نتيجة حكمته وحنكته وقدرته على إدارة الأمور في مختلف الظروف بتسديد وتأييد ربّاني، إلا أنها كانت حروباً دفاعية اضطر الرسول لخوض غمارها
دفاعاً عن النفس ورسالة الله المكلف بحفظها، وقد تقدم بحث هذه المسألة بالتفصيل في شبهات المبحث الرابع "حروب الرسول".
ثم إنّ عمر الإسلام الآن يزيد على الأربعة عشر قرناً، لم تخلُ فيه فترة زمنية من وجود الرسول أو من ينوب عنه من أوصيائه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ولا شك أنّ فترة الحرب التي اضطر إليها رسول الإسلام تعد قصيرة جداً قياساً بحالة السلم المهيمنة على عمر الإسلام الطويل، ولم نشهد إلى يوم الناس هذا الذي نعيش فيه تحت ظل إرشادات وتعاليم وصي من أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) أن قام بإيقاف تشريع الصيام لانتفاء الغاية المرجوة منه "الغاية التي توهمها المشككون"، وهذا يعني أنّ غاية الصيام والهدف المرجو منه شيء آخر غير ما توهموه، وهذا الهدف يجري في حالة السلم والحرب على حد سواء.
٤- القول بأنّ تشريع الصيام كان لأجل الاستعداد للجهاد والحروب المستقبلية أمر غير صحيح وجهل بتاريخ الإسلام وتشريعاته، فمن يراجع تاريخ تشريع الصيام يجد أنّ الرسول فرضه على المسلمين بأمر ربه في السنة الثانية للهجرة وهي نفسها السنة التي أذن الرسول في مطلعها بالجهاد دفاعاً عن النفس وسعياً لاسترداد الحقوق المغتصبة من قبل الظالمين والغاصبين، فتشريع الجهاد كان قبل تشريع الصيام بالرغم من أنّ كليهما كان ضمن أحداث السنة الثانية للهجرة (١)، وبالتالي لا معنى لمقولة المشككين أصلاً.
٥- لا شك أنّ الصيام فريضة إلهية، وبالتالي فالمعني ببيان علله وغاياته والسبب من تشريعه هو الله عز وجل ورسوله والأوصياء من عترته (صلوات الله عليهم)، ولا قيمة حقيقية تذكر لكلام غيرهم سوى الوهم والفضول والتطفّل، لا أقل ولا أكثر.
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: ١٨٣ ].
(أي: إنّ الصيام كُتب عليكم رجاء أن تكونوا متقين) (١).
ومعلوم أنّ التقوى: هي الخشية والخوف من الله سبحانه، ولا تحصل إلا بفعل أوامره وترك نواهيه، لذلك فإنّ (التقوى لا تأتي إلا بعد الإيمان، بل ودرجة عالية منه هي اليقين) (٢).
إذن، الصيام ينمّي لدى المؤمن حالة استشعار مر اقبة الله في كل آن، والخشية منه في كل حركة وسكنة تصدر من العبد سواء في السر أو العلن، وبذلك يرتقي حتى يبلغ مرتبة تقوى الله.
وأيضاً: واحدة من علل الصيام الواضحة هي إنماء حالة التكافل الاجتماعي وتقليل الفارق الطبقي المقيت من خلال مواساة الأغنياء والميسورين للفقراء والمساكين وتذكّر حالهم ومعاناتهم التي يسهم صيام شهر رمضان بالإحساس بها بشكل كبير، وهو هدف إنساني واجتماعي نبيل دون شك.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (العلة في الصيام ليستوي به الفقير والغني وذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه فأراد الله أن يسوي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع) (٣).
وأيضاً: ليس الإحساس بالجوع والعطش في الصيام يدفع المؤمن لتذكّر حال الفقراء وحسب، ولكنه يسهم - كذلك - بدفع المؤمن نحو تذكّر آخرته والمو اقف الشديدة التي سيمر بها هناك، إضافة إلى أنّ الصيام يدفع باتجاه التقليل من ضغط الشهوات وكسر شوكتها، والشهوات - كما هو معلوم - تكون في كثير من الأحيان سبباً يحول دون تكامل الإنسان ورقيّه المعنوي.
ممّا كتبه الإمام الرضا (عليه السلام) في بيان علة الصوم أن قال: (لعرفان مس الجوع والعطش ليكون العبد ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً فيكون ذلك دليلاً على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات واعظاً له ما في العاجل دليلاً على الآجل ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة) (١).
وهكذا، يتضح لنا أنّ الأهداف والفوائد المرجوّة من الصيام بشكل أساسي هي ذات طابع تربوي متعدد على المستويين الفردي والاجتماعي، وجميعها يسهم برقي الإنسان وتكامله ونيل خير الآخرة والدنيا. ولا يوجد في قاموس أهداف الصيام الأساسية توطين النفوس على الحروب والقتال.
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ الرسول كان داعياً اشتراكياً يهدف إلى تحقيق العدالة في مجتمعه وليس رسولاً إلهياً، ويستندون في زعمهم إلى أنه تشدد في الزكاة وهي - بحسبهم - ضريبة إلزامية تهدف إلى توزيع الثروات على أفراد المجتمع والقضاء على التفاوت الطبقي السائد فيه آنذاك!

الشبهة باطلة، وذلك يتضح من خلال معرفة ما يلي:
١- الأدلة التي احتج بها الرسول تثبت كونه رسولاً من الله، وما يشرّعه للمؤمنين به على مستوى العبادات والمعاملات إنما هو بوحي من الله، ولا قيمة بعد هذا للشبه والإشكالات والظنون التي يطرحها المشككون.
٢- الاشتراكية بتعريف بسيط لها: نظام يعتمد على المركزية في التخطيط، حيث تكون الحكومة مسؤولة عن جميع قرارات الإنتاج والتوزيع، وقد طورت في أواخر القرنين الثامن والتاسع عشر على يد مجموعة من المفكرين أبرزهم: "روبرت أوين" و"هنري دي
سان سيمون" و"كارل ماركس" و"فلاديمير لينين"، وغيرهم. وبذلك يكون الفرق الجوهري بينها وبين الرأسمالية هو أنّ الأخيرة تعتمد على الملكية الخاصة للأفراد والمؤسسات والسماح لهم بامتلاك وسائل الإنتاج ومنحهم الحق في الاستفادة منها، بينما ترتكز الاشتراكية - كما قلنا - على الملكية العامة والتخطيط الاقتصادي المركزي (١).
وإذا اتضح هذا، فالنظام الاقتصادي الإلهي يختلف عن الاقتصاد الاشتراكي في أوجه كثيرة، منها:
• المرجعية التي يستند لها كل من الطرفين، فبينما تكون "الدولة، الحكومة بالتحديد" مرجعية النظام الاشتراكي، يرتكز النظام الاقتصادي الإلهي على شخص خليفة الله؛ الرجل المعصوم المنصّب من قبل الله لقيادة الناس وهدايتهم.
• الملكية التي تستند عليها الاشتراكية هي الملكية العامة فقط، وقد تسمح بعض النظم الاشتراكية بالملكية الخاصة ضمن حدود ضيقة جداً، في حين يسمح الاقتصاد الإلهي بكلا النحويين ضمن الأطر والقوانين التي يشرّعها خليفة الله ويكون له الإشراف العام والفوقي عليها بما يضمن معه صلاح الناس في الآخرة والدنيا.
• الزكاة والضريبة وإن كانا يمثلان عصب اقتصادي رئيسي وأساسي بالنسبة للدولة الإلهية والدولة الوضعية معاً، لكن هذا لا يعني أنهما متشابهان من كل وجه، ولا أقل فإنّ الزكاة عبادة إلهية يشترط فيها نية القربة لله، وبالتالي فالمؤمن الذي يقوم بدفعها يؤجر ويثاب على فعله، ومثل هذا الأمر غير موجود في دفع الضريبة.
وعموماً، هدف التشريع الإلهي أوسع بكثير من الهدف الذي ترجوه الدولة الاشتراكية - وحتى الرأسمالية - التي تقوم بفرض الضرائب على مواطنيها بغية رفد اقتصادات تلك الدول بعوائد تمكّنها من تنفيذ سياستها وتلبية حاجة مواطنيها في جوانب مهمة كالصحة والتعليم وتوفير الخدمات ونحو ذلك، وهذا الهدف مع اعتر افنا بأهميته لكنه لا يمثل سوى جزء يسير جداً من قصة الإنسان على هذه الأرض.
بحسب ما نعتقد، فإنّ الإنسان مخلوق سماوي بالأصل ووجوده مؤلف من جنبة مادية جسمانية تتمثل بالجسد، وجنبة مثالية تتمثل بالنفس التي هي أدنى مراتب الروح، وبهذه التركيبة "السماوية - الأرضية" وطأت قدماه هذا العالم الجسماني الذي نحن فيه لغرض الامتحان، وبالتالي فالتركيز على جانب الجسد عند التأسيس لنظام اقتصادي يليق بالإنسان لا يصح قصره على جانبه الجسدي وإغفال تلبية جزء آخر أساسي منه - إن لم يكن هو الأهم - وهو جانبه النفسي والروحي.
رسل الله لم يغفلوا كلتا الجنبتين وهم يضعون أسس الاقتصاد المرضي عند الله "خالق الانسان"، ولهذا لم يكتفِ الرسول بفرض واجب مالي على المؤمنين به بعنوان ضريبة تهدف بالنتيجة إلى تمكين الدولة من سد حاجات الناس الجسدية (كما تفعله جميع الدول)، و إنما فرض الواجب المالي - بأمر الله - بعنوان زكاة وعبادة مالية تسهم بتطهير نفس المزكّي وروحه ومن ثم حصوله على الكمال والرقي المعنوي قبل أن تكون زكاته سبباً في تمكين الدولة الإلهية من سد حاجة سائر أفراد المجتمع؛ وخصوصاً الفقراء والمساكين منهم.
قال تعالى: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَُّّ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [التوبة: ١٠٣ ].
![]()
يزعم بعض المشككين أنّ بعض تشريعات الإسلام التي شرّعها الرسول شابهت تشريعات اليهود، فبعد أن كانت الصلاة مرتين في مكة أصبحت ثلاث أوقات في المدينة وهو مشابه لما عند اليهود، وأيضاً: حصلت المشابهة في صيام يوم عاشوراء. وهذا - بحسبهم - يكشف عن أنّ الإسلام لم يأتِ بجديد وإنما هو استنساخ لشرائع سابقة!

١- على فرض وجود مشابهة بين بعض تشريعات الإسلام وبعض التشريعات الموجودة عند اليهود (أو المسيحيين) في مسألة ما كعدد مرات الصلاة في اليوم مثلاً (ولا
أقول في كيفيتها؛ لأن كيفية الصلاة عند المسلمين تختلف بكل تأكيد)، أقول: على فرض وجود هكذا شبه فهو لا ينفي رسالة ونبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) عن الله، إن لم تكن دلالتها - أعني المشابهة - على العكس أوضح؛ باعتبار أنّ محمداً وموسى وعيسى (صلوات الله عليهم) رسل الله ويستقون جميعاً من وحي الله. وأما إثبات نبوة ورسالة كلٌّ منهم في وقته فهو مرهون بأدلة صدقه في دعواه التي احتج بها على الناس، وعمدتها - كما عرفنا سابقاً - لا يخرج عن الاحتجاج بقانون معرفة رسل الله المؤلف من: (النص والعلم والدعوة الله)، إضافة إلى اتصافهم بمكارم الاخلاق وتأييدهم بالمعاجز إن شاء الله وأتت، كما تقدم بيانه.
٢- بالنسبة إلى مسألة صيام يوم عاشوراء، فاليهود ليس لديهم شهر اسمه "محرم" كما عند المسلمين، وإنما هم يصومون يوم العاشر من الشهر السابع العبري الذي يحمل اسم "تشري"، ويعتبرونه اليوم الوحيد الذي يجب عليهم صيامه (١).
وأما صيامه عند المسلمين، فهو وارد في طرق المخالفين لأوصياء الرسول، ومن ذلك ما رواه مسلم بسنده: (عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اليوم الذي تصومونه فقالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر بصيامه) (٢).
وأيضاً: روى البخاري بسنده: (عن عائشة رضي الله عنها قالت كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما نزل رمضان كان من شاء صامه ومن شاء لا يصومه) (٣).
ونحن نعتقد أنّ صيام عاشوراء تبرّكاً ليس من سنّة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنما هو أمر سنّه المخالفون لرسول الله وأوصيائه (صلوات الله عليهم) وخصوصاً الاموين منهم؛ تبركاً منهم بما فعله خليفتهم المجرم يزيد بن معاوية وقتله سبط الرسول وريحانته وولده الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في كربلاء في العاشر من محرم الحرام سنة ٦١ ه، وبالتالي فالتبرك بصيام هذا اليوم هو إحياء لسنّة الأمويين الخبيثة وليس إحياءً لسنة الرسول ودينه الإلهي.
وهذه نماذج من روايات أوصياء الرسول:
(نجبة بن الحارث العطار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن صوم يوم عاشورا، فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان والمتروك بدعة، قال نجبة فسألت أبا عبد الله عليه السلام من بعد أبيه عليه السلام عن ذلك فأجابني بمثل جواب أبيه، ثم قال: أما إنه صوم يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما) (١).
(حدثني جعفر بن عيسى أخوه قال: سألت الرضا عليه السلام عن صوم عاشورا وما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني، ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين عليه السلام وهو يوم يتشأم به آل محمد صلى الله عليه وآله ويتشأم به أهل الاسلام واليوم الذي يتشأم به أهل الاسلام لا يصام ولا يتبرك به ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله عز وجل فيه نبيه وما أصيب آل محمد إلا في يوم الاثنين فتشأمنا به وتبرك به عدونا ويوم عاشورا قتل الحسين صلوات الله عليه وتبرك به ابن مرجانة وتشأم به آل محمد صلى الله عليهم، فمن صامهما أو تبرك بهما لقى الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب وكان حشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما) (٢).